فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (ولا يَجُوز نَقْلُها إلى بَلَدٍ تُقْصَرُ إليه الصلاةُ، فإن فَعَل، فهل تُجْزِئُه؟ على رِوايَتَيْن) قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِل عن الزكاةِ يُبْعَت بها مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ؟ قال: لا.

٦٬٦٣٧

قِيلَ: وإن كان قَرابَتُه بها؟ قال: لا. واسْتَحَبَّ أكْثَرُ أهلِ العلمِ أن لا تُنْقَلَ مِن بَلَدِها ورُوِىَ عن الحسنِ، والنَّخَعِىِّ أنَهما كَرِها نَقْلَ الزكاةِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، إلَّا لذى قرابَةٍ . وكان أبو العالِيَةِ يَبْعَثُ بزَكاتِه إلى المَدِينَة. ولَنا، قَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعاذٍ:«أخْبِرْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ». وهذا يَخْتَصُّ فُقَراءَ بَلَدِهم.

٦٬٦٣٨

وقال سَعِيدٌ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيه،

٦٬٦٣٩

قال في كِتابِ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ: مَن أخْرَجَ مِن مِخْلافٍ إلى مِخْلافٍ،

٦٬٦٤٠

فإنَّ صَدَقَتَه وعُشْرَه تُرَدُّ إلى مِخْلافِه. ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، أنه رَدَّ زكاةً أُتِى بها مِن خُراسانَ إلى الشّامِ، إلى خُراسانَ .

تعليق

ولَمّا بَعَث مُعاذٌ الصَّدَقَةَ مِن اليَمَنِ إلى عُمَرَ، أنْكَرَ ذلك عُمَرُ،

٦٬٦٤١

وقال: لم أبْعَثْك جابِيًا، ولا آخِذَ جِزْيةٍ، ولكنْ بَعَثْتُك لتَأْخُذَ مِن أغْنِياءِ النّاسِ، فتَرُدَّ في فُقَرائِهم. فقال مُعاذٌ: ما بَعَثْتُ إليك بشئٍ وأنا أجِدُ مَن يأْخُذُه مِنِّى. رَواه أبو عُبَيْدٍ في «الأمْوالِ». ورُوِىَ أيضًا عن إبراهيمَ بنِ عَطاءٍ مَوْلَى عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، أنَّ زِيادًا، أو بعضَ الأُمَراءِ بَعَث عِمْرانَ على الصَّدَقَةِ، فلَمَّا رَجَع قال: أين المالُ؟ قال: أللمالِ بَعَثْتَنِى؟ أخَذْناها مِن حيث كُنّا نأْخُذُها على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ووَضَعْناها حيث كُنّا نَضَعُها على عهدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- .

ولأنَّ المَقْصُودَ إغْناءُ الفُقَراءِ بها،

٦٬٦٤٢

فإذا أُبَحْنا نَقْلَها أفْضَى إلى بقاءِ فُقَراءِ أهلِ ذلك البَلَدِ مُحْتاجِين.

٦٬٦٤٣

فإن خالَفَ ونَقَل، ففيه رِوايَتان، إحْداهما، تجْزِئُه. وهو قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ. واخْتارَها أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه دَفَع الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فبَرِئَ، كالدَّيْنِ، وكما لو فَرَّقَها في بَلَدِها. والأُخْرَى، لا تُجْزِئُه. اخْتارَها ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه دَفَع الزكاةَ إلى غيرِ مَن أُمِر بدَفْعِها إليه، أشْبَهَ ما لو دَفَعَها إلى غيرِ الأصْنافِ.

٦٬٦٤٤

فصل: فإنِ اسْتَغْنَى عنها فُقَراءُ أهلِ بَلَدِها جاز نَقْلُها. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: قد تُحْمَلُ الصَّدَقَةُ إلى الإِمامِ إذا لم يكنْ فُقَراءُ، أو كان فيها فَضْلٌ عن حاجَتِهمِ.

٦٬٦٤٥

وقال أيضًا: لا تُخْرَج صَدَقَةُ قَوْمٍ عنهم مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، إلَّا أن يكون فيها فَضْلٌ، لكنَّ الذى كان يَجِئُ إلى المَدِينَةِ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبى بكرٍ وعُمَرَ مِن الصَّدَقَةِ، إنَّما كان عن فَضْلٍ منهم، يُعْطَوْن ما يَكْفِيهم، ويُخْرَجُ الفَضْلُ عنهم. وروَى أبو عُبَيْدٍ في كِتابِ «الأمْوالِ» بإسْنادِه، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، أن مُعاذًا لم يَزَلْ بالجَنَدِ ، إذ بَعَثَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى ماتَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم قَدِم على عُمَرَ، فرَدَّه على ما كان عليه، فبَعَثَ إليه مُعاذٌ بثُلُثِ صَدَقَةِ الناسِ، فأنْكَرَ ذلك عُمَرُ،

٦٬٦٤٦

وقال: لم أبْعَثْك جابِيًا، ولا آخِذَ جِزْيَةٍ، لكنْ بَعَثْتُك لتَأْخُذَ مِن أغْنِياءِ الناسِ، فتَرُدَّها على فُقَرائِهم. فقال مُعاذٌ: ما بَعَثْتُ إليك بشئٍ وأنا أجِدُ مَن يَأْخُذُه مِنِّى. فلمّا كان العامُ الثانى، بَعَث إليه بشَطْرِ الصَّدَقَةِ، فتَراجَعا بمثلِ ذلك، فلمّا كان العامُ الثالِثُ بَعَث إليه بها كلِّها، فرَاجَعَه عُمَرُ بمثلِ ما راجَعَه، فقال مُعاذٌ: ما وَجَدْتُ أحَدًا يَأخُذُ مِنِّى شَيئًا.

٦٬٦٤٧

وكذلك إذا كان ببادِيَةٍ، ولم يَجِدْ مَن يَدْفَعُها إليه، فَرَّقَها على فُقَراءِ أقْرَبِ البِلادِ إليه.

فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُفَرِّقَ الصَّدَقَةَ في بَلَدِها، ثم الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِن القُرَى والبُلْدانِ. قال أحمدُ، في رِوايَة صالِحٍ: لا بَأْسَ أن يُعْطِىَ زَكاتَه في القُرَى التى حَوْلَه ما لم تُقْصَرِ الصلاةُ في إتْيانِها، ويَبْدَأُ بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ.

٦٬٦٤٨

فإن نَقَلَها إلى البَعِيدِ لتَحَرِّى قَرابَةٍ، أو مَن كان أشَدَّ حاجَةً فلا بَأْسَ، ما لم يُجاوِزْ مَسافَةَ القَصْرِ. ٩٨٠ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ:«أَخْبِرْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ إلى فُقَرَائِهِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

٦٬٣٤٧

وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِي كِتَابِ مُعَاذٍ: «مَنْ أَخْرَجَ مِنْ مِخْلَافٍ إِلَى مِخْلَافٍ، فَإِنَّ صَدَقَتَهُ وَعُشْرَهُ تُرَدُّ إِلَى مِخْلَافِهِ» وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَابْنُ الْبَنَّا: يُكْرَهُ،

٦٬٣٤٨

وَعَنْهُ: يَجُوزُ نَقْلُهَا إِلَى الثَّغْرِ،

٦٬٣٤٩

وَعَنْهُ: وَغَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ: الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِرَحِمٍ وَشِدَّةِ حَاجَةٍ أَوْ لَا. وَالسَّاعِي وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَنَقْلُهَا إِلَى دُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ بَلَدٍ وَاحِدٍ، بِدَلِيلِ أَحْكَامِ رُخَصِ السَّفَرِ

الإنصافالمرداوي

ولا يجُوزُ نَقْلُها إلى بَلَدٍ تُقْصَرُ إليه الصَّلاةُ. هذا المذهبُ. قالَه المُصَنِّفُ وغيرُه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المَعْروفُ فى النَّقْلِ. يعْنِى، أنَّه يَحْرُمُ، وسَواءٌ فى ذلك نقَلَها لرَحِم أو شِدَّةِ حاجَةٍ أو لا. نصَّ عليه.

١١٬٥٩٩

وقال القاضى فى «تَعْلِيقِه»، و «رِوَايَتَيْه»، و «جَامِعِه الصَّغِيرِ»، وابنُ البَنَّا: يُكْرَهُ نَقْلُها مِن غيرِ تَحْريمٍ. ونقَل بَكْرُ بنُ محمدٍ، لا يُعْجِبُنِى ذلك.

١١٬٦٠٠

وعنه، يجوزُ نَقْلُها إلى الثَّغْرِ. وعلَّلَه القاضى بأنَّ مُرابَطَةَ الغازِى بالثَّغْرِ قد تَطُولُ، ولا يُمْكِنُه المُفارَقَةُ.

١١٬٦٠١

وعنه، يجوزُ نقْلُها إلى الثَّغْرِ وغيرِه، مع رُجْحانِ الحاجَةِ.

١١٬٦٠٢

قال فى «الفائقِ»: وقيلَ: تُنْقَلُ لمَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، كقَرِيبٍ مُحْتاجٍ ونحوِه. وهو المُخْتارُ. انتهى. واخْتاره الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ،

١١٬٦٠٣

وقال: يُقَيَّدُ ذلك بمَسِيرَةِ يَوْمَيْن، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وتحْديدُ المَنْعِ مِن نقْلِ الزَّكاةِ بمَسافَةِ القَصْرِ ليس عليه دَليلٌ شَرْعِىٌّ. وجعَل مَحَلَّ ذْلك الأَقاليمَ؛ فلا تُنْقَلُ الزَّكاةُ مِن إقْلِيمٍ إلى إقْليمٍ، وتنْقَلُ إلى نَواحِى الإِقْليمِ،

١١٬٦٠٤

وإنْ كان أكْثرَ مِن يَوْمَيْن. انتهى. واخْتارَ الآجُرِّىُّ جَوازَ نقْلِها للقَرابَةِ.

١١٬٦٠٥

تنبيه: مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ، جَوازُ نقْلِها إلى ما دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ، وهو صَحيحٌ، وهو المذهبُ. نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.

١١٬٦٠٦

وقال فى «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ احْتِمالٌ. يعْنِى بالمَنْعِ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (ولا يجوز نقلها إلى بلد تقصر إليه الصلاة، فإن فعل فهل تجزئه؟ على روايتين. إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيفرقها في أقرب البلاد إليه) .

٣٬٥١٣

أما كون نقل الصدقة إلى بلد تقصر إليه الصلاة لا يجوز فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ:«أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم».

وجه الحجة: أن الضمير في أغنيائهم عائد إلى أهل اليمن فكذلك الضمير في فقرائهم وذلك يقتضي أن لا ينقل إلى غيرهم.

٣٬٥١٤

فإن قيل: الحديث لا يقتضي منع النقل إلى بعض بلاد اليمن فلا يتم المقصود؟

قيل: إذا ثبت أنه لا يجوز النقل إلى غير اليمن ثبت أنه لا يجوز النقل إلى بلد بعيد من موضع وجوب الزكاة من بلد اليمن لعدم القائل بالفرق.

٣٬٥١٥

وأما كون من فعل ذلك وفي بلد الزكاة فقراء يجزئه على روايةٍ وهي اختيار أبي الخطاب فلقوله تعالى:{إنما الصدقات للفقراء} والمدفوع إليهم فقراء.

٣٬٥١٦

وأما كونه لا يجزئه على روايةٍ فلأنه حق واجب لأصناف بلد فلم يجز إعطاؤه لغيرهم كالوصية لأصناف بلد.

٣٬٥١٧

وأما كون من فعل ذلك ولا فقراء في بلد الزكاة يجزئه فلما روي «أن معاذاً بعث إلى عمر صدقة من اليمن فأنكر عمر ذلك وقال: لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزية ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد في فقرائهم فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحداً يأخذه مني» رواه أبو عبيد في الأموال.

٣٬٥١٨

وأما كون الزكاة فيما ذكر يفرق في فقراء أقرب البلاد إليه فلأنهم أولى وأقرب.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.