وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهُ وَلَمْ يَجِبْ وَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَأَرْجَاهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَيَدْعُو فِيهَا
الشروح عليها
مسألة: (ومَن شَرَع في صومٍ أو صلاةٍ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ له إتْمامُه، ولا يَلْزَمُه، فإن أفْسَدَه فلا قَضاءَ عليه) لِما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، أنَّهما أَصْبَحا صائِمَيْن، ثمَّ أفْطَرا.
وقال ابنُ عُمَرَ: لا بَأْسَ به، ما لم يَكُنْ نَذْرًا، أو قَضاءَ رمضانَ.
وقال ابنُ عباسٍ: إذا صام الرجلُ تَطَوُّعًا، ثمَّ شاء أن يَقْطَعَه، قَطَعَه،
وإذا دَخَل في صلاةٍ تَطَوُّعًا، ثمَّ شاء أن يَقْطَعَها، قَطَعَهَا .
وقال ابنُ مسعودٍ: متى أَصْبَحْتَ تُرِيدُ الصومَ، فأَنت على خَيْرِ النَّظَرَيْن، إن شِئْتَ صُمْتَ،
وإن شِئْتَ أَفْطَرْتَ . هذا قَوْلُ أحمدَ، والثَّوْرِىِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. وقد روَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، إذا أجْمَعَ على الصِّيامِ، فأوْجَبَه على نَفْسِه، فأَفْطَرَ مِن غيرِ عُذْرٍ، أعادَ ذلك اليَوْمَ. وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه اسْتَحَبَّ ذلك، أو نَذَرَه؛ ليَكُونَ موافِقًا لسائِرِ الرِّواياتِ عنه.
وقال النَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ فيه، ولا يَخْرُجُ منه إلَّا بعُذْرٍ،
فإن خَرَج قَضَى. وعن مالكٍ، لا قَضاءَ عليه. واحْتَجَّ مَن أوْجَبَ القَضاءَ بما رُوِىَ عن عائِشَةَ، أنَّها قالت: أَصْبَحْتُ أنا وحَفْصَةُ صائِمَتَيْن مُتَطَوِّعَتَيْن، فأُهْدِىَ لنا حَيْسٌ ، فأفْطَرْنا، ثمَّ سَأَلْنا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ:«اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ». ولأنَّها عِبادَةٌ تَلْزَمُ بالنَّذْرِ، فلَزِمَتْ بالشُّرُوعِ فيها، كالحَجِّ والعُمْرَةِ. ولَنا، ما روَى مسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ ، عن عِائِشَةَ، قالت: دَخَل علىَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا، فقالَ:«هَلْ عِنْدَكُمْ شَىْءٌ».
فقُلْتُ: لا. قال:«فَإِنِّى صَائِمٌ». ثمَّ مَرَّ بى بعدَ ذلك اليومِ وقد أُهْدِىَ لنا حَيْسٌ، فخَبَأْتُ له منه، وكان يُحِبُّ الحَيْسَ.
قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّه أُهْدِىَ لنا حَيْسٌ، فخَبَأْتُ لك منه، قال:«أَدْنِيهِ، أَمَا إنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ وَأَنَا صَائِمٌ». فأَكَلَ منه. ثمَّ قال:«إنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ؛ فَإنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإنْ شَاءَ حَبَسَهَا». هذا لَفْظُ رِوايَةِ النَّسَائِىِّ، وهو أَتَمُّ مِن غَيْرِه. ورَوَتْ أمُّ هانِئٍ، قالت: دَخَلْتُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأُتِىَ بشَرابٍ، فناوَلَنِيه فشَرِبْتُ منه، ثم
قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ لقد أفْطَرْتُ وكُنْتُ صائِمَةً. فقالَ لها:«أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا؟». قالت: لا. قال:«فَلَا يَضُرُّكِ إنْ كَانَ تَطَوُّعًا». رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ ، والأثْرَمُ. وفى لَفْظٍ،
قالت: قُلْتُ: إنِّى صائِمَةٌ. فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ المُتَطَوِّعَ أمِيرُ نَفْسِهِ، فَإنْ شِئْتِ فَصُومِى، وَإنْ شِئْتِ فَأَفْطِرِى». ولأَنَّ كلَّ صَوْمٍ لو أَتَمَّه كان تَطَوُّعًا، إذا خَرَج منه لم يَجِبْ قَضاؤُه، كما لو اعْتَقَدَ أنّه مِن رمضانَ، فبانَ مِن شعبانَ.
فأمّا خَبَرُهم، فقالَ أبو داودَ: لا يَثْبُتُ.
وقال التِّرْمِذِىُّ: فيه مَقالٌ. وضَعَّفَه الجُوزْجانِىُّ وغيرُه، ثم هو مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ له إتمامُه،
وإن خَرَج منه اسْتُحِبَّ قَضاؤُه؛ للخُرُوجِ مِن الخِلافِ، وعَمَلًا بالخَبَرِ الذى رَوَوْه. فصل: وسائِرُ النَّوافِلِ مِن الأعْمالِ حُكْمُها حُكْمُ الصِّيامِ، في أنَّها لا تَلْزَمُ بالشُّرُوعِ،
ولا يَجِبُ قَضاؤُها إذا أَفْسَدَها، إلَّا الحَجَّ والعُمْرَةَ، فإنَّهُما يُخالِفان سائِرَ العِباداتِ في هذا؛ لتَأكُّدِ إحْرامِهما، ولا يَخْرُجُ منهما بإفْسادِهِما،
ولو اعْتَقَدَ أنَّهُما واجِبان، ولم يَكُونا واجِبَيْن، لم يَكُنْ له الخُرُوجُ منهما. وقد رُوِىَ عن أحمدَ في الصلاةِ ما يَدُلُّ على أنَّها تَلْزَمُ بالشُّروعِ. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبِى عبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يُصْبِحُ صائِمًا مُتَطَوِّعًا، أَيَكُونُ بالخيارِ؟ والرجلُ يَدْخُلُ في الصلاةِ أله أن يَقْطَعَها؟ قال: الصلاةُ أشَدُّ،
أمَّا الصلاةُ فلا يَقْطَعُها.
قِيلَ له: فإن قَطَعَها قَضاها؟ قال: إن قَضَاهَا فليس فيه اخْتِلافٌ. ومالَ أبو إسحاقَ الجُوزْجانِيُّ إلى هذا القولِ،
وقال: الصلاةُ ذاتُ إِحْرامٍ وإحْلالٍ، فلَزِمَتْ بالشُّرُوعِ فيها، كالحَجِّ. وأكثرُ أصحابِنا على أنَّها لا تَلْزَمُ أيْضًا. وهو قولُ ابنِ عباسٍ؛ لأنَّ ما جاز تَرْكُ جَمِيعِه جاز تَرْكُ بعضِه، كالصَّدَقَةِ. والحَجُّ والعُمْرَةُ يُخالِفان غيرَهما بما ذَكَرْنا.
فصل: فإن دَخَل في صومٍ واجِبٍ؛ كقَضاءِ رمضانَ، أو نَذْرٍ مُعَيَّنٍ، أو مُطْلَقٍ، أو صِيامِ كَفّارَةٍ، لمِ يَجُزْ له الخُروجُ منه؛ لأنَّ المُتَعَيِّنَ وَجَب الدُّخُولُ فيه، وغيرَ المُتَعَيِّنِ تَعَيَّنَ بدُخُولِه فيه، فصارَ بمَنْزِلَةِ المُتَعَيِّنِ. وهذا لا خِلافَ فيه بحَمْدِ اللهِ.
١١٠٤ - مسألة: (وتُطْلَبُ لَيْلَةُ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ، ولَيالِى الوِتْرِ آكَدُها) لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةٌ شَرِيفَةٌ مُبارَكَةٌ مُعَظَّمَةٌ مُفَضَّلَةٌ، قال اللهُ تعالى:{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}. قِيلَ: مَعْناه، العَمَلُ فيها خَيْرٌ مِن العَمَلِ في أَلْفِ شَهْرٍ ليس فيها لَيْلَةُ القَدْرِ.
وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». مُتَّفَقٌ عليه . قِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لأَنَّه يُقَدَّرُ فيها ما يَكُونُ في تلك السَّنَةِ مِن خَيْرٍ ومُصِيبَةٍ، ورِزْقٍ وبَرَكَةٍ. يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ. قال اللهُ تعالى:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}. وسَمّاها مُبارَكَةً، فقال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}. وهي لَيْلَةُ القَدْرِ؛ بدَلِيلِ قَوْلِه سبحانه:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}.
وقال تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}. يُرْوَى أنَّ جِبْرِيلَ نَزَل به مِن بَيْتِ العِزّةِ إلى سَماءِ الدُّنْيَا في لَيْلَةِ القَدْرِ، ثمَّ نَزَل به على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - نُجُومًا في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً . وهي باقِيَةٌ لم تُرْفَعْ؛ لِما روَى أبو ذَرٍّ،
قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، لَيْلَةُ القَدْرِ رُفِعَتْ مع الأَنْبِياءِ، أو هى باقيَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ فقالَ:«بَاقِيَةٌ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
قُلْتُ: في رمضانَ أو في غيرِه؟ قال:«في رَمَضَانَ». فقُلْتُ: في العَشْرِ الأوَّلِ، أو الثانِي، أو الآخِرِ؟ فقالَ:«فِي العَشْرِ الآخِرِ». وأكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ على أَنَّها في رمضانَ، وكان ابنُ مسعودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الحَوْلَ يُصِبْها. يُشِيرُ إلى أنَّها في السَّنَةِ كُلِّها.
وفي كتابِ اللهِ تعالى ما يُبَيِّنُ أنَّها في رمضانَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَخْبَرَ أنَّه أَنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، وأَنَّه أَنْزَلَه في رمضانَ، فيَجبُ أن تَكُونَ في رمضانَ، لئَلَّا يَتَناقَضَ الخَبَران، ولأَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَر أَنَّها في رمضانَ في حَدِيثِ أبى ذَرٍّ، وقال:«الْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي كُلِّ وِتْرٍ». مُتَّفَقٌ عليه .
وقال أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ: واللهِ لقد عَلِم ابنُ مسعودٍ أنَّها في رمضانَ، ولكِنَّه كَرِهَ أن يُخْبِرَكُم، فَتَتَّكِلُوا. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ طَلَبُها في جَمِيعِ لَيالِى رمضانَ،
وفي العَشْرِ الأَواخِرِ آكَدُ، وفي لَيالِى الوِتْرِ آكَدُ. قال أحمدُ: في العَشْرِ الأواخِرِ، في وِتْرٍ مِن اللَّيالِى، لا يُخْطِئُ إن شاء اللهُ. كذا رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:«اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ، أَوْ سَبْعٍ بَقِينَ، أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ». وروَى سالِمٌ عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَواخِرِ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي الوِتْرِ مِنْهَا».
مُتَّفَقٌ عليه . وقالت عائِشَةُ: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُجاوِرُ في الْعَشْرِ الأَواخِرِ مِن رمضانَ .
وفي لَفْظٍ للبُخارِىِّ:«تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ، فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ». والأَحادِيثُ في ذلك كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ.
١١٠٥ - مسألة: (وأرْجاها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين) اخْتَلَفَ أهلُ العِلْمِ في أرْجَى هذه اللَّيالِى، فقالَ أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ، وعبدُ اللهِ ابنُ عباسٍ: هى لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين.
قال زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ: قُلْتُ لأُبَىِّ ابنِ كَعْبٍ: أما عَلِمْتَ أبا المُنْذِرِ، أَنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ؟ قال: أخْبَرَنَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّها لَيْلَةٌ صَبِيحَتَها تَطْلُعُ الشمسُ ليس لها شُعاعٌ. فعَدَدْنا، وحَفِظْنا، واللهِ لقد عَلِم ابنُ مسعودٍ أنَّها في رمضانَ، وأنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين، ولَكنَّه كَرِهَ أن يُخْبِرَكُم، فَتَتَّكِلُوا. قال التِّرْمِذِىُّ : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وروَى أبو ذَرٍّ في حَدِيثٍ أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَقُمْ بهم في رمضانَ حتىِ بَقِىَ سَبْعٌ، فقامَ بهم حتى مَضَى نَحْوٌ مِن ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثمَّ قام بهم في لَيْلَةِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ حتى مَضَى نحوٌ مِن شَطْرِ اللَّيْلِ، حتى كانت لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، فجَمَعَ نِساءَه وأَهْلَه، واجْتَمَعَ الناسُ، قال: فقامَ بهم حتى خَشِينَا أن يَفُوتَنا الفَلاحُ.
يَعْنِي السَّحُورَ. مُتَّفَقٌ عليه . وحُكِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: سُورَةُ القَدْرِ ثَلاثُون كَلِمَةً، السّابِعَةُ والعِشْرُون منها {هِيَ}. وروَى أبو دَاوُدَ بإسْنادِه، عن مُعاوِيَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، في لَيْلَةِ القَدْرِ، قال:«لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».
وقِيلَ: آكَدُها لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِين؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ عبدَ اللهِ بنَ أُنَيْسٍ سَأَلَه، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أكُونُ ببادِيَةٍ يُقالُ لها الوَطَاةُ ، وإنِّى بحَمْدِ اللهِ أُصَلِّى بهم، فمُرْنِي بلَيْلَةٍ مِن هذا الشَّهْرِ أنْزِلُها في المَسْجِدِ، فأُصَلِّيها فيه. فقال:«انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَصَلِّهَا فِيهِ، وإنْ أحْبَبْتَ أنْ تَسْتَتِمَّ آخِرَ هذا الشَّهْرِ فَافْعَلْ، وَإنْ أَحْبَبْتَ فَكُفَّ». فكانَ إذا صَلَّى العَصْرَ دَخَل المَسْجِدَ، فلم يَخْرُجْ إلَّا في حاجَةٍ، حتى يُصَلِّىَ الصُّبْحَ،
فإذا صَلَّى الصُّبْحَ كانت دابَّتُه ببابِ المَسْجدِ. رَواه أبو داودَ مُخْتَصَرًا .
وقِيلَ: آكَدُها لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وعِشْرِين؛ لأَنَّه رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِن السَّبْعِ الأوَاخِرِ». ورُوِىَ عن بعضِ الصحابَةِ أنَّه قال: لم نَكُنْ نَعُدُّ عَدَدَكُم هذا، وإنَّما نَعُدُّ مِن آخِرِ الشَّهْرِ. يَعْنِي أنَّ السابِعَةَ والعِشْرِينَ هى أوَّلُ لَيْلَةٍ مِن السَّبْعِ الأواخِرِ.
وقيل: آكَدُها لَيْلَةُ إحْدَى وعِشْرِين؛ لِما روَى أبو سَعِيدٍ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثمَّ أُنْسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي الْوِتْرِ، وَإنِّى رَأَيْتُ أنِّى أَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ». قال: فجاءَتْ سَحَابَةٌ، فمَطَرَتْ حتى سال سَقْفُ المَسْجِدِ، وكان مِن جَرِيدِ النَّخْلِ، فأُقِيمَتِ الصلاةُ، فرَأَيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْجُدُ في الماءِ والطِّينِ، حتى رَأَيْتُ أثَرَ الماءِ والطِّينِ في جَبْهَتِه.
وفي حَدِيثٍ:«فِي صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ». مُتَّفَقٌ عليه . قال التِّرْمِذِىُّ : قد رُوِىَ أنَّها لَيْلَةُ إِحْدَى وعِشْرِينَ، وليلةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وليلةُ خَمْسٍ وعِشْرِين، ولَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين، وليلةُ تِسْعٍ وعِشْرِين، وآخِرُ ليلةٍ.
وقال أبو قِلابَةَ: إنَّها تَنْتَقِلُ في لَيالِى العَشْرِ. قال الشافعىُّ: كان هذا عِنْدِى، واللهُ أعْلَمُ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُجِيبُ على نَحْوِ ما يُسْأَلُ. فعلى هذا كانَتْ في السَّنَةِ التي رَأَى أبو سعيدٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْجُدُ في الماءِ والطِّينِ ليلةَ إحْدَى وعِشْرِين،
وفي السَّنَةِ التي أمَر عبدَ اللهِ بنَ أُنَيْسٍ ليلةَ ثَلاثٍ وعِشْرِين،
وفي السَّنَةِ التي رَأَى أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ عَلامَتَها، ليلةَ سَبْعٍ وعِشْرِين، وقد تُرى عَلامَتُها في غيرِ هذه اللَّيالِى. قال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: أبْهَمَ اللهُ هَذه الليلةَ على الأُمَّةِ؛ ليَجْتَهِدُوا في طَلَبِها، ويَجِدُّوا في العِبادَةِ في الشَّهْرِ كُلِّه، طَمَعًا في إدْراكِها، كما أَخْفَى ساعَةَ الإِجابَةِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ ليُكْثِرُوا مِن الدُّعاءِ في اليَوْمِ كُلِّه، وأخْفَى اسْمَه الأعْظَمَ في الأسْماءِ، ورِضاه في الطّاعاتِ؛ ليَجْتَهِدُوا في جَمِيعِها، وأخْفَى الأَجَلَ وقِيامَ السّاعَةِ، ليَجِدَّ الناسُ في العَمَلِ، حَذَرًا منها.
فصل: والمَشْهُورُ مِن عَلامَتِها ما ذَكَرَه أُبَىُّ بنُ كعبٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِن صَبِيحَتِهَا بَيْضَاءَ لا شُعَاعَ لها.
وفي بَعْضِ الأحادِيثِ:«بَيْضَاءَ مِثْلَ الطَّسْتِ». ورُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّها لَيْلَةٌ بَلْجَةٌ سَمْحَةٌ، لا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ صَبِيحَتِهَا لَا شُعَاعَ لَهَا . ١١٠٦ -
مسألة: ويُسْتَحَبُّ أن يَجْتَهِدَ فيها في الدُّعاءِ (ويَدْعُوَ فيها بما رُوِىَ عن عائِشةَ، أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، إن وافَقْتُها بِمَ أَدْعُو؟ قال: «قُولِى: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي» )
(وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهُ) ؛ لِأَنَّ بِهِ تَكْمُلُ الْعِبَادَةُ، وَذَلِكَ مَطْلُوبٌ، (وَلَمْ يَجِبْ) «لِقَوْلِ عَائِشَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فَأَكَلَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْخَمْسَةُ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ:«إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ التطَوِّعَاتِ كَهُوَ وَكَالْوُضُوءِ،
وَإِنْ أَفْسَدَهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَتْبَعُ الْمَقْضِيَّ عَنْهُ،
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ، وَاجِبًا لَمْ يَكُنِ الْقَضَاءُ وَاجِبًا بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَقَوْلُهُ: تَطَوُّعًا. يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا إِذَا دَخَلَ فِي وَاجِبٍ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَالْمَكْتُوبَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَكَنَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ أَوْ كَفَّارَةٍ، إِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ تَأْخِيرُهُمَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ خُرُوجُهُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ، وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ عهْدة الْوَاجِبِ مُتَعَيِّنٌ، وَدَخَلَتِ التَّوْسِعَةُ فِي وَقْتِهِ رِفْقًا، وَمَظِنَّةً لِلْحَاجَةِ فَإِذَا شَرَعَ تَعَيَّنَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي إِتْمَامِهَا،
وَعَنْهُ: يَجِبُ إِتْمَامُ الصَّوْمِ فَإِنْ أَفْسَدَهُ، وَجَبَ الْقَضَاءُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي " لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ وَقَدْ أَفْطَرَتَا:«لَا عَلَيْكُمَا، صُومَا يَوْمًا مَكَانَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَكَالْحَجِّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ ضَعَّفُوهُ، ثُمَّ هُوَ لِلِاسْتِحْبَابِ لِقَوْلِهِ «لَا عَلَيْكُمَا» ، وَبِأَنَّ نَفْلَ الْحَجِّ كَفَرْضِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَتَقْرِيرُ الْمَهْرِ بِالْخَلْوَةِ مَعَهُ
بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: إِنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ أَعَادَ قَالَ: الْقَاضِي أَيْ: نَذَرَهُ، وَخَالَفَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا يُكْرَهُ خُرُوجُهُ مِنْهُ لِعُذْرٍ، وَإِلَّا كُرِهَ فِي الْأَصَحِّ، وَهَلْ يُفْطِرُ لِضَيْفِهِ؛ يَتَوَجَّهُ كَصَائِمٍ دُعِيَ،
وَعَنْهُ: تَلْزَمُ الصَّلَاةُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَمَالَ إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْجَوْزَجَانِيُّ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ إِحْرَامٍ وَإِحْلَالٍ كَالْحَجِّ،
وَإِذَا شَرَعَ فِيهَا قَائِمًا، لَمْ يَلْزَمْهُ إِتْمَامُهَا قَائِمًا بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَاقْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ على ذكرهما كَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ،
وَقِيلَ: الِاعْتِكَافُ كَالصَّوْمِ عَلَى الْخِلَافِ يَعْنِي إِذَا دَخَلَ فِيهِ، وَقَدْ نَوَاهُ مُدَّةً لَزِمَتْهُ، وَيَقْضِيهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا لَا بِالنِّيَّةِ،
وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ خِلَافًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ،
وَفِي " الْكَافِي " سَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالِاعْتِكَافِ وَغَيْرِهِمَا كَالصَّوْمِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الطَّوَافَ كَالصَّلَاةِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ رَأَيْتُ سُفْيَانَ إِذَا كَثُرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ تَرَكَهُمْ، وَدَخَلَ فِي الطَّوَافِ، فَطَافَ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ يَخْرُجُ، وَيَدَعُهُمْ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الصَّدَقَةُ وَالْقِرَاءَةُ، وَالْأَذْكَارُ بِالشُّرُوعِ وِفَاقًا.
وَأَمَّا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، فَيَلْزَمُ إِتْمَامُهُمَا لِانْعِقَادِ الْإِحْرَامِ لَازِمًا فَإِنْ أَفْسَدَهُمَا أَوْ فَسَدَا لَزِمَهُ الْقَضَاءُ،
وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ، حَكَاهَا فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الِانْتِصَارِ " وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا أَحْسَبُهَا إِلَّا سَهْوًا.
فَرْعٌ: إِذَا قُطِعَ الصَّوْمُ وَنَحْوُهُ فَهَلِ انْعَقَدَ الْجُزْءُ الْمُؤَدَّى، وَحَصَلَ بِهِ قُرْبة أَمْ لَا؛ وَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ يَبْطُلُ حُكْمًا أَوْ لَا يَبْطُلُ؛ اخْتَلَفَ كَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ بِبُطْلَانِهِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ،
وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّ الْإِبْطَالَ فِي الْآيَةِ هُوَ بُطْلَانُ الثَّوَابِ قَالَ: وَلَا نُسَلِّمُ بُطْلَانَ جَمِيعِهِ، بَلْ قَدْ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِعَمَلِهِ.
[الْتِمَاسُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ] (وَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ) لِشَرَفِهَا وَعِظَمِهَا وَبَرَكَتِهَا، وَسُورَتُهَا مَكِّيَّةٌ، نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ،
وَقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ، نَقَلَهُ الثَّعَالِبِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ: - تَعَالَى - {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} أَيْ: قِيَامُهَا، وَالْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ خَالِيَةً مِنْهَا.
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ زَادَ أَحْمَدُ وَمَا تَأَخَّرَ» وَسُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ضَعِيفٌ،
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَقْضِي اللَّهُ الْأَقْضِيَةَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَيُسَلِّمُهَا إِلَى أَرْبَابِهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ.
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهِ لِعَظَمِ قَدْرِهَا عِنْدَ اللَّهِ،
وَقِيلَ: لِضِيقِ الْأَرْضِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي تَنْزِلُ فِيهَا،
وَقِيلَ: لِأَنَّ لِلطَّاعَاتِ فِيهَا قَدْرًا عَظِيمًا، وَهِيَ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ إِجْمَاعًا، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً أَنَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا تُكَرَّرُ، وَبِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا هُوَ أَفْضَلُ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ،
وَقَالَ الْحَسَنُ التَّمِيمِيُّ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا الْقُرْآنُ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ
فَأَمَّا أَمْثَالُهَا مِنْ لَيَالِي الْقَدْرِ فَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، وَأَنَّهَا لَمْ تُرْفَعْ لِلْأَخْبَارِ فِي طَلَبِهَا، وَقِيَامِهَا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ فِي رَفْعِهَا (فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ) عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.
وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الْكَافِي ": تُطْلَبُ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ،
«وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ فِي كُلِّ السَّنَةِ، (وَلَيَالِي الْوِتْرِ آكَدُهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ -: اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ أَوْ سَبْعٍ بَقِينَ أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ» .
وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا:«أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوِتْرِ مِنْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ الْمَجْدُ كُلُّ الْعَشْرِ سَوَاءٌ.
وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بَلْ لَيَالِي الْوِتْرِ أَبْلَغُ مِنْ لَيَالِي الشَّفْعِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْوِتْرُ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي فَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةَ إِحْدَى، وَثَلَاثٍ إِلَى آخِرِهِ، وَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْبَاقِي،
فَإِذَا كَانَ تَامًّا كَانَ ذَلِكَ لَيَالِيَ الْإِشْفَاعِ، فَلَيْلَةُ الثَّانِيَةِ تَاسِعَةٌ تَبْقَى، وَلَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَابِعَةٌ تَبْقَى،
وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا كَانَ التَّارِيخُ بِالْبَاقِي كَالتَّارِيخِ بِالْمَاضِي، (وَأَرْجَاهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَثْنِي وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ. قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ فَتَتَّكِلُوا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَيُرَجِّحُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْقَدْرِ ثَلَاثُونَ كَلِمَةً السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ مِنْهَا هِيَ. وَقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - كَرَّرَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي سُورَتِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَحُرُوفُهَا تِسْعٌ، وَالنَّاشِئُ مِنْ ضَرْبِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُتَعَيَّنَةٌ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ مُضِيِّ لَيْلَةِ الْعَشْرِ، وَقَعَ فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَمَعَ مُضِيِّ لَيْلَةٍ مِنْهُ تَقَعُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَيْلَةَ قَوْلِهِ فِيهَا.
وَحُكْمُ الْعِتْقِ، وَالْيَمِينِ كَالطَّلَاقِ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ تَخْرِيجًا.
وَمَنْ نَذَرَ قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، قَامَ الْعَشْرَ، وَنَذْرُهُ فِي أَثْنَائِهِ كَطَلَاقٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
فَائِدَةٌ: الْحِكْمَةُ فِي إِخْفَائِهَا لِيَجْتَهِدُوا فِي طَلَبِهَا، وَيَجِدُّوا فِي الْعِبَادَةِ طَمَعًا فِي إِدْرَاكِهَا كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْإِجَابَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاسْمَهُ الْأَعْظَمَ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَرِضَاهُ فِي الْحَسَنَاتِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. (وَيَدْعُو فِيهَا) فَإِنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ فِيهَا، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ (بِمَا «رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ وَافَقْتُهَا فبمَ أَدْعُو؟ قَالَ: قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفْوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مَعْنَاهُ، وَصَحَّحَهُ، وَمَعْنَى الْعَفْوِ: التَّرْكُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى السَّتْرِ، وَالتَّغْطِيَةِ فَمَعْنَى اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي، أَيِ: اتْرُكْ مُؤَاخَذَتِي بِجُرْمِي، وَاسْتُرْ عَلَيَّ ذَنْبِي، وَأَذْهِبْ عَنِّي عَذَابَكَ، وَاصْرِفْ عَنِّي عِقَابَكَ.
وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:«سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْرًا مِنْ مُعَافَاةٍ» فَالشَّرُّ الْمَاضِي يَزُولُ بِالْعَفْوِ، وَالْحَاضِرُ بِالْعَافِيَةِ، وَالْمُسْتَقْبَلُ بِالْمُعَافَاةِ لِتَضَمُّنِهَا دَوَامَ الْعَافِيَةِ [كِتَابُ الِاعْتِكَافِ][تَعْرِيفُ الاعتكاف وَحُكْمُهُ] ِ
ومَن دخَل في صَوْمٍ أو صلاةٍ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ له إتْمَامُه، ولم يَجِبْ. هذا المذهبُ. نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ. وعن أحمدَ، يجِبُ إتْمامُ الصَّوْمِ، ويَلْزَمُه القَضاءُ. ذكَرَه ابنُ البَنَّا، والمُصَنِّفُ في «الكَافِى». ونقَل حَنْبَلٌ في الصَّوْمِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنْ أوْجَبَه على نفْسِه، فأَفْطَرَ بلا عُذْرٍ، أعادَ. قال القاضى: أيْ، نَذْرَه. وخالَفَه ابنُ عَقِيلٍ، وذكَرَه أبو بَكْرٍ في النَّفْلِ،
وقال: تفرَّدَ به حَنْبَلٌ. وجميعُ الأصحابِ نقَلُوا عنه، لا يَقْضِى.
وفي «الرِّعايَةِ» وغيرِها رِوايَةٌ في الصَّوْمِ، لا يقْضِى المَعْذُورُ.
وعنه، يَلْزَمُ إتْمامُ الصَّلاةِ، بخِلافِ الصَّوْمِ. قال المُصَنِّفُ في «الكَافِى»، والمَجْدُ: مالَ إلى ذلك أبو إسْحاقَ الجُوزْجَانِىُّ،
وقال: الصَّلاةُ ذاتُ إحْرامٍ وإحْلالٍ كالحَجِّ. قال المَجْدُ: والرِّوايَةُ التي حكَاها ابنُ البَنَّا في الصَّوْمِ، تدُلُّ على عَكْسِ هذا القَوْلِ؛ لأنَّه خصَّه بالذِّكْرِ. وعلَّلَ رِوايَةَ لُزُومِه بأنَّه عِبادَةٌ تجِبُ بإفْسادِها الكفَّارَةُ العُظْمَى، فلَزِمَتْ بالشُّروعِ، كالحَجِّ.
قال: والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، التَّسْوِيَةُ.
وإنْ أَفْسَدَه، فلا قَضاءَ عليه. هذا مَبْنِىٌّ على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كما تقدَّم، ولكنْ يُكْرَهُ خُروجُه منه بلا عُذْرٍ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: [وعلى المذهبِ، يُكْرَهُ خُروجُه. يتَوَجَّهُ لا يُكْرَهُ إلَّا لعُذْرٍ]، وإلَّا كُرِهَ في الأصحِّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ الأُولَى، هل يُفْطِرُ لضَيْفِه؟
قال في «الفُروعِ»: يتَوجَّهُ أنَّه كصائمٍ دُعِىَ. يعْنِي إلى وَلِيمَةٍ. وقد صرَّح الأصحابُ في الاعْتِكافِ، يُكْرَهُ تَرْكُه بلا عُذْرٍ. الثَّانيةُ، لم يذْكُرْ أكثرُ الأصحابِ سِوَى الصَّوْمِ والصَّلاةِ.
وقال فى «الكَافِى»: وسائرُ التَّطَوُّعاتِ، مِنَ الصَّلاةِ والاعْتِكافِ وغيرِهما، كالصَّوْمِ، إلَّا الحجَّ والعُمْرةَ.
وقيل: الاعْتِكافُ كالصَّوْمِ على الخِلافِ. يعْنِي، إذا دخَل في الاعْتِكافِ وقد نوَاه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُدَّةً، لَزِمَتْه ويقْضِيها. وذكَرَه ابنُ عَبْدِ البَرِّ إجْماعًا. ورَدَّ المُصَنِّفُ، والمَجْدُ كلامَ ابنِ عَبْدِ البَرِّ فى ادِّعائِه الإجْماعَ. الثَّالثةُ، لو نوَى الصَّدقَةَ بمالٍ مُقَدَّرٍ، وشرَع فى الصَّدقَةِ به، فأَخْرَجَ بعضَه، لم تَلْزَمْه الصَّدقَةُ بباقِيه إجْماعًا. قالَه المُصَنِّفُ وغيرُه.
ولو شرَع فى صلاةِ تَطَوُّعٍ قائمًا، لم يَلْزَمْه إتْمامُها قائمًا، بلا خِلافٍ فى المذهبِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذكَر القاضى وجماعَةٌ، أنَّ الطَّوافَ كالصَّلاةِ في الأحْكامِ، إلَّا فيما خصَّه الدَّليلُ.
قال في «الفُروعِ»: فظاهِرُه أنَّه كالصَّلاةِ هنا. قال: ويتَوَجَّهُ على كلِّ حالٍ، [أنَّ في طَوافِ شَوْطٍ أو شَوْطَين، أَجْرًا]، وليس مِن شَرْطِه تَمامُ الأُسْبوعِ، كالصَّلاةِ. الرَّابعةُ، لا تَلْزَمُ الصَّدقَةُ والقِراءَةُ والأذْكارُ بالشُّروعِ.
وأمَّا نفْلُ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَيأْتِى حُكْمُه في آخرِ بابِ الفِدْيَةِ،
عندَ قوْلِه: ومَن رفَض إحْرامَه، ثمَّ فعَل مَحْظُورًا، فعليه فِداؤُه. الخامسةُ، لو دخَل في واجِبٍ مُوَسَّعٍ، كقَضاءِ رَمَضانَ كلِّه قبلَ وَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَيَالِى الْوِتْرِ آكَدُهَا.
رَمَضانَ، والمَكْتُوبَةِ في أوَّلِ وَقْتِها، وغيرِ ذلك، كنَذْرٍ مُطْلَقٍ، وكفَّارَةٍ - إنْ قُلْنا: يجوزُ تأْخِيرُهما - حَرُمَ خُروجُه منه بلا عُذْرٍ. قال المُصَنِّفُ: بغيرِ خِلافٍ. قال المَجْدُ: لا نعلمُ فيه خِلافًا،
فلو خالفَ وخرَج، فلا شئَ عليه غيرَ ما كان عليه قبلَ شرُوعِه.
وقال في «الرِّعايَةِ»: وقيلَ: يُكَفِّرُ إنْ أفْسَدَ قَضاءَ رَمَضانَ. وتُطْلَبُ لَيْلَةُ القَدْرِ في العَشْرِ الأَخِيرِ مِن رَمَضانَ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، منهم المُصَنِّفُ في «العُمْدَةِ»، و «الهَادِى».
وقال في «الكَافِى»، و «المُغْنِي»: تُطْلَبُ في جميعِ رَمَضانَ. قال الشَّارِحُ: يُسْتَحَبُّ طَلَبُها في جميعِ لَيالِى رَمَضانَ،
وفي العَشْرِ الأَخيرِ آكَدُ، وفي لَيالِى الوِتْرِ آكَدُ. انتهى.
قلتُ: يَحْتَمِلُ أنْ تُطْلَبَ في النِّصْفِ الأخيرِ منه؛ لأحادِيثَ ورَدَتْ في ذلك. وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مذهبُ جماعَةٍ مِنَ الصَّحابةِ، خُصوصًا ليْلَةَ سَبْعَةَ عشَرَ، لا سِيَّما إذا كانتْ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ. ولَيالِى الوِتْرِ آكَدُ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. واخْتارَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَجْدُ، أنَّ كُلَّ العَشْرِ سَواءٌ.
فائدة: قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: الوِتْرُ يكونُ باعْتِبارِ الماضِى، فتُطْلَبُ ليْلَةُ القَدْرِ ليْلَةَ إحْدَى وعِشْرِين، وليْلَةَ ثَلاثٍ وعِشْرِين، إلى آخرِه، ويكونُ باعْتِبارِ الباقِى؛ وَأَرْجَاهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، لقَوْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ:«لِتاسِعَةٍ تَبْقَى».
فإذا كان الشَّهْرُ ثَلاثِين، يكونُ ذلك لَيالِىَ الأشفاعِ؛ فلَيْلَةُ الثَّانيةِ، تاسِعَةٌ تَبْقَى، وليْلَةُ الرَّابعَةِ، سابِعَةٌ تَبْقَى، كما فسَّره أبو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ.
وإنْ كانَ الشَّهْرُ ناقِصًا، كان التَّارِيخُ بالباقِى كالتَّاريخِ بالماضِى. وأَرْجاهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو مِنَ المُفْرَداتِ. وقال المُصَنِّفُ في «الكَافِى»: وأرْجاها الوِتْرُ مِن لَيالِى العَشْرِ.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
وقيل: أرْجَاها ليْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِين.
وقال في «الكَافِى» أيضًا: والأحادِيثُ تدُلُّ على أنَّها تَنْتَقِلُ في لَيالِى الوِتْرِ. قال ابنُ هُبَيْرَةَ فى «الإِفْصَاحِ»: الصَّحيحُ عندِى أنَّها تَنْتَقِلُ في أفْرادِ العَشْرِ،
فإذا اتَّفقَتْ لَيالِى الجمعِ في الأفرادِ، فأَجْدَرُ وأخْلَقُ أنْ تكونَ فيها.
وقال غيرُه: تَنْتَقِلُ في العَشْرِ الأخيرِ. وحكَاه ابنُ عَبْدِ البَرِّ عنِ الإِمامِ أحمدَ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ الذي لا شَكَّ فيه.
وقال المَجْدُ: ظاهِرُ رِوايَةِ حَنْبَلٍ، أنَّها ليْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ. فعلى هذا، لو قال: أنتِ طالِقٌ ليْلَةَ القَدْرِ. قبلَ مُضِىِّ ليْلَةِ أوَّلِ العَشْرِ، وقَع الطَّلاقُ فى اللَّيْلَةِ الأخيرَةِ،
وإنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مضَى منه ليْلَةٌ، وقَع الطَّلاقُ في السَّنَةِ الثَّانيةِ، في ليْلَةِ حَلِفِه فيها. وعلى قوْلِنا: إنَّها تَنْتَقِلُ في العَشْرِ. إنْ كان قبلَ مُضِىِّ ليْلَةٍ منه، وقَع الطَّلاقُ في اللَّيْلَةِ الأخِيرَةِ،
وإنْ كان مضَى منه ليْلَةٌ، وقَع الطَّلاقُ في اللَّيْلَةِ الأخيرةِ مِنَ العامِ المُقْبِلِ. واخْتارَه المَجْدُ.
قال في «الفُروعِ»: وهو أطْهَرُ. قال المَجْدُ: ويتَخَرَّجُ حُكْمُ العِتْقِ واليَمِينِ على مَسْألَةِ الطَّلاقِ.
قلتُ: هو الصَّوابُ. قلتُ: تلَخَّصَ لنا في المذهبِ عِدَّةُ أقْوالٍ. وقد ذكَر الشَّيْخُ الحافِظُ النَّاقِدُ شِهابُ الدِّينِ أحمدُ بنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِىُّ، في «شَرْحِ البُخَارِىِّ»، أنَّ في ليْلَةِ القَدْرِ للعُلَماءِ خَمْسَةً وأرْبَعِين قوْلًا، وذكَر أدِلَّةَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلِّ قوْلٍ ، أحْبَبْتُ أنْ أذْكُرَها هنا مُلَخَّصَةً، فأقُولُ: قيلَ: وَقعَتْ خاصَّةً بسَنَةٍ واحدَةٍ. وقَعَتْ في زَمَنِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ. خاصَّةٌ بهذه الأُمَّةِ. مُمْكِنَةٌ في جميعِ السَّنَةِ. تَنْتَقِلُ في جميعِ السَّنَةِ. ليْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ. مُخْتَصَّةٌ برَمَضانَ مُمْكِنَةٌ في جميعِ لَيالِيه. أوَّلُ لَيْلَةٍ منه. لَيْلَةُ النِّصْفِ منه. لَيْلَةُ سَبْعَةَ عشَرَ.
قلتُ: أو إنْ كانتْ ليْلَةَ جُمُعَةٍ. ذكَرَه في «اللَّطائفِ». ثَمانِ عشرَةَ. تِسْعَ عشرَةَ. حادِى عِشْرِين. ثَانِي عِشْرِين. ثَالثِ عِشْرِين. رَابعِ عِشْرِين. خامِسِ عِشْرِين. سَادِسِ عِشْرِين. سابعِ عِشْرِين. ثامِنِ عِشْرِين. تاسِعِ عِشْرِين. ثَلاثِين. أرْجاهَا ليْلَةُ إحْدَى وعِشْرِين. ثَلاثٍ وعِشْرِين. سَبْعٍ وعِشْرِين. تَنْتَقِلُ في جميعِ رَمَضانَ. في النِّصْفِ الأخيرِ. في العَشْرِ الأخيرِ كلِّه. في أوْتارِ العَشْرِ الأخيرِ. مِثْلُه . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بزيادَةِ اللَّيْلَةِ الأخيرةِ. في السَّبْعِ الأَواخِرِ. وهل هى اللَّيالِى السَّبْعُ مِن آخِرِ الشَّهْرِ، أو في آخِرِ سَبْعٍ مِنَ الشَّهْرِ؟ مُنْحَصِرةٌ في السَّبْعِ الأوَاخِرِ منه. في أشْفاعِ العَشْرِ الأَوْسَطِ، والعَشْرِ الأخِيرِ. مُبْهَمَةٌ في العَشْرِ الأوْسَطِ. أوَّلُ ليْلَةٍ، أو آخِرُ ليْلَةٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . .
أوَّلُ ليْلَةٍ، أو تاسِعُ ليْلَةٍ، أو سابعَ عشرَةَ، أو إحْدَى وعِشْرِين، أو آخِرُ ليْلَةٍ. في سَبْعٍ، أو ثَمانٍ مِن أوَّلِ النِّصْفِ الثَّانى. ليْلَةُ سِتَّ عشرَةَ، أو سَبْعَ عشرَةَ. ليْلَةُ سَبْعَ عشرَةَ، أو تِسْعَ عَشرَةَ، أو إحْدَى وعِشْرِين. ليْلَةُ تِسْعَ عشرَةَ، أو إحْدَى وعِشْرِين، أو ثَلاثٍ وعِشْرِين. ليْلَةُ إحْدَى وعِشْرِين، أو ثَلاثٍ وعِشْرِين، أو خَمْسٍ وعِشْرِين. ليْلَةُ اثْنَتَيْن وعِشْرِين، أو ثَلاثٍ وعِشْرِين. ليْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِين، أو سَبْعٍ وعِشْرِين.
الثَّالثةُ مِنَ العَشْرِ الأخيرِ، أو الخامِسَةُ منه. وزِدْنا قوْلًا على ذلك.
فوائد؛ إحداها، لو نذَر قِيامَ ليْلَةِ القَدْرِ، قامَ العَشْرَ كلَّه،
وإنْ كان نَذْرُه في أثْناءِ العَشْرِ، فحُكْمُه حُكْمُ الطَّلاقِ، على ما تقدَّم. ذكَرَه القاضى في «التَّعْليقِ»، في النُّذُورِ. الثَّانيةُ، قال جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ: يُسَنُّ أنْ يَنامَ مُتَرَبِّعًا مُسْتَنِدًا إلى شئٍ. نصَّ عليه. الثَّالثةُ، ليْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ اللَّيالِى. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وحَكَاه الخَطَّابِىُّ إجْماعًا.
وعنه، ليْلَةُ الجُمُعَةِ أفْضَلُ. ذكَرها ابنُ عَقِيلٍ. قال المَجْدُ فى «شَرْحِه»: وهذه الرِّوايَةُ اخْتِيارُ ابنِ بَطَّةَ، وأبى الحَسَنِ الجَزَرِىِّ، وأبى حَفْصٍ البَرْمَكِىِّ؛ لأنَّها تابِعَةٌ لأفْضَلِ الأيَّامِ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: ليْلَةُ الإِسْراءِ أفْضَلُ فى حَقِّه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، مِن ليْلَةِ القَدْرِ.
وقال الشَّيْخُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَقِىُّ الدِّينِ أيضًا: يوْمُ الجُمُعَةِ أفْضَلُ أيَّامِ الأُسْبوعِ إجْماعًا.
وقال: يوْمُ النَّحْرِ أفْضَلُ أيَّامِ العامِ.
وكذا ذكَرَه المَجْدُ في «شَرْحِه» في صَلاةِ العيدِ.
قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُ ما ذكَرَه أَبو حَكِيمٍ، أنَّ يَوْمَ عرَفَةَ أفْضَلُ. قال: وظهَرَ ممَّا سبقَ، أنَّ هذه الأيَّامَ أفْضَلُ مِن غيرِها، ويتَوَجَّهُ على اخْتِيارِ شيْخِنا بعدَ يَوْمِ النَّحْرِ، يَوْمُ القَرِّ الذي يَلِيه.
وقال في «الغُنْيَةِ»: إن اللهَ اخْتارَ مِنَ الأَيَّامِ أرْبَعَةً؛ الفِطْرَ، والأضْحَى، وعَرَفَةَ، ويوْمَ عاشُورَاءَ، واخْتارَ منها يوْمَ عرَفَةَ.
وقال أيضًا: إنَّ اللهَ اخْتارَ للحُسَيْنِ الشَّهادَةَ في أشْرَفِ الأيَّامِ، وأعْظَمِها وأجَلِّها، وأرْفَعِها عندَ الله مَنْزِلَةً. الرَّابعةُ،
قال في «الفُروعِ»: عَشْرُ ذِى الحِجَّةِ أَفْضَلُ، على ظاهرِ ما في «العُمْدَةِ» وغيرِها، وسبَق كلامُ شيْخِنا في صَلاةِ التَّطوُّعِ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ أيضًا: قد يُقالُ ذلك، وقد يُقالُ: لَيالِى عَشْرِ رَمَضانَ الأخيرِ وأيَّامُ ذلك أفْضَلُ. قال: والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لوُجُوهٍ. وذكَرَها. الخامسةُ، رَمَضانُ أفْضَلُ الشُّهورِ. ذكَرَه جماعةٌ مِنَ الأصحابِ. وذكَرَه ابنُ شِهَابٍ في مَن زالَ عُذْرُه. وذكَرُوا أنَّ الصَّدقَةَ فيه أفْضَلُ.
وقال في «الغُنْيَةِ»: إنَّ اللهَ اخْتارَ مِنَ الشُّهورِ أرْبَعةً؛ رَجَبًا، وشعبانَ، وَيَدْعُو فِيهَا بِمَا رُوِىَ عَنْ عَائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عَنْهَا، [٥٩ ظ] أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ وَافَقْتُهَا فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ:«قُولِى: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّى».
ورمضانَ، والمُحَرَّمَ، واخْتارَ منها شَعبانَ وجعَلَه شَهْرَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فكَما أنَّه أفْضَلُ الأنْبِياءِ، فشَهْرُه أفْضَلُ الشُّهورِ.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
وقال ابنُ الجَوْزِىِّ: قال القاضى في قوْلِه تَعالَى: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}. إنَّما سمَّاها حُرُمًا لتَحْريمِ القِتالِ فيها، ولتَعْظيمِ انْتِهاكِ المَحارِمِ فيها أشَدَّ مِن تَعْظيمِه في غيرِها، كذلك تعْظِيمُ الطَّاعاتِ. وذكَر ابنُ الجَوْزِىِّ مَعْناه.
قال: (ومن دخل في صوم أو صلاة تطوعاً استحب له إتمامه ولم يجب فإن أفسده فلا قضاء عليه) .
أما كون من دخل فيما ذكر يستحب له إتمامه؛ فلأن به تكمل العبادة وذلك مطلوب.
ولأن في الإتمام خروجاً من الخلاف.
وأما كون الإتمام لا يجب؛ فلما روت عائشة قالت:«قلت: يا رسول الله! أُهدي لنا حَيْس. قال: هاتيه فجئت به فأكل. وقال: قد كنت صائماً» رواه مسلم.
والصلاة وسائر التطوعات تلحق به لاشتراكهما في المعنى.
ولأن ما جاز ترك جميعه جاز ترك بعضه كالصدقة.
وأما كون من أفسد ذلك لا قضاء عليه فلأن ما لم يجب إتمامه لم يجب قضاؤه.
ولأن القضاء تبع المقضي عنه فإذا لم يكن واجباً لم يكن القضاء واجباً. قال: (وتُطلب ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان، وليالي الوتر آكد، وأرجاها ليلة سبع وعشرين، ويدعو فيها بما روت عائشة قالت: «قلت يا رسول الله: إن وافقتها فبم أدعو: قال قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» (١».
أما كون ليلة القدر تطلب في العشر الأخير من رمضان فلقوله صلى الله عليه وسلم:«فالتمسوها في العشر الأواخر ... مختصر» (٢) متفق عليه.
وقال:«اطلبوها في العشر الأواخر».
وقد جاء «أنه كان يوقظ أهله في العشر». و «أنه كان يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره».
وأما كون ليالي الوتر آكد فلقوله صلى الله عليه وسلم:«تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» متفق عليه.
وفي لفظ:«فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» رواه البخاري.
وأما كون أرجاها ليلة سبع وعشرين فـ «لأن أبي بن كعب كان يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين. فقيل له: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ فقال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنها تطلع يومئذ لا شعاع لها» رواه مسلم.
وأما كون من وافقها يدعو فيها بدعاء عائشة المتقدم ذكره فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بذلك فقال قولي:«اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وحكه صلى الله عليه وسلم على الواحد حكمه على الكل. [
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.