فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (وإنِ اسْتَأْجَرَ مَن يَحْجُمُه، صَحَّ، ويُكْرَهُ للْحُرِّ أكْلُ أُجْرَتِه، ويُطْعِمُه الرَّقِيقَ والبَهائِمَ. وقال القاضي: لا يَصِحُّ) يجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ حَجّامًا لِيَحْجُمَه، وأجْرُه مُباحٌ. اختارَه أبو الخَطّابِ. وهو قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، قال: أنا آكُلُه. وبه قال عِكْرِمةُ، والقاسِمُ، ومحمدُ بنُ عليِّ بنِ الحُسَينِ، ورَبِيعَةُ، ويَحْيَى الأنْصارِيُّ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.

١٧٬٣١٠

وقال القاضي: لا يجوزُ. وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه،

١٧٬٣١١

قال: وإن أُعْطِيَ شيئًا مِن غيرِ عَقْدٍ ولا شَرْطٍ، فله أخْذُه، ويَصْرِفُه في عَلْفِ دابَّتِه، وطُعْمِ عَبْدِه، ومُؤْنَةِ صِناعَتِه، ولا يَحِلُّ أكْلُه. وكَرِهَ كَسْبَ الحَجّامِ عثمانُ، وأبو هريرةَ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ». مُتَّفَقٌ عليه .

وقال:«أطْعِمْهُ ناضِحَكَ ورَقِيقَكَ». ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: احْتَجَمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأعْطَى الحَجّامَ أجْرَه،

١٧٬٣١٢

ولو عَلِمَه حَرامًا لم يُعْطِه. مُتَّفَقٌ عليه .

١٧٬٣١٣

وفي لَفْظٍ: ولو عَلِمَه خَبِيثًا لم يُعْطِه. ولأنَّها مَنْفَعةٌ مُباحَةٌ، لا يَخْتَصُّ فاعِلُها بكَوْنِه مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالخِتانِ، ولأنَّ بالناسِ حاجَةً إليها، ولا نَجِدُ كُلَّ أحَدٍ مُتَبَرِّعًا بها، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالرَّضَاعِ، ولأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في كَسْبِ الحَجّامِ:«أطْعِمْهُ رَقِيقَكَ». دَلِيلٌ على إباحَتِه، إذ غيرُ جائزٍ أن يُطْعِمَ رَقِيقَه ما يَحْرُمُ أكْلُه؛

١٧٬٣١٤

فإنَّ الرَّقِيقَ آدَمِيٌّ يُحَرَّمُ عليه أكْلُ ما حُرِّمَ على الحُرِّ، وتَخْصِيصُ ذلك بما أُعْطِيَه مِن غيرِ اسْتِئْجارٍ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه. فعلى هذا، تَسْمِيةُ كَسْبِه خَبِيثًا لا يَلْزَمُ منه التَّحْرِيمُ، فقد سَمَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الثُّومَ والبَصَلَ خَبِيثَينِ مع إباحَتِهما، وإنَّما كَرِهَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك للحُرِّ تَنْزِيهًا له؛ لِدَناءةِ صِناعَتِه، وليس عن أحمدَ نَصٌّ في تَحْرِيمِ كَسْبِ الحَجّامِ ولا اسْتِئْجارِه عليها، وإنَّما قال: نحنُ نُعْطِيه كما أعْطَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ونقولُ له كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا سُئِلَ عن أكْلِه نَهاهُ، وقال:«أَعْلِفْهُ النَّاضِحَ والرَّقِيقَ».

هذا مَعْنَى كلامِه في جميعِ الرِّواياتِ، وليس هذا صَرِيحًا في تَحْرِيمِه، بل فيه دَلِيلٌ على إباحَتِه، كما في قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على ما بَيَّنّا،

١٧٬٣١٥

فإنَّ إعْطاءَه للحَجّامِ دَلِيلُ إباحَتِه، إذ لا يُعْطِيه ما يَحْرُمُ عليه، وهو عليه السلامُ، يُعَلِّمُ الناسَ ويَنْهاهم عن المُحَرَّماتِ، فكيف يُعْطِيهم إيّاها؟! فعلى هذا، يكونُ نَهْيُه - عليه السلام - عن أكْلِه نَهْيَ كَراهةٍ لا نهْيَ تَحْرِيمٍ،

١٧٬٣١٦

وكذلك قولُ الإِمامِ أحمدَ، فإنَّه لم يَخْرُجْ عن قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفِعْلِه، بل قَصَد اتِّباعَه،

١٧٬٣١٧

وكذلك سائِرُ مَن كَرِهَه مِنَ الأئِمَّةِ، يتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهم على الكَراهةِ، فلا يكونُ في المَسْألةِ قائِلٌ بالتَّحْرِيمِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُكْرَهُ للحُرِّ أكْلُ أُجْرَةِ الحَجّامِ،

١٧٬٣١٨

ويُكْرَهُ تَعَلُّمُ صِناعَةِ الحِجامةِ وإجارَةُ نَفْسِه لها؛ لِما ذَكَرْنا مِنَ الأخْبارِ، ولأنَّ فيها دَناءةً، فَكُرِه الدُّخُولُ فيها، كالكَسْحِ. وفيما ذَكَرْناه إن شاء اللهُ تعالى جَمْعٌ بين الأخْبارِ وتَوْفِيقٌ بينَ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ عليها. فعلى هذا، يُطْعِمُه الرَّقِيقَ والبَهائِمَ، كما جاء في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ. واللهُ أعلمُ.

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَعَنْهُ: تَصِحُّ) لِأَنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - زَوَّجَ رَجُلًا بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،

١٢٬٢١٨

فَإِذَا جَازَ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ عِوَضًا فِي النِّكَاحِ وَقَامَ مَقَامَ الْمَهْرِ جَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ، وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الرُّقْيَةِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَجَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الِاسْتِنَابَةِ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، وَكَمَنْ أَعْطَى بِلَا شَرْطٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَجِعَالَةٍ، وَفِيهَا وَجْهَانِ،

١٢٬٢١٩

وَفِي " الْمُنْتَخَبِ " الْجُعْلُ فِي حَجٍّ كَأُجْرَةٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ وَجَعْلَهُ صَدَاقًا فِيهِ عَنْهُ اخْتِلَافٌ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ تَصْرِيحٌ بِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ زَوَّجَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ إِكْرَامًا لَهُ كَمَا زَوَّجَ أَبَا طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ عَلَى إِسْلَامِهِ،

١٢٬٢٢٠

وَلَوْ سَلِمَ جَوَازُهُ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَهْرِ وَالْأَجْرِ أَنَّ الْمَهْرَ لَيْسَ بِعِوَضٍ مَحْضٍ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ خُلُوُّ الْعَقْدِ عَنْ تَسْمِيَتِهِ،

١٢٬٢٢١

وَيَصِحُّ مَعَ فَسَادِهِ بِخِلَافِ الْأَجْرِ،

١٢٬٢٢٢

وَأَمَّا الرُّقْيَةُ فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِهِ ; لِأَنَّهَا مُدَاوَاةٌ، وَالْمَأْخُوذُ عَلَيْهَا جُعْلٌ،

١٢٬٢٢٣

وَفِي حَدِيثٍ وَفْقَهُ وَجْهَانِ أَشْهَرُهَا الْمَنْعُ،

١٢٬٢٢٤

وَكَذَا الْقَضَاءُ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ.

وَجَوَّزَ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِحَاجَةٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُكْرَهُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا،

١٢٬٢٢٥

وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ فَيَجُوزُ كَتَعْلِيمِ الْخَطِّ وَالْحِسَابِ،

١٢٬٢٢٦

وَفِي " الْمُبْهِجِ " لَا مُشَاهَرَةً، وَلَهُ أَخْذُ رِزْقٍ عَلَى مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ لَا عَلَى مَا لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ كَصَوْمٍ، وَصَلَاةٍ خَلْفَهُ، وَنَحْوِهِ. (وَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْجُمَهُ صَحَّ) فِي الْأَصَحِّ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أُجْرَةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَالْفَصْدِ، وَالْخِتَانِ، وَنَحْوِهِمَا

الإنصافالمرداوي

وإنِ اسْتَأْجَرَه ليَحْجُمَه، صَحَّ. هذا المذهبُ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وأبو الخَطَّابِ، وغيرُهم. وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الفُروعِ». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.

٢٢٬٢٥٨

وعنه، لا يصِحُّ. اخْتارَه القاضي، والحَلْوَانِيُّ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هو قَوْلُ القاضي، وجُمْهورِ أصحابِه.

٢٢٬٢٥٩

قال في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

«التَّلْخيصِ»: وهو المَنْصوصُ. وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الفائقِ». وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (وإن استأجره ليحجمه صح. ويكره للحر أكل أجرته ويُطعمه الرقيق والبهائم. وقال القاضي: لا يصح) .

٨٬٠٠٠

أما كون الاستئجار على الحجامة تصح على قول غير القاضي فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة وأعطاه أجرة» متفق عليه.

٨٬٠٠١

قال ابن عباس: ولو كان حراماً ما أعطاه أجرة .

٨٬٠٠٢

وأما كونه يكره للحر أكل أجرة الحجامة فللحديث الآتي ذكره.

ولأن أسوأ أحوال الأجرة في الحديث أن تكون مكروهة.

٨٬٠٠٣

وأما كونه يطعم الأجرة رقيقه وبهائمه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أطعمهُ ناضِحكَ ورقِيقَك» رواه الترمذي.

٨٬٠٠٤

وقال: حديث حسن.

وأما كونه لا يصح على قول القاضي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«كسب الحجام خبيث» متفق عليه.

والأول اختيار المصنف رحمه الله وأبي الخطاب.

وذكر القاضي أن الإمام أحمد نص على عدم الإجارة عليها في مواضع.

قال المصنف في المغني: تسميته خبيثاً لا يلزم منه الحرام؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الثوم والبصل خبيثين». وهما مباحان.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.