كُلُّ قَتْلٍ مَضْمُونٍ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ أَوْ كَفَارَّةٍ يَمْنَعُ الْقَاتِلَ مِيرَاثَ الْمَقْتُولِ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ صَغِيرًا كَانَ الْقَاتِلُ أَوْ كَبِيرًا
الشروح عليها
بابُ مِيراثِ القَاتِل (كلُّ قَتْلٍ مَضْموُنٍ بقِصَاص أو دِيَةٍ أو كَفارَةٍ يَمْنَعُ القاتِلَ مِيرَاثَ المَقْتُولِ، سواءٌ كان) القَتْلُ (عمدًا أو خَطأً، بِمباشَرَةٍ أو سبَبٍ، صغيرًا كان القاتِلُ أو كبيرًا) أو مَجْنونًا. لا يَرِثُ قاتِلُ العَمْدِ. وقد أجْمَعَ عليه أهلُ العلمِ، إلَّا ما حُكِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وابنِ جُبَيرٍ، أنَّهما وَرَّثاه. وهو رأيُ الخوارجِ؛ لأنَّ آيةَ الميراثِ تَتَناوَلُه بعُمومِها، فيجِبُ العمَلُ بها. ولا تَعْويلَ على هذا القَولِ؛ لشُذوذِه وقيامِ الدليلِ على خِلافِه؛
فإنَّ عمرَ، رضِي اللهُ عنه، أعْطَى دِيَةَ ابنِ قَتادَة المُدْلِجِيِّ لأخِيه دُونَ أبيه، وكان حذَفَه بسَيفٍ فقَتَلَه، واشْتَهَرَتْ هذه القِصَّةُ بينَ الصحابةِ فلم تُنكَرْ، فكانت إجْماعًا،
وقال عمرُ: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:«ليسَ لقاتِلٍ شيءٌ». رَواه مالكٌ في «مُوَطأه»، والإِمامُ أحمدُ بسَنَدِه . وروَى عمرُو بنُ شعيبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْوَهُ . رَواه ابنُ اللَّبَّانِ بإسنادِه، ورَواهُما ابنُ عبدِ البرِّ في كتابِه. وروَى ابنُ عباسٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فإنَّه لا يَرِثُه، وإنْ لم يَكُنْ له وارِثٌ غيرُه، وإنْ كانَ وَالِدَه أو وَلدَه، فليسَ لقَاتِلٍ مِيراثٌ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ بإسنادِه . ولأنَّ تَوْرِيثَ القاتِلِ يُفْضِي إلى تَكْثِيرِ القَتْلِ؛ لأنَّ الوارِثَ ربَّما اسْتَعْجَلَ موتَ مَوْروثِه ليأخُذَ ماله، كما فَعَل الإِسْرائِيليُّ الذي قَتَل عَمَّه، فأنْزلَ الله تعالى فيه قِصَّةَ البَقَرَةِ، ويقالُ: ما وُرِّثَ قاتِلٌ بعدَ عاميلَ. وهو اسمُ القَتِيلِ.
فأمَّا القَتْلُ خَطأً، فذَهَبَ كَثير مِن أهلِ العلمِ إلى أنَّ القاتِلَ لا يَرِثُ أيضًا. نصَّ عليه أحمدُ. يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وعلي، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباس. وَرُوىَ نحوُه عن أبي بكرِ، رَضِي الله عنهم. وبه قال شُرَيحٌ، وعُرْوَةُ، وطاوُسٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وشَرِيكٌ، والحسنُ بنُ صالحٍ، ووكِيعٌ، ويَحْيَى بنُ آدمَ، والشَّافِعيُّ، وأصحابُ الرَّأي. وذهب قومٌ إلى أنَّه يَرِثُ مِن المالِ دُونَ الدِّيَةِ. رُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، وعمرِو بنِ شعيبٍ، وعطاءٍ، والحسنِ، ومجاهدٍ، والزُّهْرِيِّ، ومكحولٍ، والأوْزاعِيِّ، وابنِ أبي ذئْبٍ، وأبي ثورٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وداودَ.
ورُوِيَ نحوُه عن عليٍّ؛ لأنَّ ميِرَاثَه ثابت بالكتابِ والسُّنَّةِ، تَخَصَّصَ قَاتِلُ العَمْدِ بالإِجْماعِ، فوجَبَ البقاءُ على الظَّاهِرِ فيما سِواه. ولَنا، الأحادِيث المذكورَةُ، ولأنَّ مَن لا يَرِثُ مِن الدِّيَةِ لا يَرِثُ مِن غيرِها، كقاتِلِ العَمْدِ، والمُخالِفِ في الدِّينِ. والعموماتُ مخصَّصَة بما ذكرناه. فعلى هذا، القَتْلُ المانِعُ مِن المِيراثِ هو القَتْلُ بغيرِ حقٍّ، كالعَمْدِ وشِبْهِ العَمْدِ والخطأ، وما أُجْرِيَ مُجْراه؛ كالقتلِ بالسببِ، وقتلِ الصَّبِيِّ، والمجنونِ، والنائمِ، وكلِّ قتلٍ مَضْمونٍ بقِصاصٍ أو دِيَةٍ أو كفَّارةٍ.
٢٨٨١ - مسألة: (فأمَّا ما لا يُضْمَنُ بشَيءٍ مِن هذا؛ كالقتلِ قِصاصًا أو حدًّا أو دَفْعًا عن نفسِه، وقتلِ العادلِ الباغِيَ، والباغِي العادلَ، فلا يَمْنَعُ.
وعنه، لا يَرِثُ العادلُ الباغِيَ، ولا الباغِي العادلَ. فيُخَرَّجُ منه أنَّ كُلَّ قاتِلٍ لا يَرِثُ) وجُملةُ ذلك، أنَّ القتلَ المانِعَ مِن الإرْثِ ما كان مَضْمونًا على ما ذكرنا،
فأمَّا ما ليس بمَضْمونٍ، فلا يَمْنَعُ المِيراثَ، كالقتلِ قِصاصًا وحَدًّا ودفْعًا عن نفسه، وقتلِ العادلِ الباغِيَ، أو مَن قَصَد مَصْلَحَةَ مُوَلِّيه بما له فِعْلُه؛ مِن سَقْيِ دواءٍ، أو بَطِّ خُرَاجٍ، فمات، أو مَن أمَرَه إنسانٌ عاقلٌ كبيرٌ ببَطِّ خُرَاجِه، أو قَطْعِ سَلْعَةٍ منه، فمات بذلك، وَرِثَه في ظاهِرِ المذْهَبِ. قال أحمدُ: إذا قَتل العادلُ الباغيَ في الحربِ يَرِثُه. وعن أحمدَ، أنَّ العادِلَ إذَا قَتَلَه الباغِي في الحربِ لا يَرِثه. ونَقَل محمدُ بنُ الحَكَمِ عن أحمدَ في أرْبَعَةِ شُهودٍ شَهِدُوا على أُخْتِهم بالزِّنَى، فرُجِمَتْ، فرَجَمُوا مع الناسِ: يَرِثونَها، هم غيرُ قَتَلَةٍ.
وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى تَدُلُّ على أنَّ القتلَ يَمْنَعُ الميراثَ بكلِّ حالٍ، فإنَّه
قال في روايةِ ابْنَيه صالحٍ وعبدِ اللهِ: لا يَرِثُ الباغِي العادلَ، ولا العادِلُ الباغِيَ. وهذا يدُلُّ على أنَّ القَتْلَ يَمْنَعُ الميراثَ بكلِّ حالٍ. وهو ظاهرُ مذْهَبِ الشافعيِّ أخذًا بظاهرِ الحديثِ، ولأنّه قاتِلٌ، فأشْبَهَ الصَّبِيَّ والمجنونَ.
وقال أبو حنيفةَ وصاحباه: كلُّ قَتْلٍ لا يَأثَمُ فيه لا يَمْنَعُ الميراثَ، كقتلِ الصبيِّ، والمجنونِ، والنائمِ، والسَّاقِطِ على إنسانٍ مِن غيرِ اخْتيارٍ منه، وسائِقِ الدَّابَّةِ وقائِدِها وراكِبِها إذا قَتَلَتْ بيَدِها أو فِيها، فإنَّه يَرِثه؛ لأنَّه قتلٌ غيرُ متَّهَم فيه ولا إثْمَ فيه، أشْبَهَ القتلَ في الحدِّ. ولَنا على أبي حنيفةَ وأصحابِه، عمومُ الأخْبارِ، خَصَصْنا منِها القتلَ الذي لا يُضْمَنُ، ففي ما عداه تَبْقَى على مُقْتضاها، ولأنه قَتْلٌ مضمونٌ فيَمنعُ الميراثَ كالخطأ.
ولَنا على الشافعيِّ، أنَّه فِعْلٌ مَأذونٌ فيه، فلم يَمْنَعِ الميراثَ، كما لو أطْعَمَه أو سَقاه باختيارِه فأفْضَى إلى تَلَفِه، ولأنَّه حُرِمَ الميراثَ في مَحَلِّ الوفاقِ، كَيلا يُفْضِيَ إلى إيجادِ القتلِ المحرَّمِ، وزَجْرًا عن إعْدامِ النَّفْسِ المعْصومةِ،
وفي مَسْألتِنا حِرْمان الميراثِ يَمْنَعُ إقامةَ الحدودِ الواجبةِ واستيفاءَ الحُقوقِ المشْروعَةِ، ولا يُفضي إلى إيجادِ قتلٍ مُحرَّمٍ، فهو ضِدُّ ما ثبت في الأصْلِ،
ولا يصِحُّ القياسُ على قتلِ الصبيِّ والمجنونِ؛ لأنَّه قتلٌ مُحَرَّمٌ، وتفويتُ نَفْسٍ مَعْصومةٍ، والتوريثُ يُفْضِي إليه،
بخلافِ مَسْألَتِنا. إذا ثَبَت هذا، فالمشارِكُ في القتلِ في الميراثِ كالمُنْفَرِدِ؛ لأنَّه يَلْزَمُه مِن الضَّمانِ بحَسَبِه،
فلو شَهِدَ على مَوْروثِه مع جماعةٍ ظُلْمًا فقُتِلَ لم يَرِثْه،
وإن شَهِدَ بحقٍّ وَرِثَه؛ لأنَّه غيرُ مَضْمونٍ.
فصل: أربعةُ إخْوةٍ قَتَل أكبَرُهم الثاني، ثم قَتَل الثالثُ الأصْغَرَ، سَقَط القِصاصُ عن الأكْبَرِ؛ لأنَّ مِيراثَ الثاني صار للثالثِ والأصْغَرِ نِصْفَين، فلمَّا قَتَل الثالثُ الأصْغَرَ لم يَرِثْه، ووَرِثَه الأكْبَرُ، فرَجَعَ إليه نِصْفُ دَمِ نَفْسِه وميراثُ الأصْغَرِ جميعُه، فسقَطَ عنه القِصاصُ لميراثِه بعضَ دمِ نَفْسِه، وله القِصاصُ على الثالثِ، ويَرِثُه في ظاهِرِ المذْهَبِ؛
فإنِ اقْتُصَّ منه وَرِثَه. ووَرِثَ إخْوتَه الثلاثةَ.
ولو أنَّ ابْنَينِ قَتَل أحدُهما أحدَ أبوَيهِما، وهما زَوْجَان، ثم قتلَ الآخرُ أباه الآخَرَ، سَقَط القِصاصُ عن الأوَّلِ، ووَجَبَ على القاتلِ الثانِي، لأنَّ الأوَّلَ لمَّا قَتَل أباه وَرِثَ ماله ودَمَه أخوه وأُمُّه، فلمَّا قَتَل الثاني أمَّه، وَرِثَها قَاتِلُ الأبِ، فصار له مِن دَمِ نَفْسِه ثُمْنُه، فسَقَطَ القِصاصُ عنه لذلك، وله القِصاصُ على الآخَر،
فإن قَتَلَه، وَرِثَه في ظاهِرِ المذْهبِ.
وإن جَرَح أحدُهما أباه، والآخَرُ أُمَّه، وماتا في حالٍ واحدةٍ ولا وارِثَ لهما سِواهُما، فلكُلِّ واحدٍ منهما مالُ الذي لم يَقْتُلْه، ولكُلِّ واحِدٍ منهما القِصاصُ على صاحِبه. ولذلك لو قَتَل كلُّ واحدٍ منهما أحَدَ الأبوَين ولم يكونا زَوْجَين، فلكُلِّ واحدٍ منهما القِصاصُ على أخيه، إلَّا أنَّه لا يُمْكِنُ أحدَهما الاسْتِيفاءُ إلَّا بإبطالِ حقِّ الآخَرِ، فيسْقُطان.
وإن عَفَا أحدُهما عن الآخَرِ، فللآخَرِ قتْلُ العافي، ويَرِثُه في الظاهِرِ.
وإن بادَرَ أحدُهما فقَتَل أخاه، سَقَط القِصاصُ عنه، ووَرِثَه في الظاهِرِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَرِثَه،
ويَجِبُ القِصاصُ عليه، لأنَّ القِصاصَين لمَّا تَساوَيا وتَعَذَّرَ الجمعُ بينَ استيفائِهما، سَقَطَا، فلم يَبْقَ لهما حُكْمٌ، فيكونُ المستوفِي مِنهما مُتَعَدِّيًا باسْتيفائِه، فلا يَرِثُ أخاه،
ويجبُ القِصاصُ عليه بقتلِه. وإن أشْكَلَ كَيفِيَّةُ موتِ الأبوَين وادَّعَى كُلُّ واحدٍ منهما أنَّ قَتيلَه أوَّلُهما موتًا، خُرِّجَ في تَوْرِيثهما ما ذكرنا في الغَرْقَى، مِن تورِيثِ كُلِّ واحدٍ مِن الميِّتين مِن الآخَرِ، ثم يَرِثُ كُلُّ واحدٍ منهما بعضَ دَمِ نَفْسِه، فيسْقُطُ القِصاصُ عنهما،
ومَن لا يرَى ذلك، فالجوابُ فيها كالتي قبلَها. ويَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ القِصاصُ بِكُلِّ حالٍ للشُّبْهَةِ، والله أعلمُ، ويكونُ لكُلِّ واحدٍ منهما دِيَةُ الآخَرِ ومالُه.
بَابُ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ] ِ عَقَدَ هَذَا الْبَابَ لِبَيَانِ إِرْثِ الْقَاتِلِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّرْجَمَةِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَبِّرَ بِالنَّفْيِ وَالْقَتْلِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ، فَالْمَضْمُونُ مُوجِبٌ لِلْحِرْمَانِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (كُلُّ قَتْلٍ مَضْمُونٍ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ أَوْ كَفَارَّةٍ) كَمَنْ رَمَى إِلَى صَفِّ الْكُفَّارِ فَأَصَابَ مُسْلِمًا (يَمْنَعُ الْقَاتِلَ مِيرَاثَ الْمَقْتُولِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:«لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:«لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا، صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْفَرَائِضِ، وَنَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ، لَمْ يُأْمَنْ مِنْ دَاعِرٍ مُسْتَعْجِلٍ الْإِرْثَ أَنْ يَقْتُلَ مُورِّثَهُ، فَيَفْنَى الْعَالَمُ، فَاقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ حِرْمَانَهُ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ قَطْعُ الْمُوَالَاةِ، وَهِيَ سَبَبُ الْإِرْثِ،
وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمَقْتُولَ يَرِثُ مِنْ قَاتِلِهُ مِثْلَ أَنْ يَجْرَحَ مُوَرِّثَهُ، ثُمَّ يَمُوتَ قَبْلَ الْمَجْرُوحِ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ، وَسَوَاءٌ انْفَرَدَ بِهِ أَوْ شَارَكَ غَيْرَهُ،
فَلَوْ شَهِدَ عَلَى مُوَرِّثِهِ مَعَ جَمَاعَةٍ ظُلْمًا بِقَتْلٍ لَمْ يَرِثْهُ (سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا) بِالْإِجْمَاعِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَابْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُمَا وَرَّثَاهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ تَنَاوَلَتْهُ بِعُمُومِهَا، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا، وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ لِشُذُوذِهِ، وَقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِهِ،
فَإِنَّ عُمَرَ أَعْطَى دِيَةَ ابْنِ قَتَادَةَ الْمَذْحِجِيِّ لِأَخِيهِ دُونَ أَبِيهِ، وَكَانَ حَذَفَهُ بِسَيْفٍ فَقَتَلَهُ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ الْوَارِثَ رُبَّمَا اسْتَعْجَلَ مَوْتَ مُوَرِّثِهِ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، كَمَا فَعَلَ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي قَتَلَ ابْنَ عَمِّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ (أَوْ خَطَأً) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ: أَنَّهُ يَرِثُ مِنَ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ؛
لِأَنَّ مِيرَاثَهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةُ تُخَصِّصُ قَاتِلَ الْعَمْدِ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ فِيمَا سِوَاهُ.
وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَرِثُ مِنَ الدِّيَةِ لَا يَرِثُ مِنْ غَيْرِهَا كَقَاتِلِ الْعَمْدِ، وَالْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ، سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَطَلَبًا لِلتَّحَرُّزِ عَنْهُ، لَكِنْ ذَكَرَ أَبُو الْوَفَاءِ، وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: أَنَّهُ يَرِثُ مَنْ لَا قَصْدَ لَهُ مِنْ صَبِيٍّ مَجْنُونٍ، وَإِنَّمَا يُحْرَمُ مَنْ يُتَّهَمُ، وَصَحَّحَهُ أَبُو الْوَفَاءِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُظْهِرُ الْجُنُونَ لِيَقْتُلَهُ، وَقَدْ يُحَرِّضُ عَاقِلٌ صَبِيًّا، فَحَسَمْنَا الْمَادَّةَ كَالْخَطَأِ (بِمُبَاشَرَةٍ) كَانَ الْخَطَأُ كَمَنْ رَمَى صَيْدًا، فَأَصَابَ مُوَرِّثَهُ (أَوْ سَبَبٍ) كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا، فَسَقَطَ فِيهَا مُوَرِّثُهُ (صَغِيرًا كَانَ الْقَاتِلُ أَوْ كَبِيرًا) لِأَنَّهُ قَاتِلٌ فَتَشْمَلُهُ الْأَدِلَّةُ،
وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ مَصْلَحَتَهُ، كَضَرْبِ الْأَبِ وَالزَّوْجِ لِلتَّأْدِيبِ، وَكَسَقْيِهِ الدَّوَاءَ، وَبَطِّ جُرْحِهِ، وَالْمُعَالَجَةِ إِذَا مَاتَ بِهِ،
وَفِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً، فَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا، لَمْ تَرِثْ مِنَ الْغُرَّةِ شَيْئًا، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَقِيلَ: مَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ، فَمَاتَ، لَمْ يَرِثْهُ، وَإِنَّهُ إِنْ سَقَاهُ دَوَاءً أَوْ فَصَدَهُ، أَوْ بَطَّ سَلْعَتَهُ لِحَاجَةٍ، فَوَجْهَانِ،
وَإِنَّ فِي الْحَافِرِ احْتِمَالَيْنِ، وَمِثْلُهُ نَصْبُ سِكِّينٍ، وَوَضْعُ حَجَرٍ، وَرَشُّ مَاءٍ، وَإِخْرَاجُ جَنَاحٍ، انْتَهَى. وَقَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا، وَجَزَمَ فِي الْحَاشِيَةِ بِأَنَّهُ إِذَا أَدَّبَ وَلَدَهُ، فَمَاتَ، يُمْنَعُ الْإِرْثَ، وَظَاهِرُ الشَّرْحِ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ مَصْلَحَتَهُ.
بَابُ مِيرَاثِ الْقَاتِل كُلُّ قَتْلٍ مَضْمُونٍ بِقِصَاص أوْ دِيَةٍ أوْ كَفَّارَةٍ يَمْنَعُ الْقَاتِلَ مِيرَاثَ الْمَقْتُولِ، سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أوْ خَطَأً، بِمُبَاشَرَةٍ أوْ سَبَبٍ، صَغِيرًا كَانَ الْقَاتِلُ أوْ كَبِيرًا.
بابُ مِيراثِ القاتل كُلُّ قَتْلٍ مَضْمُونٍ بقِصاصٍ أو دِيَةٍ أو كَفَّارَةٍ، يَمْنَعُ القاتِلَ مِيراثَ المقْتُولِ؛ سَواءٌ كان عَمْدًا أو خَطَأً، بمُباشَرَةٍ أو سبَبٍ. وسَواءٌ انْفَرَدَ بقَتْلِه أو شارَكَ. هذا المذهبُ في ذلك كله، حتى لو شَرِبَتْ دواءً فأسْقَطَتْ جَنِينَها، لا تَرِثُ مِنَ الغُرَّةِ شيئًا. نصَّ عليه. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: مَن أدَّبَ ولَدَه فماتَ بذلك، لم يَرِثْه. وجزَم به في «الرِّعايَةِ الصغْرَى»، و «الحاوي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ». وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، واختارَ فيها كالمذهبِ.
وقيل: إن سقاه دَاوءً، أو فصدَه، أو بَطَّ سَلْعَتَه لحاجَتِه، فوَجْهان.
وإنَّ في الحافرِ احْتِمالين. ومثْلُه؛ نَصْبُ سِكِّين، ووَضعُ حجَرٍ، ورَشُّ ماءٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإخراجُ جَناحٍ. وهذا كلُّه طريقَتُه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: لو قصَد مصْلَحَةَ مُوَلِّيه بسَقْي دَواءٍ، أو بَطِّ خُرَاجٍ، فماتَ، ورِثَه في ظاهِرِ المذهبِ. وذكَر ابنُ أبِي مُوسى فيه وَجهَين.
وكذا لو أمَرَه كبيرٌ عاقِلٌ ببَطِّ خُرَاجِه، أو قَطْعِ سَلْعَةٍ. قاله المُصنِّفُ، والشَّارِحُ، وقالا: هذا ظاهِرُ المذهبِ أيضًا. صَغِيرًا كانَ القَاتِلُ أو كَبِيرًا. هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وذكَر أبو الوَفاءِ بنُ عَقِيلٍ وأبو يعلَى الصَّغِيرُ، أنَّ أحدَ طرِيقَيْ بعضِ أصحابِنا تَوْريثُ مَن لا قَصْدَ له؛ كالصَّبِيِّ وَمَا لَا يُضْمَنُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذا؛ كَالْقَتْلِ قِصَاصًا أوْ حَدًّا أوْ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، وَقَتْلِ الْعَادِلِ الْبَاغِيَ، وَالْبَاغِي الْعَادِلَ، فَلَا يَمْنَعُ.
وَعَنْهُ، لَا يَرِثُ الْبَاغِي الْعَادِلَ، وَلَا الْعَادِلُ الْبَاغِيَ. فَيُخَرَّجُ مِنْهُ أنَّ كُلَّ والمَجْنونِ، وإنّما يُحْرَمُ الإرثَ مَن يُتَّهَمُ دُونَ غيرِه. والنَّصُّ خِلافُ ذلك. وحكَى ابنُ عَقِيلٍ في «مُفرَداتِه»، و «عُمَدِ الأدِلّةِ» وَجْهًا، أنَّ قتْلَ الصَّبِيِّ والمَجنونِ لا يَمْنَعُ الإرْثَ. قال: وهو أصحُّ عندي.
باب ميراث القاتل] قال المصنف رحمه الله تعالى: (كل قتلٍ مضمون بقصاص أو ديةٍ أو كفارةٍ يمنع القاتل ميراث المقتول سواء كان عمداً أو خطأ بمباشرةٍ أو سبب، صغيراً كان القاتل أو كبيراً) .
أما كون القتل يمنع القاتل الإرث في الجملة؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«ليسَ لقاتلٍ شيء». رواه ابن عبدالبر.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منْ قتلَ قتيلاً فإنهُ لا يرثهُ، وإن لم يكنْ لهُ وارثٌ غيرهُ، وإن كانَ والدهُ أو ولده» رواه الإمام أحمد.
وروي عن عمر «أنه أعطى دية ابن قتادة المذحجي لأخيه دون أبيه وكان قد حذفه بسيف فقتله» . واشتهر ذلك بين الصحابة ولم يُنكر فكان إجماعاً.
وقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس لقاتل شيء». رواه مالك في موطئه. ولأن توريث القاتل يفضي إلى تكثير القتل؛ لأن الوارث ربما استعجل موت موروثه ليأخذ ماله؛ كما فعل الاسرائيلي الذي قتل عمه فأنزل الله فيه قصة البقرة.
وأما كون كل قتل مضمون بقصاص؛ كالقتل العمد، أو دية كالخطأ، أو كفارة؛ كمن رمي إلى صف الكفار ولم يعلم أن فيهم مسلماً، وكان فيهم موروثه المسلم سواء كان عمداً أو خطأ بمباشرة أو سبب، صغيراً كان القاتل أو كبيراً: يمنع القاتل ميراث المقتول؛ فلأنه قاتل. فيدخل في الأحاديث المتقدم ذكرها غير مساوٍ لغير المضمون. فوجب المنع عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.