وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مَنْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ وصَرِيحُهُ لَفْظُ الْعِتْقِ وَالْحُرِّيَّةِ الْمُعَلَّقَيْنِ بِالْمَوْتِ وَلَفْظُ التَّدْبِيرِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا
الشروح عليها
مسألة: (ويَصِحُّ مِن كلِّ مَن تَصِحُّ وَصِيَّتُه) لأنَّه تَبَرُّعٌ بالمالِ بعدَ الموتِ، أشْبَهَ الوَصِيَّةَ.
وقال الخِرَقِيُّ: يَصِحُّ تَدْبيرُه إذا جاوزَ العَشْرَ وكان يَعْرِفُ التدبِيرَ.
وكذلك الجارِيَةُ إذا جاوزتِ التِّسْعَ.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: يَصِحُّ تدبيرُ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ. قال بعضُ أصحابِه: هو أصَحُّ قَوْلَيه. وهو إحْدَى الرِّوايتين عن مالكٍ. ورُوِيَ ذلك عن شرَيحٍ، وعبدِ الله بِنِ عُتْبَةَ.
وقال الحسنُ، وأبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ تدبيرُه. وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن مالكٍ، والقولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ إعْتاقُه، فلم يَصِحَّ تَدبيرُه، كالمَجنونِ. ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أجازَ وَصِيَّةَ غُلامٍ مِن الأنْصارِ لأخْوالِه مِن غَسَّانَ بأرْض يُقالُ لها: بِئْرُ جُشَمَ ، قُوِّمَتْ بثَلاثينَ ألْفًا. رواهُ سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ . وكان الغُلامُ ابنَ عَشْرِ سِنِين، ورُوِيَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ. ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ. والتدبِيرُ في معنى الوَصِيَّةِ. وقد ذكَرْنا ذلك في كتابِ الوَصايا.
ويُخالِفُ التدبيرُ العِتْقَ في الحياةِ؛ لأنَّ فيه تَفْويتًا لمالِه في حياتِه ووقْتِ حاجَتِه. والوَصِيَّة والتدبيرُ، لَا ضَرَرَ عليه فيهما، فإنَّه إن عاش لم يذْهَبْ شيءٌ مِن مالِه.
وإن مات فهو غيرُ مُسْتَغْنٍ عن الثوابِ، فيكونُ ذلك زيادَةً في رَفْعِ دَرَجَتِه. وإنَّما خَصَّ الخِرَقِيُّ ابنَ عَشْرِ سِنِينَ؛ لأنَّه يُؤْمَرُ بالصَّلاةِ، والجارِيَةَ بتِسْعٍ؛ لقولِ عائشَةَ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنين فهي امرأةٌ . ولأنَّه سِنٌّ يمكِنُ بُلوغُها فيه، ويَتَعَلَّقُ به أحكامٌ غيرُ ذلك.
فأمّا المجْنونُ فلا يَصِحُّ شيءٌ مِن تَصَرُّفاتِه، فلذلك لم يَصِحَّ [تدْبيرُه.
ويَصِحُّ] تدْبيرُ المَحْجور عليه للسَّفَهِ، لِما ذَكَرْنا لي الصَّبيِّ، بل هو أوْلَى بالصِّحة مِن الصَّبِيِّ، لأنَّه مُكَلَّفٌ، وحاجَتُه إلى الثَّوابِ أكثر مِن حاجةِ الصبيِّ. وصحَّةُ تدْبيرِ السَّكْرانِ مَبْنيَّةٌ على صِحَّةِ وَصِيَّتِه، وقد ذَكَرْناه. وكلُّ مَن صَحَّ تَدْبيرُه، فهو كالمكَلَّفِ في صِحَّة رُجُوعِه قياسًا عليه.
فصل: ويَصِحُّ تَدْبِيرُ الكافِرِ، ذِمِّيًّا كان أو حَرْبِيًّا، في دارِ الإسْلامِ وغيرِها، لأنَّ له مِلْكًا صَحِيحًا، فصَحَّ تَصَرُّفُه فيه، كالمسلمِ.
فإن قيلَ: لو كان مِلْكُه صَحِيحًا لم يُمْلَكْ عليه بغيرِ اخْتيارِه. قلنا: هذا لا يُنافِي المِلْكَ، بدليلِ أَنه يَمْلِكُ في النِّكاحِ، وتُمْلَكُ عليه زوجَتُه بغيرِ اخْتيارِه. وحُكْمُ تدبيرِه حُكْمُ تَدبيرِ المسلمِ، على ما نذْكُرُه.
٢٩٦٠ - مسألة: (وصَرِيحُه لفْظُ العِتْقِ والحُرِّيةِ المُعَلَّقَين بالموتِ) كقَولِه: أنتَ حُرٌّ، أو عَتِيقٌ، أوْ مُعْتَقٌ، أو مُحَرَّرٌ بعدَ موتي. فيَصِيرُ بذلك مُدَبَّرًا، بلا خِلافٍ نَعْلَمُه.
وكذلك إن قال: أنتَ مُدَبَّرٌ، أو قد دَبَّرتُك. فإنَّه يَصِيرُ مُدَبَّرًا بمُجَرَّدِ اللفظِ،
وإن لم يَنْوه. هذا منصوصُ الشافعيِّ.
وقال أصحابُه: فيه قولٌ آخَرُ؛ أنَّه ليس بصَرِيحٍ، ويَفْتَقِرُ إلى النِّيةِ؛ لأنَّهما لفْظان لم يَكْثُرِ استعمالُهما، فافْتَقَرا إلى النِّيةِ، كالكِناياتِ. ولَنا، أنَّهما لفْظان وُضِعَا لهذا العَقْدِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى النِّيةِ، كالبَيعِ،
بخِلافِ الكِناياتِ، فإنَّها غيرُ موضوعةٍ له، ويُشارِكُها فيه غيرُها، فافْتَقَرت إلى النِّيةِ للتَّعْيِينِ وتَرْجِيحِ أحَدِ المُحْتَمَلَين،
بخِلافِ الموضوعِ، فإنَّه لا يَفْتَقِرُ إلى النِّيةِ، كلَفْظِ العِتْقِ.
٢٩٦١ -
(وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مَنْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ،
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا جَاوَزَ الْعَشْرَ وَكَانَ يَعْرِفُهُ، وَالْجَارِيَةُ إِذَا جَاوَزَتِ التِّسْعَ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَالْجَارِيَةُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعًا، فَهِيَ امْرَأَةٌ، وَلِأَنَّهُ سِنٌّ يُمْكِنُ بُلُوغُهَا فِيهِ،
وَيَصِحُّ تَدْبِيرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ،
وَلَا يَصِحُّ مِنَ الْمَجْنُونِ، وَيَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ،
وَلَوْ حَرْبِيًّا وَمُرْتَدًّا، إِنْ تَبَيَّنَّا مِلْكَهُ لَهُ، فَأَسْلَمَ،
فَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا، بَطُلَ فِي الْأَصَحِّ (وصَرِيحُهُ لَفْظُ الْعِتْقِ وَالْحُرِّيَّةِ الْمُعَلَّقَيْنِ بِالْمَوْتِ) كَقَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ أَوْ عَتِيقٌ أَوْ مُعْتَقٌ أَوْ مُحَرَّرٌ بَعْدَ مَوْتِي، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مُدَبَّرًا، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَلَفْظُ التَّدْبِيرِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا) غَيْرُ أَمْرٍ وَمُضَارِعٍ،
فَإِذَا قَالَ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ، أَوْ دَبَّرْتُكَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُدَبَّرًا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ،
وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ، وَكِنَايَاتُ الْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ تَكُونُ لِلتَّدْبِيرِ إِذَا أَضَافَ إِلَيْهِ ذِكْرَ الْمَوْتِ
ويصِحُّ مِن كُلِّ مَن تصِحُّ وَصِيَّتُه. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقال الخِرَقِيُّ: يصِحُّ تَدْبيرُ الغُلامِ إذا جاوَزَ العَشْرَ، والجارِيَةِ إذا جاوَزَتِ التِّسْعَ. وَصَرِيحُهُ لَفْظُ الْعِتْقِ وَالْحُرِّيَّةِ الْمُعَلَّقَينِ بِالْمَوْتِ، وَلَفْظُ التَّدْبِيرِ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا .
تنبيه: قوْلُه: وصَرِيحُه لَفْظُ العِتْقِ والحُرِّيَّةِ المُعَلَّقَين بالمَوْتِ، ولَفْظُ التَّدْبِيرِ، وما تَصَرَّفَ منها. مُرادُه، غيرُ لَفْظِ الأمْرِ والمُضارِعِ، تقدَّم التَّنبِيهُ عليه في أوَّلِ كتابِ العِتْقِ، فَلْيُراجَعْ.
فائدة: كِناياتُ العِتْقِ المُنْجَزِ، تكونُ للتَّدْبيرِ إذا أضافَ إليه ذِكْرَ المَوْتِ. قاله الأصحابُ.
وَيَصِحُّ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا، بِأَنْ يَقُولَ: إِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أوْ: عَامِي هَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ. أَوْ: مُدَبَّرٌ.
فائدة: قوْلُه: ويصِح مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا، بأنْ يقُولَ: إنْ مِتُّ في مَرَضِي هذا، أوْ عامِي هذا، فأَنْتَ حُرٌّ. أو: مُدَبَّرٌ.
وكذا لو قال له: إذا قَدِمَ زَيدٌ، أو جاءَ رأْسُ الشَّهْرِ، فأنْتَ مُدَبَّرٌ. بلا نِزاعٍ.
ويصِح أيضًا مؤقَّتًا، نحوَ: أنْتَ مُدَبَّرٌ اليوْمَ. نصَّ عليه.
وَإنْ قَال: مَتَى شِئْتَ فَأنْتَ مُدَبَّرٌ. فَمَتَى شَاءَ في حَيَاةِ السَّيِّدِ صَارَ مُدَبَّرًا.
قال: (ويصح من كل من تصح وصيته. وصريحه لفظ: العتق والحرية المعلقين بالموت. ولفظ: التدبير، وما تصرف منها) .
أما كون التدبير يصح من كل من تصح وصيته؛ فلأنه تصرف بعد الموت. أشبه الوصية.
وأما كون صريحه لفظ: العتق المعلق بالموت؛ كأنت عتيق بعد موتي، وما تصرف منه؛ كأنت معتق بعد موتي. ولفظ: الحرية المعلق بالموت؛ كأنت حر بعد موتي، وما تصرف منه؛ كأنت محرر بعد موتي. ولفظ: التدبير، وما تصرف منه؛ كأنت مدبّر ودبّرتك وما أشبهه؛ فلأن جميع ذلك لا يحتمل غير التدبير. وقد تقدم أن الفعل المضارع المتصرف من العتق والحرية لا يقع به شيء. فكذلك هنا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.