وَإِنِ ابْتَدَأَ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا
الشروح عليها
مسألة: (فإنِ ابْتدَأ بهم الصلاةَ قائِمًا، ثم اعْتَلَّ فجَلَسَ، أتَمُّوا خَلْفَه قِيامًا) لأنَّ أَبا بكرٍ حينَ ابْتَدَأ بهم الصلاةَ قائِمًا، ثم جاء النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأتَمَّ الصلاةَ بهم جالِسًا، أتَمُّوا قِيامًا، ولم يَجْلِسُوا. ولأنَّ القِيامَ هو الأصْلُ،
فمَن بَدَأ به في الصلاةِ لَزِمَه في جَمِيعِها إذا قَدَر عليه، كالذى أحْرَمَ في الحَضَرِ ثم سافَرَ.
فصل: فإن اسْتَخْلَفَ بعضُ الأئِمَّةِ في وَقْتِنا هذا، ثم زال عُذْرُه فحَضَرَ، فهل يَجُوزُ أن يَفْعَلَ كفِعْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أبي بكرٍ؛ فيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداها، ليس له ذلك. قال أحمدُ، في رِوايَة أبي داودَ: وذلك خاصٌّ بالنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ لأن هذا أمْرٌ يُخالِفُ القِياسَ،
فإنَّ انْتِقالَ الإِمام مَأْمُومًا، وانْتِقَالَ المأْمُومِين مِن إمام إلى آخَرَ، لا يَجُوزُ إلَّا لعُذْرٍ يُحْوِجُ إليه، وليس في تَقدُّم الإِمامِ الرّاتِبِ ما يُحْوِجُ إلى هذا،
أمّا النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فله مِن الفَضِيلَةِ وعِظَمِ المَنْزِلَةِ ما ليس لأَحَدٍ، ولذلك قال أبو بكرٍ: ما كان لابنِ أبي قُحافَةَ أن يَتَقَدَّمَ بينَ يَدَيْ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-. والثانيةُ، يَجُوزُ. نَصَّ عليه في رِوايةِ أبي الحارِثِ. فعلى هذا يُكَبِّرُ ويَقْعُدُ إلى جَنْبِ الإمام، ويَبْتَدِئُ القِراءةَ مِن حيث بَلَغ الإِمامُ؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّ ما فَعَلَه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يكونُ جائِزًا لأُمَّتِه، ما لمِ يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ.
والرِّوايةُ الثالِثَةُ، أنَّ ذلك يَجُوزُ للخَلِيفَةِ دُون بَقِيَّةِ الأئِمَّةِ، فإنَّه
قال، في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: ليس هذا لأحَدٍ إلَّا للخَلِيفَةِ. وذلك لأنَّ رُتْبَةَ الخِلافَةِ تَفْضُلُ رُتْبَةَ سائِرِ الأئِمَّةِ، فلا يَلْحَقُ بها غيرُها، [وكان ذلك للخَلِيفَةِ]، وخَلِيفَةُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقُومُ مَقامَه. ٥٥٩ -
(وَإِنِ ابْتَدَأَ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ) أَيْ: حَصَلَ لَهُ عِلَّةٌ (فَجَلَسَ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا) لِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ،
فَإِذَا بَدَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهُ فِي جَمِيعِهَا إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، كَمَنَ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "،
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ إِمَامَ الْحَيِّ [إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى لِلرِّجَالِ]
وإنِ ابْتدَأ بِهِم الصَّلاةَ قائِمًا، ثم اعْتَلَّ فجلَس، أتَمُّوا خَلْفَه قيامًا. بلا نِزاعٍ، ولم يَجُزِ الجُلوسُ. نصَّ عليه. وذكَر الحَلْوانِيُّ،
ولو لم يكُنْ إمامَ الحَيِّ.
فوائد؛ الأُولَى، لو أُرْتِجَ على المُصَلِّي في الفاتحةِ، وعجَز عن إتمامِها، فهو كالعاجِزِ عن القيامِ في أثْناءِ الصَّلاةِ؛ يأْتِي بما يقدِرُ عليه ولا يُعيدُها. ذكَره ابنُ عَقِيلِ في «الفصولِ».
قال في «الفُروعِ»: ويُؤْخَذ منه ولو كان إمامًا.
والصَّحيحُ مِنَ المذهب، أنَّه يسْتَخْلِفُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وتقدَّم ذلك في بابِ النِّيَّةِ،
وفي صِفَةِ الصَّلاةِ، فيما إذا أُرْتِجَ على الإمامِ أَيضًا. الثَّانيةُ، إذا تَرك الإمامُ رُكْنًا أو شَرْطًا عندَه وحدَه، وهو عالِمٌ بذلك، لَزِمَ المأْمومَ الإِعادةُ. على الصَّحيح مِنَ ـ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ مُطْلَقًا، وعليه أكثرُ الأصحابِ، كالإِمامِ.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»: يُعيدُ إنْ علِمَ في الصَّلاةِ، وإلَّا فلا. ورَدَّه في «الفُروع».
وقال: يتَوَجَّهُ مثلُه في إمامٍ يعْلَمُ حَدَثَ نفْسِه.
وإنْ كان الرُّكْنُ والشَّرْطُ المَتْروك يعْتَقِدُه المأْمومُ رُكْنًا وشَرْطًا، دُونَ الإِمامِ، لم يَلْزَمْه الإِعادة، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه ابنُ تَميمٍ، والشَّارِحُ، ومالَ إليه. واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّين، وصاحِبُ «الفائِق».
وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدين في مَوْضِعٍ آخَرَ: لو فعَل الإِمامُ ما هو مُحَرَّمٌ عندَ المأْمومِ دُونَه، ممَّا يُسوَّغُ فيه الاجْتِهادُ، صحَّتْ صلاتُه خلْفَه، وهو المشْهورُ عن أحمدَ.
وقال في موْضِعٍ آخَرَ: الرِّواياتُ المنْقولَةُ عن أحمدَ لا تُوجبُ اخْتِلافًا دائمًا، ظواهِرُها، أنَّ كلَّ موضِعٍ يقْطَعُ فيه بخَطأ المُخالِفِ، يجِبُ الإِعادة، وما لا يقْطَعُ فيه بخطأُ المُخالفِ، لا يوجِبُ الإِعادةَ. وهو الذى عليه السُّنَّةُ والآثارُ، وقِياسُ الأُصولِ. انتهى.
وعنه، يُعيدُ. قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه جماعةٌ.
قلتُ: صحَّحه النَّاظِمُ. وجزَم به في «الإفاداتِ». وقدَّمه في «المُحَرَّرِ». واخْتارَه ابنُ عَقِيل. وأطْلقَهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن» , ولَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمَرأَةِ وَالْخُنْثَى لِلرِّجَالِ، وَلَا لِلْخَنَاثَى، و «الحاوِيَيْن».
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»: إنْ كان في وجوبِه عندَ المأمومِ رِوايَتان، ففي صَلاتِه خلفَه رِوايتانِ.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ في هذه المسْألَةِ، إذا علِمَ المأْمومُ وهو في الصَّلاةِ.
فأمَّا إذا عَلِمَ بعدَ سلامِه، فلا إعادةَ. هذا هو الصَّحيحُ.
قال في «الفُروعِ»: لا يُعيدُ. وهو الأصَحُّ. وقدَّمه في «الرِّعايَة».
وقيل: يُعيدُ أَيضًا.
فائدة: لو تَرك المُصَلَّى رُكْنًا أو شرْطًا مُخْتلَفًا فيه، بلا تأْويلِ ولا تقْليدٍ، أعادَ الصَّلاةَ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. ذكَرَه الآجُرِّي إجْمَاعًا.
وعنه، لا يُعيدُ. وعنه، يُعيدُ اليَوْمَيْنِ والثَّلاثةَ.
قال في «الفُروعِ»: وعنه، لا يُعيدُ إنْ طالَ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.