وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ إِمَّا بِحَجَرٍ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ أَوْ بِثَلَاثَةٍ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يُجْزِئُ أقلُّ مِن ثلاثِ مَسَحاتٍ، إمّا بحَجَر ذي شُعَبٍ أو بثلاثةٍ)
أما الاسْتِجْمارُ بثلاثةِ أحْجارٍ، فيُجْزِئ إذا حَصَل بها الإِنْقاءُ، بغيرِ خلافٍ علمْناه، لما ذكرْنا مِن النَّصِّ والإجماعِ.
فأمّا الحَجَرُ الذي له ثلاثُ شُعَبٍ، فيُجْزِئ الاسْتِجْمارُ به في ظاهِرِ المذهبِ. وهو اختيارُ الخِرَقِيِّ، ومذهبُ الشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْر. وعن أحمدَ رواية أخرَى، لا يُجْزِئ أقَلُّ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ. وهو قولُ أبي بكرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَسْتَنْجِ أحَدُكُمْ بدُونِ ثَلاثَةِ أحْجَارٍ». رواه مسلم و «لا يَكْفِي أحدَكُمْ دُون ثَلاثَةِ أحْجارٍ». ولأنَّه إذا اسْتَجْمَر بالحَجَرِ تَنَجَّس، فلم يَجُزِ الاسْتِجْمارُ به ثانيًا، كالصَّغِيرِ. ولَنا، أنه اسْتَجْمَرَ ثلاثًا مُنْقِيَةً بما وُجِدَ فيه شُرُوطُ الاسْتِجْمارِ، فأجْزَأه، كما لو فَصَلَه ثلاثةَ أحجارٍ، واسْتَجْمَرَ بها، فإنَّه لا فرقَ بينَهما إلَّا فَصْلُه، ولا أثَرَ لذلك في التَّطهيرِ، والحديثُ يَقْتَضِي ثلاثَ مَسَحاتٍ بحَجَرٍ، كما يُقال: ضَرَبْته ثلاثةَ أسْواطٍ.
أي ثلاثَ ضَرَباتٍ بسَوْطٍ، وذلك لأنَّ معناه معقولٌ، ومُرادَه معلومٌ،
والحاصلُ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ حاصِلٌ مِن ثلاثِ شُعَبٍ،
ومِن مَسْحِه ذَكره في صَخْرَةٍ عَظِيمةٍ، بثَلاثةِ مَواضِعَ مِنها، فلا معنى للجُمُودِ على اللَّفْظِ مع وُجُودِ ما يُساويه. وقولُهم: إنَّ الحَجَرَ يَتَنَجَّس. قُلْنا: إنَّما يَمْسَحُ بالموضع الطاهِرِ، أشْبَهَ ما لو تَنَجَّسَ جانِبُه بغيرِ الاسْتِجْمارِ. ولأنَّه لو اسْتَجْمَرَ به ثلاثة، لحَصَلَ لكلِّ واحدٍ مِنهم مَسْحَةٌ، وقام مَقامَ ثلاثةِ أحْجارٍ، فكذلك إذا اسْتَجْمَرَ به الواحِدُ.
فصل: ولو اسْتَجْمَرَ ثلاثةٌ بثلاثةِ أحْجارٍ، لكلِّ حَجَرٍ ثلاثُ شُعَبٍ، اسْتَجْمَرَ كلُّ واحدٍ بشُعْبَةٍ مِن كُلِّ حَجَرِ، أو اسْتَجْمَرَ بحَجَر ثم غَسَلَه، أو كَسَر ما تَنَجَّسَ منه، ثم اسْتَجْمَرَ به ثانيًا، ثم فعل ذلك واسْتَجْمَر به ثلاثًا، أجْزأه؛ لحُصُولِ المعنى والإِنْقَاءِ. ويَحْتَمِلُ على قولِ أبي بكرٍ أن لا يُجْزئَه، جُمُودًا على اللَّفْظِ، وهو بعيدٌ. واللهُ أعلمُ.
فصل: ويُشْتَرَطُ للاسْتِجْمارِ الإِنْقاءُ، وكمالُ العَدَدِ. ومعنى الإِنْقاء في الاسْتِجْمارِ: إزالةُ عينِ النجاسةِ وبَلَلِها، بحيث [يَرْجِعُ الحَجَرُ] نَقِيًّا، ليس عليه أثر إلَّا شيئًا يَسِيرًا. ومعنى الإِنْقاءِ في الاسْتِنْجاءِ ذَهابُ لُزُوجَةِ النَّجاسَةِ وآثارِها.
فإنَّ وُجِدَ الإِنقاءُ، ولم يَكْمُلِ العَدَدُ، لم يُجْزِئ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقال مالكٌ: يُجْزِئ. وبه قال داوُد؛ لحُصُولِ المقْصُودِ، وهو الإِنْقاءُ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَن فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ». ولَنا، قَوْلُ سلْمانَ: لقد نَهانا -يعني النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ نَسْتَجْمِرَ بأقَلَّ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ .
فأمّا قوله:«فَلا حَرَجَ». في حديثهم، يعني في تَرْكِ الوتْرِ، لا في تركِ العَدَدِ؛ لأنَّ المأمُورَ به في الخَبَرِ الوترُ، فيَعُودُ نَفْيُ الحَرجِ إليه.
(وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ) مُنَقِّيَةٍ (إِمَّا بِحَجَرٍ) كَبِيرٍ (ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ أَوْ بِثَلَاثَةٍ) إِذَا حَصَلَ لَهُ الْإِنْقَاءُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَهِيَ مُجْزِئَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ،
وَأَمَّا الْحَجَرُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَهُ شُعَبٌ فَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجُلُّ الْمَشَايِخِ،
وَعَنْهُ: لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، نَصَّ عَلَيْهَا، وَعَلَّقَ الْإِجْزَاءَ بِهَا، وَلِأَنَّهُ إِذَا اسْتَجْمَرَ بِهِ تَنَجَّسَ، فَلَمْ يَجُزْ كَالصَّغِيرِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«إِذَا تَغَوَّطَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَمَسَّحْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَكْرَارُ التَّمَسُّحِ، لَا تَكْرَارُ الْمَمْسُوحِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِالشُّعَبِ الثَّلَاثَةِ مَا يَحْصُلُ بِالْأَحْجَارِ الثَّلَاثَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَسَرَ مَا تَنَجَّسَ، أَوْ غَسَلَهُ، أَوِ اسْتَجْمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ثَلَاثُ شُعَبٍ أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ الْمَعْنَى، وَالْإِنْقَاءِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَا يُجْزِئُهُ جُمُودًا عَلَى اللَّفْظِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ بَعِيدٌ،
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَوْ مَسَحَ بِالْأَرْضِ أَوْ بِالْحَائِطِ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ، فَهُوَ كَالْحَجَرِ الْكَبِيرِ.
تَذْنِيبٌ: الْإِنْقَاءُ بِالْحَجَرِ بَقَاءُ أَثَرٍ لَا يُزِيلُهُ إِلَّا الْمَاءُ،
وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: خُرُوجُ الْحَجَرِ، أَيِ: الْأَخِيرِ لَا أَثَرَ بِهِ إِلَّا يَسِيرًا،
فَلَوْ بَقِيَ مَا يَزُولُ بِالْخِرَقِ لَا بِالْحَجَرِ أُزِيلَ عَلَى ظَاهِرِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي،
وَيُنْدَبُ نَظَرُهُ إِلَى الْحَجَرِ قَبْلَ رَمْيِهِ لِيَعْلَمَ هَلْ قَلَعَ أَمْ لَا، وَالْإِنْقَاءُ بِالْمَاءِ خُشُونَةَ الْمَحَلِّ كَمَا كَانَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: أَنْ يَعُودَ الْمَحَلُّ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَنْتَقِضَ بِالْأَمْرَدِ وَنَحْوِهِ، وَيَكْفِي الظَّنُّ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ،
وَفِي " النِّهَايَةِ " بِالْعِلْمِ،
وَمِثْلُهُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ.
مَسْأَلَةٌ: يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ بِكُلِّ مَسْحَةٍ الْمَحَلَّ. ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُمِرَّ الْحَجَرَ الْأَوَّلَ مِنْ صَفْحَةِ مُقَدَّمِ الْيُمْنَى إِلَى مُؤَخَّرِهَا، ثُمَّ يُدِيرُهُ عَلَى الْيُسْرَى حَتَّى يَصِلَ بِهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يُمِرُّ الثَّانِيَ مِنْ صَفْحَتِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ الثَّالِثَ عَلَى الْمَسْرُبَةِ، وَالصَّفْحَتَيْنِ،
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ أَفْرَدَ كُلَّ جِهَةٍ بِحَجَرٍ فَهَلْ يُجْزِئُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً
إما بحَجَرٍ ذي شُعبٍ. الصَّحيحُ مِن المذهب؛ أنه يُجْزِيء في الاسْتِجْمارِ الحجَرُ الواحدُ، إذا كان له ثَلاثُ شُعَبٍ فصاعِدًا. وعليه جماهيرُ الأصحاب.
فَإِنْ لَمْ يُنْقِ بِهَا، زَادَ حَتَّى يُنْقِىَ. وَيَقْطَعُ عَلَى وتْرٍ.
وقطَع به كثيرٌ منهم. وعنه، لا يُجْزِئ إلَّا بثَلَاثةِ أحْجارٍ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، والشِّيرازيُّ.
وَيَجِبُ الاسْتِنْجَاء مِنْ كُلِّ خَارِجٍ، إلا الرِّيحَ،
قال: (ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات إما بحجر ذي شعب أو ثلاثة، فإن لم ينق بها زاد حتى ينقي. ويقطع على وتر) .
أما كون أقل من ثلاث مسحات لا يجوز فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فليذهب معه بثلاثة أحجار» رواه أبو داود.
ولقول سلمان:«نهانا - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» رواه مسلم.
وأما كون الحجر ذي الشعب الثلاث كالأحجار الثلاثة؛ فلأن الغرض عدد المسحات لا الأحجار؛ بدليل التعدية إلى ما في معنى الحجارة.
وقال أبو بكر: لا بد من ثلاثة أحجار اتباعًا للفظ الحديث.
وأما كون من لم ينق بالثلاث يزيد حتى ينقي؛ فلأن الغرض إزالة النجاسة فيجب التكرار إلى أن تزول.
وأما كونه يقطع على وتر فلقوله عليه السلام:«من استجمر فليوتر» متفق عليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.