وَإِنْ أَوِ ادَّعَى مَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ مِنْ نُقْصَانِ الْحَوْلِ أَوِ النِّصَابِ، أَوِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، نَصَّ عَلَيْهِ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا
الشروح عليها
مسألة: (وإنِ ادَّعَى ما يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ؛ مِن نُقْصانِ الحَوْلِ أوِ النِّصابِ، أو انْتِقالِه عنه في بعضِ الحَوْلِ، قُبِلَ قَوْلُه بغَيْرِ يَمِينٍ. نَصَّ عليه) أحمدُ؛ لأنَّ الزكاةَ عِبادَةٌ وحَقٌّ للَّهِ، فلم يُسْتَحْلَفْ عليه، كالصلاةِ والحَدِّ.
٩٧٢ - مسألة: (والصَّبِىُّ والمَجْنُونُ يُخرِجُ عنهما وَلِيُّهما) تَجِبُ الزكاةُ في مالِ الصبِىِّ والمَجْنُونِ، إذا كان حُرًّا مُسْلِمًا تَامَّ المِلْكِ، رُوِى ذلك عن عُمَرَ، وعَلىٍّ وابنِ عُمَرَ، وعائِشةَ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وجابِرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال جابِرُ بنُ زيدٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والحَسنُ بنُ صالِحٍ، وابنُ أبى لَيْلَى، والشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِى عن ابنِ مسعودٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ أنَّهم قالوا: تَجِبُ الزكاةُ، ولا يُخْرِجُ حتَّى يَبْلُغَ الصَّبِىُّ، ويُفِيقَ المَعْتُوهُ.
وقال الحسنُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو وائِلٍ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا تَجِبُ الزكاةُ في أمْوالِهما. قال أبو حنيفةَ: إلَّا العُشْرَ وصَدَقَةَ الفِطْرِ؛ وذلك لقَوْلِه عليه السلامُ:«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ؛ عَنِ الصبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ». ولأنَّها عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فلا تَجِبُ عليهما، كالصلاةِ والحَجِّ. ولَنا، ما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«مَنْ وَلِىَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكلَهُ الصَّدَقَةُ».
أخْرَجَه الدَّارقُطنِىُّ . وفى رُواتِه المُثَنَّى بنُ الصَّبّاحِ، وفيه مَقالٌ، ورُوِىَ مَوْقُوفًا عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه . وإنَّما تَأْكُلُه الصَّدَقَةُ بإخْراجِها. وإنَّما إخْراجُها إذا كانت واجِبَةً؛ لأنَّه ليس له أن يَتَبَرَّعَ بمالِ اليَتِيمِ، ولأنَّ مَن وَجَب العُشْرُ في زَرْعِه وَجَب نِصفُ العُشْرِ في وَرِقِه، كالبالِغِ العاقِلِ، وتُخالِفُ الصلاةَ والصومَ، فإنَّها مُخْتَصَّةٌ بالبَدَنِ، وبِنْيَةُ الصبِىِّ ضَعِيفَةٌ عنها، والمَجْنُونُ لا يَتَحَقَّقُ منه نِيَّتُها، والزكاةُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بالمالِ، أشْبَهَ نَفَقَةَ الأقارِبِ والزَّوْجاتِ، وأُرُوشَ الجِناياتِ، والحَدِيثُ أُرِيدَ به رَفْعُ الإِثْم والعِباداتِ البَدَنِيَّةِ، بدَلِيلِ وُجُوبِ العُشْرِ وصَدَقَةِ الفِطْرِ والحُقُوقِ المالِيَّةِ، ثم هو مَخْصُوصٌ بما ذَكَرْنا، والزكاةُ في المالِ في مَعْناه، ومَقِيسَةٌ عليه.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فإن الوَلِىَّ يُخْرِجُ عنهما مِن مالِهما؛ لأنَّها زكاةٌ واجِبَةٌ، فوَجَبَ إخْراجُها، كزكاةِ البالِغِ العاقِلِ، والوَلِىُّ يقُومُ مَقامَه في أداءِ ما عليه، ولأنَّه حَقٌّ واجِبٌ على الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، فكان على الوَلِىِّ أداوه عنهما، كنَفَقَةِ أقارِبِه، وتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الوَلِىِّ في الإِخْراجِ، كما تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِن رَبِّ المالِ.
٩٧٣ -
(وَإِنْ) طُولِبَ بِالزَّكَاةِ فَادَّعَى أَدَاءَهَا (أَوِ ادَّعَى مَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ مِنْ نُقْصَانِ الْحَوْلِ أَوِ النِّصَابِ، أَوِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ) بِأَنْ قَالَ: بِعْتُهُ ثُمَّ اشْتَرَيْتُهُ (قُبِلَ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ (بِغَيْرِ يَمِينٍ، نَصَّ عَلَيْهِ)
وَظَاهِرُهُ: لَا يُشْرَعُ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا نَسْأَلُ الْمُتَصَدِّقَ عَنْ شَيْءٍ، وَلَا نَبْحَثُ، إِنَّمَا نَأْخُذُ مَا أَصَابَهُ مُجْتَمِعًا؛ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا، فَلَا يُسْتَحْلَفُ كَالصَّلَاةِ وَالْكَفَّارَةِ،
بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ بِمَالٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ،
وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ إِنِ اتُّهِمَ،
وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " إِنْ رَأَى الْعَامِلُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ فَعَلَ،
وَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ،
وَقِيلَ: بَلَى، وَكَذَا الْحُكْمُ إِنْ مَرَّ بِعَاشِرٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ عَشَرَهُ آخَرُ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَرَّ بِقَدْرِ زَكَاتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ مَالِهِ صُدِّقَ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْيَمِينِ.
[الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا] (وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا إِذَا كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا تَامَّ الْمِلْكِ، وَقُوِّمَ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا:«مَنْ وَلِيَ مَالَ يَتِيمٍ فَلْيَتَّجِرْ بِهِ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ» وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِمَالِ الْيَتِيمِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ وَجَبَ الْعُشْرُ مِنْ زَرْعِهِ، وَجَبَ رُبْعُ الْعُشْرِ فِي رِزْقِهِ، كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ، وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ مُخْتَصَّةٌ بِالْبَدَنِ،
فَإِنَّ نِيَّةَ الصَّبِيِّ ضَعِيفَةٌ، وَالْمَجْنُونُ لَا تَتَحَقَّقُ مِنْهُ نِيَّتُهَا،
بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ لِنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ، وَأَرْشِ الْجِنَايَاتِ، فَعَلَى هَذَا (يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا) مِنْ مَالِهِمَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا، فَوَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ أَدَاؤُهُ عَنْهُمَا، كَنَفَقَةِ قَرِيبِهِ، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِنْهُ فِي الْإِخْرَاجِ كَرَبِّ الْمَالِ.
[لِلْإِنْسَانِ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ دَفْعُهَا إِلَى السَّاعِي]
وإنِ ادَّعَى ما يَمْنَعُ وجوبَ الزَّكاةِ؛ مِن نُقْصانِ النِّصابِ أو الحَولِ، أو انْتِقالِه عنه فى بعضِ الحوْلِ، ونَحوه، كادِّعائِه أداءَها، أو أن ما بيَدِه لغيرِه، أو تَجَدُّدِ مِلْكِه قريبًا، أو أنَّه مُنْفَرِدٌ، أو مُخْتَلِطٌ، قُبِلَ قَوْلُه بغيرِ يَمينٍ. وهذا المذهبُ، وَالصَّبِىُّ وَالْمَجْنُونُ يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا.
وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحْلَفُ فى ذلك كله. ووَجَّه فى «الفروعِ» احْتِمالًا، يُسْتَحْلَفُ إنِ اتُّهِمَ، وإلَّا فلا.
وقال القاضى فى «الأَحْكامِ السُّلْطانيَّةِ»: إنْ رأى العامِلُ أنْ يَسْتَحْلِفُه، فعَل،
فإنْ نكَل، لم يَقْضِ عليه بنُكولِه.
وقيلَ: يَقْضِى عليه. قلتُ: فعلى قَوْلِ القاضى، يُعايَى بها.
فائدة: قال بعضُ الأصحابِ: ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، أنَّ اليمينَ لا تُشْرَعُ. قال فى «عُيونِ المَسائِل»: ظاهِرُ قوْلِه: لا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ على صدَقاتِهم. لا يجبُ ولا يُسْتَحَبُّ،
بخِلافِ الوَصِيَّةِ للفُقراءِ بمالٍ. والصَّبىُّ والمَجْنُونُ يُخْرِجُ عنهما ولِيُّهُما. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وعنه، لا يَلْزَمُه الإخْراجُ إنْ خافَ أنْ يُطالَبَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بذلك، كمَن يَخْشَى رُجوعَ السَّاعِى، لكنْ يُعْلِمُه إذا بلَغ وعقَل.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ، وَلَهُ دَفْعُهَا إِلَى السَّاعِى.
وَعَنْهُ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْعُشْرَ، وَيَتَوَلَّى هُوَ تفْرِيقَ الْبَاقِى.
قال: (والصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما) .
أما كون ولي الصبي يخرج عنه الزكاة من ماله فلأن الزكاة تجب في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«اتجروا في أموال اليتامى كيلا تأكلها الصدقة» أخرجه الترمذي.
وفي إسناده مقال. وروي موقوفاً على عمر .
ولأن الزكاة وجبت مواساة والصبي من أهل المواساة ولهذا تجب عليه نفقة قريبه، ويعتق عليه ذو رحمه ليخرج عنه زكاة الفطر والعشر،
وإذا كانت الزكاة تجب في ماله تعين الإخراج على الولي لأن الصبي غير مكلف والولي ينوب عنه في قضاء دين الآدمي فكذلك في زكاته.
وأما كون ولي المجنون يخرج عنه الزكاة من ماله فلأنه كالصبي معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.