فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (وإذا اسْتَوَى على راحِلَتِه، لَبَّى تَلْبِيَةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ) تُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ إذا اسْتَوَى على راحِلَتِه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَها، وأمَرَ بها. وأدْنَى أحْوالِ الأمْرِ الاسْتِحْبابُ. وروَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّى، إلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِه مِنْ حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ أوْ مَدَرٍ ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ مِنْ هَهُنا وَهَهُنا» .

وتُسْتَحَبُّ البدايَة بها إذا اسْتَوَى على راحِلَتِة؛ لِما روَى أنَسٌ، وابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا رَكِب راحِلَتَه واسْتَوَتْ به، أهَلَّ. رَواهما البخارىُّ .

٨٬٢٢٤

وقال ابنُ عباس، رَضِىَ اللهُ عنهما: أوْجَبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الإِحْرامَ حينَ فَرَغ مِن صَلاِته، فلَمّا رَكِب راحِلَتَه واسْتَوَتْ به قائِمَةً أهَلَّ . يَعْنِى، لَبَّى. ومَعْنَى الإِهْلالِ، رَفْعُ الصَّوْتِ، مِن قَوْلِهم: اسْتَهَلَّ الصَّبِىُّ. إذا صاحَ. والأصْلُ فيه أنَّهم كانوا إذا رَأوُا الهِلالَ صاحُوا. فقيلَ لكلِّ صائِحٍ: مُسْتهِلٌّ، وإنَّما يَرْفَعُ بالتَّلْبِيَةِ. وهذه تَلْبِيَةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، روَى ابنُ عُمَرَ في المُتَّفَقِ عليه ، أنَّ.

تَلْبيَةَ رسولِ اللهَ - صلى الله عليه وسلم -: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». رَواه مسلمٌ عن جابِرٍ . والتَّلْبِيَةُ مَأْخُوذَةً مِن لَبَّ بالمَكانِ إذا لَزِمَه، فكأنَّه قال: أنا مُقِيمٌ على طاعَتِكَ وأمْرِك، غيرُ خارِجٍ عن ذلك، ولا شارِدٌ عليك. هذا ونحوُه. وثَنَّوْها وكَرَّرُوها؛ لأنَّهُم أرادُوا إقامَةً بعد إقامَةٍ، كما لو قالوا: حَنانَيْكَ. أى رَحْمَة بعدَ رَحْمَةٍ، أو رَحْمَة مع رَحْمَةٍ، أو ما أشْبَهَه.

٨٬٢٢٥

وقال جَماعَةٌ مِن العُلماءِ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إجابَةُ نِداءِ إبراهيمَ عليه السلامُ، حينَ نادَى بالحَجِّ. ورُوِىَ عن ابنِ عباس، رَضِىَ الله عنهما، قال: لَمّا فَرَغ إبراهيمُ عليه السلامُ مِن بناءِ البَيْتِ، قِيلَ له: أذِّنْ في النّاسِ بالحَجِّ. قال: رَبِّ وما يَبْلُغُ صَوْتِى. قال: أذِّنْ، وعَلَىَّ البَلَاغُ. فنادَى إبراهيمُ: أيُّها النّاسُ، كُتِبَ عليكم الحَجُّ. فسَمِعَه ما بينَ السماءِ والأرْضِ، أفلا تَرَى النّاسَ يَجِيئُون مِن أقْطارِ الأرْضِ يُلَبُّون . ويَقُولُون: لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ -بكسرِ الهمزَةِ-.

نَصَّ عليه أحمدُ. والفَتْحُ جائِزٌ، والكَسْرُ أجْوَدُ. قال ثَعْلَبٌ: مَن قال «أنَّ» بالفَتْحِ فقد خصَّ،

٨٬٢٢٦

ومَن قال بكَسْرِ الألِفِ، فقد عَمَّ. يعنى، أى أنَّ مَن كَسَر فقد جَعَل الْحَمْدَ للهِ على كلِّ حالٍ،

٨٬٢٢٧

ومَن فَتَح فمَعْناه لَبَّيْكَ؛ لأنَّ الْحَمْدَ لَكَ، أى لهذا السَّبَبِ.

فصل: ولا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ على تَلْبِيَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا تُكْرهُ. ونحوَه قال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لقولِ جابِرٍ: فأهَلَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالتَّوْحِيدِ:«لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». وأهَلَّ النّاسُ بهذا الذى يُهِلُّون، ولَزِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَلْبيَتَه. وكان ابنُ عُمَرَ يُلَبِّى بتَلْبِيَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويَزِيدُ مع هذا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ بيَدَيْكَ، والرَّغْباءُ إليكَ والعَمَلُ.

مُتَّفَقٌ عليه . وزادَ عُمَرُ رَضِىَ اللهُ عنه: لَبَّيْكَ ذا النَّعْماءِ والفَضْلِ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، مَرْهُوبًا ومَرْغُوبًا إليك، لَبَّيْكَ. هذا مَعْناه. رَواه الأثْرَمُ . ويُرْوَى أنَّ أنَسًا كان يَزِيدُ: لَبَّيْكَ حَقَّا حَقًّا، تَعَبُّدًا ورِقًّا . ففى هذا دَلِيلٌ على أنَّه لا بَأْسَ بالزِّيادَةِ، ولا تُسْتَحَبُّ، لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَزِم تَلْبِيَتَه، فَكَرَّرَها، ولم يَزِدْ عليها. وقد رُوِىَ أنَّ سَعْدًا سَمِع بعضَ بَنِى أخِيه وهو يُلَبِّى: ياذا المَعارِجِ.

فقالَ: إنَّه لذُو المَعارِجِ، وما هكذا كُنّا نُلَبِّى على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - .

١١٧٤ - مسألة: (والتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ، ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بها، والإِكثارُ منها، والدُّعاءُ بعدَها) التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ، كما ذَكَرْنا، وليست واجِبَةً. وبه قال الشافعىُّ. وعن أصْحابِ مالكٍ أنَّها واجِبَةٌ، يَجِبُ الدَّمُ بتَرْكِها. وعن الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، أنَّها مِن شَرْطِ الإِحْرامِ، لا يَصِحُّ إلَّا بها، كالتَّكْبيرِ للصلاةِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ

٨٬٢٢٨

قال في قَوْلِه تعالى:{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ}. قال: الإِهْلالُ. وعن عَطاءٍ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ: هو التَّلْبِيَةُ. ولأنَّ النُّسُكَ عِبادَةٌ ذاتُ إحْرامٍ وإحْلالٍ فكانَ في أوَّلِها ذِكْرٌ واجِبٌ، كالصلاةِ. ولَنا، أنَّها ذِكْرٌ، فلم تَجِبْ في الحَجِّ، كسائِرِ الأذْكارِ، وفارَقَ الصلاةَ،

٨٬٢٢٩

فإنَّ النُّطْقَ في آخِرِها يَجبُ، فوَجَبَ في أوَّلِها،

٨٬٢٣٠

بخِلافِ الحَجِّ. ويُسْتحَبُّ رَفْعُ الصَّوْب بها؛ لأَنَّ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ: أىُّ الحَجِّ أفْضَلُ؟ قال:«العَجُّ والثَّجُّ». حديثٌ غرِيبٌ. العَجُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بالتَّلْبِيَةِ، والثَّجُّ إسالَةُ الدِّماءِ بالذَّبْحِ والنَّحْرِ. وروَى التِّرْمِذِىُّ بإسْنادِه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«أتَانِى جِبْرِيلُ يَأمُرُنِى أنْ آمُرَ أصْحَابِى أنْ يَرْفَعُوا أصْوَاتَهُم بِالتَّلْبِيَةِ». وهو حديث حسنٌ صَحِيحٌ.

٨٬٢٣١

وقال أنَسٌ: سَمِعْتُهُم يَصْرُخُون بهما صُراخًا .

٨٬٢٣٢

وقال أبو حازِمٍ: كان أصْحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يَبْلُغُون الروحاءَ ، حَتَّى تُبَحَّ حُلُوقُهم مِن التَّلْبِيَةِ.

٨٬٢٣٣

وقال سالِمٌ: كان ابنُ عُمَرَ يَرْفَعُ صَوْتَه بالتَّلْبِيَةِ، فلا يَأْتِى الرَّوْحاءَ حتى يَصْحَل صَوْتُه. ولا يُجْهِدُ نفْسَه في رَفْعِ الصَّوْتِ زِيادَةً على الطَّاقَةِ؛ لئَلَّا يَنْقَطِعَ صَوْتُه وتَلْبِيَتُه.

فصل: ويُسْتَحَبُّ الإِكْثارُ منها على كلِّ حالٍ؛ لِما روَى ابنُ ماجه، عن عبدِ اللهِ بنِ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ، رَضِىَ اللهُ عَنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ مُسْلِم يَضْحَى للهِ، يُلَبِّى حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، إلَّا غابَتْ بذُنُوبِه، فعادَ كَمَا وَلَدَتْه أُمُّه». رَواه ابنُ ماجه .

فصل: ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بها في مَساجِدِ الأمْصارِ، ولا في الأمْصارِ، إلَّا في مَكَّةَ والمَسْجِدِ الحَرامِ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه سَمِع رجلًا يُلَبِّى بالمَدِينَةِ، فقالَ: إنَّ هذا لمَجْنُونِّ، إنَّما التَّلْبِيَةُ إذا بَرَزْتَ. وهذا قولُ مالكٍ.

٨٬٢٣٤

وقال الشافعىُّ: يُلَبِّى في المساجِدِ كلِّها، ويَرْفَعُ صَوْتَه؛ لعُمُومِ الحديثِ. ولَنا، قولُ ابنِ عباس، ولأنَّ المساجِدَ إنَّما بُنِيَتْ للصلاةِ، وجاءَتِ الكَراهَةُ لِرَفْعِ الصَّوْتِ عامًّا ، إلَّا الإِمامَ خاصَّةً، فوَجَبَ إبْقاؤها على عُمُومِها.

٨٬٢٣٥

فأمّا مَكَّةُ فتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ فيها؛ لأنَّها مَحَلُّ النُّسُكِ،

٨٬٢٣٦

وكذلك المَسْجِدُ الحَرامُ وسائِرُ مساجِدِ الحَرَمِ، كمَسْجِدِ مِنًى، وفى عَرَفاتٍ أيضًا.

فصل: ويُسْتَحَبُّ الدُّعاءُ يعدَها، فيَسْألُ اللهَ الجَنَّةَ، ويَسْتَعِيذُ به مِن النّارِ، ويَدْعُو بما أحَبَّ؛ لِما روَى الدّارَقُطْنِىُّ بإسْنادِه، عن خُزَيْمَةَ ابنِ ثابِتٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا فَرَغ مِن تَلْبِيَتِه سَأل اللهَ مَغْفِرَتَه ورِضْوانَه، واسْتَعاذَه برَحْمَتِه مِن النّارِ.

٨٬٢٣٧

وقال القاسِمُ بنُ محمدٍ: يُسْتَحَبُّ للرجلِ إذا فَرَغ مِن تَلْبِيَيه أن يُصَلِّىَ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. لأنَّه مَوْضِعٌ شُرِع فيه ذِكْرُ الله تِعالى، فشُرِعَ فيه الدُّعاءُ، ولأنَّ الدُّعاءَ مَشْرُوعٌ مُطْلَقًا، فتأكَّدَتْ مَشْرُوعِيَّتُه بعدَ ذِكْرِ الله تِعالى.

٨٬٢٣٨

ويُسْتَحَبُّ أن يُصَلِّىَ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - بعدَها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ شُرِعَ فيه ذِكْرُ اللهِ تعالى، فشُرِعَتْ فيه الصلاةُ على رسولِه، كالصلاةِ، أو فشُرِعَ فيه ذِكْرُ رسولِه، كالأذانِ.

فصل: ويُسْتَحَبُّ ذِكْرُ ما أحْرَمَ به في تَلْبِيَيه. قال أحمدُ: إن شِئْتَ لَبَّيْتَ بالحَجِّ،

٨٬٢٣٩

وإن شِئْتَ لَبَّيْتَ بعُمْرَةٍ، وإن شِئْتَ لَبَّيْتَ بحَجٍّ وعُمْرَةٍ، فقُلْتَ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ.

٨٬٢٤٠

وقال أبو الخَطّابِ: لَا يُستَحَبُّ. ويُرْوَى عنِ ابنِ عُمَرَ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ جابِرًا قال: ما سَمَّى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في تَلْبِيَيه حَجًّا ولا عُمْرَةً. وسَمِع ابنُ عُمَرَ رجلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ بعُمْرَةٍ. فضَرَبَ صَدْرَه،

٨٬٢٤١

وقال: تُعْلِمُه ما في نَفْسِك . ولَنا، ما روَى أنَسٌ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:«لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا».

٨٬٢٤٢

وقال جابِرٌ: قَدِمْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ونحن نَقُولُ: لَبَّيْكَ بالحَجِّ.

٨٬٢٤٣

وقال ابنُ عباسٍ: قَدِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابُه وهم يُلَبُّون بالحَجِّ.

٨٬٢٤٤

وقال ابنُ عُمَرَ: بَدَأ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأهَلَّ بالعمْرَةِ، ثم أهَلَّ بالحَجِّ. مُتَّفَقٌ على هذه الأحاديثِ .

٨٬٢٤٥

وقال أنَسٌ: سَمِعْتُهم يَصْرُخُون بهما صُراخًا. رَواه البخارىُّ . وهذه الأحاديثُ أصَحُّ مِن حديثِهم وأكْثَرُ. وقولُ ابنِ عُمَرَ يُخالِفُه قولُ أبِيه،

٨٬٢٤٦

فإنَّ النَّسائِىَّ روَى بإسْنادِه، عن الصُّبَىِّ بنِ مَعْبَدٍ، أنَّه أوَّلَ ما حَجَّ لَبَّى بالحَجِّ والعُمْرَةِ جَمِيعًا،

تعليق

ثم ذَكَر ذلك لعُمَرَ، فقالَ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّك - صلى الله عليه وسلم - .

٨٬٢٤٧

وإن لم يذكُرْ ذلك في تَلْبيَتِه، فلا بَأْسَ،

٨٬٢٤٨

فإنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّها القَلْبُ، واللهُ سبحانه عالِمٌ بها.

فَصل: ولا يُلَبِّى بغيرِ العَرَبِيَّةِ، إلَّا أن يَعْجِزَ عنها؛ لأنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فلا يُشْرَعُ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، كالأذانِ والأذْكارِ المَشْرُوعَةِ في الصلاةِ.

فصل: وإن حَجَّ عن غيرِه، كَفاه مُجَرَّدُ النِّيَّةِ عنه. قال أحمدُ: لا بَأْسَ بالحَجِّ عن الرجلِ، ولا يُسَمِّيه.

٨٬٢٤٩

وإن ذَكَره في التَّلْبِيَةِ فحسنٌ. قال أحمدُ: إذا حَجَّ عن رجلٍ يَقُولُ أوَّلَ ما يُفمى: عن فُلانٍ. ثم لا يُبالِى أن لايَقُولَ بعدَ ذلك؛ لِقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - للذى سَمِعَه يُلَبِّى عن شُبْرُمَةَ:«لَبِّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ لَبِّ عَنْ شُبْرُمَةَ».

٨٬٢٥٠

ومتى لَبَّى بالحَجِّ والعُمْرَةِ بَدَأ بذِكْرِ العُمْرَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ وذلك لقولِ أنَسٍ: إنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا».

١١٧٥ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ، وَأَنَسٍ أَهَلَّ أَيْ: رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ مِنْ قَوْلِهِمُ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ إِذَا صَاحَ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ عَقِبَ إِحْرَامِهِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ يُلَبِّي مَتَى شَاءَ سَاعَةَ يُسَلِّمُ،

٧٬٤١٣

وَإِنْ شَاءَ بَعْدَ (تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) . رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ:«لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ الطَّحَاوِيُّ، وَالْقُرْطُبِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ لَبَّ بِالْمَكَانِ إِذَا لَزِمَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ، وَكَرَّرَهُ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ، وَلَمْ يُرِيدُوا حَقِيقَةَ التَّلْبِيَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ التَّكْبِيرُ كَحَنَانَيْكَ، وَالْحَنَانُ: الرَّحْمَةُ،

٧٬٤١٤

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ نَادَى بِالْحَجِّ،

٧٬٤١٥

وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وَالْأَشْهَرُ: أَنَّهُ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَكَسْرُ هَمْزَةِ " إِنَّ " أَوْلَى عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ، وَحُكِيَ الْفَتْحُ عَنْ آخَرِينَ، قَالَ: ثَعْلَبٌ مَنْ كَسَرَ فَقَدْ عَمَّ يَعْنِي: حَمْدَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ،

٧٬٤١٦

وَمَنْ فَتَحَ فَقَدْ خَصَّ أَيْ: لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ.

٧٬٤١٧

وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَلَا تُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ،

٧٬٤١٨

وَفِي " الْإِفْصَاحِ " تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ،

٧٬٤١٩

وَقِيلَ لَهُ: الزِّيَادَةُ بَعْدَهَا لَا فِيهَا فَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ أَوْ مَرِيضًا اسْتُحِبَّ أَنْ يُلَبَّى عَنْهُمَا نَقَلَهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَيُلَبَّى عَنْ مَجْنُونٍ، وَمُغْمًى عَلَيْهِ زَادَ بَعْضُهُمْ، وَنَائِمٍ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ.

[حُكْمُ التَّلْبِيَةِ] (وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلِأَنَّهَا ذِكْرٌ فِيهِ فَلَمْ تَجِبْ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ.

الإنصافالمرداوي

وإذا اسْتَوَى على راحِلَتِه، لَبَّى. يعْنِى، إذا اسْتَوَتْ به راحِلَتُه قائمةً. وهذا أحَدُ الاْقْوالِ، وقطَع به جماعةٌ؛ منهم الخِرَقِىُّ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. لَبَّيْكَ، [٦٣ ظ] لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ.

وقدَّمه فى «الفَائقِ». وقيلَ: يُسْتَحبُّ ابْتِداءُ التَّلْبِيَةِ عَقِبَ إحْرامِه. وهو المذهبُ. قال الزَّرْكَشِىُّ: المَشْهورُ فى المذهبِ، أنَّ الأَوْلَى أنْ تكونَ التَّلْبِيَةُ حينَ يُحْرِمُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وجزَم به فى «التَّلْخِيصِ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ» و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». ونقَل حَرْبٌ، يُلَبِّى متى شاءَ ساعةَ يُسَلِّمُ،

١٣٬٦٢٩

وإنْ شاءَ بعدُ. وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ،

١٣٬٦٣٠

وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا، وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا، وَالدُّعَاءُ بَعْدَهَا.

فائدتان؛ إحداهما، التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهب، وعليه الأصحابُ.

١٣٬٦٣١

وقيل: واجِبَةٌ. اخْتارَه فى «الفائقِ». الثَّانيةُ، يُسْتَحَبُّ أن يُلَبِّىَ عن أَخْرَسَ وَمرِيضٍ. نقَله ابنُ إبْرَاهِيمَ. قال جماعةٌ: وعن مَجْنونٍ ومُغْمًى عليه. زاد بعضُهم، ونائمٍ. وقد ذكَر الأصحابُ، أنَّ إشارةَ الأَخْرَسِ المَفْهُومَةَ كنُطْقِه.

١٣٬٦٣٢

قلتُ: الصَّوابُ الذى لاشَكَّ فيه أنَّ إشارةَ الأَخْرَسِ بالتَّلْبيَةِ تقومُ مقامَ النُّطْقِ بها، حيثُ عَلِمْنا إرادَتَه لذلك.

تنبيهان؛ أحدُهما، ظاهِرُ قوله: لَبَّى تَلْبِيةَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ. . . .». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

إلى آخره، أنَّه لا يَزيدُ عليها. وهو صحيحٌ، فلا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ عليها، ولكنْ لا تُكْرَهُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ».

١٣٬٦٣٣

وقال ابنُ هُبَيْرَةَ فى «الإِفْصَاحِ»: تُكْرَهُ الزِيادَةُ عليها.

١٣٬٦٣٤

وقيلَ: له الزِّيادَةُ بعدَ فَراغِها، لا فيها. الثانى،

١٣٬٦٣٥

ظاهرُ قولِه: ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بها. الإطْلاقُ، فيَدْخُلُ فيه لو أحْرَمَ مِن بلَدِه، لكِنَّ الأصحابَ قيَّدُوا ذلك بأنَّه لا يُسْتَحَبُّ إظْهارُها فى مَساجِدِ الحِلِّ وأمْصارِها. والمَنْقُولُ عن أحمدَ، إذا أحْرَمَ مِن مِصْرِه، لا يُعْجِبُنِى أنْ يُلَبِّىَ حتى يَبْرُزَ. فيكونُ كلامُ المُصَنِّفِ وغيرِه، ممَّن أطْلَقَ، مُقَيَّدًا بذلك. وعندَ الشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، لا يُلَبِّى بوُقوفِه بعرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ؛ لعدَمِ نقْلِه. . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قال فى «الفُروعِ»: كذا قال.

فائدتان؛ إحداهما، قوله: والدُّعاءُ بعدَها. يعْنِى، يُسْتَحَبُّ الدُّعاءُ بعدَ التَّلْبِيَةِ، بلا نِزاع،

١٣٬٦٣٦

ويُسْتَحَبُّ أيضًا بعدَها الصَّلاةُ على النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -. الثَّانيةُ، لا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُ التَّلْبِيَةِ فى حالَةٍ واحِدَةٍ. قالَه الإِمامُ أحمدُ، وقالَه فى «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و «الخُلَاصَةِ»، و «الهَادِى»، و «التَّلْخِيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرُهم مِنَ الأصَحابِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الفَائقِ».

١٣٬٦٣٧

وقال له الأَثْرَمُ: ما شئٌ يفْعَلُه العامَّةُ؟ يُكَبِّرون دُبُرَ الصَّلاةِ ثَلاًثا. فتَبَسَّمَ،

١٣٬٦٣٨

وقال: لا أَدْرِى مِن أيْنَ جاءُوا به؟

١٣٬٦٣٩

قلتُ: ألَيْسَ يُجْزِئُه مَرَّةٌ؟ قال: بلَى؛ لأنَّ المَرْوِىَّ التَّلْبِيَةُ مُطْلَقًا.

١٣٬٦٤٠

وقال القاضى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فى «الخِلَافِ»: يُسْتَحَبُّ تَكْرارُها فى حالَةٍ واحدةٍ؛ لتَلَبُّسِه بالعِبادَةِ.

١٣٬٦٤١

وقال وَيُلَبِّى إِذَا عَلَا نَشزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِى دُبُرِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ، المُصَنِّفُ، والشَّارح: تَكْرارُه ثلاًثا حسَنٌ،

١٣٬٦٤٢

فإنَّ الله وِتْر يُحِبُّ الوِتْرَ.

١٣٬٦٤٣

وقال فى «الرِّعايَةِ»: يُكْرَهُ تَكْرارُها فى حالةٍ واحدةٍ. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال. قوله: ويُلَبِّى إذا عَلا نَشْزًا، أو هبَط وادِيًا، وفى دُبُرِ الصَّلَواتِ المكْتُوباتِ، وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ،

١٣٬٦٤٤

وَإِذَا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ.

وإقْبالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ،

١٣٬٦٤٥

وإذا التَقَتِ الرِّفاقُ. بلا نِزاعٍ. ويُلَبِّى أيضًا إذا سمِعَ مُلَبِّيًا، أو أتَى مَحْظُورًا ناسِيًا، أو رَكِبَ دابَّةً. زادَ فى «الرِّعايَةِ»، أو نزَل عنها. وزادَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فى «المُستَوْعِبِ»، وإذا رأَى البَيْتَ. وَلَا تَرْفَعُ الْمَرأَةُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ، إِلَّا بِقَدْرِ مَا تُسْمِعُ رَفِيقَتَهَا.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال رحمه الله: (وإذا استوى على راحلته لبى تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) .

٤٬١٦٣

أما تلبيته عند استوائه على راحلته فلما روى أنس وابن عمر رضي الله عنهم «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ركب راحلته واستوت به أهَلَّ» رواه البخاري.

ومعنى أهَلَّ: رفع صوته. من قولهم استهل الصبي إذا صاح.

٤٬١٦٤

وأما صفة التلبية فكتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى قال:{واتبعوه}.

٤٬١٦٥

وأما صفة تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم فكما ذكره المصنف لأن ابن عمر رضي الله عنهما روى «أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك» متفق عليه. والتلبية مأخوذة من لب بالمكان إذا لزمه. فكأنه قال: أنا مقيم على طاعتك. وكرر لأنهم أرادوا إقامة بعد إقامة.

٤٬١٦٦

وقال جماعة من أهل العلم: معناها إجابة إبراهيم عليه السلام حين نادى للحج.

قال رحمه الله: (والتلبية سنة. ويستحب رفع الصوت بها والإكثار منها والدعاء بعدها) .

٤٬١٦٧

أما مسنونية التلبية «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها».

٤٬١٦٨

وأما استحباب رفع الصوت بها فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أتاني جبريل عليه السلام فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية» رواه الترمذي.

٤٬١٦٩

وقال: حديث حسن صحيح.

وأما استحباب الإكثار منها فلما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما من مسلم يضحي يلبي حتى تغرب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه» رواه ابن ماجة.

٤٬١٧٠

وأما استحباب الدعاء بعدها فلما روى خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله عز وجل رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار» رواه الشافعي.

ولأنه مظنة الإجابة أشبه الدعاء يوم الجمعة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.