وَلَا يُعْطَى الْجَازِرُ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَجُلُّهَا
الشروح عليها
مسألة: (ولا يُعْطِى الجازِرَ بأُجْرَتِه شَيئًا منها) وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. ورَخَّصَ الحسنُ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ ، في إعْطائِه الجلْدَ. ولَنا، ما روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أمَرَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن أقُومَ على بُدْنِه،
وأن أقْسِمَ جُلُودَها وجِلالَها، وأن لا أُعْطِىَ الجازِرَ منها شيئًا، وقال:«نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا». مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّ ما يَدْفَعُه إلى الجَزَّارِ عِوَضٌ عن عَمَلِه وجِزارَتِه، ولا تَجُوزُ المُعاوضةُ بشئٍ منها.
فأمَّا إن دَفَع إليه صَدَقَةً أو هِبَةً، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ للأَخْذِ، فهو كغيرِه، بل هو أوْلَى؛ لأنَّه باشَرَهَا وتَاقَتْ نَفْسُه إليها.
١٣٥٩ - مسألة: (وله أن يَنْتَفِعَ بجِلْدِها وجُلِّها (٢) ، ولا يَبِيعُه، ولا شَيْئًا منها) لا خِلافَ في جَوازِ الانْتِفاعِ بجُلُودِها وجِلالِها؛ لأنَّ الجِلْدَ جُزْءٌ منها، فجاز للمُضَحِّى الانْتِفاعُ به، كاللَّحْمِ. وكان عَلْقَمَةُ، ومَسْرُوقٌ يَدْبُغان جِلْدَ أُضْحِيَتِهما، ويُصَلِّيان عليه. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها،
قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، قد كانُوا يَنْتَفِعُونَ مِن ضَحايَاهُم، يَحْمِلُونَ منها الوَدَكَ ، ويَتَّخِذُونَ منها الأسْقِيَةَ. قال:«وَمَا ذَاكَ؟» قالت: نَهَيْتَ عن إمْساكِ لُحُومِ الأَضَاحِى بعدَ ثَلاثٍ. فقال: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدّافَّةِ الَّتِى دَفَّتْ، فَكُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقوا». حديثٌ صحيحٌ . ولأنَّه انْتِفاعٌ به، فجازَ، كلَحْمِها.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ شئٍ مِن الأُضْحِيَةِ، واجِبَةً كانت أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّها تَعَيَّنَتْ بالذَّبْحِ. قال أحمدُ: لا يَبِيعُها، ولا يَبِيعُ شَيْئًا منها.
وقال: سبحان اللَّهِ، كيف يَبِيعُها، وقد جَعَلَها للَّه تِبارَكَ وتعالى! قال المَيْمُونِىُّ: قالُوا لأبى عبدِ اللَّهِ: فجِلْدُ الأُضْحِيَةِ، نُعْطِيهِ السَّلَّاخَ؟ قال: لَا. وحَكَى قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يُعْطَ في جِزَارَتِها شيئًا منها». ثم قال: إسْنادٌ جَيِّدٌ. وبه قال الشافعىُّ. ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ. ورَخَّصَ الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ في الجِلْدِ أن يَبِيعَه ويَشْتَرِىَ به الغِرْبَالَ والمُنْخُلَ وآلةَ البَيْتِ. ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن الأوْزاعِىِّ؛ لأنَّه يَنْتَفِعُ به هو وغيرُه، فجَرَى مَجْرَى تَفرِيقِ لَحْمِها.
وقال أبو حنيفةَ: يَبِيعُ ما شاءَ منها، ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِه. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما، أنَّه يبيعُ الجِلْدَ، ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِه. وحَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ وإسحاقَ. ولَنا، أمْرُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَسْمِ جُلُودِها وجِلالِها،
وأن لا يُعْطى الجازِرُ شَيْئًا منها، وفيه دَلِيلٌ على وُجُوبِ الصَّدَقَةِ بالجِلالِ، وعلى تَسْوِيَتِها بالجُلُودِ. ولأنَّه جَعَلَه للَّهِ تعالَى، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالوَقْفِ، وما ذَكَرُوه في شِراءِ آلةِ البَيْتِ يَبْطُلُ باللَّحْمِ، لا يَجُوزُ بَيْعُه لشِراءِ الآلةِ،
وإن كان يَنْتَفِعُ به.
١٣٦٠ -
(وَلَا يُعْطَى الْجَازِرُ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا) قَالَهُ الْأَصْحَابُ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ:«أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقُومَ عَلَى بدنة، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلُحُومِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَلَا أُعْطِيَ الْجَازِرَ شَيْئًا مِنْهَا. وَقَالَ: " نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَاوَضَةِ وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِيهَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ مِنْهَا لَا عَلَى سَبِيلِ الْأُجْرَةِ كَالْهَدِيَّةِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُسَاوِي غَيْرَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ: بِمُبَاشَرَتِهِ لَهَا، وَتَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَتَخَصَّصُ عُمُومُ الْحَدِيثِ،
وَلَوْ قِيلَ بِعُمُومِهِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ كَانَ حَسَنًا، وَفِيهِ شَيْءٌ. (وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ كَلَحْمِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَمَسْرُوقٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَدْبُغَانِ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِمَا، وَيُصَلِّيَانِ عَلَيْهِ (وَجُلُّهَا) لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِالْجِلْدِ، فَهُوَ أَوْلَى،
ولا يُعْطِى الجَازِرَ بأُجْرَتِه شَيْئًا منها. بلا نِزاعٍ. لكِنْ أَنْ دفَع إليه على سَبيلِ الصَّدَقَةِ أو الهَدِيَّةِ، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ للأَخْذِ، فهو كغَيْرِه، بل أوْلَى؛ وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَجُلِّهَا. وَلَا يَبِيعُهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا.
لأنَّه باشَرَها، وتاقَتْ نفْسُه إليها. قالَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وله أَنْ ينْتَفِعَ بجِلْدِها وجُلِّها. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: لا خِلافَ فى الانْتِفاعِ بجُلُودِها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجِلَالِها. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. ونقَل جماعَةٌ، لا يَنْتَفِعُ بما كان واجبًا. قالَ فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ أنَّه المذهبُ، فيَتَصدَّقٌ به. ونقَل الأَثْرَمُ، وحَنْبَلٌ، وغيرُهما، ويتَصَدَّقُ بثَمَنِه. وجزَم فى «الفُصولِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهما، يتَصَدَّقُ بجميعِ الهَدايَا الواجِبَةِ، ولا يُبْقِى منها لَحْمًا ولا جِلْدًا ولا غيرَه.
وقال فى «المُسْتَوْعِبِ» وغيرِه: وتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بجُلَالِها.
قال: (وله أن ينتفع بجلدها وجلها ولا يبيعه ولا شيئاً منها) .
أما جواز الانتفاع بجلد الأضحية فلأنه جزء منها فجاز للمضحي فعله كاللحم، وقد روي عن عكرمة ومسروق رضي الله عنهما «أنهما كانا يدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه».
وأما جواز الانتفاع بجلها فلأنه إذا جاز الانتفاع بجلدها فلأن يجوز الانتفاع بالجل بطريق الأولى.
وأما عدم جواز بيع جلد الأضحية أو شيء منها فلما تقدم في بيع الأضحية وهبتها. وإنما نص المصنف رحمه الله على عدم جواز بيعه وهبته مع أن ما تقدم يدل عليه؛ رفعاً لتوهم الفرق بن حياة الأضحية وذبحها.
وذهب إليه الحسن البصري والنخعي فإنهما قالا: يباع الجلد ويشترى به الغربال والمنخل وآلة البيت.
والأولى عدم جواز البيع لما ذكر قبل؛ لأنه شيء ينتفع به هو وغيره ويجري مجرى لحمها.
وأما الجل فما تجلل به.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.