وَمَنْ حَضَرَ الصَّفَّ مَنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، أَوْ حَصَرَ الْعَدُوُّ بَلَدَهُ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَأَفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ وَغَزْوُ الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ
الشروح عليها
فصل: (ومَن حَضَر الصَّفَّ مِن أهلِ فَرْضِ الجِهادِ، أو حَضَر العَدُوُّ بَلَدَه، تَعَيَّنَ عليه) وجملةُ ذلك، أنَّ الجِهادَ يتَعَيَّنُ في ثلاثةِ مواضعَ؛ أحدُها، إذا الْتَقى الزَّحْفانِ وتَقابَلَ الصَّفّانِ، يَحْرُمُ على مَن حَضَر الانْصِرافُ، ويتَعَيَّنُ عليه المُقامُ، لقولِ اللَّهِ تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا}. وقولِه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} الآية. الثانى، إذا نزلَ الكُفَّارُ ببَلَدٍ، تَعَيَّنَ على أهْلِه قتالُهم ودَفْعُهم. الثالثُ، إذا اسْتَنْفَرَ الإِمامُ قومًا لَزِمَهم النَّفِيرُ معه؛
لقولِ اللَّهِ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} الآية.
ولقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». مُتَّفَقٌ عليه .
١٣٨٥ - مسألة: (وأفْضَلُ ما يُتَطَوَّعُ به الجهادُ) قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّه: لا أعْلَمُ شيئًا مِن العملِ بعدَ الفَرائِضِ أفضَلَ مِن الجِهادِ. روَى ذلك عنه جماعةٌ مِن أصحابِه. قال الأثْرَمُ: قال أحمدُ: لا نعلمُ شيئًا مِن أبوابِ البِرِّ أفْضَلَ مِن السَّبِيلِ.
وقال الفَضْلُ بنُ زِيادٍ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ، وذُكِرَ له أمْرُ الغَزْوِ، فَجَعَلَ يَبْكِى، ويقولُ: ما مِن أعْمالِ البِرِّ أفْضَلُ منه.
وقال عنه غيرُه: ليس يَعْدِلُ لقاءَ العَدُوِّ شَئٌ. ومباشَرَةُ القتالِ بنفْسِه أفْضَلُ الأعمالِ، والذين يُقاتِلونَ العَدُوَّ، هم الذين يَدْفَعُونَ عن الإِسْلامِ وعن حَرِيمِهم، فأىُّ عَمَلٍ أفضلُ منه! الناسُ آمِنونَ وهم خائِفونَ، قد بذَلُوا مُهَجَ أنْفُسِهِم. وقد روَى ابنُ مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سألتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أىُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قال:«الصَّلَاةُ لِمَوَاقِيتهَا».
قلتُ: ثم أىُّ؟ قال:«بِرُّ الْوَالِدَيْن».
قلتُ: ثم أىُّ؟ قال:«الجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ». مُتَّفَقٌ على مَعْناه،
وقال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ. وروَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أىُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ أو: أىُّ الأعْمالِ خَيْرٌ؟ قال:«الإِيمَانُ بِاللَّهِ ورَسُولِه». قِيلَ: ثم أىُّ شئٍ؟ قال:«الجِهَادُ سَنَامُ العمَلِ». قِيلَ: ثم أىُّ؟ قال:«حَجٌ مَبْرُورٌ». قال التِّرْمِذِىُّ : هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وروَى أبو سعيدٍ، قال: قِيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أىُّ النَّاسِ أفْضَلُ؟ قال:«مَنْ يُجَاهِدُ فِى سَبيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ ومَالِه». مُتَّفَقٌ عليه . [وعن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«ألا أخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بعِنَانِ فَرَسِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ».
قال التِّرْمِذِىُّ : هذا حديث حسَنٌ صَحِيحٌ] . وروَى الخَلَّالُ بإسْنادِه عن الحَسنِ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، مَا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِنْ عَمَلٍ أفْضَلُ مِنْ جِهَادٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أو حَجَّةٍ مَبْرُورَةٍ، لا رَفَثَ فِيها ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ». ولأنَّ الجهادَ بَذْلُ المُهْجَةِ والمالِ، ونَفْعَه يَعُمُّ المسلمين كُلَّهم، صغيرَهم وكبيرَهم، وقَوِيَّهم وضَعِيفَهم، ذَكَرَهم وأُنْثَاهُم، وغيرَه لا يُساوِيه في نفْعِه وخطَرِه، فلا يُساوِيه في فَضْلِه.
١٣٨٦ - مسألة: (وغَزْوُ البَحْرِ أفْضَلُ مِن غَزْوِ البَرِّ) غَزْوُ البَحْرِ مشْروعٌ، وفضْلُه كبيرٌ. قال أنَسُ بنُ مالكٍ: نام رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم اسْتَيْقَظَ وهو يضْحَكُ، قالت أمُّ حَرامٍ: فقُلْتُ: ما يُضْحِكُكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ غُزَاةً فِى سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هذَا البَحْرِ، مُلُوكًا علَى الأسِرَّةِ، أو مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأسِرَّةِ». مُتَّفَق عليه . قال ابنُ عبدِ البَر: أمُّ حرامٍ بنتُ مِلْحانَ أُخْتُ أُمِّ سُلَيْمٍ خَالةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن الرَّضاعَةِ، أرْضَعَتْه أخْتٌ لهما ثالثةٌ.
ولم نَرَ هذا عن أحدٍ سِوَاه، وأظُنُّه إنَّما قال هذا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان ينامُ في بيْتها، وينْظُرُ إلى شعَرِها ، ولَعَلَّ هذا كان قبلَ نُزُول الحِجابِ. وروَى أبو داودَ بإسْنادِه عن أُمِّ حَرامٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الْمَائِدُ فِى الْبَحْرِ، الَّذِى يُصِيبُه القَئُ، لَهُ أجْرُ شَهِيدٍ، والغَرِقُ لَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنَ». وروَى ابنُ ماجَه بإسْنادِه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «شَهِيدُ الْبَحرِ مِثْلُ شَهِيدَىِ البَرِّ، والْمَائِدُ فِى الْبَحْرِ كالمُتَشَحِّطِ فِى دَمِه فِى الْبَرِّ، ومَا بَيْنَ الْمَوْجَتَيْنِ كَقَاطِعِ الدُّنْيَا فِى طَاعَةِ اللَّهِ، وإنَّ اللَّهَ وَكَّلَ مَلَكَ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الأرْوَاحِ، إلَّا شَهِيدَ الْبَحْرِ، فإنَّه يَتَوَلَّى قَبْضَ أرْوَاحِهِمْ، ويَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَرِّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا إلَّا الدَّيْنَ، ويَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَحْرِ الذُّنُوبَ والدَّيْنَ».
ولأنَّ البحرَ أعْظَمُ خَطَرًا ومَشَقَّة، فإنَّه بينَ خَطَرِ العَدُوِّ وخَطَرِ الغَرَقِ، ولا يتَمَكَّنُ مِن الفِرَارِ إلَّا مع أصحابِه، فكان أفْضَلَ مِن غيرِه.
فصل: وقِتالُ أهْلِ الكتابِ أفْضَلُ مِن قتالِ غيرِهم. وكان ابنُ المُبارَكِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يأْتِى مِن مَرْوَ لغَزْوِ الرُّومِ. فقيل له في ذلك. فقال: إنَّ هؤلاء يُقاتِلون على دِينٍ. وقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال لأُمِّ خَلَّادٍ:«إنَّ ابْنَكِ لَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنِ». قالت: ولِمَ ذاكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال:«لأنَّه قَتَلهُ أهْلُ الْكِتَابِ». رَواه أبو داودَ .
١٣٨٧ -
(وَمَنْ حَضَرَ الصَّفَّ مَنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، أَوْ حَصَرَ الْعَدُوُّ بَلَدَهُ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ)
وَكَذَا فِي " الْكَافِي " وَ " الْبُلْغَةِ " فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: إِذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ، وَتَقَابَلَ الصَّفَّانِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} الْآيَةَ.
الثَّانِي: إِذَا نَزَلَ الْكُفَّارُ بِبَلَدٍ، تَعَيَّنَ عَلَى أَهْلِهِ قِتَالُهُمْ، وَدَفْعُهُمْ، كَحَاضِرِي الصَّفِّ، وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا} الْآيَةَ زَادَ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " ثَالِثًا، وَهُوَ إِذَا اسْتَنْفَرَهُ مِنْ لَهُ اسْتِنْفَارُهُ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا:«وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ عَبْدًا. وَاسْتَثْنَى فِي " الْبُلْغَةِ " مِنَ الْمَوْضِعَيْنِ السَّابِقَيْنِ إِلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: مَنْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْمَكَانِ، وَالْآخَرُ مَنْ يَمْنَعُهُ الْإِمَامُ مِنَ الْخُرُوجِ، وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ: مَا لَمْ يَحْدُثْ لَهُ مَرَضٌ أَوْ عَمًى وَنَحْوُهُمَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِانْصِرَافُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقِتَالُ. ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
فَرْعٌ: إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَالنَّفِيرِ، صَلَّى ثُمَّ نَفَرَ مَعَ الْبُعْدِ، وَمَعَ قُرْبِ الْعَدُوِّ يَنْفِرُ وَيُصَلِّي رَاكِبًا أَفْضَلُ، وَلَا يَنْفِرُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
[أَفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ] (وَأَفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ. وَالْأَحَادِيثُ مُتَضَافِرَةٌ فِي ذَلِكَ فَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: قِيلَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؛ قَالَ: مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَغَزْوُ الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ) لِحَدِيثِ أُمِّ حَرَامٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ عِنْدَهَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ. أَوْ: مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ مَرْفُوعًا: «شَهِيدُ الْبَحْرِ مِثْلُ شَهِيدَيِ الْبَرِّ، وَالْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ فِي الْبَرِّ، وَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - وَكَّلَ مَلَكَ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ إِلَّا شُهَدَاءَ الْبَحْرِ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَتَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ، وَشَهِيدُ الْبَرِّ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ، وَشَهِيدُ الْبَحْرِ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَالِدَيْنُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَلِأَنَّهُ أَعْظَمُ خَطَرًا وَمَشَقَّةً لِكَوْنِهِ بَيْنَ خَطَرِ الْعَدُوِّ وَالْغَرَقِ إِلَّا مَعَ أَصْحَابِهِ، فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: تُكَفِّرُ الشَّهَادَةُ كُلَّ الذُّنُوبِ غَيْرَ الدَّيْنِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَغَيْرَ مَظَالِمِ الْعِبَادِ.
وَقَالَ الْآجُرِّيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ خَبَرَ أَبِي أُمَامَةَ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ تَهَاوَنَ بِقَضَائِهِ،
أَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ قَضَاؤُهُ، وَكَانَ أَنْفَقَهُ فِي وَجْهِهِ،
فَإِنَّ اللَّهَ يَقْضِيهِ عَنْهُ مَاتَ أَوْ قُتِلَ،
وَكَذَا الْأَعْمَالُ الصِّغَارُ فَقَطْ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَكَذَا الحَجُّ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَرَمَضَانَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَنَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ.
ومَن حضَر الصَّفَّ مِن أهْلِ فَرْضِ الجِهَادِ، أو حضَر العَدُوُّ بَلَدَه، تَعَيَّنَ عليه. بلا نِزاعٍ.
وكذا لو اسْتَنْفَرَه مَن له اسْتِنْفارُه، بلا نِزاعٍ.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: مِن أهْلِ فَرْضِ الجِهَادِ، تعَيَّنَ عليه. أنَّه لا يتَعَيَّنُ على العَبْدِ إذا حضَر الصَّفّ، أو حضَر العَدُوُّ بلَدَه. وهو أحَدُ الوَجْهَيْن. وهو ظاهِرُ ما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهم. وصححه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، فى بابِ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ عندَ اسْتِئْجارِهم. والوَجْهُ الثَّانى، يتَعَيَّنُ عليه والحالَةُ هذه. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ». قال النَّاظِمُ: . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنَّ قِياسَ المذْهبِ إِيجابُهُ على النِّـ ... ـسا فى حُضورِ الصَّفِّ دَفْعًا وأعْبُدِ
وقال فى «البُلْغَةِ» هنا: ويجِبُ على العَبْدِ فى أصحِّ الوَجْهَيْن.
وقال أيضًا: هو فَرْضُ عَيْنٍ فى مَوْضِعَيْن؛ أحَدُهما، إذا الْتَقَى الزَّحْفان وهو حاضِرٌ. والثَّانى، إذا نَزَل الكُفَّارُ بَلَدَ المُسْلِمِين، تعَيَّنَ على أهْلِه النَّفِيرُ إليهم، إلَّا لأحَدِ رَجُلَيْن؛ مَن تَدْعُو الحاجَةُ إلى تَخَلُّفِه؛ لحِفْظِ الأهْلِ أو المَكانِ أو المالِ، والآخَرُ، مَن يَمْنَعُه الأميرُ مِنَ الخُروجِ هذا فى أهْلِ النَّاحِيَةِ ومَن بقُرْبِهم.
أمَّا البَعِيدُ على مَسافَةِ القَصْرِ، فلا يجِبُ عليه، إلَّا إذا لم يكُنْ دُونَهم كِفايَة مِنَ المُسْلِمِين. انتهى.
وكذا قال فى «الرِّعايَةِ»، وقال: أو كان بعيدًا، وعجَز عن قَصْدِ العَدُوِّ.
قلتُ: أو قَرُبَ منه وقدَر على قَصْدِه، لكِنَّه معْذُورٌ بمَرَضٍ أو نحوِه. أو بمَنْعِ أمِيرٍ أو غيرِه بحَقٍّ، كحَبْسِه بدَيْنٍ. انتهى.
تنبيه: مفْهومُ قوْلِه: أو حضَر العَدُوُّ بلَدَه. أنَّه لا يَلْزَمُ البَعِيدَ. وهو صحيحٌ، إلَّا أنْ تَدْعُوَ حاجَة لحُضُورِه. كعدَمِ كِفايَةِ الحاضِرين للعَدُوِّ، فيَتَعَيَّنُ أيضًا على البعِيدِ. وتقدَّم كلامُه فى «البُلْغَةِ».
تنبيه آخَرُ: قوله: أو حضَر العَدُوُّ بلَدَه. هو بالضَّادِ المُعْجَمَةِ. وظاهِرُ بَحْثِ ابنِ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»، أنَّه بالمُهْمَلَةِ، وكلامُه مُحتَمِلٌ، لكِنَّ كلامَ الأصحابِ صَرِيحٌ فى ذلك،
ويَلْزَمُ مِنَ الحَصْرِ الحُضُورُ، ولا عكس.
فوائد؛ لو نُودِىَ بالصَّلاةِ والنَّفِيرِ معًا، صلَّى ونفَر بعدَها، إنْ كان العَدُوُّ بعيدًا،
وإنْ كان قرِيبًا نفَر وصلَّى راكِبًا، وذلك أفْضَلُ. ولا يَنْفِرُ فى خُطبةِ الجُمُعَةِ، ولا وَأفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ.
بعدَ الإِقامَةِ لها. نصَّ على الثَّلاثِ. ونقَل أبو داودَ فى المَسْأَلَةِ الأخيرةِ، يَنْفِرُ إنْ كان عليه وَقْتٌ.
قلتُ: لا يَدْرِى نَفِيرُ حَقٍّ، أمْ لا؟ قال: إذا نادَوْا بالنَّفِيرِ، فهو حَقٌ.
قلتُ: إنَّ أكثرَ النَفِيرِ لا يكونُ حقًّا. قال: يَنْفِرُ بكَوْنِه يعْرِفُ مَجِئَ عَدُوِّهم كيفَ هو؟ وأفْضَلُ ما يُتَطَوَّعُ به الجِهَادُ. هذا المذهبُ. أطْلَقَه الإِمامُ أحمدُ والأصحابُ.
وقيل: الصَّلاةُ أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، فى بابِ صلاةِ التطوُّعِ. وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» هناك، و «الحَواشِى».
وقال الشّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: اسْتِيعابُ عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ بالعِبادَةِ لَيْلًا ونَهارًا، أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ الذى لم تَذْهَبْ فيه نَفْسُه ومالُه، وهى فى غيرِه بعَدْلِه. قال فى «الفُروعِ»: ولعَلَّه مُرادُ غيرِه.
وعنه، العِلْمُ تعَلُّمُه وتَعْليمُه أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِه. وتقدَّم ذلك فى أوَّلِ صلاةِ التَّطَوُّعِ بأتَمَّ مِن هذا.
فوائد؛ إحْداها، الجِهادُ أفْضَلُ مِنَ الرِّباطِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقالَه القاضى فى «المُجَرَّدِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو المَنْصُوصُ عنِ الإِمامِ أحمدَ، فى رِوايَةِ ابنِه عَبْدِ اللَّهِ، وابنِ الحَكَمِ، فى تَفْضِيل تَجْهِيزِ الغازِى على المُرابطِ مِن غيرِ غَزْوٍ.
وقال أبو بَكْرٍ فى «التَّنْبِيهِ»: الرِّباطُ أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ؛ ولأنَّ الرِّباطَ أصْلُ [الجِهَادِ وفَرْعُه]؛ لأنَّه مَعْقِلٌ للعَدُوِّ، ورَدٌّ لهم عنِ المُسْلِمِين. وأطْلَقَهما فى «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِيَيْن».
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: العمَلُ بالقَوْسِ والرُّمْحِ أفْضَلُ مِنَ النَّفْرِ، وفى غيرِها نظيرُها. وتقدّم ذلك أيضًا هناك فى أوَّلِ صلاةِ التَّطَوُّعِ. الثَّانيةُ، الرِّباطُ أفْضَلُ مِنَ المُجاوَرَةِ بمَكَّةَ. وذكَرَه الشيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ إجْماعًا. والصَّلاةُ بمَكَّةَ أفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ بالثَّغْرِ. نصَّ عليه. الثَّالثةُ، قِتَالُ أهْلِ الكِتابِ أفْضَلُ مِن غيرِهم. قالَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وَغَزْوُ الْبَحْرِ أفضلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ.
وغيرُهما.
تنبيه: قوْلُه: وغَزْوُ البَحْرِ أفْضَلُ مِن غَزْوِ البَرِّ، ويَغْزُو مع كُلِّ بَرٍّ وفاجرٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بلا نِزاعٍ. وذلك بشَرْطِ أنْ يَحْفَظَا المُسْلِمِين، ولا يكونَ أحَدٌ فهم مُخَذِّلًا، ولا وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ.
مُرْجِفًا، ونحوُهما، ويُقدِّمُ القَوِىَّ منهما. نصَّ على ذلك. وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَليهِمْ مِنَ الْعَدُوِّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَهُوَ لُزُومُ الثَّغْرِ لِلْجِهَادِ.
قال: (ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد، أو حَصَر العدو بلدَه تعيّن عليه) .
أما كون الجهاد متعينٌ على من حضر الصف فلقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتمُ الذين كفروا زحْفاً فلا تُولوهم الأدبار? ومن يولهّم يومئذٍ دبُره إلا متحرّفاً لقتالٍ أو متحيزاً إلى فئةٍ فقد بَاء بغضبٍ من الله ومأواه جهنمُ وبئس المصير} .
وأما كونه متعيٌن على من حَصَرَ العدو بلدَه فلعموم قوله تعالى:{انفروا خفافاً وثقالاً}.
ولأن الكل استوى بالنسبة إلى القصد فوجب على الكل.
ولأن البلد إذا حُصر قرُب شَبَه من فيه بمن حضر الصف فوجب بعينه عليه كحاضر الصف.
ويتعين أيضاً على من استنفره الإمام؛ لقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض ... الآية}.
ولقوله صلى الله عليه وسلم:«فإذا استنفرتم فانفروا» متفق عليه.
قال: (وأفضل ما يُتطوع به الجهاد. وغزو البحر أفضل من غزو البر. ويُغزى مع كل بر وفاجر. ويقاتِل كلُّ قومٍ من يليهم من العدو) .
أما كون الجهاد أفضل ما يُتطوع به فلما روى ابن مسعود قال:«سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لمواقيتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وروى أبو سعيد الخدري قال:«قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:«والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضلُ من جهاد في سبيل الله، أو حجةٍ مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال» رواه الخلال.
ولأن الجهاد بذل المُهْجة وإنفاق المال، ونفعه يعم المسلمين كلهم.
وأما كون غزو البحر أفضل من غزو البر؛ فلما روى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «شهيدُ البحر مثلُ شهديِ البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح. إلا شهيد البحر، فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويُغْفرُ لشهيد البرِّ الذنوب كلُّها إلا الدَّين، ويُغفر لشهيد البحر الذنوب والدَّين».
وفي حديث آخر:«غزوة في البحر مثلُ عشرِ غزَوات في البر» رواهما ابن ماجة.
ولأن شهيد البحر أعظم خطراً ومشقة؛ لأنه بين خطر العدو وخطر الغرق، ولا يُمَكّن من الفرار إلا مع أصحابه فكان أفضلَ من غيره.
وأما كونه يغزو مع كل بر وفاجر فلما روى أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجهادُ واجبٌ عليكم مع كل أمير: براً كان أو فاجراً».
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عن من قال: لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتِل آخر أمتي الدجال لا يُبْطله جَوْرُ جائر ولا عَدْلُ عادل، والإيمان بالأقدار» رواهما أبو داود.
ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يُفضي إلى ظهور الكفار على المسلمين، وفيه إظهار كلمة الكفر وذلك أعظم الفساد.
وأما كون كل قوم يقاتِل من يليهم من العدو فلقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة}. ولأن الأقربَ أكثرُ ضرراً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.