وَالْمَرْجِعُ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ إِلَى عُرْفِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا لَا عُرْفَ لَهُ بِهِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ تَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بما نَواهُ فيه) لاشْتِمالِ أَحَدِهما على ما لَيسَ من جِنْسِه دونَ الآخَرِ،
وإنْ نَزَعَ النَّوَى، ثمّ باعَ النَّوَى والتَّمْرَ بنَوًى وتَمْرٍ، لم يَجُزْ، لأنَّ التَبّعَيَّةَ زَالت بنَزْعِه، فصارَ كمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ،
بخِلافِ ما إذا كانَ في كُلِّ واحِدٍ نَواهُ.
وإنْ باعَ تَمْرًا مَنْزُوعَ النَّوَى بتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى، جازَ،؛ لو باعَ تَمْرًا فيه النَّوَى بَعْضَه ببَعْضٍ.
وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: لا يَجُوزُ، في أحَدِ الوَجْهَينِ، لأَنَّهما لم يَتَسَاوَيا في حالِ الكَمالِ، ولأنَّه يَتَجَافَى في المِكْيالِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّمْر بالتَّمْرِ [مُدْى بمُدْىٍ]. ولأنَّهُما تَسَاوَيَا في حالٍ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَاهما بالنُّقْصَانِ، فجازَ، كما لو كان في كلِّ واحِدٍ نَواة. ويجوز بَيع النَّوَى بالنَّوى كَيلًا كذلك.
١٦٩٤ - مسألة: (والمَرْجِعُ في الكَيلِ والوَزْنِ إلى عُرْفِ أهْلِ الحِجَازِ في زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وما لا عُرْفَ لهم به (٢) ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُعْتَبَر عُرْفُه في مَوْضِعِه) ولا يُرَدُّ إلى أَقْرَبِ الأشْيَاءِ شَبَهًا به بالحِجازِ، ونحوُ هذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: الاعْتِبارُ في كُلِّ بلَدٍ بعَادَتِه. ولَنا، ما رَوَى [عبدُ اللهِ بنُ عمرَ] عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:«المِكْيَالُ مِكْيالُ المَدِينَةِ، والمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ». والنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما يُحْمَلُ كلامُه على بَيانِ الأَحْكام. ولأَنَّ ما كان مَكِيلًا بالحجازِ في زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - انْصَرَفَ التَّحْرِيمُ إليهَ في تَفَاضُلِ الكَيلِ، فلا يجوزُ أنْ يَتَغَيَّرَ بعد ذلك، وهكذا الوَزْنُ. فأمّا ما لا عُرْفَ له بالحِجَازِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما
(وَالْمَرْجِعُ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ إِلَى عُرْفِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ» وَقَوْلُهُ يُحْمَلُ عَلَى تَبْيِينِ الْأَحْكَامِ، فَمَا كَانَ مَكِيلًا فِي زَمَنِهِ انْصَرَفَ التَّحْرِيمُ بِتَفَاضُلِ الْكَيْلِ إِلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ،
وَكَذَا الْمَوْزُونُ (وَمَا لَا عُرْفَ لَهُ بِهِ) أَيْ: بِالْحِجَازِ
والمَرْجِعُ في الكَيلِ والوزْنِ إلى عُرْفِ أَهْلِ الحِجازِ في زَمَنِ النَّبِيِّ، وَالْآخَرُ يُرَدُّ إِلَى أقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ بِالحِجَازِ.
- صلى الله عليه وسلم -.
وكذا قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «نِهايَةِ ابنِ رَزِينٍ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «إدْراكِ الغايَةِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»، وغيرِهم.
وقال في «المُجَردِ»: ومَرَدُّ الكَيلِ عُرْفُ المَدِينَةِ، والوَزْنِ عُرْفُ مَكَّةَ، على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وجزَم به في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»، و «النَّظْمِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ»، و «الفروعِ»، و «الوَجيزِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
قلتُ: لو قيل: إنَّ عِباراتِ الأوَّلِين مطلَقَةٌ وهذه مُبَيِّنَةٌ،
وإنَّ المَسْأَلَةَ قَوْلًا واحدًا. لكانَ مُتَّجَهًا. ويُقَوى ذلك، أنَّ صاحِبَ «الفُروعِ» جزَم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بذلك مع كَثْرَةِ اطِّلاعِه. وقد اسْتدَلَّ المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما للأوَّلِ بقَوْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ:«المِكْيالُ مِكْيالُ أَهْلِ المَدِينَةِ، والمِيزانُ مِيزانُ أهْلِ مَكَّةَ». فدَلَّ أنَّ مُرادَهم ما قُلْناه. وهو واضِحٌ. لكِنْ
قال في «الفائقِ»: ومَرْجِعُ الكَيلِ والوَزْنِ، إلى عُرْفِ أهْلِ الحِجازِ. ورَدَّ في «المُجَرَّدِ» الكَيلَ إلى المدِينَةِ، والوَزْنَ إلى مَكَّةَ، زمَنَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -. وحكَى في «الرعايَةِ الكُبْرَى» الخِلافَ. فظَاهِرُهما التَّغايُرُ. ويُمْكِنُ الجَوابُ بأنَّهما حكَيا عِباراتِ الأصحابِ. وما لا عُرْفَ له به، فَفِيه وَجْهان. أصْلُهما احْتِمالان للقاضي في «التَّعْليقِ». وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الهادِي»، و «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، أحدُهما، يُعْتَبرُ عُرْفُه في مَوْضِعِه. وهذا المذهبُ. صحَّحَه في «التَّصْحيحِ». وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمَ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن». والوَجْهُ الآخَرُ، يُرَدُّ إلى أقْرَبِ الأشْياءِ شَبَهًا به بالحِجَازِ. قدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»، و «نِهايَةِ ابنِ رَزِينٍ».
وقيل: يُرَدُّ إلى أقْرَبِ الأشْياءِ شَبَهًا به بالحِجازِ، في الوَزْنِ لا غيرُ. فعلى المذهبِ، لو اخْتلَفَ عُرْفُ البِلادِ، فالاعْتِبارُ بالغالِبِ،
فإنْ لم يكُنْ غالِب، تَعيَّنَ الوَجْهُ الثَّانِي. وعلى الوَجْهِ الثَّانِي، إنْ تعَذَّرَ، رجَع إلى عُرْفِ بلَدِه. قاله في «الحاوي» وغيرِه.
فوائد؛ إحْداها، المائِعُ كلُّه مَكِيلٌ. على الصَّحيحِ مِنَ الذهبِ. كالأدْهانِ، والزَّيتِ، والشَّيرَجِ، والعَسَلِ، والدِّبْسِ، والخَلِّ، واللَّبَنِ، ونحوه. قدَّمه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الفُروعِ». قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: الظَّاهِرُ أنَّها مَكِيلَةٌ. قال القاضي: الأدْهانُ مَكِيلَةٌ.
وفي اللَّبَنِ، يصِحُّ السَّلَمُ فيه كَيلًا. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، إلَّا في اللَّبَنِ والسَّمْنِ؛ فإنَّه أطْلَقَ الخِلافَ فيهما، وقدَّم في مَوْضع، أنَّ اللَّبَنَ مَكِيلٌ،
وقال: الزُّبْدُ مَكِيلٌ. وسُئِلَ أحمدُ، عنِ السَّلَفِ في اللَّبَنِ؛ فقال: نعم، كَيلًا أو وَزْنًا. وجزَم ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، أنَّ الدُّهْنَ واللَّبَنَ مَكِيلٌ.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: يُباعُ السَّمْنُ بالوَزْنِ، ويتَخَرَّجُ، أنْ يُباعَ بالكَيلِ. وجزَ ما بأنَّ الزُّبْدَ مَوْزُونٌ. وجعَل في «الرَّوْضَةِ» العسَلَ مَوْزُونًا.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: والخُبْزُ إذا يَبِسَ ودُقَّ وصارَ فَتِيتًا، بِيعَ كَيلًا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه وَجْهٌ، يُباعُ بالوَزْنِ. انتهى. والدَّقيقُ مَكِيلٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال القاضي: يجوزُ بَيعُ بعضِه ببَعضٍ وَزْنًا، ولا يَمْتنِعُ أنْ يكونَ مَوْزُونًا، وأصْلُه مَكِيل كالخُبْزِ. وتقدَّم ذلك عندَ جَوازِ بَيعِ بعضِه ببَعض. الثَّانيةُ، مِن جُمْلَةِ المَوْزُونِ؛ الذَّهَبُ، والفِضَّةُ، [والنُّحاسُ الأصْفَرُ]، والحَدِيدُ، والرَّصاصُ، والزِّئْبَقُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والكَتَّانُ، والقُطْنُ، والحَريرُ، والقَزُّ، والصُّوفُ، والشَّعَرُ، والوَبَرُ، والغَزْلُ، واللُّؤْلُؤُ، والزُّجاجُ، واللَّحْمُ، والشَّحْمُ، والشَّمْعُ، والزَّعْفرانُ، والعُصْفُرُ، والوَرْسُ، والخُبْزُ، والجُبْنُ، وما أشْبَهه.
ومِن ذلك؛ البُقولُ، والسَّفَرْجَلُ، والتُّفَّاحُ، والكُمَّثْرَى، والخَوْخُ، والإجَّاصُ، وكل فاكِهَةٍ رَطْبَةٍ. ذكَرَه القاضي.
ومِن جُمْلَةِ المَكِيلِ؛ كُلُّ حَبٍّ، وبَزْرٍ، وأبازِيرَ، وجَصٍّ، ونُورَةٍ، وأُشْنانٍ، وما أشْبهَه،
وكذلك سائِرُ ثَمَرِ النَّخْلِ، مِنَ الرُّطَبِ، والبُسْرِ، وغيرِهما، وسائِرُ ما فيه الزَّكاةُ مِنَ الثِّمارِ؛ كالزَّبِيبِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واللَّوْز، والعُنَّابِ، والمِشْمِشِ، والزَّيتُونِ، والبُطْمِ، والمِلْحِ، وما أشْبَهَه. الثَّالثةُ،
قال في «النِّهايَةِ»، و «التَّرْغيبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهم: يجوزُ التَّعامُلُ بكَيل لم يُعْهَدْ.
قال: (والمَرجع في الكيل والوزن إلى عرف أهل الحجاز في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وما لا عرف له به ففيه وجهان أحدهما: يعتبر عرفه في موضعه. والآخر: يرد إلى أقرب الأشياء شبهاً به بالحجاز) .
أما كون المَرجع في الكيل والوزن إلى عرف أهل الحجاز في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إن كان له عرف؛ فلقوله عليه السلام:«المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة»، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما يُحمل قوله على تبيين الأحكام.
ولأن ما كان مكيلاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف التحريم بتفاضل الكيل إليه فلا يجوز أن يتغير، وهكذا الوزن.
وأما كون ما لا عرف له بالحجاز يعتبر عرفه في بلده في وجهٍ؛ فلأن المرجع في القبض والحِرْز والتفرق إلى العرف فكذا هنا.
وأما كونه يرد إلى أقرب الأشياء شبهاً به بالحجاز في وجهٍ؛ فلأن الحوادث تُرَدّ إلى الأشبه بالمنصوص عليه فكذا هاهنا.
قال المصنف في المغني: هو القياس.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.