فَيَجُوزُ لَهُ اسْتِئْجَارُ حَائِطٍ لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ وَحَيَوَانٍ لِيَصِيدَ بِهِ إِلَّا الْكَلْبَ وَاسْتِئْجَارِ كِتَابٍ لِيَقْرَأَ فِيهِ إِلَّا الْمُصْحَفَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَاسْتِئْجَارُ النَّقْدِ لِلتَّحَلِّي وَالْوَزْنِ لَا غَيْرَ
الشروح عليها
مسألة: (ويَجُوزُ له اسْتِئْجارُ حائِطٍ ليَضَعَ عليه أطرافَ خَشَبِه) إذا كان الخَشَبُ مَعْلُومًا، والمُدَّةُ مَعْلُومةً. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ. ولَنا، أنَّ هذه مَنْفَعَة مَقْصُودَة، مَقْدُور على تَسْلِيمِها واسْتِيفائِها، فجازتِ الإجارَةُ عليها، كاسْتِئْجارِ السَّطْحِ للنَّوْمِ عليه.
٢١٦٢ - مسألة: (و) يجوزُ استِئْجارُ (حَيَوانٍ ليَصِيدَ به، إلَّا الكَلْبَ) يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الفَهْدِ، والبازِي، والصَّقْرِ، ونحوه للصَّيدِ ، في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ؛ لأنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا، تَجُوزُ إعارَتُه له ، فجازت إجارَتُه له، كالدَّابّةِ.
فأمّا إجارَةُ سباع البَهائِمِ والطَّيرِ التي لا تَصْلُحُ للصَّيدِ، فلا تَجُوزُ إجارَتُها؛ لأنَّه لا نفْعَ فيها،
وكذلك إجارَةُ الكلْبِ والخِنْزِيرِ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ بَيعُه. ويَتَخَرَّجُ جَوازُ إجارَةِ الكَلْبِ الذي يُباحُ اقْتِناؤه؛ لأنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا تَجُوزُ إعارَتُه له، فجازت إجارَتُه له، كغيرِه. ولأصحابِ الشافعيِّ فيه وَجْهان، كهذَين. ٢١٦٣ - مسألة: (و) يَجُوزُ (اسْتِئْجارُ كِتابٍ ليَقْرأ فيه، إلَّا المُصْحَفَ، في أحَدِ الوَجْهَين) تَجُوزُ إجارَةُ كُتُب العِلْمِ التي يَجُوزُ بَيعُها للانتْفاعَ بها مِن القِرَاءَةِ فيها، والنَّسْخِ منها، والرِّوايةِ، وغيرِ ذلك من الانْتِفاعِ المَقْصُودِ المُحْتاجِ إليه. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ومُقْتَضى قَوْلِ أبي حنيفةَ، أَنه لا تَجُوزُ إجارَتُها؛ لأَنه عَلَّلَ مَنْعَ إجارَةِ المُصْحَف بأنَّه ليس في ذلك أكْثَرُ مِن النَّظَرِ إليه، ولا تَجُوُز الإجارَةُ لمِثْلِ ذلك، كما لا يَجُوزُ أن يَسْتَأجِرَ سَقْفًا ليَنْظُرَ إلى عَمَلِه. ولَنا، أنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا يُحْتاجُ إليه، تَجُوزُ الإعارَةُ له، فجازتِ الإجارَةُ له، كسائرِ المَنافِعِ. وفارَق النَّظَرَ إلى السَّقْفِ؛ فإنَّه لا حاجَةَ إليه، ولا جَرَتِ العادَةُ بالإِعارَةِ مِن أجْلِه. وتَجُوزُ إجارَةُ كِتَابٍ فيه خَطٌّ حَسَن، يَنْقُلُ منه ويَكْتُبُ عليه، على قِياسِ ذلك.
فصل: وفي إجارَةِ المُصْحَفِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ إجارَتُه؛ لأنه لا يَصِحُّ بَيعُه؛ إجْلالًا لكتابِ اللهِ تعالى وكَلامِه عن المُعاوَضةِ به وابتذالِه بالثمَنِ في البَيعِ والأجْرِ في الإجارَةِ.
والثاني، يَصِحُّ. وهو مَذْهَبُ الشافعي؛ لأنه انْتِفاع مُباحٌ، تَجُوزُ الإعارَةُ مِن أجْلِه، فجازت إجارَتُه، كسائِرِ الكُتُبِ.
ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ جَوازِ البَيعِ عَدَمُ جَوإزِ الإجارَةِ، كالحُرِّ.
فصل: والذي يَحْرُمُ بَيعُه تَحْرُمُ إجارَتُه، إلَّا الحُرَّ، والوَقْفَ، وأم الوَلَدِ، فإنَّه يَجُوزُ إجارَتُها وإن حَرُمَ بَيعُها، وما عدا ذلك لا تَجُوزُ إجارَتُه، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى. ٢١٦٤ - مسألة: (و) يَجُوزُ (اسْتِئْجارُ النقْدِ للتحَلِّي والوَزْنِ لا غيرُ) إذا كان في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ. وبه قال أبو حنيفةَ. وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ، والوَجْهُ الآخَرُ، أنَّه لا تَجُوزُ إجارَتُها؛ لأن هذه المَنْفَعَةَ ليستِ المَقْصُودَ منها، ولذلك لا تُضْمَنُ مَنْفَعَتُها بغَصْبِها، فأشْبَهَتِ الشَّمْعَ.
ولَنا، أنها عَين أمْكَنَ الانْتِفاع بها معِ بَقاءِ عَينها مَنْفَعَةً مُباحَة، فأشْبَهَتِ الحَلْىَ، وفارَقَ الشَّمْعَ؛ فإنه لا يُنْتَفعُ به إلَّا بما يُتْلِفُ عَينَه. ٢١٦٥ -
(فَيَجُوزُ لَهُ اسْتِئْجَارُ حَائِطٍ لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ) أَيْ إِذَا كَانَ الْخَشَبُ مَعْلُومًا ; لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهَا وَاسْتِيفَائِهَا، فَجَازَتْ كَالسَّطْحِ لِلنَّوْمِ عَلَيْهِ (وَحَيَوَانٍ لِيَصِيدَ بِهِ) كَالْفَهِدِ وَالْبَازِي فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ; لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا تَجُوزُ إِعَارَتُهُ لَهُ فَكَذَا إِجَارَتُهُ،
وَفِي " التَّبْصِرَةِ " أَنَّهُ يَصِحُّ إِجَارَتُهَا لِلصَّيْدِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَيْعِهَا الْخِلَافَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ سِبَاعَ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ الَّتِي لَا يَصْلُحُ لِلصَّيْدِ لَا تَجُوزُ إِجَارَتُهَا لِعَدَمِ النَّفْعِ فِيهَا (إِلَّا الْكَلْبَ) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَالْخِنْزِيرِ لِعَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ،
وَقِيلَ: يَجُوزُ لِصَيْدٍ وَحِرَاسَةٍ لِوُجُودِ النَّفْعِ الْمُبَاحِ (وَاسْتِئْجَارِ كِتَابٍ) فِيهِ عِلْمٌ مُبَاحٌ (لِيَقْرَأَ فِيهِ) لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَقْصُودٌ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ،
وَكَذَا النَّسْخُ، وَالرِّوَايَةُ مِنْهُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالِانْتِفَاعِ لَعَمَّ، وَتَجُوزُ إِجَارَةُ كِتَابٍ فِيهِ خَطٌّ حَسَنٌ يَنْقُلُ مِنْهُ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهِ عَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (إِلَّا الْمُصْحَفَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إِجْلَالًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِهِ عَنِ الْمُعَاوَضَةِ بِهِ فَلَمْ تَجُزْ إِجَارَتُهُ،
وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ مُبَاحٌ كَالْإِعَارَةِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْبَيْعِ عَدَمُ جَوَازِ الْإِجَارَةِ كَالْحُرِّ، وَالْوَقْفِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ.
فَرْعٌ: يَصِحُّ نَسْخُ الْمُصْحَفِ بِأُجْرَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ،
فَإِنْ نَسَخَهُ ذِمِّيٌّ وَلَمْ يَحْمِلْهُ، فَوَجْهَانِ. (وَاسْتِئْجَارُ النَّقْدِ لِلتَّحَلِّي) أَيْ لِتَحْلِيَةِ امْرَأَةٍ (وَالْوَزْنِ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِيهِ بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ (لَا غَيْرَ) مِنَ الِاتِّفَاقِ، وَنَحْوِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِذْهَابِ عَيْنِهَا وَبَقَاؤُهَا شَرْطٌ
ويَجُوزُ اسْتِئْجارُ كِتابٍ ليَقْرَأ فيه، إلَّا المُصْحَفَ في أحَدِ الوَجْهَين. في جَوازِ إجارَةِ المُصْحَفِ ليَقْرَأ فيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ التَّحْريمُ، والكَراهَةُ، والإباحَةُ. وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ». والخِلافُ هنا مَبْنِي على الخِلافِ في بَيعهِ؛ أحدُهما ، لا يجوزُ. وهو المذهبُ. صحَّحه في «التَّصْحيح»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . .
و «النظْمِ»، و «المُذْهَبِ». وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
والثاني، يجوزُ. قدَّمه في «الفائقِ». وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ».
وقيل: يباحُ.
فائدة: يصِحُّ نَسْخُه بأجْرَةٍ. نصَّ عليه. وتقدم في نَواقِضِ الطهارَةِ، هل يجوزُ للذمي نَسْخُه؟
فائدة: ما حَرُمَ بَيعُه، حَرُمَ إجارَتُه، إلَّا الحُرَّ والحُرَّةَ، ويَصْرِفُ بصَرَه عنِ النظَرِ. نص عليه، والوَقْف، وأم الوَلَدِ. قاله الأصحابُ. وَاسْتِئْجَارُ النقْدِ لِلتحَلِّي وَالْوَزْنِ لَا غَيرُ. واسِتئجارُ النقْدِ للتَّحَلِّي والوَزْنِ لا غيرُ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
قال في «المُحَرَّرِ»: ويجوزُ إجارَةُ النقْدِ للوَزْنِ ونحوه.
وقال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم: وتجوزُ إجارَةُ نَقْد للوَزْنِ. واقْتَصرُوا عليه.
قال في «الفُروعِ»: ومنَع في «المُغْنِي» إجارَةَ نَقْدٍ، أو شَمْعٍ للتجَمُّلِ، وثَوْبٍ لتَغْطيةِ نَعْش، وما يُسْرِعُ فَسادُه كرَياحِينَ.
قال في «الترْغيبِ» وغيرِه: وتُفاحَة للشمِّ، بل عَنْبَر وشِبْهِه. وظاهرُ كلامِ جماعةٍ، جَوازُ ذلك. انتهى. فظاهرُ كلامِه في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الوَجزِ»، أنَّه لا يجوزُ للتحَلِّي؛ لاقْتِصارِهم على الوَزْنِ، اللهُم إلا أنْ يُقال: خُرِّجَ كلامُهم على الغالِبِ؛ لأنَّ الغالِبَ في الدراهِمِ والدَّنانيرِ أنْ لا يُتَحَلَّى بها. وقَوْل صاحِبِ «الفُروعِ»: للتَّجَمُّلِ. ليس المُرادُ التحَلِّيَ به؛ لأن التَّجَمُّلَ غيرُ التَّحَلِّي. وأطْلَقَ في «الفُروعِ» في إجارَةِ النقْدِ للتَّحَلِّي، والوَزْنِ، الوَجْهَين، في كتاب الوَقفِ.
فَإن أطْلَقَ الإجَارَةَ، لَمْ تَصِح فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَصِحُّ فِي الآخَرِ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا فِي ذَلِكَ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.