فَإِنْ دَفَنَهَا وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَدًا أَوْ أَعْلَمَ بِهَا مَنْ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ ضَمِنَهَا أَوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا أَوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيسِهَا أَوْ خَلَطَهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ ضَمِنَهَا
الشروح عليها
مسألة: (وإن تَعَدَّى فيها، فرَكِبَ الدّابَّةَ لغيرِ نَفْعِها، ولَبِس الثَّوْبَ) أو أخَذَ الوَدِيعَةَ ليَسْتَعْمِلَها، أو ليَخُونَ فيها (ثم رَدَّها) إلى مَوْضِعِها بنِيَّةِ الأمانَةِ، ضَمِنَها؛ لتَعَدِّيه، ولم يَزُلْ عنه الضَّمانُ برَدِّها. وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَبْرأُ؛ لأنَّه مُمْسِكٌ لها بإذْنِ مالِكِها، فأشْبَهَ ما قبلَ التَّعَدِّي. ولَنا، أنَّه ضَمِنَها بعُدْوانٍ فبَطَلَ الاسْتِئْمانُ، كما لو جَحَدَها ثم أقَرَّ بها، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرَه.
٢٤٤٧ -
(جَحَدَها ثم أقَرَّ بها) فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه بجَحْدِها خَرَج عن الاسْتِئْمانِ عليها، فلم يَزُلْ عنه الضَّمان بالإقْرارِ بها؛ لأنَّ يَدَه صارت يَدَ عُدْوانٍ.
٢٤٤٨ -
(كَسَر خَتْمَ كِيسِها) أو كانت مَشْدُودَةً فحَلَّ الشَّدَّ، ضَمِن، سَواءٌ أخْرَجَ منها شيئًا أو لم يُخْرِجْ؛ لأنَّه هَتَك الحِرْزَ بفِعْلٍ تَعَدَّى به.
فإن خَرَق الكِيسَ فوقَ الشَّدِّ، فعليه ضَمانُ ما خَرَق خاصَّةً؛ لأنَّه لمّا هَتَك الحِرْزَ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا كَسَر خَتْمَ الكِيسِ، لم يَلْزَمْه ضَمانُ الوَدِيعَةِ؛ لأنَّه لم يَتَعَدَّ في غيرِه. ولَنا، أنَّه هَتَك حِرْزَها، فضَمِنَها إذا تَلِفَتْ، كما لو أوْدَعَه إيّاها في صُنْدُقٍ مُقْفَلٍ، ففَتَحَه وتَرَكه مَفْتوحًا، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لم يتَعَدَّ في غيرِ الخَتْمِ.
٢٤٤٩ -
(خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ منه، ضَمِنَها) إذا خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ منه مِن مالِه أو مالِ غيرِه، ضَمِنَها، سَواءٌ خَلَطَها بمِثْلِها أو دُونِها، أوَ أجْوَدَ مِن جنْسِها أو مِن غيرِ جِنْسِها، مثلَ أن يَخْلِطَ الدَّراهِمَ بدَراهِمَ، أَوْ دُهْنًا بدُهْنٍ، كالزَّيتِ بالزيتِ أو السَّمْنِ أو بغيرِه. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وقال ابنُ القاسِمِ: إن خَلَط دَراهِمَ بدَراهِمَ على وَجْهِ الحِرْزِ، لم يَضْمَنْ. وحُكِيَ عن مالِكٍ، لا يَضْمَنُ إلَّا أن تكونَ دُونَها، لأنَّه لا يُمْكِنُه رَدُّها إلَّا ناقِصَةً. ولنا، أنَّه خَلَطَها بمالِه خَلْطًا لا يَتَمَيَّزُ، فوَجَبَ أن يَضْمَنَها، كما لو خَلَطَها بدُونِها، ولأنَّه إذا خَلَطَها بما لا يَتَمَيَّزُ، فقد فَوَّتَ على نَفْسِه إمْكانَ رَدِّها، فلَزِمَه ضَمانُها، كما لو ألْقاها في لُجَّةِ بَحْرٍ.
فإن أمَرَه صاحِبُها بخَلْطِها بمالِه أو بغيرِه، ففَعَلَ ذلك، فلا ضَمانَ عليه، لأنَّه فَعَلَ ما أمَرَه به، فكان نائِبًا عن المالِكِ فيه. وقد نَقَل مُهَنّا عن أحمدَ، في رجلٍ اسْتُودِعَ عَشَرَةَ دَراهِمَ، واسْتَوْدَعَه آخَرُ عَشَرَةً، وأمَراه أن يَخْلِطَها، فخَلَطَها، فضاعَتِ الدَّرِاهِمُ، فلا شيءَ عليه.
فإن أمَرَه أحَدُهما بخَلْطِ دَراهِمِه، ولم يَأْمُرْه الآخرُ، فعليه ضَمانُ دَراهِمِ مَن لم يَأْمُرْه دُونَ الأخْرَى.
وإنِ اخْتَلَطَتْ هي بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه، كما لو تَلِفَتْ بغيرِ تَفرِيطِه.
وإن خَلَطَها غيرُه، فالضَّمانُ على مَن خَلَطَها، لأنَّ العُدْوانَ منه، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَها. ٢٤٥٠ -
(فَإِنْ دَفَنَهَا وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَدًا) ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي الْحِفْظِ، فَإِنْهُ قَدْ يَمُوتُ فِي سَفَرِهِ فَلَا تَصِلُ إِلَى صَاحِبِهَا، وَرُبَّمَا نَسِيَ مَوْضِعَهَا، أَوْ أَصَابَهَا آفَةٌ،
وَكَذَا إِنْ أَعْلَمَ بِهَا غَيْرَ ثِقَةٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَخَذَهَا، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الْمُؤَلِّفُ اكْتِفَاءً بِمَفْهُومِ الْأَوَّلِ (أَوْ أَعْلَمَ بِهَا مَنْ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ) أَيْ: مَنْ لَا يَدُلُّهُ عَلَى الْمَكَانِ (ضَمِنَهَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُودِعْهَا إِيَّاهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِاحْتِفَاظِ بِهَا [تَعَدَّى فِي الْوَدِيعَةِ ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا] (وَإِنْ تَعَدَّى فِيهَا فَرَكِبَ الدَّابَّةَ لِغَيْرِ نَفْعِهَا، وَلَبِسَ الثَّوْبَ، وَأَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا ثُمَّ رَدَّهَا) بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ ضَمِنَهَا لِتَصَرُّفِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ؛
لِأَنَّهُ مُمْسِكٌ لَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا، أَشْبَهَ مَا قَبِلَ التَّعَدِّي، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ ضَمِنَهَا بِعُدْوَانٍ، فَبَطَلَ الِاسْتِئْمَانُ، كَمَا لَوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا وَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا إِذَا اسْتَعْمَلَهَا لِنَفْعِهَا كَلُبْسِ صُوفٍ وَنَحْوِهِ، خَوْفًا مِنْ عَثٍّ وَنَحْوِهِ (أَوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا) لِأَنَّهُ بِجَحْدِهَا خَرَجَ عَنِ الِاسْتِئْمَانِ عَنْهَا، فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ بِالْإِقْرَارِ بِهَا؛ لِأَنَّ يَدَهُ صَارَتْ يَدَ عُدْوَانٍ (أَوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيسِهَا) أَوْ كَانَتْ مَشْدُودَةً فَأَزَالَ الشَّدَّ، أَوْ مَقْفُولَةً فَأَزَالَهُ، وَسَوَاءٌ أَخَرَجَ مِنْهَا شَيْئًا أَوْ لَا لِهَتْكِهِ الْحِرْزَ بِفِعْلٍ تَعَدَّى فِيهِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ: لَا يَضْمَنُ،
فَإِنْ خَرَقَ الْكِيسَ فَوْقَ الشَّدِّ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا خَرَقَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكِ الْحِرْزَ (أَوْ خَلَطَهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ) كَزَيْتٍ بِزَيْتٍ، وَدَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ (ضَمِنَهَا) لِأَنَّهُ صَيَّرَهَا فِي حُكْمِ التَّالِفِ وَفَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ رَدَّهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَاهَا فِي لُجَّةِ بَحْرٍ، وَسَوَاءٌ خَلَطَهَا بِمَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ بِمِثْلِهَا، أَوْ دُونِهَا، أَوْ أَجْوَدَ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ أَعْطَى آخَرَ دِرْهَمًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَيْئًا، فَخَلَطَهُ مَعَ دَرَاهِمِهِ، فَضَاعَا، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَلَمْ يَتَأَوَّلْهُ فِي " النَّوَادِرِ " وَذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ، ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْمَنْثُورِ " عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: لِأَنَّهُ خَلَطَهُ بِمَالِهِ،
فَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا ضَاعَ ضَمِنَ، نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ " إِذَا خَلَطَ إِحْدَى وَدِيعَتَيْ زَيْدٍ بِالْأُخْرَى بِلَا إِذْنٍ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ، فَوَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا نَوَى التَّعَدِّيَ فِيهَا وَلَمْ يَتَعَدَّ لَمْ يَضْمَنْ، وَحَكَى الْقَاضِي قَوْلًا: بَلَى، كَمُلْتَقِطٍ فِي وَجْهٍ.
أو خلَطها بما لا تَتَمَيَّزُ منه، ضَمِنَها. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
قال في «التَّلْخيصِ»: ومع عدَمِ التَّمْييزِ، يَضْمَنُ، رِوايَةً واحدةً. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»،
وقال: ظاهِرُ نَقْلِ البَغويِّ، لا يَضْمَنُ. ولم يتَأوَّلْه في «النَّوادِرِ». وذكَرَهْ الحَلْوانِيُّ ظاهِرَ كلامِ الخِرَقِيِّ. وجزَم به في «المَنْثُورِ» عن أحمدَ، قال: لأنَّه خلَطَه بمالِه. وجزَم به في «المُبْهِجِ» في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوَكِيلِ، كوَدِيعَتِه، في أحَدِ الوَجْهَين. قال الحارِثِيُّ: وعن أحمدَ، لا يضْمَنُ بخَلْطِ النُّقودِ. ونقَلَه عبدُ اللهِ البَغويُّ. فعلى هذه الرِّوايَةِ، لو تَلِفَ بعضُ المُخْتَلِطِ بغيرِ عُدْوانٍ، جُعِلَ التَّلَفُ كلُّه مِن مالِه، وجُعِلَ الباقِي مِنَ الوَدِيعَةِ. نصَّ عليه.
فائدة: لو اخْتلَطَتِ الوَديعَةُ بغيرِ فِعْلِه، ثم ضاعَ البعضُ، جُعِلَ مِن مالِ المُودَعِ وَإنْ خَلَطَهَا بِمُتَمَيِّزٍ، أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَسْقِيَهَا، لَمْ يَضْمَنْ.
في ظاهِرِ كلامِه. ذكَرَه المَجْدُ في «شَرْحِه». وذكَر القاضي في «الخِلافِ» أنَّهما يَصِيران شَرِيكَين. قال المَجْدُ: ولا يبْعُدُ على هذا، أنْ يكونَ الهالِكُ منهما. ذكَرَه في «القاعِدَةِ الثَّانيَةِ والعِشْرِين».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.