وَإِنْ أَوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً فَأَتْلَفَهَا ضَمِنَهَا فِي رَقَبَتِهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ وَتَلَفٍ وَإِذْنٍ فِي دَفْعِهَا إِلَى إِنْسَانٍ
الشروح عليها
مسألة: (وإن أوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً فأتْلَفَها) خُرِّجَ على الوَجْهَين في الصَّغِيرِ، إذا أتْلَفَ الوَدِيعَةَ،
فإن قُلْنا: لا يَضْمَنُ الصَّبِيُّ. كانت في ذِمَّتِه.
وإن قُلْنا: يَضْمَنُ. كانت في رَقَبَتِه.
فصل: وإذا أوْدَعَه شيئًا، ثم سَألَه دَفْعَه إليه في وَقْتٍ أمْكَنَه ذلك، فلم يَفْعَلْ حتى تَلِف، ضَمِنَه. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ رَدِّ الوَدِيعَةِ على مالِكِها إذا طَلَبَها، فأمْكَنَ أداؤُها إليه بغيرِ ضَرُورَةٍ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى بذلك، فقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}.
وقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». يَعْنِي عندَ طَلَبِها. ولأنَّها حَقٌّ لمالِكِها لم يتَعَلَّقْ بها حَقُّ غيرِه، فلَزِم أداؤُها إليه، كالمَغْصُوبِ والدَّينِ الحالِّ.
فإنِ امْتَنَعَ مِن دَفْعِها في هذه الحال، فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه صار غاصِبًا، لأنَّه أمْسَكَ مال غيرِه بغيرِ إذْنِه بفِعْل مُحَرَّمٍ، أشْبَهَ الغاصِبَ.
فأمّا إن طَلَبَها في وَقْتٍ لم يُمْكِنْ دَفْعُها؛ لبُعْدِها، أولمَخافَةٍ في طَرِيقِها، أو للعَجْزِ عن حَمْلِها، أو غيرِ ذلك، لم يكنْ مُتَعَدِّيًا بتَرْكِ تَسْلِيمِها؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها.
فإن تَلِفَتْ لم يَضْمَنْها؛ لعَدَمِ عُدْوانِه.
وإن قال: أمْهِلُونِي حتى أقْضِيَ صَلاتِي -أو- آكُلَ، فإنِّي جائِعٌ -أو- أنامَ فإنِّي ناعِسٌ -أو- يَنْهَضِمَ عنِّي الطَّعامُ، فإني مُمْتَلِئٌ. أُمْهِلَ بقَدْرِ ذلك. فصل: وليس على المُسْتَوْدَعِ مُؤْنَةُ الرَّدِّ وحَمْلُها إلى رَبِّها، إذا كانت ممّا لحَمْلِها مُؤْنَةٌ، قَلَّتِ المُؤْنَةُ أو كَثُرَتْ؛ لأنَّه قَبَض العَينَ لمَنْفَعَةِ مالِكِها على الخُصُوصِ، فلم تَلْزَمْه الغَرامَةُ عليها، كما لو وَكَّلَه في حِفْظِها في مِلْكِ صاحِبِها، وإنّما عليه التَّمْكِينُ مِن أخْذِها.
فإن سافَرَ بها بغيرِ إذْنِ رَبِّها، رَدَّها إلى بَلَدِها؛ لأنَّه بَعَّدَها بغيرِ إذْنِ رَبِّها، فلَزِمَه رَدُّها، كالغاصِبِ.
فصل: إذا مات الرجلُ، وثَبَت أنَّ عندَه وَدِيعَةً لم تُوجَدْ بعَينِها، فهي دَينٌ عليه، تُغْرَمُ مِن تَركَتِه،
فإن كان عليه دَينٌ سِواها، فهما سَواءٌ إن وَفَّتْ تَرِكَتُه بهما، وإلَّا اقْتَسماها بالحِصَصِ. وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وداودُ بنُ أبي هِنْدٍ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه، وإسحاقُ. ورُوِيَ ذلك عن شُرَيح، ومَسْرُوقٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والزُّهْرِيِّ، وأبي جَعْفَرٍ محمدِ بنِ عليّ. ورُوِيَ عنِ النَّخَعِيِّ: الأمانَةُ قبلَ الدَّين.
وقال الحارِثُ العُكْلِيُّ: الدَّينُ قبلَ الأمانَةِ. ولَنا، أنَّهما حَقَّان وَجَبا في ذِمَّتِه، فتَساوَيا كالدَّينَين. وسَواءٌ وُجِد في تَرِكَتِه مِن جِنْسِ الوَدِيعَةِ أو لم يُوجَدْ. وهذا إذا أقَرَّ المُودَعُ أنَّ عندِي وَدِيعَةً، أو عليَّ وَدِيعَةً لفُلانٍ، أو ثَبَتَتْ بَيِّنَةٌ أنَّه مات وعندَه وَدِيعَةٌ.
فأمّا إن كانت عندَه وَدِيعَةٌ في حَياتِه، ولم تُوجَدْ بعَينِها، ولم يُعْلَمْ هل هي باقِيَةٌ عندَه أو تَلِفَتْ؟ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، وُجُوبُ ضَمانِها؛ لأنَّ الوَديعَةَ يَجِبُ رَدُّها، إلَّا أن يَثْبُتَ سُقُوطُ الرَّدِّ بالتَّلَفِ مِن غيرِ تَعَدٍّ، ولم يَثْبُتْ ذلك، ولأنَّ الجَهْلَ بعَينِها كالجَهْلٍ بها، وذلك لا يُسْقِطُ الرَّدَّ.
والثانِي، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ أمانةٌ، والأصْلُ عَدَمُ إتْلافِها والتَّعَدِّي فيها، فلم يَجِبْ ضَمانُها. وهذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وأحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ. والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الرَّدِّ، فيَبْقَى عليه، ما لم يُوجَدْ ما يُزِيلُه.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (والمُودَعُ أمِينٌ، والقولُ قَوْلُه فيما يَدَّعِيه مِن رَدٍّ أو تَلَفٍ أو إذْنٍ في دَفْعِها إلى إنْسانٍ) إذا ادعى المُسْتَوْدَعُ تَلَفَ الوَدِيعَةِ، فالقولُ قَوْلُه بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلَّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ المُودَعَ إذا أحْرَزَ الوَدِيعَةَ،
ثم ذَكَر أنَّها ضاعَتْ، أنَّ القولَ قَوْلُه.
وقال أكْثَرُهم: مع يَمِينِه. وإنِ ادَّعَى رَدَّها على صاحِبِها، فالقولُ قَوْلُه مع يَمينِه. وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي، وإسحاقُ. وبه قال مالِكٌ إن كان دَفَعَها إليه بغيرِ بَيِّنةٍ،
وإن كان أوْدَعَه إيّاها ببَيِّنةٍ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرَّدِّ إلَّا ببَيِّنةٍ. وحَكاه القاضي أبو الحُسَينِ رِوايَةً عن أحمدَ. ولَنا، أنَّه أمِينٌ لا مَنْفَعَةَ له في قَبْضِها، فقُبِل قَوْلُه في الرَّدِّ بغيرِ بَيِّنةٍ، كما لو أُودِعَ بغيرِ بَيِّنةٍ.
وإن قال: دَفَعْتُها إلى فُلانٍ بأمْرِكَ. فأنْكَرَ مالِكُها الإذْنَ في دَفْعِها، فالقولُ قولُ المُودَعِ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ منصورٍ. وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى.
وقال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والعَنْبَرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي: القولُ قولُ المالِك؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ، وله تَضْمِينُه. ولَنا، أنَّه ادَّعَى دَفْعًا يَبْرأُ به مِن الوَدِيعَةِ، فكان القولُ قَوْلَه، كما لو ادَّعَى رَدَّها على مالِكِها.
ولو اعْتَرَفَ المالِكُ بالإِذْن، ولكنْ قال: لم يَدْفَعْها. فالقول قول المُسْتَوْدَعِ أيضًا، ثم يُنْظرُ في المَدْفُوعِ إليه؛
فإن أقَرَّ بالقَبْضِ، وكان الدَّفْعُ في دَينٍ، فقد بَرِئَ الكلُّ،
وإن أنْكَرَ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه. وقد ذَكَر أصْحابُنا أنَّ الدّافِعَ يَضْمَنُ؛ لكونِه قَضَى الدَّينَ بغيرِ بَيِّنةٍ، ولا تَجِبُ اليَمِينُ على صاحِبِ الوَدِيعَةِ؛ لأنْ المُودَعَ مُفَرِّطٌ، لكونِه أذِنَ له في قَضاءٍ يُبَرِّئُه مِن الحَقِّ ولم يَبْرَأْ بدَفْعِه، فكان ضامِنًا، سَواءٌ صَدَّقَه أو كَذَّبَه.
وإن أمَرَه بدَفْعِه وَدِيعَةً، لم يَحْتَجْ إلى بَيِّنةٍ؛ لأنّ المُودَعَ يُقْبَلُ قَوْلُه في التّلَفِ والرَّدِّ، فلا
فائِدَةَ في الإشْهادِ عليه. فعلى هذا، يَحْلِفُ المُودَعُ ويَبرَأُ، ويَحْلِفُ الآخَرُ ويَبْرَأُ أيضًا، ويكونُ ذَهابُها مِن مالِكِها.
وإنِ ادَّعَى عليه خِيانَةً أو تَفْرِيطًا، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك، أشْبَهَ الوَكِيلَ. ٢٤٥٥ -
(وَإِنْ أَوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً فَأَتْلَفَهَا ضَمِنَهَا فِي رَقَبَتِهِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّ اسْتِحْفَاظُهُ، وَبِهِ تَحْصُلُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ، وَكَوْنُهَا فِي رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ إِتْلَافَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَحُكِيَ فِي " النِّهَايَةِ " أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ: فِيهِ وَجْهَانِ كَوَدِيعَةِ الصَّبِيِّ إِذَا أَتْلَفَهَا،
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَضْمَنُ الصَّبِيُّ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ،
وَإِنْ قُلْنَا: يَضْمَنُ كَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ "
وَالصَّحِيحُ الْفَرْقُ.
[فَصْلُ وَالْمُودَعُ أَمِينٌ] ٌ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا أَمَانَةً بِقَوْلِهِ:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ) مَعَ يَمِينِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي قَبْضِهَا، فَقُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ،
وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِنْ كَانَ دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ إِقَامَتُهَا، وَعَلَى الْقَبُولِ وَلَوْ عَلَى يَدِ عَبْدِهِ، أَوْ زَوْجَتِهِ، أَوْ خَازِنِهِ (وَتَلَفٍ) . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ إِذَا أَحْرَزَ الْوَدِيعَةَ،
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا ضَاعَتْ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، قَالَهُ الْأَكْثَرُ،
وَعَنْهُ: يُصَدَّقُ فِي تَلَفِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ،
وَالْمَذْهَبُ إِنِ ادَّعَاهُ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ،
وَإِنْ كَانَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَحَرِيقٍ، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِوُجُودِ السَّبَبِ وَلَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ.
كُلُّ مَالٍ تَلِفَ فِي يَدِ أَمِينٍ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ لَا ضَمَانَ فِيهِ، إِلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إِذَا اسْتَسْلَفَ السُّلْطَانُ لِلْمَسَاكِينِ زَكَاةً قَبْلَ حَوْلِهَا فَتَلِفَتَ فِي يَدِهِ ضَمِنَهَا لِلْمَسَاكِينِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ الشَّافِعِيُّ. (وَإِذْنٍ فِي دَفْعِهَا إِلَى إِنْسَانٍ) بِأَنْ قَالَ: دَفَعْتُهَا إِلَى فُلَانٍ بِأَمْرِكَ، فَأَنْكَرَ مَالِكُهَا الْإِذْنَ فِي دَفْعِهَا قَبْلَ قَوْلِ الْمُودِعِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ادَّعَى رَدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا،
وَلَوِ اعْتَرَفَ بِالْإِذْنِ وَأَنْكَرَ الدَّفْعَ قُبِلَ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ فِي الْمَنْصُوصِ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ إِنْ أَقَرَّ بِالْقَبْضِ، وَكَانَ الدَّفْعُ فِي دَيْنٍ بَرِئَ الْكُلُّ،
فَإِنْ أَنْكَرَ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الدَّافِعَ يَضْمَنُ لِكَوْنِهِ قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ مُفَرِّطٌ لِكَوْنِهِ أَذِنَ لَهُ فِي قَضَاءٍ يُبَرِّئُهُ مِنَ الْحَقِّ، وَلَمْ يَبْرَأْ بِدَفْعِهِ، فَكَانَ ضَامِنًا سَوَاءٌ صَدَّقَهُ أَوْ كَذَّبَهُ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ أَنَّ الرَّدَّ إِلَى رَسُولٍ مُوَكَّلٍ وَمُودَعٍ، فَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ ضَمِنَ لِتَعَلُّقِ الدَّفْعِ بِثَالِثٍ، وَيُحْتَمَلُ: لَا،
وَإِنْ أَقَرَّ. وَقَالَ: قَصَّرْتُ لِتَرْكِ الْإِشْهَادِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَخَّرَ رَدَّهَا بَعْدَ طَلَبِهَا بِلَا عُذْرٍ ضَمِنَ، وَيُمْهَلُ لِأَكْلٍ وَنَوْمٍ وَهَضْمِ طَعَامٍ بِقَدْرِهِ،
وَفِي " التَّرْغِيبِ " إِنْ أَخَّرَ لِكَوْنِهِ فِي حَمَّامٍ، أَوْ عَلَى طَعَامٍ إِلَى قَضَاءِ غَرَضٍ ضَمِنَ،
وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ عَلَى وَجْهٍ، وَاخْتَارَهُ الْأَزَجِّيُّ،
وَإِنْ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إِلَى وَكِيلِهِ فَتَمَكَّنَ وَأَبِي ضَمِنَ،
وَالْأَصَحُّ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا وَكِيلُهُ.
وإنْ أوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً، فأتْلَفَها، ضَمِنَها في رَقَبَتِه. هذا المذهبُ. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «شَرْحِ ابن مُنَجَّى». وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ». قال الحارِثِيُّ: وبه قال الأكْثَرَون مِن الأصحابِ؛ أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، وأبو الحُسَينِ، والشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَرٍ، والزَّيدِيُّ، وابنُ بكْروسٍ، والسَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ». انتهى. والوَجْهُ الثَّاني، يَضْمَنُها في ذِمَّتِه. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ». ولنا وَجْهٌ في المذهبِ، ذكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ» وغيرِه، بعدَمِ الضَّمانِ مُطْلَقًا، تخرِيجًا مِن مِثْلِه في الصَّبِيِّ، وردَّه الحارِثِيُّ.
تنبيه: قيلَ: إنَّ الوَجْهَين اللذين في العَبْدِ مَبْنِيَّان على الوَجْهَين في الصَّبِيِّ. وهو قوْلُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، والقاضي، وصاحبِ «الفائقِ»، ورَدَّه الحارِثِيُّ.
وقال في «المُسْتَوْعِب»، و «التَّلْخيصِ»: ويَضْمَنُ، ويكونُ في رَقَبَتِه؛ سواءٌ كان مَحْجُورًا عليه، أوَ مأْذونًا له. قال الحارِثِيُّ: صرح به غيرُ واحدٍ، وهو مُقْتَضَى إطْلاقِ المُصَنِّفِ، كما في الجِنايَةِ على النَّفْسِ. انتهى. وهي طريقَتُه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
فائدة: المُدَبَّرُ، والمُكاتَبُ، والمُعَلُّقُ عِتْقُه على صِفَةٍ، وأُمُّ الوَلَدِ، كالقِنِّ فيما تقدَّم. قاله الحارِثِيُّ وغيرُه. فَصْلٌ: وَالْمُودَعُ أمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ وَتَلَفٍ وَإذْنٍ في دَفْعِهَا إِلَى إِنْسَانٍ، وَيُدَّعَى عَلَيهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَتَفْرِيطٍ. والمُودَعُ أمِينٌ، والقَوْلُ قَوْلُه فيما يَدَّعيه مِن رَدٍّ وتَلَفٍ. يعنِي، مع يَمِينِه. هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ».
قال في «التَّلْخيصِ» وغيرِه: هذا المذهبُ.
وعنه، إن دفَعَها المُودِعُ، بكَسْرِ الدَّالِ، إلى المُودَعِ ببَيِّنةٍ، لم تُقْبَلْ دَعْوَى الردِّ إلَّا ببيِّنةٍ. نصَّ عليه في روايةِ أبِي طالبٍ، وابنِ مَنْصُورٍ. قال الحارِثِيُّ: وهذا ما قاله ابنُ أبِي مُوسى في «الإرْشادِ». وخرَّجها ابنُ عَقِيلٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على أنَّ الإشْهادَ على دفْعِ الحُقوقِ الثَّابتَةِ بالبَيِّنةِ واجِبٌ، فيَكونُ ترْكُه تفْرِيطًا، فيَجِبُ فيه الضَّمانُ.
وقيل؛ لا يَحْتاجُ إلى يَمِينٍ مع دَعْوَى التَّلَفِ قال الحَارِثِيُّ: المذهبُ لا يحْلِفُ مُدَّعِي الرَّدِّ والتَّلَفِ، إذا لم يُتَّهَمْ. وتأْتِي المَسْأَلةُ قريبًا بأتَمَّ مِن هذا.
تنبيه: محَلُّ هذا إذا لم يتَعرَّضْ لذِكْرِ سبَبِ التَّلَفِ؛
فإنْ أَبْدَى سبَبًا خَفِيًّا؛ مِن سَرِقَةٍ، أو ضياعٍ ونحوه، قُبِلَ أيضًا. ذكَرَه الأصحابُ.
وإنْ أبْدَى سبَبًا ظاهِرًا؛ مِن حريقِ منْزِلٍ أو غَرَقِه، أو هُجومِ غارَةٍ، ونحو ذلك، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنه لا يُقْبَلُ قوْلُه إلَّا ببَيِّنةٍ بوُجودِ ذلك السَّبَبِ في تلك النَّاحِيَةِ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ منهم ابنُ أبِي مُوسى، والقاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ في «الكافِي»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرُهم. وفي كلام أحمدَ ما يُشْعِرُ به.
قال في «التَّلْخيصِ» وغيرِه: ويَكْفِي في ثُبوتِ السَّبَبِ الاسْتِفاضَةُ. وقاله في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقال في «المُغْنِي»، وجماعةٌ مِنَ الأصحابِ: يُقْبَلُ قوْلُه أيضًا. وتقدَّم نَظِيرُ ذلك في الوَكالةِ.
فائدة: لو مَنع المُودَعُ -بفَتْحِ الدَّالِ- صاحِبَ الوَدِيعَةِ منها، أو مَطَلَه بلا عُذْرٍ، ثم ادَّعَى تلَفًا، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنةٍ؛ لخُروجِه بذلك عن الأمانةِ. وإذنٍ في دَفْعِها إلى إنْسانٍ. يعْنِي، إذا قال المُودَعُ، بفَتْحِ الدَّالِ، للمُودِعِ: أذِنْتَ لي في دَفْعِها إلى فُلانٍ فدَفَعْتُها. فأنْكَرَ الإذْنَ، فالقَوْلُ قوْلُ المُودَعِ، بفَتْحِ الدالِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. كما قال المُصَنِّفُ، ونصَّ عليه في روايةِ ابنِ مَنْصُورٍ. وقطَع به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ»، .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: لا يُقْبَلُ قوْلُه. قال الحارِثِيُّ: وهو قَويٌّ
وقيل: ذلك كوَكالةٍ في قَضاء دَينٍ.
ولا يلْزَمُ المُدَّعَى عليه للمالِكِ غيرُ اليَمِينِ، ما لم يُقِرَّ بالقَبْض. وذكَر الأَزَّجِيُّ، إنِ ادَّعَى الرَّدَّ إلى رسولِ مُوَكَّلٍ ومُودِعٍ، فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، ضَمِنَ؛ لتعَلُّقِ الدَّفْعِ بثالثٍ، ويَحْتَمِلُ لا.
وإنْ أقَرَّ، وقال: قَصَّرتُ لتَرْكِ الإِشْهادِ. احْتَمَلَ وَجْهَين. قال: واتفَقَ الأصحابُ أنه لو وَكَّلَه بقَضاءِ دَينِه، فقَضاه في غَيبَتِه، وترَكَ الإشْهادَ، ضَمِنَ؛ لأن مَبْنَى الدَّينِ على الضَّمانِ، ويَحْتَمِلُ، إن أمْكَنَه الإشْهادَ فترَكَه، ضَمِنَ. انتهى.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
فائدتان؛ إحْداهما، لو ادَّعَى الأداءَ إلى وارثِ المالكِ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنةٍ. قاله في «التَّلْخيصِ»، واقْتَصرَ عليه الحارِثِيُّ.
وكذا دَعْوَى الأداءِ إلى الحاكمِ. الثَّانيةُ، لو ادَّعى الأداءَ على يَدِ عَبْدِه، أو زَوْجَتِه، أو خازِنِه، فكدَعْوَى الأداءِ بنَفْسِه.
وَإِنْ قَال: لَمْ تُودِعْنِي. ثُمَّ أقَرَّ بِهَا، أوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنةٍ، فَادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ أقَامَ بِهِ بَيِّنةً. وَيَحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ بَيِّنتُهُ.
قال: (وإن أودع عبداً وديعة. فأتلفها: ضمنها في رقبته) .
أما كون العبد يضمن الوديعة إذا أتلفها؛ فلأن العبد مكلف يصح استحفاظه، وبهذا يحصل الفرق بينه وبين الصبي.
وقال صاحب النهاية فيها: قال القاضي: فيه وجهان كوديعة الصبي.
ثم قال: والصحيح الفرق، وذَكَر ما تقدم.
وأما كون الضمان في رقبته؛ فلأن إتلافه من جنايته،
ولو جنى كان الضمان في رقبته. فكذلك إذا أتلف . فصل [المودَع أمين] قال المصنف رحمه الله: (والمودع أمين. والقول قوله فيما يدعيه من رَدٍّ، وتلفٍ، وإذنٍ في دفعها إلى إنسان، وما يدعى عليه من جنايةٍ وتفريط) .
أما كون المودع أميناً؛ فلأن الله تعالى سمى الوديعة أمانة بقوله:{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}، وقوله:{فليؤد الذي اؤتمن أمانته}.
وقال عليه السلام:«أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنك».
ولأنه لا منفعة له في قبضها.
وأما كون القول قوله فيما ذكر؛ فلأن ذلك شأن الأمين.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.