وَإِنْ شَرَطَ رُجُوعَهَا إِلَى الْمُعْمَرِ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ قَالَ: هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا، صَحَّ الشَّرْطُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن شَرَط رُجُوعَها إلى المُعْمِرِ عندَ مَوْتِه، أو قال: هي لآخِرِنا مَوْتًا. صَحَّ الشَّرْط. وعنه، لا يَصِحُّ، وتكون للمُعْمَرِ ولِوَرَثَتِه) مِن بعدِه.
أمّا إذا شَرَط رُجُوعَها إلى المُعْمِرِ عندَ مَوْتِه، أو قال: هي لآخِرِنا مَوْتًا. أو: إذا مِتَّ عادَتْ إلَيَّ إن كُنْتُ حَيًّا. أو: إلى وَرَثَتِي. ففيها رِوايتان؛ إحْداهما، صِحَّةُ العَقْدِ والشرْطِ،
ومتى مات المُعْمَر رَجَعَتْ إلى المُعْمِرِ. وبه قال القاسِمُ بن محمدٍ، ويزيدُ بنُ قُسَيطٍ ، والزُّهْرِيُّ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، وابنُ أبي ذِئْبٍ، ومالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لِما روَى جابِرٌ، قال: إنَّما العُمْرَى التي أجاز رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَن يقولَ: هي لَكَ ولعَقِبِكَ.
فأمّا إذا قال: هي لك ما عِشْتَ. فإنَّها تَرْجِعُ إلى صاحِبِها. مُتَّفَقٌ عليه . وروَى مالِكٌ في «مُوَطَّئِه»، عن جابِرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«أَيُّمَا رَجُل أعْمَرَ عُمْرَى لَهُ ولِعَقِبِه، فإنَّها لِلذِي أُعْطِيَها، لَا تَرْجِعُ إلى مَنْ أعْطَاهَا». لأنَّه أعْطَى عَطاءً وَقَعَتْ فيه المَوارِيثُ. ولقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُؤمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ».
وقال القاسِمُ بنُ محمدٍ: ما أدرَكْتُ النَّاسَ إلَّا على شُرُوطِهم في أمْوالِهم. والثانيةُ، أنها تكونُ للمُعْمَرِ أيضًا ولوَرَثَتِه،
ويَبْطُلُ الشَّرْطُ. وهو قولُ الشافعيِّ الجَدِيدُ ، وأبي حنيفةَ. قال شيخُنا : وهو ظاهِرُ المَذْهَبِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبي طالبٍ؛ للأحاديثِ المُطْلَقةِ التي ذَكَرْناها، ولقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا رُقْبَى، فمَنْ أُرْقِبَ شَيئًا فَهُوَ لَه حَيَاتَه وَمَوْتَه». قال مجاهِدٌ: والرُّقبَى، هو أنَّ يقولَ: هي للآخِرِ مِنِّي ومنك مَوْتًا. قال مجاهدٌ: سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَرْقُبُ مَوْتَ صاحِبِه. وروَى الإمامُ أحمدُ ، بإسْنادِه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«لَا عُمْرَى وَلَا رُقْبَى، فمَنْ أُعْمِرَ شَيئًا أوْ أُرْقِبَه فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ ومَوْتَهُ».
وهذا صَرِيحٌ في إبْطالِ الشَّرْطِ؛ لأنَّ الرُّقْبَى يُشْتَرَطُ فيها عَوْدُها إلى المُرقِبِ إن مات الآخَرُ قبلَه.
فأمّا حديثُهم الذي احْتَجُّوا به،
فمِن قولِ جابِر نَفْسِه، وإنَّما نَقْلُ لَفْظِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«أمْسِكُوا عَلَيكُمْ أمْوالكُمْ ولا تُفْسِدُوَها، فإنَّه مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ للَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا ومَيِّتًا، ولِعَقِبِه». ولأنَّنا لو أجَزْنا هذا الشَّرْطَ، كانت هِبَةً مُؤقَّتَة، والهِبَةُ لا يجوزُ فيها التَّأْقِيتُ، وإنَّما لم يُفسِدْها الشَّرْطُ؛ لأنَّه ليس بشَرْطٍ على المُعْمَرِ، وإنَّما شَرْطُ ذلك على وَرَثَتِه،
ومتى لم يكنِ الشَّرْطُ مع المَعْقُودِ معه، لم يُؤثِّرْ فيه.
وأمّا قَوْلُه في الحديثِ الآخرِ: لأنَّه أعْطَى عَطاءً وَقَعَتْ فيه المَوارِيثُ. فهذه الزِّيادَةُ مِن كَلامِ أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، كذلك رَواهُ ابنُ أبي ذِئْبٍ، وفَصَّلَ هذه الزِّيادَةَ فقال عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنَّه مضَى في مَن أُعْمِرَ عُمْرَى له ولعَقِبه فهي له بَتْلَةً ، لا يَجُوزُ للمُعْطِي فيها شَرْط ولا مَثْنَويَّة . قال أبو سَلَمَةَ: لأنَّه أعْطَى عَطاءً وَقَعَتْ فيه المَوارِيثُ .
(وَإِنْ شَرَطَ رُجُوعَهَا إِلَى الْمُعْمَرِ عِنْدَ مَوْتِهِ) إِنْ مَاتَ قَبْلَهُ، أَوْ إِلَى غَيْرِهِ، وَتُسَمَّى الرُّقْبَى، أَوْ رُجُوعُهَا مُطْلَقًا إِلَيْهِ، أَوْ إِلَى وَرَثَتِهِ (أَوْ قَالَ: هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا، صَحَّ الشَّرْطُ) كَالْعَقْدِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . قَالَ الْقَاسِمُ: مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا عَلَى شُرُوطِهِمْ، وَحِينَئِذٍ يُعْمَلُ بِالشَّرْطِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإنْ شرَط رُجوعَها إلى الْمُعْمِرِ -بكَسْرِ الميمِ- عندَ مَوْتِه، أوْ قال: هِى لآخِرِنا مَوْتًا. صَحَّ الشَّرْطُ. هذا إحْدَى الرِّوايتَين. اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وعنه، لا يصِحُّ الشرْطُ، وتكونُ للمُعْمَرِ -بفَتْحِ الميمِ- ولورَثَتِه مِن بعدِه. وهو المذهبُ. قال المُصَنفُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ، نص عليه في رِوايَةِ أبِي طالِبٍ.
قال في «الفائقِ»: هذا المذهبُ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وقدَّمه في «المُحَررِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكُبْرَى». وأطْلَقَهما في «التَّلْخيص»، و «الشرْحِ». قال الحارِثِيُّ، عن المَسْأَلَةِ الأُوْلَى: هو المذهبُ.
وقال عن الثَّانِيَةِ: لا تصِح الرِّوايَةُ عن أحمدَ بصِحَّةِ الشَّرْطِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: مِن لازِمِ صِحَّةِ الشرْطِ، صِحَّةُ العَقْدِ، ولا عَكْسَ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ العَقْدَ في هذه المَسْأَلَةِ صحيحٌ. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاوي الصغِيرِ»، وغيرِهم. قال في «الفائقِ» وغيرِه: هذا المذهبُ.
وعنه، لا يصِحُّ العَقْدُ أيضًا. قال الحارِثِيُّ: وذكَر ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه وَجْهًا ببُطْلانِ العقْدِ لبُطْلانِ الشرْطِ، كالبَيعِ،
ولا يصِحُّ. انتهى.
فائدة: لا يصِحُّ إعْمارُه المَنْفعَةَ، ولا إرقابُها،
فلو قال: سُكْنَى هذه الدَّارِ لك عُمْرَك. أو غلَّةُ هذا البُسْتانِ. أو خِدْمَةُ هذا العَبْدِ لك عُمْرَك. أو منَحْتُكه عُمْرَك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو هو لك عُمْرَك. فذلك عارِيَّةٌ، له الرُّجوعُ فيها متى شاءَ في حَياتِه أو بعدَ مَؤتِه. نقَلَه الجماعَةُ عن أحمدَ. ونقَل أبو طالِبٍ، إذا قال: هو وَقفٌ على فُلانٍ،
فإذا ماتَ، فلوَلَدِي، أو لفُلانٍ. فكما لو قال: إذا ماتَ، فهو لوَلَدِه، أو لمَن أوْصَى له الواقِفُ، ليس يَمْلِكُ منه شيئًا، إنَّما هو لمَن وقَفَه، يضَعُه حيث شاءَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثلَ السُّكْنَى، والسُّكْنَى متى شاءَ رجَع فيه. ونقَل حَنْبَل، في الرُّقْبَى والوَقْفِ، إذا ماتَ، فهو لورَثَتِه،
بخِلافِ السُّكْنَى. ونقَل حَنْبَل أيضًا، العُمْرَى والرُّقْبَى والوَقْفُ مَعْنًى واحدٌ؛ إذا لم يَكُنْ فيه شَرْط، لم يرْجِعْ إلى ورَثَةِ المُعْمَرِ،
وإنْ شرَط في وَقْفِه أنَّه له حَياتَه، رجَع،
وإنْ جعَلَه له حَياتَه وبعدَ مَوْتِه، فهو لورَثَةِ الذي أعْمَرَه، وإلَّا رجَع إلى وَرَثَةِ الأوَّلِ. وتقدَّم حُكْمُ الوَقْفِ المُؤقَّتِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.