فَإِنْ عَدَمَ بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى جَالِسًا يُومِئُ إِيمَاءً
الشروح عليها
مسألة: (فإن عَدِم بكلِّ حالٍ صَلَّى جالِسًا يُومِئُ إيماءً، وإن صَلَّى قائِمًا جاز. وعنه، أنَّه يُصَلِّي قائِمًا ويَسْجُدُ بالأرْضِ) لا تَسْقُطُ الصلاةُ عن العُرْيانِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه شَرْطٌ عَجَز عنه فلم تَسْقُطِ الصلاةُ بعَجْزِه عنه، كالاسْتِقْبالِ، ويُصَلِّي جالِسًا، يُومِئُ بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وابن المُنْذِرِ: يُصَلِّي قائِمًا كغيرِ العُرْيانِ، لقَوْلِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَستطِعْ فَقَاعِدًا». رَواه البُخارِيُّ . ولأنَّه قادِرٌ على القِيامِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلم يَجُزْ له تَرْكُه، كالقادِرِ على السَّتْرِ. ولَنا، ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ قَوْمًا انْكسَرَتْ بهم مَراكِبُهم، فخرَجُوا عُراةً، قال: يُصَلُّون جُلُوسًا، يُومِئُون إيماءً برُؤُوسِهم. ولم يُنْقَلْ خِلافُه، ولأنَّ السَّترَ آكدُ مِن القِيامِ لأمْرَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه لا يَسْقُطُ مع القدْرَةِ بحالٍ، والقِيامُ يَسْقُطُ في النَّافِلَةِ.
والثاني، أنَّ السَّتْرَ لا يَخْتَصُّ الصلاةَ،
بخِلافِ القِيامِ، فإذا لم يَكُنْ بُدٌّ مِن تركِ أحَدِهما، فتَرْكُ الأخَفِّ أوْلَى.
فإن قِيل: فلا يَحْصُلُ السَّتْرُ كلُّه مع فَواتِ ثلاثةِ أرْكانٍ، القِيامِ، والرُّكُوعِ، والسُّجُودِ. فالجَوابُ، أنّا إذا قُلْنا: العَوْرَةُ الفَرْجان. فقد حَصَل سَتْرُهما،
وإن قُلْنا: هما بَعْضُ العَوْرَةِ. فهما آكَدُها وُجُوبًا، وأفْحَشُها في النَّظَرِ، فكان سَتْرُهما أوْلَى. ولا تَجِبُ عليه إعادَة؛ لأنَّه صَلَّى كما أُمِر، أشْبَهَ ما لو صَلَّى إلى غيرِ القِبْلَةِ عندَ العَجْزِ.
فإن صَلَّى قائِمًا جاز، لِما ذَكَرْنا. وقد رُوِيَ عنه، أنَّه يُصَلِّي جالِسًا ويَسْجُدُ بالأرْضِ؛ لأنَّ السُّجُودَ آكَدُ مِن القِيامِ، لكَوْنِه مَقْصُودًا في نَفْسِه، ولا يَسْقُطُ فيما يَسْقُطُ فيه القِيامُ وهو النَّفْلُ. والأوْلَى الإِيماءُ بالسُّجُودِ؛ لأنَّ القِيامَ سَقَط عنهم لحِفْظِ العَوْرَةِ، وهي في حالِ السُّجُودِ أفْحَشُ، فكان سُقُوطُه أوْلَى.
وإن صَلَّى قائِمًا، ورَكع وسَجَد بالأرْضِ، جاز في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأيِ؛ لأنَّه لابُدَّ مِن تَرْكِ أحَدِ الواجِبَيْن، فأيَّهما تَرَك فقد أتَى بالآخَرِ. وعلى أيِّ حالٍ صَلَّى فإنَّه يَتَضامُّ ولا يَتَجافَى، قِيل لأبي عبدِ الله: يَتَضامُّون أم يَتَرَبَّعُون؟ قال: بل يَتَضامُّون. وقد قيل: إنهم يَتَرَبَّعُون في حالِ القيامَ، كصلاةِ النّافِلَةِ قاعِدًا. والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: فإذا وَجَد العُرْيانُ جِلْدًا طاهِرًا، أو وَرَقًا يُمْكِنُ خَصْفُه عليه، أو حَشِيشًا يُمْكِنُ رَبْطُه عليه، فيَسْتُرُ، لَزِمَه؛ لأنِّه قادِرٌ على سَتْرِ عَوْرَتِه بطاهِرٍ لا يَضُرُّه، وقد سَتَر النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رِجْلَيْ مُصْعَبِ بن عُمَيْرٍ بالإذْخِرِ لمّا لم يَجدْ سُتْرَةً وإن وَجَد طِينًا يَطْلِي به جَسَدَه، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّه يَتَناثر إذا جَفَّ، وفيه مَشَقَّةٌ، ولا يُغَيِّبُ الخِلْقَةَ،
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَلْزَمُه؛ لأنَّه يَسْتُرُ، وما تَناثَرَ سَقَط حُكْمُه، واسْتَتَرَ بما بَقِيَ. وهو قولُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
وإن وَجَد ماءً، لم يَلْزَمْه النُّزُولُ فيه وإن كان كَدِرًا؛ لأنَّ عليه فيه مَشَقَّة وضَرَرًا، [ولا يَحْصُل به السَّتْرُ].
وإن وَجَد حُفْرَةً لم يلْزَمْه النُّزُولُ فيها؛ لأَنَّها لا تَلْصَقُ بجَسَدِه، فهي كالجِدارِ.
وإن وَجَد سُتْرَةً تُضِرُّ به، كبارِيَّةٍ ونَحْوِها، لم يَلْزَمْه الاسْتِتارُ بها، لِما فيها مِن الضَّرَرِ والمَنْع مِن إكْمالِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. ٣١٩ -
(فَإِنْ عَدَمَ بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى) وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (جَالِسًا) نَدْبًا، وَلَا يَتَرَبَّعُ بَلْ يَنْضَمُّ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَالْمَيْمُونِيُّ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ،
وَقِيلَ: وُجُوبًا (يُومِئُ إِيمَاءً) أَيْ: بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ قَوْمًا انْكَسَرَتْ بِهِمْ مَرْكِبُهُمْ فَخَرَجُوا عُرَاةً، قَالَ: يُصَلُّونَ جُلُوسًا يُومِئُونَ إِيمَاءً بِرُءُوسِهِمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ، وَيُومِئُ بِالسُّجُودِ أَكْثَرَ مِنَ الرُّكُوعِ
فإنْ عَدِمَ بكلِّ حالٍ، صَلَّى جالِسًا، يُومِئُ إيماءً،
فإِنْ صَلَّى قَائمًا، جاز. صرَّح بأنَّ له الصَّلاةَ جالسًا وقائمًا. وهو المذهُب،
وإذا صلَّى قائمًا، فإنَّه يْركعُ ويسجُدُ. وهو المذهبُ. وقُوَّةُ كلامِه، أنَّ الصَّلاةَ جالِسًا أوْلَى، وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكشِيُّ: عليه عامَّةُ الأصحابِ، وهو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، في رِوايةِ الأثْرَمَ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «ابن تَميمٍ»، وغيرِهم، وجزَم به في «التَّلْخيصِ» وغيرِه.
وقيل: تجِبُ الصَّلاةُ جالِسًا والحالةُ هذه. وهو ظاهر كلامِ الإمامِ أحمدَ، في روايةِ أبِي طالِبٍ، فإنَّه قال: لا يصَلُّون قِيامًا، إذا رَكَعُوا وسَجَدُوا، بدَتْ عوَراتُهم، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وعنه، أنَّه يصلِّي قائمًا ويسْجُدُ بالأرْضِ. يعْنى، يلْزَمُه ذلك. اخْتارَها الآجُرِّيُّ، وصاحِبُ «الحاوِي الكبيرِ» وغيُرهما. وقدَّمه ابن الجَوْزِيِّ. قالَه في «الفروعِ».
وقوْل الزَّرْكَشِيِّ: وأمَّا ما حكاه أبو محمدٍ في «المُقْنِعِ»، مِن وجوبِ القِيامِ، على رِوايةٍ، فمُنْكَر لا نعْرِفُه، لا عِبْرَةَ به، ولا التِفاتَ إليه. وهذا أعْجَبُ منه،
فإنَّ هذه الرِّوايةَ مشْهورةً منْقولَةٌ في الكُتُبِ المُطَولَةِ والمُخْتَصَرَةِ. وذكَرَها ابنُ حَمْدانَ في «رِعايَتِه»، وابن تَميمٍ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «النَّظْمِ»، وغيرُهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واخْتارَه الآجُرِّيُّ، وصاحِبُ «الحاوِي»، وهو مذهبُ مالكٍ، والشافِعِيِّ، بل قولُه مُنْكَرٌ، لا يُعْرَفُ له مُوافِق على ذلك، غَايَتُه أن بعْضَهم لم يذْكُرْها،
ولا يلْزَمُ مِن عدَمِ ذِكْرها عدَمُ إثْباتِها، وإنَّما نَفَاها ابنُ عَقِيل، على ما يأتِي مِن كلامِه في المصَلَّى جماعةً.
ومَن أثبَتَ مقَدَّمٌ على مَن نفَى.
وقيل: يصَلِّي قائمًا ويُومِئُ. وحكَى الشِّيرازِيُّ ومَن تابَعَه وَجْهًا في المُنْفَرِدِ، أنَّه يصَلِّي قائمًا،
بخِلافِ مَن يصلِّي جماعةً. قال: بِناءً على أنَّ السَّتْرَ كان لمَعْنًى في غير العَوْرَةِ. وهو عن أعْيُنِ النَّاسِ. ونقَل الأَثْرَمُ، إنْ تَوارَى بعضُ العُراةِ عن بعض، فصَلُّوا قِيامًا، فلا بأسَ. قال القاضي: ظاهِرُه، لا يَلْزَمُ القُيَّامَ خَلْوةٌ. ونقَل بَكْرُ بنُ محمدٍ، أَحَبُّ إلى أنْ يصَلُّوا جلُوسًا.
وظاهِرُه لا فَرْقَ بينَ الخلْوَةِ وغيرِها.
وقال: وهو المذهبُ. قال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنُ عَقِيلٍ في «رِوايَتيْه»: لا تَخْتلِف الرِّوايةُ، أنَّ العُراةَ إذا صلَّوْا جماعة، يصَلُّون جلُوسًا،
ولا يجوزُ قِيامًا، واخْتلِفَ في المُنْفَرِدِ،
والصَّحيحُ أنَّه كالجماعةِ. انتهى. فَإنْ عَدِمَ بِكُلِّ حالٍ، صَلَّى جَالِسًا، يُومِئُ إيماءً. الصَّحيحُ منَ المذهب، أنَّه إذا صلَّى جالِسًا، أوْمَأ بالرُّكوعِ والسُّجودِ. وعليه الجمهورُ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وعنه، أنَّه يسْجُدُ بالأرْضِ. اخْتارَه ابن عَقِيلٍ، وصاحِبُ «الحاوِي»، وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ».
فائدتان، إحْداهما، حيثُ قُلْنا: يصَلِّي جالِسًا. فإنَّه لا يَتَرَبَّعُ، بل يَنْضامُّ، بأنْ يضُمَّ إحْدَى فَخِذَيْه على الأخْرَى، وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. ونقَلَه الأَثرَمُ، والمَيْمُونِيُّ، وعليه الجمهورُ.
وعنه، يَتَرَبَّعُ. جزَم به في «الإفاداتِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِيَيْن». وقدَّمه في «الرِّعاية الكُبْرى».
وقال: نصَّ عليه. قلتُ: وهو بعيدٌ. وأطْلقَهما ابنُ تَميمٍ. الثَّانيةُ، حيثُ صلَّى عُرْيانًا، فإنَّه لا يُعيدُ إذا قدَر على السُّتْرَةِ، على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، وعليه وَإنْ وَجَدَ السُّتْرَةَ قَرِيبَة مِنْهُ فِي أثْنَاءِ الصَّلَاةِ سَتَرَ وَبَنَى،
وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدةً سَتَرَ وَابْتَدَأَ.
الأصحابُ. وألحَقَه الدِّيَنوَرِيُّ بعادِم الماءِ والتُّرابِ، على ما تقدَّم.
قال: (فإن عدم بكل حال صلى جالساً يومئ إيماء. فإن صلى قائماً جاز. وعنه أنه يصلي قائماً ويسجد بالأرض) .
أما كون مَن عدم السترة بكل حال يصلي جالساً يومئ بالركوع والسجود؛ فلأنه يروى عن ابن عمر «أنه قال في قوم انكسرت لهم مراكبهم فخرجوا عراة: يصلون جلوساً يُومِئون إيماء برؤوسهم» رواه الخلال. ولم ينقل خلافه.
وأما كونه إذا صلى قائماً يجوز فلما فيه من المحافظة على القيام.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله أن صلاة من ذكر جالساً يومئ إيماء أوفى من صلاته قائماً. وهو صحيح لأن جلوسه فيه ستر لعورته والجلوس قائم مقام القيام.
ولو صلى قائماً لسقط الستر إلى غير بدل.
ولأن ستر العورة آكد من القيام بدليل سقوطه في النافلة.
ولأن الستر يجب في الصلاة وخارجها
بخلاف القيام.
فإن قيل: الستر لا يحصل وإنما يحصل بعضه فلا يفي ذلك بترك القيام.
قيل: إذا قيل: العورة الفرجان فقد حصل الستر،
وإن قيل: العورة ما بين السرة والركبة فقد حصل ستر آكدهما وجوباً وأفحشهما في النظر فكان أولى.
وأما كونه يصلي قائماً ويسجد بالأرض على روايةٍ؛ فلأن في ذلك محافظة على ثلاثة أركان وفي الصلاة جالساً محافظة على بعض شرط.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.