وَالْحَاضِرُ أَوْلَى مِنَ الْمُسَافِرِ وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنَ الْأَعْمَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهَلْ تَصِحُّ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَفِي إِمَامَةِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ وَجْهَانِ وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ
الشروح عليها
وقال القاضي: (هما سَواءٌ) لأنَّ الأعْمَى أخْشَعُ، لا يَشْتَغِلُ في الصلاةِ بالنَّظَرِ إلى ما يُلْهِيه، فيكونُ ذلك مُقابِلًا لِما ذَكَرْتُم، فيَتَساوَيان. قال الشَّيْخُ : والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ البَصِيرَ لو أغْمَضَ عَيْنَيْه كُرِهَ ذلك،
ولوِ كان فَضِيلَةً لكان مُسْتَحَبًّا؛ لأنَّه يُحَصلُ بتَغْمِيضِه ما يُحَصِّلُه الأعْمَى، ولأنَّ البَصِيرَ إذا أغْمَضَ بَصَرَه مع إمْكانِ النَّظَرِ كان له الأجْرُ فيه، لأنَّه يَتْرُكُ المَكْرُوهَ مع إمْكانِه اخْتِيارًا، والأعْمَى يَتْرُكُه اضْطِرارًا، فكان أدْنَى حالًا، وأقَلَّ فضْلًا. ٥٥٢ - مسألة: (وهل تَصِحُّ إمامَةُ الفاسِقِ والأقْلَفِ؟ على رِوايَتَيْن) والفاسِقُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْن؛ فاسِقٌ مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ، وفاسِقٌ مِن جِهَةِ الأفْعالِ.
فأمّا الفاسِقُ مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ، فمتى كان يُعْلِنُ بِدْعَتَه، ويَتَكَلَّمُ بها، ويَدْعُو إليها ويُناظِرُ، لم تَصحَّ إمامَتُه، وعلى مَن صَلَّى وراءَه الإِعادَةُ. قال أحمدُ: لا يُصَلَّى خلفَ أحَدٍ مِن أهْلِ الأهْواءِ، إذا كان داعِيَةً إلى هَواه.
وقال: لا تُصَلِّ خلفَ المُرْجِيءِ، إذا كان داعِيَةً.
وقال القاضي: وكذلك إن كان مُجْتَهِدًا يَعْتَقِدُها بالدَّلِيلِ، كالمُعْتَزِلَةِ، والقَدَرِيَّةِ، وغُلاةِ الرَّافِضَةِ؛ لأنَّهم يُكَفَّرُون ببِدْعَتِهم.
وإن لم يكنْ يُظْهِرُ بِدْعَتَه، ففي وُجُوبِ الإِعَادَةِ خلفَه رِوايتان؛ إحْداهما، تَجِبُ الإِعادَةُ، كالمُعْلِن بدْعَتَه، ولأنَّ الكافِرَ لا تَصِحُّ الصلاةُ خَلْفه، سَواءٌ أظْهَرَ كُفْرَه أو أخْفاه، كذلك المُبْتَدِعُ. قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي الحارِثِ: لا يُصَلِّي خلفَ مُرْجِئٍ ولا رافِضِيٍّ، ولا فاسِقٍ، إلَّا أن يَخافَهم فيُصَلِّي، ثم يُعِيدُ.
وقال أبو داودَ: متى صَلَّيْتَ خلفَ مَن يَقُولُ: القُرْآنُ مَخْلُوقٌ. فأعِدْ. وعن مالكٍ، لا تُصَلِّ خلفَ أهْلِ البِدَعِ. والثّانِيَة، تَصِحُّ الصلاةُ خلفَه. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرّافِضَةُ الذين يَتَكَلَّمُون بما تَعْرِفُ؛ قال: نعم، آمُرُه أن يُعِيدَ. قِيلَ له: وهكذا أهْلُ البِدَعِ؟ قال: لا؛ لأنَّ منهم من يَسْكُتُ، ومنهم مَن [يَقِفُ ولا] يَتَكَلَّمُ.
وقال: لا تُصَلِّ خلفَ المُرْجِئِ، إذا كان داعِيَةً. فدَلَّ على أنَّه لا يُعِيدُ إذا لم يَكُنْ كذلك.
وقال الحسنُ، والشافعيُّ: الصلاةُ خلفَ أهْلِ البِدَعِ جائِزَةٌ بكلِّ حالٍ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلُّوا خَلْفت مَنْ قَالَ في إلَهَ إلَّا اللهُ». ولأنَّه رجلٌ صلاتُه صَحِيحَةٌ، فصَحَّ الائْتِمامُ به، كغَيْرِه.
وقال نافِعٌ: كان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّي خلفَ الخَشَبِيَّةِ والخَوارِجِ زَمَنَ ابنِ الزُّبَيْرِ، وهم يَقْتَتِلُون. فقِيلَ له: أتُصَلِّي مع هؤلاء، وبَعْضُهم يَقْتُلُ بعضًا؟! فقال: مَن قال: حَيَّ على الصلاةِ. أجَبْتُه،
وَمَن قال: حَيَّ على الفَلاحِ. أجَبْتُه،
ومَن قال: حَيَّ على قَتْلِ أخِيك المُسْلمِ، وأخْذِ مالِه.
قلتُ: لا . رَواه سعيدٌ. ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ ما روَى جابِرٌ. قال: سَمِعْتُ رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- على مِنْبَرِه يقولُ:«لَا تَؤُمنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أنْ يَقْهَرَهُ بسُلْطَانِهِ، أوْ يَخَافَ سَوْطَهُ أوْ سَيْفَهُ». رَواه ابنُ ماجه . وهذا أخَصُّ مِن حدِيثِهم، فيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُه، وحَدِيثُهم نَقُولُ به في الجُمَعِ والأعْيادِ، ونُعِيدُ، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالأُمِّيِّ. ويُرْوَى عن حَبِيب بنِ عُمَرَ الأنْصَارِيِّ، عن أَبِيه، قال: سأَلْتُ واثِلَةَ بنَ الأسْقَعِ،
قلتُ: أُصَلِّي خلفَ القَدَرِيِّ؟ قال: لا تُصَلِّ خَلْفَه.
ثم قال: أمّا أنا لو صَلَّيْتُ خلفَه لأعَدْتُ صَلاِتى. رَواه الأثْرَمُ.
فصل: وأمّا الفاسِقُ مِن جِهَةِ الأعْمالِ؛ كالزّانِي، والذى يَشْرَبُ ما يُسْكِرُه، فرُوِيَ عنه، أنَّه لا يُصَلَّى خلفَه، فإنَّه قال: لا تُصَلِّ خَلْفَ فاجِرٍ ولا فاسِقٍ.
وقال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْئَلُ عن إمامٍ قال: أُصَلِّي بكم رمضانَ بكذا
وكذا دِرْهَمًا. قال: أسْألُ اللهَ العافِيَةَ، مَن يُصَلِّي خلفَ هذا؛ ورُوِيَ، لا يُصَلَّى خلف مَن لا يُؤدِّي الزكاةَ، ولا يُصَلَّى خلفَ مَن يُشارِطُ، ولا بَأْسَ أن يُدْفَعَ إليه من غيرِ شَرْطٍ. وهذا اخْتِيارُ ابنِ عَقِيل.
وعنه، أنَّ الصلاةَ خَلْفَه جائِزَةٌ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ». وكان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّي مع الحَجّاجِ. والحَسنُ والحسينُ، وغيرُهما من الصَّحابَةِ كانوا يُصَلُّون مع مَرْوانَ. والَّذين كانوا في وِلايةِ زِيادٍ وابنِه كانوا يُصَلُّون معهما. وصَلَّوْا وراءَ الوَلِيدِ بنِ عُقْبَةَ وقد شَرِبَ الخَمْرَ. فصارَ هذا إجْماعًا. وعن أبي ذَرٍّ، قال: قال لى رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا»؟
قال: قلتُ: فما تَأْمُرُنِي؟ قال:«صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإنْ أدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ». رَواه مُسْلِمٌ . وهذا فِعْلٌ يَقْتَضِي فِسْقَهم، ولأنَّه رجلٌ تَصِحُّ صَلَاتُه لنَفْسِه، فصَحَّ الائْتِمامُ به، كالعَدْلِ. ووَجْهُ الأُولَى ما ذَكَرْنا من الحَدِيثِ، ولأنَّ الإِمامَةَ تَتَضَمَّنُ حَمْلَ القِراءَةِ، ولا يُؤْمَنُ تَرْكُه لها، ولا يُؤْمَنُ تَرْكُ بَعْضِ شَرائِطِها، كالطهارةِ، وليس ثَمَّ أمارَةٌ ولا غَلَبَةُ ظنٍّ يُؤَمنُنا ذلك. والحدِيث أجَبْنَا عنه، وفِعْلُ الصَّحابَةِ مَحْمُولٌ على أنَّهم خافُوا الضَّرَرَ بتَرْكِ الصلاةِ معهم، ورَوَيْنا عن قَسامَةَ بنِ زُهَيْرٍ ، أنَّه قال: لَمّا كان مِن شَأْنِ فُلانٍ ما كان، قال له أبو بَكْرَةَ : تَنَحَّ عن مُصَلَّانا، فإنَّا لا نُصَلِّي خَلْفَكَ.
وحَدِيت أبي ذَرٍّ يَدُلُّ على صِحَّتِها نافِلَةً، والنِّزاعُ إنَّما هو في الفَرْضِ.
فصل: وأمّا الجُمَعُ والأعْيادُ فَتُصَلَّى خلفَ كلِّ بَرٍّ وفاجِر. وقد كان أحمدُ يَشْهَدُها مع المُعْتَزِلَةِ،
وكذلك مَن كان مِن العُلَماءِ في عَصْرِه. وقد رُوِيَ أنَّ رَجُلًا جاء محمدَ بنَ النَّضْرِ ، فقال له: إنَّ لى جيرانًا مِن أهْلِ الأهْواءِ لا يَشْهَدُون الجُمُعَةَ. قال: حَسْبُكَ، [ما تَقولُ] في مَن رَدَّ على أبي بكرٍ وعُمَرَ؟ قال: ذلك رجلُ سَوْءٍ.
قال: فإن رَدَّ على النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-؟ قال: يَكْفُرُ.
قال: فإن رَدَّ على العَلِيِّ الأعْلَى؟ ثم غُشِيَ عليه، ثم أفاقَ، فقال: رَدُّوا عليه، والذِي لا إلهَ إلَّا هُوَ، فإنَّه قال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ}. وهو يَعْلَمُ أنَّ بَنِي العَبّاسِ سَيَلُونَها. ولأنَّ هذه الصلاة مِن شَعائِرِ الإِسْلامِ الظّاهِرَةِ، وتَلِيها الأَئِمَّةُ دُونَ غيرِهم، فتَرْكُها خلفَهم يُفْضِي إلى تَرْكِها بالكُلِّيَةِ. إذا ثَبَت ذلك فإنَّها تُعادُ خَلْفَ مَن يُعادُ خلْفَه غيرُها قِياسًا عليها. هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ.
وعنه، أنَّه قال: مَن أعادَها فهو مُبْتَدِعٌ. وهذا يَدُلُّ على أنَّها لا تُعادُ خَلْفَ فاسِقٍ ولا مُبْتَدِعٍ؛ لأنَّها صلاةٌ مَأْمُورٌ بها، فلم تَجِبْ إعادَتُها، كسائِرِ الصَّلَواتِ.
فصل: فإن كان المُباشِرُ عَدْلًا، والذى وَلَّاه غيرَ مَرْضِيِّ الحالِ لبِدْعَتِه أو لفِسْقِه، لم يُعِدْها. في المَنْصُوصِ عنه؛ لأنَّ صلَاته إنَّما تَرْتَبِطُ بصلاةِ إمامِهِ، ولا يَضُرُّ وُجُودُ مَعْنًى في غيرِه، كالحَدَثِ. وذَكَر القاضي في وُجُوبِ الإِعادَة رِوايَتَيْن.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
فصل: فإنَ لم يَعْلَمْ فِسْقَ إمامِه، ولا بِدْعَتَه، فقال ابنُ عَقِيل: لا إعادَةَ عليه؛ لأنَّ ذلك مما يَخْفِي، فأَشْبَهَ الحَدَثَ والنَّجَسَ.
قال شيخُنا : والصَّحِيحُ أنَّ هذا يُنْظَرُ فيه،
فإن كان مِمَّن يُخْفِي بِدْعَتَه وفُسُوقَه، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لأَنَّ مَن يُصَلِّي خَلْفه مَعْذُورٌ،
وإن كان مِمَّن يُظْهِرُ ذلك، وجَبَتِ الإِعادَةُ، على الرِّوايَةِ التى تَقُول بوُجُوبِ إعادَتِها خَلْفَ المُبْتَدِعِ؛ لأنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ الائْتِمامَ، فاسْتَوَى فيه العِلْمُ وعَدَمُه, كما لو كان أُمِّيًّا، والحَدَثُ والنَّجاسَةُ يُشْتَرَطُ خَفاؤُهما على الإِمامِ والمَأْمُومِ معًا، والفاسِقُ لا يَخْفَى عليه فِسْقُ نَفْسِه.
فأمّا إن لم يَعْلَمْ حَالَه، ولم يَظْهَرْ منه ما يَمْنَعُ الائِتْمامَ به، فصَلاُته صَحِيحَةٌ. نصَّ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ في المُسْلِمين السَّلامَةُ.
فصل: فأمّا المُخالِفُون في الفُرُوعِ كالمذاهِب الأرْبَعَةِ، فالصلاةُ خلفهم جائِزَةٌ صَحِيحَةٌ غيرُ مَكْرُوهَةٍ. نَصَّ عليه؛ لأَنَّ الصَّحابَةَ والتّابِعِين ومَن بعدَهم، لم يَزَلْ بَعْضُهم يُصَلِّي خَلْفَ بَعْضٍ، مع اخْتِلافِهم في الفُرُوعِ، فكان ذلك إجْماعًا.
وإن عَلِم أنَّه يَتْرُكُ رُكْنًا يَعْتَقِدُه المَأْمُومُ دوُنَ الإِمامِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ صِحَّةُ الائْتِمام به. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن رَجُلٍ صَلَّى بقَوْمٍ وعليه جُلُودُ الثَّعالِبِ، [فقال: إن كان يَلْبَسُه وهو يَتَأوَّلُ قَوْلَه عليه السَّلامُ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ». فَصَلِّ خَلْفَه] . فقِيلَ له: أتَراهُ أَنْتَ جائِزًا؟ قال: لا. ولكنَّه إذا كان يَتَأَوَّلُ فلا بَأْسَ أن يُصَلَّىَ خَلْفَه. ثم قال أبو عبدِ الله: لو أنَّ رجلًا لم يَرَ الوُضُوءَ مِن الدَّمِ لم يُصَلَّ خلفَه، فلا نُصَلِّي خَلْفَ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومالكٍ.
أي: بَلَى. ولأنَّ كلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أو كالمُصيبِ في حَطِّ المَآثِمِ عنه، وحُصُولِ الثَّوابِ له، ولأنَّ صَلَاتَه تَصِحُّ لنَفْسِه، فجازتِ الصلاةُ خَلْفَه, كما لو لم يَتْرُكْ شيئًا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ في الفُصُولِ: لا تَصِحُّ الصلاةُ خَلْفَه. وذَكَر القاضي فيه رِوايَتَيْن؛ إحْداهُما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه يَفْعَلُ ما يَعْتَقِدُه المَأْمُومُ مُفْسِدًا للصلاةِ، فلم يَصِحَّ ائْتِمامُه به, كما لو خالَفَه في القِبْلَةِ حالَةَ الاجْتِهادِ، ولأنَّ أكْثَرَ ما فيه أنَّه تَرَك رُكْنًا لا يَأْثَمُ بتَرْكِه، فبَطَلَتِ الصلاةُ خَلْفَه, كما لو تَرَكَه ناسِيًا. والثّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: فإن فَعَل شيئًا مِن المُخْتَلَفِ فيه، يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه،
فإن كان يَتْرُكُ ما يُعْتَقَدُ شَرْطًا للصلاةِ، أو وَاجِبًا فيها، فصَلاُته وصلاةُ مَن يَأْتَمُّ به فاسِدَةٌ،
وإن كان المَأْمُومُ يُخالِفُ في اعْتِقادِ ذلك؛ لأنَّه تَرَك واجِبًا في الصلاةِ، فبَطَلَتْ صَلَاتُه وصلاةُ مَن خَلْفَه، كالمُجْمَعِ عليه.
وإن كان لا يَتَعَلَّقُ ذلك بالصلاةِ، كشُرْبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ، والنَّكاحَ بغيرِ وَلِيٍّ مِمَّن يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فهذا إن دام علي ذلك فهو فاسِقٌ، حُكْمُه حُكْمُ سائِرِ الفُسّاقِ،
وإن لم يَدُمْ عليه لم يُؤَثِّرْ؛ لأنَّه مِن الصَّغائِرِ.
فإن كان الفاعِلُ لذلك عامِّيًّا قَلُّدَ مَن يَعْتَقِدُ جَوازَه، فلا شئَ عليه فيه؛ لأنَّ فَرْضَ العامِّيِّ سُؤَالُ العالِمِ وتَقْلِيدُه؛ قال الله تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
وإنِ اعْتَقَد حِلَّه وفِعْلَه، صَحَّتِ الصلاةُ خَلْفَه في الصَّحيحِ مِن المَذْهَبِ. وذَكَر ابنُ أبي موسى في صِحَّةِ الصلاةِ خَلْفَه رِوايَتَيْن.
فصل: وإذا أُقِيمَتَ الصلاةُ والإِنْسانُ في المَسْجدِ، والإِمامُ لا يَصْلُحُ للإِمامَةِ،
فإن شاء صَلَّى خَلْفَه، وأعاد.
وإن نَوَى الانْفِرادَ، ووافَقَه في أفْعالِ الصلاةِ، صَحَّتْ صَلاتُه؛ لأنَّه أتَى بالصلاةِ على الكَمالِ، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِدْ مُوافَقَةَ الإِمامِ. ورُوِي عن أحمدَ، أنَّه يُعِيدُ. رَواها عنه الأثْرَمُ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا. وكذلك لو كان الذين لا يَرْضَوْن الصلاةَ خلفَه جَماعَةً، فأمَّهم أحَدُهم ووافَقُوا الإِمامَ في الأفْعالِ، كان ذلك جائِزًا.
فصل: وأمّا الأقْلَفُ ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّ النَّجاسَة في ذلك المَحلِّ لا يُعْفَى عنها عندَنا. والثّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لأنَّه إن أمْكنَه كَشْفُ القُلْفَةِ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ غَسَلَها،
وإن كان مُرْتَتِقًا لا يَقْدِرُ علي كَشْفِها، عُفِي عن إزالَتِها؛ لعَدَمِ الإِمْكانِ، وكلُّ نَجاسَةٍ مَعْفُوٍّ عنها لا تُؤَثِّرُ في بُطْلانِ الصلاةِ. والله أعلمُ.
٥٥٣ - مسألة: (وفي إمامَةِ أقْطَعِ اليَدَيْن وَجْهان) رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لم أسْمَعْ فيها شيئًا. وذَكَر الآمِدِيُّ فيه رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، تُكْرَهُ وتَصِحُّ. اخْتارَها القاضي؛ لأنَّه عَجْزٌ لا يُخِلُّ برُكْنٍ في الصلاةِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الإمامَةِ، كقَطْعِ إحدَى الرِّجْلَيْن [والأنْفِ]. والثّانِيَةُ، لا تَصِحُّ. اخْتارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالسُّجُودِ على بَعْضِ أعْضاءِ السُّجُودِ، أشْبَهَ العاجِزَ عن السُّجُودِ على جَبْهَتِه. وحُكمُ قَطْعِ اليَدِ الواحِدَةِ كقَطِعِهما.
فأمّا أقْطَعُ الرِّجْلَيْنِ فلا تَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّه عاجِزٌ عن القِيامِ، أشْبَهَ الزَّمِنَ.
فإن قُطِعَتْ إحْداهُما، وأمْكَنَه القِيامُ، صَحَّتْ إمامَتُه. ويَتَخَرَّجُ أن لا تَصِحَّ، على قوْلِ أبي بكرٍ؛ لإِخْلالِه بالسُّجُودِ على عُضْوٍ. والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّه يَسْجُدُ على الباقِي من رِجْلِه أو حائِلِها . ٥٥٤ - مسألة: (لا تَصِحُّ الصلاةُ خلفَ كافِرٍ، ولا أخْرَسَ) ولا تَصِحُّ الصلاة خلفَ كافِرٍ بحالٍ، سواءٌ عَلِم بِكُفْرِه قبلَ فراغِه مِن الصلاةِ أو بعدَ ذلك. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ.
[وقال المُزَنِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا إعادَةَ على مَن صَلَّى خَلْفَه وهو لا يَعْلَمُ, كما لو ائْتَمَّ] بمُحْدِثٍ وهو لا يَعْلَمُ. ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بمَن ليس مِن أهلِ الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو ائْتَمَّ بمَجْنُونٍ. والمُحْدِثُ يُشْتَرَطُ أن لا يَعْلَمَ حَدَثَ نفْسِه، والكافِرُ يَعْلَمُ حالَ نَفْسِه. فصل: إذا صَلَّى خَلْفَ مَن يَشُكُّ في إسْلامِه، فصَلاتُه صَحِيحَةٌ، ما لم يَبِنْ كُفْرُه، ولأنَّ الظّاهِرَ مِن المُصَلِّين الإِسْلامُ، سِيَّما إذا كان إمامًا.
فإن كان مِمَّن يُسْلِمُ تارَةً ويَرْتَدُّ أُخْرَى، لم يُصَلِّ خَلْفَه، حتَّى يَعْلَمَ على أيِّ دِينٍ هو،
فإن صَلَّى خَلْفَه ولم يَعْلَمْ ما هو عليه، نَظَرْنا؛
فإن كان قد عَلِمَ إسْلامَه قبلَ الصلاةِ، ثم شَكَّ في رِدَّتِه، فهو مسلمٌ،
وإن عَلِم رِدَّتَه، وشَكَّ في إسْلامِه، لم تَصِحَّ الصلاةُ خَلْفَه،
وإن كان عَلِم إسْلامَه فصَلَّى خَلْفَه، فقال بعدَ الصلاةِ: أسْلَمْتُ. أو: ارْتَدَدْتُ قبلَ الصلاةِ. لم تَبْطُل الصلاةُ؛ لأنَّها كانت مَحْكُومًا بصِحَّتِها، فلم يُقْبَلْ قوْلُه في إبْطالِهَا؛ لأنَّه مِمَّن لا يُقْبَلُ قَوْلُه.
[وإن صَلَّى خَلْفَ مَن عَلِمَ رِدَّتَه، فقال بعدَ الصلاةِ: قد كنتُ أسْلَمْتُ. قُبِلَ قَوْلُه؛ لأنَّه مِمَّن يُقْبَلُ قَوْلُه].
فصل: قال أصحابُنا: يُحْكَمُ بإسْلامِه [بالصلاةِ]، سَواءٌ كان في دارِ الحَرْبِ أو دارِ الإِسْلامِ، وسَواءٌ صَلَّى في جَماعَةٍ أو مُنْفَرِدًا؛
فإن رَجَع عن الإسْلامِ بعدَ ذلك فهو مُرْتَدٌّ،
وإن ماتَ قبلَ ظُهُورِ ما يُنافِي الإِسْلامَ فهو مسلمٌ، يَرِثُه وَرَثَتُه المسْلِمُونَ دُونَ الكُفَّارِ.
وقال أبو حنيفةَ: إن صَلَّى في المَسْجِدِ حُكِم بإسْلامِه،
وإن صَلَّى في غيرِ المَسْجِدِ فُرادَى لم يُحْكَمْ بإسْلامِه.
وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: لا يُحْكَمُ بإسْلامِه بِحالٍ؛ لأنَّ الصلاة مِن فُرُوعِ الإِسْلامِ، فلا يَصِيرُ بفِعْلِها مُسْلِمًا، كالحَجِّ والصِّيام، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال:«أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوَها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وأمْوَالَهُمْ، إلَّا بحَقِّهَا».
وقال بعضُهم: إن صَلَّى في دارِ الإِسْلامِ فليس بمُسْلِمٍ؛ لأنَّه يَقْصِدُ الاسْتِتارَ بالصلاةِ، وإخْفاءَ دِينهِ،
وإن صَلَّى في دارِ الحَرْبِ فهو مسلمٌ؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ في حَقِّهِ. ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ المُصَلِّينَ». وقال:«بَيْنَنَا وبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ». فجَعَلَ الصلاةَ حَدًّا بينَ الإِسْلامِ والكُفْرِ،
فمَن صَلَّى فقد دَخَل في حَدِّ الإِسْلامِ. وقال:«المَمْلُوكُ إذَا صَلَّى فَهُوَ أَخُوكَ». رواه الإِمامُ أحمدُ . ولأنِّها عِبادَةٌ تَخْتَصُّ المُسْلِمينَ،
فإِذَا [أتَى بها] حُكِم بإسْلامِه، كالشَّهادَتَيْن.
فأمّا الحَجُّ، فإنَّ الكُفارَ كانُوا يَفْعَلُونَه، والصِّيامُ ترْكُ المُفْطِراتِ، وقد يَفْعَلُه مَن ليس بصائِم،
فأمّا صلاتُه في نَفْسِه فَأَمْرٌ بينَه وبينَ اللهِ تعالى،
فإن علمَ أنَّه كان قد أَسْلَم، ثم تَوَضَّأ وصَلَّى بنِيَّة صَحِيحَةٍ، فهي صَحِيحَةٌ، وإلَّا فعليه الإعادَةُ؛ لأنَّ الوُضُوءَ لا يَصِحُّ مِن الكُفّارِ.
وإذا لم يُسْلِمْ قبلَ الصلاةِ، كان حالَ شُرُوعِه فيها غيرَ مُسْلِم ولا مُتَطَهِّر، فلا تَصِحُّ منه. واللهُ أعلمُ.
فصل: ولا تَصِحُّ إمامَةُ الأخْرَسِ بغيرِ أَخْرسَ؛ لأنَّه يَتْرُكُ رُكْنًا وهو القِراءَةُ تَرْكًا مَأُيُوسًا مِن زَوالِه، فلم تَصِحَّ إمامَتُه بقادِرٍ عليه، كالعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
فأمّا إمامَتُه بمِثْلِه، فقِياسُ المذْهَبِ صِحَّتُها، قِياسًا على الأُمِّيِّ. والعاجِزُ عن القِيَامِ يومُّ مِثْلَه، وهذا في مَعْناهما. واللهُ أعلمُ.
وقال القاضي، وابنُ عَقِيل: لا تَصِحُّ؛ لأنَّ الأمِّيِّ غيرُ مَأْيُوس مِن نُطْقِهِ. والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: فأمّا الأَصَمُّ فتَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بشئٍ مِن أفْعالِ الصلاةِ ولا شُرُوطِها، أشْبَهَ الأعْمَى.
فإن كان الأصَمُّ أعْمَى صَحَّتْ إمامَتُه كذلك.
وقال بعضُ أَصْحابِنا: لا تَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّه إذا سَها لا يُمْكِنُ تَنْبِيهُه بتسْبِيحٍ ولا إشارَةٍ. قال شيخُنا : والأوْلَى صِحَّتُها؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ الصلاةِ احْتِمالُ عارِض لا يُتَيَقَّنُ وُجُودُه، كالمَجْنُونِ حال إفاقَتِه.
٥٥٥ -
(وَالْحَاضِرُ أَوْلَى مِنَ الْمُسَافِرِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَمَّ حَصَلَ جَمِيعُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ بِخِلَافِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ إِمَامًا فَهُوَ أَحَقُّ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ عَامَ الْفَتْحِ، وَيَقُولُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ: صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا سَفَرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَعَلَى هَذَا يُتِمُّهَا الْمُقِيمُ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَسْبُوقٍ،
فَإِنْ أَتَمَّ الْمُسَافِرُ فَرِوَايَتَا مُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَلَيْسَ بِمُتَنَفِّلٍ، وَصَحَّحَ فِي " الشَّرْحِ " الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا نَوَى الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ، فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ فَرْضًا، فَعَلَى هَذَا لَا تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ بِمُسَافِرٍ، كَعَكْسِهِ،
وَفِي " الْفُصُولِ ": إِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّ الِائْتِمَامَ لَزِمَهُ حُكْمًا (وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنَ الْأَعْمَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى تَوَقِّي النَّجَاسَاتِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِاجْتِهَادِهِ،
وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ الْأَعْمَى؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَخْشَعُ لِكَوْنِهِ لَا يَشْتَغِلُ فِي الصَّلَاةِ بِمَا يُلْهِيهِ،
وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَقَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْخُشُوعَ مَعَ تَوَقِّي النَّجَاسَةِ يَتَقَابَلَانِ، فَيَتَسَاوَيَانِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَصِيرَ لَوْ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ،
وَلَوْ كَانَ فَضِيلَةً لَكَانَ مُسْتَحَبًّا؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ بِتَغْمِيضِهِ مَا يُحَصِّلُهُ الْأَعْمَى،
فَإِنْ كَانَ الْأَعْمَى أَصَمَّ، فَفِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ وَجْهَانِ،
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ يُصَلِّي بِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِإِمَامَةِ الْبَدَوِيِّ،
وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ، وَيُقَدَّمُ الْحَضَرِيُّ، وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ مَنْ يُصْرَعُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَمَنْ تُضْحِكُ صُورَتُهُ أَوْ رُؤْيَتُهُ،
وَقِيلَ: وَالْأَمْرَدُ، وَفِي " الْمُذْهَبِ " وَغَيْرِهِ: وَإِمَامَةُ مَنِ اخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيُؤْخَذُ مِنْهُ: تُكْرَهُ إِمَامَةُ الْمُوَسْوَسِ؛ وَهُوَ مُتَّجَهٌ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ عَامِّيٌّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا.
قَالَ فِي " الْمُذْهَبِ ": وَالْمُتَوَضِّئُ أَوْلَى مِنَ الْمُتَيَمِّمِ.
[حُكْمُ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ وَأَقْطَعِ الْيَدَيْنِ] (وَهَلْ تَصِحُّ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ مُطْلَقًا، قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ " الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا الْأَشْهَرُ، قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: وَهِيَ اخْتِيَارُ الْمَشَايِخِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ}
وَلِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا يَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ سُلْطَانٌ يَخَافُ سَوْطَهُ وَسَيْفَهُ» وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«اجْعَلُوا أَئِمَّتَكُمْ خِيَارَكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِخْبَارُهُ لِمَعْنًى فِي دِينِهِ، أَشْبَهَ الْكَافِرَ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَى شَرَائِطِ الصَّلَاةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأَفْعَالِ، فَمَتَى كَانَ يُعْلِنُ بِبِدْعَتِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِهَا، وَيُنَاظِرُ عَلَيْهَا، لَمْ يَصِحَّ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُصَلَّى خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِذَا كَانَ دَاعِيَةً، أَيْ: يُظْهِرُهَا، وَيَدْعُو إِلَيْهَا، وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْمُؤَلِّفُ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ،
وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُعْلِنُ بِبِدْعَتِهِ أَوْ بِسُكْرٍ أَعَادَ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِمَا اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ أَنَّ الْبُطْلَانَ مُخْتَصٌّ بِظَاهِرِ الْفِسْقِ دُونَ خَفِيِّهِ.
قَالَ فِي " الْوَجِيزِ ": لَا يَصِحُّ خَلْفَ الْفَاسِقِ الْمَشْهُورِ فِسْقُهُ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ؛ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - مُطْلَقًا.
فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ خَلْفَ عَدْلٍ اسْتَنَابَهُ، وَلَا إِعَادَةَ فِي الْمَنْصُوصِ،
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ وَحْدَهُ عَدْلًا فَوَجْهَانِ، صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَخَالَفَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَؤُمُّ فَاسِقٌ فَاسِقًا، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ،
بِخِلَافِ الْأُمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رَفْعُ مَا عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ، وَالْفِسْقُ يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ، وَيُعِيدُ فِي الْمَنْصُوصِ إِذَا عَلِمَ فِسْقَهُ، وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ الْجُمُعَةُ،
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ، فَالْمَنْعُ مِنْهَا خَلْفَهُ يُؤَدِّي إِلَى تَفْوِيتِهَا دُونَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، نَعَمْ لَوْ أُقِيمَتْ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا عَدْلٌ فَعَلَهَا وَرَاءَهُ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِعَادَةَ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ كَغَيْرِهَا،
وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: وَعَنْهُ: لَا إِعَادَةَ،
قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": هِيَ الْأَشْهَرُ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَأْمُورٌ بِهَا كَغَيْرِهَا،
وَكَذَا إِنْ خَافَ فِتْنَةً أَوْ أَذًى صَلَّى خَلْفَهُ وَأَعَادَ، نَصَّ عَلَيْهِ،
فَإِنْ نَوَى الِانْفِرَادَ وَوَافَقَهُ فِي أَفْعَالِهَا، لَمْ يُعِدْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَلْحَقَ الْمُؤَلِّفُ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " الْعِيدَ بِالْجُمُعَةِ، وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، ذَكَرَ الشَّرِيفُ أَنَّهَا قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، وَوَاثِلَةُ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:«الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ،
وَقَالَ: مَكْحُولٌ لَمْ يَلْقَ أَبَا هُرَيْرَةَ،
وَمَنْ دُونَهُ ثِقَاتٌ، وَضَعَّفَ فِي " التَّحْقِيقِ " إِسْنَادَهُ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا:«صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَكَمَا تَصِحُّ مَعَ فِسْقِ الْمَأْمُومِ،
وَعَنْهُ: فِي نَفْلٍ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً،
وَأَمَّا إِمَامَةُ الْأَقْلَفِ فَعَنْهُ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَهُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ غَسَلَهَا، وَإِلَّا عُفِيَ عَنْ إِزَالَتِهَا لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لنَجَاسَةٍ ظَاهِرَةٍ يُمْكِنُهُ إِزَالَتُهَا، وَهَلْ ذَلِكَ لِتَرْكِ الْخِتَانِ الْوَاجِبِ أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْ غَسْلِ النَّجَاسَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ،
وَقِيلَ: إِنْ كَثُرَتْ إِمَامَتُهُ لَمْ تَصِحَّ، وَعَلَى الْمَنْعِ تَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ لَمْ يَجِبِ الْخِتَانُ،
وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَارِئٌ غَيْرَهُ.
فَرَوْعٌ: الْأَوَّلُ: تَصِحُّ خَلْفَ مَنْ خَالَفَ فِي
فَرْعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مَعَ شِدَّةِ الْخِلَافِ، مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا رُكْنًا أَوْ شَرْطًا، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ شَارِبِ نَبِيذٍ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ رِوَايَتَيْنِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقُولُ: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ أَوْ يُجِيزُ رِبَا الْفَضْلِ.
الثَّانِي: إِذَا تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا عِنْدَ الْمَأْمُومِ، فَعَنْهُ يُعِيدُ الْمَأْمُومُ، اخْتَارَهُ جَمْعٌ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، لِاعْتِقَادِهِ فَسَادَ صَلَاةِ إِمَامِهِ، كَمَا لَوِ اعْتَقَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَبَانَ خِلَافُهُ،
وَعَنْهُ: لَا يُعِيدُ، اخْتَارَهُ المُؤَلِّفُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَالْإِمَامِ، وَكَعِلْمِ الْمَأْمُومِ لَمَّا سَلَّمَ فِي الْأَصَحِّ.
الثَّالِثُ: إِذَا تَرَكَ الْإِمَامُ عَمْدًا مَا يَعْتَقِدُهُ وَحْدَهُ وَاجِبًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُمَا،
وَقَالَ السَّامِرِيُّ: تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ إِنْ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ بِحَالِ الْإِمَامِ.
الرَّابِعُ: إِذَا تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا أَوْ وَاجِبًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ، أَعَادَ، ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ إِجْمَاعًا لِتَرْكِهِ فَرْضَهُ، وَلِهَذَا أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الَّذِي تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ بِالْإِعَادَةِ،
وَعَنْهُ: لَا، لِخَفَاءِ الطُّرُقِ، وَعَنْهُ: إِنْ طَالَ.
الْخَامِسُ: إِذَا فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ،
فَإِنْ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ فَسَقَ،
وَإِنْ لَمْ يُدَاوِمْ، فَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ أَنَّهُ يَفْسُقُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَوْ شَرِبَ النَّبِيذَ عَامِّيٌّ بِلَا تَقْلِيدٍ لِعَالِمٍ فَسَقَ؛ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى فِعْلٍ لَا يَعْلَمُ جَوَازَهُ، وَيَفْسُقُ إِنْ كَانَ مِمَّا يَفْسُقُ بِهِ. (وَفِي إِمَامَةِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ) أَوْ أَحَدِهِمَا (وَجْهَانِ)
وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ، حَكَاهُمَا الْآمِدِيُّ، إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِرُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ، كَقَطْعِ الْأَنْفِ،
وَالثَّانِي: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِإِخْلَالِهِ بِالسُّجُودِ عَلَى عُضْوٍ،
وَقِيلَ: إِنْ كَثُرَتْ إِمَامَتُهُ، وَحُكْمُ أَقْطَعِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا كَذَلِكَ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي "، وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّهَا تُكْرَهُ إِمَامَةُ مَنْ قُطِعَ أَنْفُهُ [مَنْ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ] (وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ) وِفَاقًا؛ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ وَالْوُضُوءِ، وَهُمَا لَا يَصِحَّانِ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ائْتَمَّ بِمَجْنُونٍ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِكُفْرِهِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا؛
لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يَخْفَى غَالِبًا، فَالْجَاهِلُ بِهِ مُفَرِّطٌ،
وَقِيلَ: يَصِحُّ إِنْ كَانَ يُسِرُّهُ، وَعَلَى هَذَا لَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، كَمَا لَوِ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ الْمُحْدِثَ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَعْلَمَ حَدَثَ نَفْسِهِ، وَالْكَافِرُ يَعْلَمُ حَالَ نَفْسِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا عَلِمَهُ مُسْلِمًا فَصَلَّى خَلْفَهُ فَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ: هُوَ كَافِرٌ لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهَا؛ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ،
وَإِنْ قَالَ بَعْدَ سَلَامِهِ هُوَ كَافِرٌ تَهَزُّؤًا، فَنَصُّهُ: يُعِيدُ الْمَأْمُومُ، كَمَنْ ظَنَّ كُفْرَهُ أَوْ حَدَثَهُ فَبَانَ خِلَافُهُ،
وَقِيلَ: لَا، كَمَنْ جَهِلَ حَالَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْمُصَلِّينَ الْإِسْلَامُ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ إِمَامًا،
وَإِنْ عُلِمَ لَهُ حَالَانِ أَوْ إِفَاقَةٌ وَجُنُونٌ لَمْ يُدْرَ فِي أَيِّهِمَا ائْتَمَّ، وَأَمَّ فِيهِمَا، فَفِي الْإِعَادَةِ أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: إِنْ عَلِمَ قَبْلَ الصَّلَاةِ إِسْلَامَهُ، وَشَكَّ فِي رِدَّتِهِ لَمْ يُعِدْ، وَإِلَّا أَعَادَ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "
ولا تصِح الصَّلاةُ في المَقْبَرة والْحمّامِ والحشُّ وأعْطانِ الإبلِ. هذا المذهب، وعليه الأصحابُ.
قال في «الفُروع»: هو أشْهَر وأصح في المذهبِ. قال المُصَنفُ وغيرُه: هذا ظاهر المذهبِ، وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وعنه، إنْ علِمَ النَّهْىَ، لم تصح، وإلا صحتْ.
وعنه، تَحْرُمُ الصلاةُ فيها، وتصِح. قال المَجْد: لم أجِدْ عن أحمدَ لفْظًا بالتحْريمِ مع الصحةِ.
وعنه، تكْره الصلاةُ فيها. وقيل: إن خافَ فوْت الوقتِ، صحتْ.
وقيلَ: إن أمْكَنَه الخروج, لم يُصَل فيه بحالٍ،
وإنْ فاتَ الوقتُ. ذكَرَهما في «الرعايةِ».
قال في القاعِدَة التاسعةِ: لا تصِحُّ الصلاة في مَواضِع النهْيِ، على القوْلِ بأن النهْىَ للتحْريمِ. وتصِح على القوْل بأن النهْىَ للتنزيه. هذه طريقةُ المُحَققين.
وإنْ كان منَ الأصحابِ مَن يحكِي الخِلاف في الصحة، مع القوْلِ بالتحْريمِ. انتهى.
تنبيه: عموم قولِه: ولا تصِح الصلاةُ في المَقْبَرَةِ. يدُل أن صلاةَ الجِنازَةِ لا تصِح فيها. وهو ظاهرُ كلامِه في «المُسْتَوْعِب»، و «الوَجيزِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُنَوِّر»، وغيرِهم. وهو إحْدَى الرِّواياتِ عن أحمدَ. وصححَها النَّاظِم. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ»، و «الحاوِي الصَّغيرِ».
قال في «الفصول» في آخرِ الجنائز: أصحُّ الروايتَيْن، لا تجوز.
وعنه، تصِحُّ مع الكراهَةِ. اخْتارَها ابن عقِيل، وأطلَقَهما في «المُذْهبِ»، و «المُغْنِي»، و «ابن تَميم»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الفائقِ». وعنه، تصحُّ في غيرِ كراهةٍ. وهو المذهب. قال ابنُ عَبْدوسٍ في «تَذْكرَتِه»: تُباح في مسْجدٍ ومَقْبَرة.
قال في «المُحرَّر»: لا يُكْرهُ في المقَبْرةِ.
قال في «الكافي»: ويجوز في المقْبَرة.
قال في «الهِدايةِ»، و «التَّلْخيص»، و «البْلغَةِ»، و «الحاوِي الكبيرِ»، وغيرِهم: لا بأسَ بصلاة الجِنازَةِ في المَقْبَرَةِ.
قال في «الخُلاصة»، و «الإفاداتِ»، و «إدْراكِ الغايةِ»: لا تصحُّ صلاة في مَقْبَرَةٍ لغيرِ جِنازةٍ. وقدمه المجدُ في «شَرْحِه». وأطْلَقهن في «الفُروعَ».
فوائد؛ الأولَى، لا يضُرُّ قبْرٌ ولا قبْران، على الصحيحِ منَ المذهبِ، إذا لم يُصلِّ إليه، جزَم به ابنُ تَميم. وقاله المُصنف وغيره. وقدَّمه في «الفروع»، و «الشرحِ»، و «الرعايةِ» , و «الفائقِ».
وقيل: يضُرُّ. اخْتاره الشيخ تقِي الدينِ، و «الفائق».
قال في «الفروعِ»: وهو أظْهرُ، بِناءً على أنَّه هل يسَمى مقْبرة أم لا؟
وقال في «الفُروعِ»: ويتوجهُ أن الأظْهَر، أن الخشْخاشَة - فيها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جماعة - قبر واحد، وأنه ظاهر كلامِهم. الثَّانية، لو دفن بدارِه مَوْتى، لم تصبرْ مقبرة. قاله ابنُ الجوْزي في «المذْهَب»، وغيره. الثالثة، قوله عن أعْطانِ الإبلِ، التي تقيم فيها وتأوى إليها. هو الصحيح مِنَ المذهب. نصَّ عليه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقيل: هو مَكانُ اجْتماعِها إذا صدَرتْ عنِ المنْهَلِ. زاد صاحِب «الرعايةِ» وغيرُه: وما تقِف فيه لتَرد الماء. زادَ المُصَنفُ في «المُغْنِي»، بعد كلامِ الإمام أَحْمد،
فقال: وقيل: هو ما تقف فيه لتردَ الماءَ. قال: والأولُ أجْوَدُ.
وقال جماعة مِنَ الأصحابِ: أو تقِف لعَلَفها. الرَّابعة، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحُشُّ؛ ما أعِدَّ لقضاء الحاجَةِ؛ فيمْنعُ مِنَ الصلاةِ داخلَ بابه، ويسْتَوِي في ذلك يوْضع الكَنيف وغيره. الخامسةُ، المَنْعُ مِنَ الصلاة في هذه الأمْكنَةِ تَعَبد، على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، وعليه الجمهور. قال الزَّرْكَشِي: تعبُّد عندَ الأكثرين. واخْتارَه القاضي وغيرُه، وقدَّمه في «الشرحِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى». قال ابنُ رزين في «شرحِه»: الأظْهر أنَّه تعَبد.
وقيل: معلل. وإليه ميْل المصنف. فهو معَلل بمظِنةِ النجاسةِ، فيَخْتصُ بما هو مظِنةٌ مِن هذه الأماكن. وأطْلقَهما في «الفروعِ»، و «ابنِ تَميم». فعلى الأولى، حكْم مسْلخِ الحمّامِ وأتُونه كداخله.
وكذا ما يتبعُه في البيع. نصّ عليه.
وكذا غيره. قال بعضهم: وهو المذهبُ.
قال في «الرِّعاية الكبْرى»: ولا تصِح الصلاة في حمام وأتَونِه وبيُوته ومجْمَع وقودِه، وكل ما يتْبعُه في البيع مِنَ الأماكن وتحْوِيه حدُودُه. ويَتَناوَلُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَيضًا كل ما يقَعُ عليه الاسْمُ. فلا فرْقَ في المَقْبَرَةِ بين القَديمةِ والحديثةِ، والمَنْبوشَة وغير المنْبوشَةِ. وعلى الثاني، تصِح في أسطحَةِ هذه المواضِع. قوله: والموْضِعِ المغْصوبِ. يعْنى، لا تصِح الصلاة فيه. وهو المذهبُ، وعليه جمهورُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم في المختَصَراتِ، وهو مِنَ المفْرَدات.
وعنه، تصِح مع التحْريمِ. اختارها الخلال، وابنُ عَقِيل في «فُنونه»، والطوفي في «مُختَصره» في الأصُولِ، وغيرهم.
وقيل: تصِحُّ إن جَهلَ النهْىَ.
وقيل: تصِح مع الكراهةِ. حكَاه ابن مُفلِج في «أصوله»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «فُروعِه» وغيره. وقال: إنْ خافَ فوْت الوقْتِ، صحَّتْ صلاتُه، وإلَّا فلا.
وقيل: إنْ أمْكَنَه الخروج منه، لم تصِح فيه بحالٍ،
وإنْ فات الوْقتُ. وقيل: يصحُّ النَّفْل. وذكر أبو الخَطابِ في بحْثِ المسْألة، أن النافِلةَ لا تصِحُّ بالاتِّفاقِ. فهذه ثلاث طرقٍ في النَّفْلِ، تقدَّم نظيرها في الثوْبِ المغْصوبِ. وحيثُ قلْنا: لا تصِحُّ في الموْضِعِ المغْصوبِ. فهو مِن المفْرَداتِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
.
فائدة: لا بأسَ بالصَّلاةِ في أرض غيرِه أو مصلاه، بلا غصْب، بغيرِ إذْنِه، على الصحيحِ مِنَ المذهب.
وقيل: لا تصِح. وأطْلَقَهما في «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِي».
وقال ابنُ حامد: ويحْتَمل أنْ لا يصَلًى في كلِّ أرْض إلَّا بإذْنِ صاحِبها، ويَحْتَملُ أنْ يكون مُرادُه عدمَ الصحةِ، ويحْتمل. أنْ يكون مرادُه الكراهةَ؛ فلِهذا
قال في «الفروعِ»: ولو صلى على أرْضِ غيرِه أو مصلاه بلا غصب، صح في الأصَح.
وقيل: حَملها على الكراهَةِ أوْلَى.
قال في «الرعايتيْن»: قلتُ: وحَمْل الوَجْهَيْن على إرادةِ الكَراهَةِ وعدَمها أوْلَى.
قال في «الفُروعِ»: وظاهرُ المْسألةِ، أنَّ الصَّلاةَ هنا أوْلى مِن الطريقِ،
وأن الأرْضَ المزْدرعَةَ كغيرها. قال: والمرادُ ولا ضرر،
ولو كانت لكافر. قال: ويتَوجَّه وَقَالَ بَعْضُ أصْحَابنَا: حُكْمُ الْمَجْزَرَةِ، وَالْمَزْبَلَةِ، وَقَارِعَةِ الطرِيقِ، وَأَسْطِحَتِها كَذَلِكَ.
احْتِمال لعدَمِ رِضاه بصلاةِ مسْلم بأرْضِه.
والحاضِرُ أَوْلَى مِنَ المُسافرِ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه أكثرُ الأصحاب. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ» وغيرِهم.
وقال القاضي: إنْ كان فيهم إمامٌ، فهو أحَقُّ بالإِمامَةِ.
قال القاضي: وإنْ كان مُسافِرًا. وجزَم به ابنُ تميمٍ.
فوائد؛ الأُولَى، لو أتَمَّ الإِمامُ المُسافِرُ الصَّلاةَ، صحَّتْ صلاةُ المأْمومِ المُقيمِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهب، وعليه عامَّةُ الأصحابِ، ونصَّ عليه في رِوايَةِ المَيْمُونِيِّ، وابن مَنْصُورٍ. وعندَ أبِي بَكْرٍ، إنْ أتَمَّ المُسافِرُ، ففي صِحَّةِ صلاةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المأْمومِ رِوايَتا مُتَنَفِّلٍ بمُفْتَرضٍ. وذَكَرهما القاضي.
وقال ابنُ عَقِيلٍ وغيره: ليس بجَيِّدٍ؛ لأنَّه الأصْلُ. فليس بمُتَنَفِّلٍ.
قال في «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»: أنْكَر عامَّةُ الأصحابِ قوْلَ أبي بَكْرٍ: في صِحَّةِ صلاِتِه خلْفَه رِوايتَيْن. لأنَّه في الأخِيرَتَيْن مُتَنَفِّلٌ، لسُقوطهما بالتَّرْكِ لا إلى بدَلٍ. ومنَعه الأصحابُ؛ لأنَّ القَصْرَ عندَنا رُخْصَةٌ،
فإذا لم يخْتَرْه تعَيَّنَ الفَرْضُ الأصْلِيُّ، وهو الأرْبعُ. ونقَل صالِحٌ التَّوَقُّفَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيها، وقال: دَعْها. انتهى. وقال أبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ»: يجوزُ في رِوايَةٍ؛ لصِحَّةِ بناءِ مُقيمٍ على نِيَّةِ مُسافِرٍ، وهو الإِمامُ. الثَّانيةُ، إذا أتَمَّ المُسافِرُ، كرِهَ تقْديمُه، للخُروجِ مِن الخِلافِ،
وإنْ قصَر، لم يُكْرهْ الاقْتِداءُ به.
قال في «مَجْمَع البَحْرَيْن»: إجْماعًا. الثَّالثةُ، لو كان المُقيمُ إمامًا لمُسافِرٍ، ونوَى المُسافِرُ القَصْرَ، صحَّتْ صلاتُه. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ»: إنْ نَوَى المُسافِرُ القَصْرَ، احْتَمَلَ أنْ لا يُجْزِئُهُ. وهو أَصَحُّ؛ لوُقوعِ الأُخْرَيَيْن منه بِلا نِيَّةٍ، ولأنَّ المأْمومَ إذا لَزِمَه حُكْمُ المُتابعَةِ لَزِمَه نِيَّةُ المُتابعَةِ، كنِيَّةِ الجُمُعَةِ ممَّن لا تَلْزَمُه خلْفَ مَن يُصَلِّيها. واحْتَمَلَ أنْ يُجْزِئُهُ؛ لأنَّ الإِتْمامَ لَزِمَه حُكْمًا. الرَّابعة، الحَضَرِيُّ أوْلى مِنَ البَدَوِيِّ، والمُتَوَضِّئُ أوْلَى مِن المُتَيَمِّمِ. والبَصيِر أَوْلَى مِنَ الأعْمَى، في أحَدِ الوَجْهَيْن. وهما رِوايَتان، فالخِلافُ عائدٌ إليهما فقط. وأطْلقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «الفائقِ»، أحَدُهما، البَصيِر أوْلَى.
وهو المذهبُ. قال المصَنِّفُ: وهو أَوْلَى،
قال في «المُذْهَبِ»: هذا أَصَحُّ الوَجْهَيْن.
قال في «البُلْغَةِ»: والبَصيِر أوْلَى منه، على الأصَحِّ.
قال في «الهدايَةِ»: والبَصِيرُ أوْلَى مِنَ الأعْمَى عندي. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «الإفاداتِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»، و «النَّهايَةِ»، و «نَظْمِها». واخْتارَه الشِّيَرازِيُّ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِي»، و «إدْراكِ وَفِي الْآخَرِ، هُمَا سَوَاءٌ.
الغايَةِ». الوَجْهُ الثَّاني، هما سَواءٌ. اخْتارَه القاضي. وقدَّمه في «المسْتَوْعِب».
وقيل: الأعْمَى أوْلَى مِنَ البَصِيرِ. وهو رِوايةٌ عن أحمدَ في «الرِّعايَةِ» وغيرِها.
فائدة: لو كان الأعْمَى أصَمَّ، صحَّتْ إمامَتُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الكافِي»، و «المُغْنِي». وصحَّحه فيهما. وقدَّمه في «الشَّرْحِ» , و «شَرْحِ ابنِ رَزِين».
وقال بعضُ الأصحابِ: لا يصِحُّ. وجزَم به في «الإِيضاحِ». وأطْلقَهما في «الفُروعِ»، و «ابن تَميمٍ،» و «النَّظْمِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِي الصَّغِير».
فائدة: لو أَذِنَ الأفْضَلُ للمَفْضولِ، ممِّن تقدَّم ذِكْرُه، لم تُكْرَهْ إمامَتُه. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. نصَّ عليه.
وقيل: تُكْرَهُ. وهو رِوايةٌ في صاحِبِ البَيْتِ، وإمامِ المسْجِدِ, كما تقدَّم.
وفي رِسالَةِ أحمدَ في الصَّلاةِ، رِوايةَ مُهَنَّا ، لا يجوزُ أنْ يقَدِّمُوا إلَّا أعْلَمَهُم وأخْوَفَهُم، وإلَّا لم يَزالُوا في سَفالٍ.
وكذا قال في «الغُنْيَةِ». وَهَلْ تَصِحُّ إمَامَةُ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وقال الشَّيْخ تَقِيُّ الدِّينِ: يجِبُ تقْديمُ مَن يقَدِّمُه اللهُ ورَسولُه،
ولو مع شَرْطِ واقِفٍ بخِلافِه. انتهى. فإمامَةُ المفْضولِ بدُونِ إذْنِ الفاضلِ مَكْرُوهةٌ. على الصَّحيحِ مِن المذهب. نصَّ عليه.
وقيل: الأخْوَف أوْلَى. وقال في «الفُروعِ»: وأطْلقَ بعضُهم النَّصَّ، ولعَلَّ المرادَ سِوَى إمامِ المسْجدِ، وصاحبِ البَيْتِ، فإنَّه يَحْرُمُ. وذكَر بعضُهم، يُكْرَهُ.
قال في «الفروعِ»: واحْتجَّ جماعةٌ، منهم القاضي، والمَجْدُ، على مَنْعِ إمامَةِ الأُمِّيِّ بالأَقْرأ بأمْرِ الشَّارِع بتَقْديمِ الأقْرَأ،
فإذا قُدِّم الأُمِّيُّ، خُولِفَ الأمْرُ ودخَل تحتَ النَّهْيِ.
وكذا احْتَجَّ في «الفُصولِ»، مع قولِه: يُسْتَحَبُّ للإِمام إذا اسْتَخْلفَ أنْ يُرَتِّبَ كما يُرَتِّبُ الإِمامُ في أصْلِ الصَّلاةِ، كالإِمامِ الأوَّل؛ لأنَّه نوْعُ إمامَةٍ. وهل تَصِحُّ إمامَةُ الفاسِقِ والأقلَفِ؛ على رِوَايتيْن. وأطْلقهما في «الهِدايَة»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلغَةِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الفائقِ».
أمَّا الفاسِقُ، ففيه رِوَايَتان؛ إحْدَاهما، لا تصِحُّ. وهو المذهبُ، سواءً كان فِسْقُه مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ أو مِن جِهَةِ الأفْعالِ مِن حيث الجُمْلة، وعليه أكثر الأصحابِ. قال ابنُ الزَّاغُونِيِّ: هي اخْتِيارُ المَشايخِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هي المشْهورةُ. واخْتِيارُ ابن أبِي مُوسى، والقاضى، والشِّيرَازِيِّ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
وجماعَةٍ. قال في «المذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِي الصَّغِيرِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»: لا يصِحُّ في أصَحِّ الرِّوايتيْن.
قال في «الحاوِي الكَبِيرِ»: هي الصَّحيحَةُ مِنَ المذهبِ. قال ابنُ هُبَيْرَة: هي الأشْهَرُ. قال النَّاظِمُ: هي الأوْلَى. ونصَرَها أبو الخَطَّابِ، والشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ. واخْتارَها أبو بَكْرٍ، والمَجْدُ، وغيرُهم. وجزَم به ابن عَقِيلٍ في «التَّذْكِرةِ»، وغيره.
قال في «الوَجيزِ»: ولا تصِحُّ إمامَةُ الفاسِقِ. وهو المشْهورُ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهما. قال الشَّيْخ تَقِيُّ الدِّينِ: لا تصِحُّ خلفَ أهْلِ الأهْواءِ والبِدَعِ والفَسَقَةِ مع القُدْرَةِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، تصِحُّ، وتُكْرَهُ.
وعنه، تصِحُّ في النَّفْلِ. جزَم به جماعةٌ.
قال ابنُ تَميمٍ: ويصِحُّ النَّفْلُ خلفَ الفاسقِ، رِوايةً واحدةً. قالَه بعضُ الأصحابِ. والظَّاهِرُ أنَّ مُرادَه، المَجْدُ؛ فإنَّه قال ذلك.
وعنه، لا تصِحُّ خلفَ فاسِقٍ بالاعْتِقادِ بحالٍ. فعلى المذهبِ، يَلْزَمُ مَن صلَّى خلفَه الإِعادَةُ، سواءٌ عَلِمَ بفِسْقِه وقْتَ الصَّلاةِ أو بعدَها، وسواءٌ كان فِسْقُه ظاهِرًا أولا. وهذا الصَّحيحُ مِن المذهبِ. قدَّمه في «الفروعِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «ابنِ تَميمٍ»، و «مَجْمَعِ البَحْريْن». ونصَّ عليه في رِوايَةِ صالحٍ, والأثْرَم، وهو ظاهِرُ كلامِه في «الكافِي».
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا إعادةَ إذا جَهِلَ حالَه مُطْلَقًا، كالحَدَثِ، والنَّجاسَةِ. وفرَّق بينَهما في «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»؛ بأنَّ الفاسِقَ يعلَمُ بالمانعِ،
بخِلافِ المُحْدِثِ النَّاسِي؛ إذْ لو عَلِمَ, لم تصِحَّ خلْفَه بحالٍ .
وقيل: إنْ كان فِسْقُه ظاهرًا، أعادَ، وإلَّا فلا؛ للعُذْرِ. وصحَّحه المُصَنِّفُ، والمَجْدُ. وجزَم به «الخِرَقِّي»، و «الوَجيزِ».
وقال في «الرِّعايَةِ»: الأصَحُّ أنْ يُعِيدَ خلفَ المُعْلِنِ،
وفي غيرِه رِوايَتان. وقيل: إنْ علِمَ لمَّا سلَّم، فوَجْهان،
وإنْ علِمَ قبلَه، فرِوايَتان.
قال في «المُحَرَّرِ» , و «الفائقِ»: وإنِ ائْتَمَّ بفاسِقٍ مَن يعْلَمُ فِسْقَه، فعل رِوايتَيْن.
وقيل: يعيدُ لفِسْقِ إمامِه المُجَرَّدِ.
وقيل: تقْليدًا فقط. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: المعْلِنُ بالبِدْعةِ، هو المُظْهِر لها، ضِدَّ الإِسْرارِ، كالمُتكلِّمِ بها، والدَّاعِي إليها، والمُناظِرِ عليها. وهكذا فسَّره المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ وغيرُهما.
وقال القاضي: المُعْلِن بالبِدْعةِ, مَن يعْتَقِدُها بدليلٍ. وضدُّه، مَن يعْتَقِدُها تقْليدًا.
وقال: المُقَلِّدُ لا يُكَفَّرُ ولا يُفَسَّقُ.
فوائد؛ الأُولَى، تصِحُّ إِمامَةُ العَدْلِ إذا كان نائِبًا لفاسِقٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأكثُر. قال الزَّرْكَشِيُّ وغيُره: هذا الصَّحيحُ مِنَ الرِّوايتيْن. وقدَّمه في «الفُروعِ». وجزَم به في «الرِّعايَةِ الكبْرى».
وعنه، لا تصِحُّ؛ لأنَّه لا يسْتَنِيبُ من لا يباشِرُ.
وقيل: إنْ كان المُسْتَنِيبُ عدْلًا وحدَه فوَجْهان. صحَّحه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإمامُ أحمدُ. وخالَفَ القاضي وغيُره. فعلى المذهب، لا يعيدُ. نصَّ عليه.
وعنه، يعيدُ. الثَّانيةُ، قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِهم، لا يَؤْمُّ فاسِقٌ فاسِقًا. وقالَه القاضي وغيرُه، لأنَّه يُمْكِنُه رفْع ما عليه مِنَ النَّقْصِ.
قلتُ: وصرَّح به ابنُ تَميمٍ، وابنُ حَمْدانَ؛ فقالا: ولا يَؤُمُّ فاسِقٌ مِثْلَه. الثَّالثةُ، حيثُ قلْنا: لا تصِحُّ الصَّلاةُ خلفَه. فإنَّه يصَلِّي معه خَوْف أذًى، ويعيدُ. نصَّ عليه.
وإنْ نوَى الانْفِرادَ ووَافقه في أفْعالِها، لم يُعِدْها. على الصَّحِيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفروعِ».
وعنه، يعيدُ.
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، صلاةُ الجُمُعَةِ، فإنَّها تصَلَّى خلفَه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقال كثيرٌ منهم: يصَلَّى خلْفَه صلاة الجُمُعَة، رِوايةً واحدةً، لكنْ بشَرْطِ عَدمِ جُمُعَةٍ أُخْرَى خلفَ عَدْلٍ. قالَه في «مَجْمَعِ البَحْرَيْن» وغيرِه.
وعنه، لا يصَلَّى الجُمُعَةُ أَيضًا خلْفَه. وهو ظاهِرُ كلامِ جماعَةٍ مِن الأصحابِ. قال ابنُ تَميمٍ: وسَوَّى الآمِدِيُّ بينَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجُمُعَةِ وغيرِها في تقْديمِ الفاسقِ. فعلى المذهبِ، لا يَلْزَمُه إعادَتُها على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه في «الفروع».
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: هي أشْهَرُ.
وعنه، مَن أعادَها فمُبْتَدِعٌ مُخالِفٌ للسُّنَّةِ، ليس له مِن فَضْل الجُمُعَةِ شئٌ، إذا لم يَرَ الصَّلاةَ خلْفَه.
وعنه، يعيدُها. جزَم به في «المُذْهَبِ»، و «مسْبُوكِ الذَّهَب». وصحَّحَه ابن عَقِيلٍ وغيرُه. قال الزَّرْكَشِيُّ: فيُعادُ على المذهبِ.
قال في «الحاوِيَيْن»: هذا الصَّحيحُ عندِي. وصحَّحه في «مَجْمَع البَحْريْن». قال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الفروعِ»: ذكَر غيرُ واحدٍ الإعادةَ ظاهرَ المذهبِ كغيرِها.
قلتُ: ممَّن قالَه، هو في «حَواشِيه». وقدَّمه في «الرِّعايتيْن». نقَل ابنُ الحَكَم ، أنَّه كان يُصَلِّي الجُمُعَةَ، ثم يُصَلِّي الظُّهْرَ أرْبَعًا.
قال: فإِنْ كانتِ الصَّلاةُ فَرْضًا، فلا تَضُرُّ صلاِتِي،
وإنْ لم تكُنْ، كانتْ تلك الصَّلاة ظُهْرًا أرْبَعًا. ونقَل أبو طالِبٍ، أيُّما أَحَبُّ إليك؛ أُصَلِّي قبلَ الصَّلاةِ أو بعدَها؟ قال: بعدَ الصَّلاةِ، ولا أُصَلِّي قبْل. قال القاضي في «الخِلافِ»: يصَلِّي الظُّهْرَ بعدَ الجُمُعَةِ ليَخْرُجَ مِنَ الخِلافِ. وأطْلقَ الرِّوايتَيْن، وهما، الإعادةُ، وعدَمُها، ابنُ تَميمٍ.
فائدة: ألْحَقَ المُصَنِّف بالجُمُعَةِ صلاةَ العِيدَيْن. وتابَعَه في «الشَّرْحِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «النَّظْمِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاويَيْن»، وغيرهم.
وقال في «الرِّعايَةِ الكبْرى»: ويُصَلِّي الجُمُعَةَ.
وقيل: والعيدَ. قال ابنُ عَقِيلٍ: لا يُقْتَدَى بالفاسِقِ في غيرِ الجُمُعَةِ. ولم يذْكُرْهُما في «الفُروعَ».
فوائد؛ إحْداها، حُكْمُ مَن صلَّى الجُمُعَةَ ونحوَها في بُقْعَةٍ غَصْبٍ للضَّرُورَةِ، حُكْمُ صلاةِ الجُمُعةِ خلفَ الفاسِقِ. ذكَرَه في «الفُروعِ».
وقال: وذكَرهُما ابنُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقِيلٍ، وصاحِبُ «المحَرَّرِ» في مَن كفر باعْتِقادِه. ويعيدُ. وتقدَّم التَّنْبِيهُ على ذلك في أواخِرِ بابِ اجْتِناب النَّجاسَةِ. الثَّانيةُ، تصِحُّ الصَّلاةُ خلفَ إمام لا يَعْرِفُه. على الصَّحِيحِ مِنَ المذهبِ.
وعنه، لا تصِحُّ. ورُوِيَ عنه أنَّه لا يصَلِّي إلَّا خلْفَ مَن يعْرِفُ. قال أبو بَكْر: هذا على الاسْتِحْبابِ. الثَّالثةُ، قال المَجْدُ، وابنُ تَميمٍ، وابنُ حَمْدانَ، وصاحِبُ «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تصِحُّ الصَّلاةُ خلفَ مَن خالَفَ في الفُروعِ، لدَليلٍ أو تقْليدٍ. نصَّ عليه، ما لم يعْلَمْ أنَّه ترَك رُكْنًا أو شَرْطًا على ما يأْتِي. قال المُجْدُ، لمَن قال: لا تصِحُّ: هذا خَرْقٌ لإِجْماع مَن تقدَّم مِنَ الصَّحابَةِ فمَن بعدَهم.
قال في «الفُروعِ»: ومُرادُ الأصحابِ، ما لم يُفَسَّقْ بذلك. وذكَر ابنُ أبِي مُوسى، في الصَّلاةِ خلفَ شارِبِ نَبِيذٍ، مُعْتَقِدًا حِلَّه، رِوايَتيْن. وذكَر أنَّه لا يُصَلَّى خلفَ مَن يقولُ: الماءُ مِنَ الماء.
وقيل: ولا خلفَ مَن يُجيزُ رِبَا الفَضْل، كبَيْعِ دِرْهَمٍ بدِرْهَمَيْن؛ للإجْماعِ الآنَ على تحْريمِها. ويأْتِي قريبًا إذا تَرك الإمامُ رُكْنًا أو شَرْطًا.
وأمَّا الأقْلَفُ، فأطْلَق المُصَنِّفُ في صِحَّةِ إمامَتِه رِوايتَيْن؛ وهما رِوايَتان عندَ الأكْثَرِ. وقدَّم في «الرِّعايَةِ»، أنَّهما وَجْهان. وأطْلقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الرِّعايتَيْن»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاوي الكَبِيرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ إحْدَاهما، تصِحُّ مع الكَراهَةِ. وهو المذهبُ. جزَم به في «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الإِفاداتِ»، و «الوَجيزِ»، و «المَذْهَبِ الأحْمَدِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «ابنِ تَميمٍ». وصحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن». واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تذْكِرَتِه». والرِّوايةُ الثَّانية، لا تصِحُّ. صحَّحَه في «الحاوِي الصَّغِيرِ». وهي مِنَ المُفْرَداتِ. وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ».
وقيل: تصِحُّ إمامَةُ الأقْلَفِ المَفْتوقِ قُلَفَتُه. وخصَّ في «الحاوِي الكَبِيرِ» وغيرِه الخِلافَ بالأقْلَفِ المُرْتَتِقِ.
وقيل: إنْ كثُرَتْ إمامَتُه، لم تصِحَّ، وإلَّا صحَّتْ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، هل المَنْعُ مِن صِحَّةِ إمامَتِه لتَرْكِ الخِتانِ الواجِبِ، أو لعَجْزِه عن غَسْل النَّجاسَةِ؟ فيه وجْهان. قالَه في «الرِّعايَةِ». قال ابنُ تَميمٍ: اخْتلَفَ الأصحابُ في مأْخَذِ المَنْعِ. فقال بعضُهم: ترْكُه الخِتانَ الواجِبَ. فعلى هذا، إنْ قلْنا بعدَمِ الوُجوبِ، أو سقَط القولُ به لضَرَرٍ، صَحَّتْ إمامَتُه.
وقال جماعَةٌ آخَرون: هو عجْزُه عن شَرْطِ الصَّلاةِ، وهو التَّطَهُّرُ مِنَ النَّجاسَةِ. فعلى هذا، لا تصِحُّ إمامَتُه إلَّا بمِثْلِه، إنْ لم يجِبِ الخِتان. انتهى.
قال في «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»: إنْ كان تارِكًا للخِتانِ مِن غيرِ خَوْفِ ضرَرٍ، وهو يعْتَقِدُ وُجوبَه، فُسِّقَ وَفِي إِمامَةِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ وَجْهَانِ.
على الأصَحِّ. وفيه، الرِّوايان لفِسْقِه، لا لكَوْنِه أقْلَفَ،
وإن ترَكه تأوُّلًا، أو خائِفًا على نفْسِه التَّلَفَ لكِبَرٍ ونحوِه، صحَّتْ إمامَتُه. انتهى.
قلت: الذى قطَع به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى، وغيرُهم، أنَّ المَنْعَ لعَجْزِه عن غَسْلٍ النَّجاسَة. الثَّانيةُ، تصِحُّ إمامَة الأقْلَفِ بمثلِه. قدَّمه في «الرِّعايَةِ»، و «الحَواشِي». قال ابنُ تَميمٍ: تصِحُّ إمامَتُه بمِثْلِه إنْ لم يجِبِ الخِتانُ. انتهى.
وقيل: لا تصِحُّ مُطْلَقًا. وأطْلقَهما في «الفُروعِ».
وقيل: تصِحُّ في التَّراويحِ إذا لم يكُنْ قارِئٌ غيرُه. وفي إمامَةِ أقْطَعِ اليَدَيْنِ وجْهان. وحَكاهما الآمِدِيُّ رِوايَتْين. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأطْلقَهما في «المُذْهَبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ» , و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «ابن تَميمٍ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «النَّظْمِ»؛ إحْداهما، تصِحُّ مع الكراهَةِ. وهو المذهبُ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ». وجزم به في «الوَجيزِ»، و «الإفاداتِ». واخْتارَه القاضي. وقدَّمه في «الفُروعِ». والوَجْهُ الثَّانِي، لا تصِحُّ. اخْتاره أبو بَكْرٍ.
تنبيه: مَنْشَأُ الخِلافِ، كوْنُ الإمامِ أحمدَ سُئلَ عن ذلك، فتَوَقَفَ. فائدتان؛ إحْدَاهما، حُكْمُ أقْطَعِ الرِّجْلَيْن، أو أحَدِهما، أو أحَدِ اليَدَيْن، حُكْمُ أقْطَعِ اليَدَيْن. كما تقدَّم. قالَه في «الفُروعِ»، و «الحاوِي الكَبِيرِ»، و «الإِفاداتِ»، وغيرهم. وأطْلقَ في «الرِّعايتيْن»، و «الحاوِي الصَّغِيرِ»، الخِلافَ في أقْطع اليَدَيْن أو الرِّجْلَيْن،
ثم قال: وقيلَ: أو إحْدَاهُنَّ. واخْتارَ المُصَنِّفُ صِحَّةَ إمامَةِ أقْطَع أحَدِ الرِّجْلَيْن دُونَ أقْطَعِهما، وتَبعَه الشَّارِحُ. وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ، وَلَا أَخْرَسَ، وأطلق في «الفائقِ» الخِلافَ في أقْطَعِ يَدٍ أو رِجْلٍ، فظاهِرُه أنَّ أقْطَعَهما لا تَصِحُّ، قولًا واحدًا. وصرَّح بصِحَّة إمامَةِ أقْطَع اليَدِ أو الرِّجْلِ بمِثْلِه. وأطْلَقَ في «المُحَرَّرِ»، في أقْطَعِ اليَدِ أوِ الرِّجْلِ الوَجْهَيْن. الثَّانية، قال ابنُ عَقِيلٍ: تُكْرهُ إمامَةُ مَن قُطِعَ أنْفُه. ولم يذْكُرْه الأكْثَرُ، وإنَّما ذكَروا الصِّحَّةَ. ولا تَصِحُّ الصَّلاة خلفَ كافِرٍ.
هذا المذهبُ بلا ريْبٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: تصِحُّ إنْ أسَرَّ الكُفْرَ.
وعنه، لا يعيدُ خلفَ مُبْتدِعٍ كافرٍ بِبدْعَتِه. وحكى ابنُ الزَّاغُونِيِّ رِوايةً بصِحَّةِ صلاةِ الكافِر، بِناءً على صِحَّةِ إسْلامِه بها. وبنَى على صِحَّةِ صلَاته صِحَّةَ إمامَتِه على احْتِمالٍ. قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو بعيدٌ. وتقدَّم ذلك في كتابِ الصَّلاةِ،
عندَ قوله: وإذا صلَّى الكافِرُ حُكِمَ بإسْلامِه .
فائدتان، إحْداهما، لو قال، بعدَ سَلامِه مِنَ الصَّلاة: هو كافِرٌ، وإنَّما صلَّى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَهَزُّؤًا. فنَصَّ أحمدُ، يُعيدُ المأْمومُ، كمَن ظَنَّ كُفْرَه أو حَدَثَه، فَبانَ بخِلافِه.
وقيل: لا يعيدُ، كمَن جهِلَ حالَه. الثَّانيةُ، لو علِمَ مِن إنْسانٍ حالَ رِدَّةٍ وحالَ إسْلامٍ، أو حالَ إفاقَةٍ وحالَ جُنونٍ، كُرِهَ تقْديمُه،
فإنْ صلَّى خلْفَه، ولم يعْلَمْ على أيِّ الحالَيْن هو؟ أعادَ على الصَّحيحِ. قدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
وقيل: لا يعيدُ. وقيل: إنْ علِمَ قبل الصَّلاةِ إسْلامَه، وشَكَّ في رِدَّتِه، فلا إعادةَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأطْلَقَهُنَّ في «مُخْتَصَرِ ابنِ تَميمٍ»، و «الفُروعِ».
تنبيه: دخَل في قولِه: ولا أخْرَسَ. عدَمُ صِحَّةِ إمامَتِه بمثلِه وبغيرِه.
أمَّا إمامَتُه بغيرِه، فلا تصِحُّ، قولًا واحدًا عندَ الجمهورِ.
وقيل: تصِحُّ إمامَةُ من طرَأ عليه الخَرَسُ دونَ الأصْلِيَّ. ذكَره في «الرِّعايَةِ».
وأمَّا إمامَتُه بمِثْلِه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهب، أنَّ إمامَتَه لا تصِحُّ، وعليه جمهورُ الأصحابِ.
قال في «مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ»: اخْتارَه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم القاضي، والآمِدِيُّ، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّف في «المُغْنِي»، وجزَم به، وغيرُهم. وجزَم به في «المُذْهَبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُسْتوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرِهم. وعِبارَة كثيرٍ مِنَ الأصحابِ كعِبارَةِ المُصَنفِ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَتْين».
وقال القاضي في «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، والمُصَنّفُ في «الكافِي»: يصِحُّ أنْ يَؤُم مِثْلَه. وجزَم وَلَا مَنْ بِهِ سَلَس الْبَوْلِ، وَلَا عَاجِزٍ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ.
به في «الحاوِيَيْن». قال الشَّارِحُ: هذا قِياسُ المذهبِ. وهو أوْلَى، كالأُمِّيّ، والعاجِزِ عن القِيامِ يَؤُمُّ مِثْلَه. وأطْلَقَهما في «الفائقِ»، و «ابنِ تَميمٍ».
تنبيه: دخَل في قولِه: ولا مَن به سَلَسُ البَوْلِ. عدَمُ صِحَّةِ إمامَتِه بمِثْلِه، وبغيرِه.
أمَّا بغيرِه، فلا تصِحُّ إمامَته به.
وأمَّا بمَن هو مثلُه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، الصِّحَّةُ. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الكافِي»، و «العُمْدَةِ»، و «الشرحِ»، و «الحاوِي الكَبِيرِ».
قال في «المُسْتَوْعِبِ»: ولا تصِح إمامَة مَن به سَلَسُ البَوْلِ لمَن لا سَلَسَ به. وهو ظاهِرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلام ابنِ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»؛ فإنَّه قال: ولا يَؤُمُّ أخْرَسُ، ولا دائِمٌ حدَثُه، وعاجِزٌ عن رُكْنٍ، وأنْثَى بعَكْسِهم.
وقال في «المُحَرَّر»: ومَن عجَز عن رُكْنٍ، أو شَرْطٍ، لم تصِحَّ إمامَتُه بقادِرٍ عليه. وقدَّمه ابنُ تَميمٍ.
وقيل: تصِحُّ . جزَم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
به في «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ». وصحَّحه النَّاظِمُ. وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «التَّلْخيصِ». وقدَّمه في «الرِّعايتَيْن»، ؤأطْلَقَهما في «الفروعِ».
قال: (وهل تصح إمامة الفاسق والأقلف؟ على روايتين. وفي إمامة أقطع اليدين وجهان) .
أما كون إمامة الفاسق لا تصح على روايةٍ؛ فلقوله تعالى:{أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون}.
وقوله صلى الله عليه وسلم:«لا تَؤمن امرأة رجلاً. ولا فاجر مؤمناً إلا أن يقهره سلطان أو يخاف سوطه»[رواه ابن ماجة].
وفي لفظ:«ولا فاسق مؤمناً».
وقوله عليه السلام:«انتقدوا أئمتكم نقد الدينار».
وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ فقال: صل الصلاة في وقتها. فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» رواه مسلم.
و«كان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي وراء الحجاج».
«والحسن والحسين رضي الله عنهما يصليان وراء مروان».
وأما كون إمامة الأقلف لا تصح على روايةٍ؛ فلأنه حامل لنجاسة ظاهرة يمكنه إزالتها بإزالة المانع بالختان.
وأما كونها تصح على روايةٍ فلتعذر زوال النجاسة في الحال. والختان مختلف في وجوبه فلم تكن إزالتها واجبة لا محالة.
وأما كون إمامة أقطع اليدين لا تصح في وجه فلإخلاله بعضو من أعضاء السجود.
وأما كونها تصح في وجه؛ فلأنه لا يخل بركن من أركان الصلاة. وذكر المصنف رحمه الله في المغني هذين الوجهين روايتين.
والحكم في أقطع الرجلين أو إحداهما أو إحدى اليدين كالحكم في أقطع اليدين لاتحاد الكل في الإخلال بعضو وعدمه بما هو ركن.
قال: (ولا تصح الصلاة خلف كافر، ولا أخرس، ولا من به سلس البول، ولا عاجز عن الركوع والسجود والقعود) .
أما كون الصلاة لا تصح خلف كافرٍ؛ فلأن الصلاة تفتقر إلى النية
وكذا الوضوء. والنية فيهما لا تصح من الكافر. وسواء عَلم بكفره في الصلاة أو بعد الفراغ منها لأن أمارات الكفر لا تخفى غالباً فكأنه إذا لم يَعلم يعد مقصراً.
وأما كونها لا تصح خلف أخرس؛ فلأنه مأيوس من قرائته فقد فات ركن من أركان الصلاة على وجهٍ لا يرجى وجوده فلم تصح الصلاة خلفه كالعاجز عن الركوع والسجود.
فعلى هذا لا فرق بين كون المأموم أخرس أو ناطقاً لما ذكر من فوات الركن الذي هو القراءة.
وذكر المصنف رحمه الله في الكافي أنه يصح إمامة الأخرس بمثله لاستوائهما في فوات الركن. أشبه إمامة الأمي بمثله.
وأما كونها لا تصح خلف من به سلس البول؛ فلأن في صلاته خللاً غير مجبور ببدل.
ولأنه محدث حامل للنجاسة أشبه ما لو صلى خلف محدث يعلم بحدثه.
فإن قيل: فلم صحت صلاته في نفسه؟
قيل: للضرورة.
وأما كونها لا تصح خلف عاجز عن الركوع والسجود والقعود؛ فلأنه أخل بركن لا يسامح به في النافلة فلم يجز للقادر عليه الائتمام به كالقارئ بالأمي.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.