وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ يس وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا وَجَعَلَ ثَوَابَ ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، نَفَعَهُ ذَلِكَ
الشروح عليها
مسألة: (ولا تُكْرَهُ القِراءَةُ على القَبْرِ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن) هذا هو المَشْهُورُ عن أحمدَ، فإنَّه رُوِىَ عنه، أنَّه قال: إذا دَخَلْتُم المَقابِرَ اقْرَأُوا آيَةَ الكُرْسِىِّ، وثَلاثَ مِرارٍ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، ثم قُلْ: اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَه لأهْلِ المَقابِرِ. ورُوِىَ عنه، أنَّه قال: القِراءَةُ عندَ القَبْرِ بِدْعَةٌ، ورُوِىَ ذلك عن هُشَيْمٍ. قال أبو بكرٍ: نَقَل ذلك عن أحمدَ جَماعَةٌ، ثم رَجَع رُجُوعًا أبانَ به عن نَفْسِه. فَرَوَى جَماعَةٌ، أنَّ أحمدَ نَهَى ضَرِيرًا يَقْرَأُ عندَ القَبْرِ،
وقال له: القِراءَةُ عندَ القَبْرِ بِدْعَةٌ. فقالَ له محمدُ بنُ قُدامَةَ الجَوْهَرِىُّ : يا أبا عبدِ اللهِ: ما تَقُولُ في مُبَشرٍ الحَلَبِىِّ ؟ قال: ثِقَةٌ.
قال: فأخْبَرَنِى مُبَشِّرٌ، عن أبيه، أنَّه أوْصَى إذا دُفِن أن يُقْرَأَ عندَه بفاتِحَةِ البَقَرَةِ وخاتِمَتِها،
وقال: سمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يُوصِى بذلك. فقالَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ: فارْجِعْ فقُلْ للرجلِ يَقْرَأَ.
وقال الخَلَّالُ: حَدَّثَنِى أبو علىٍّ الحسنُ ابنُ الهَيْثَمِ البَزَّارُ ، شيخُنا الثِّقَةُ المَأْمُونُ، قال: رَأيْتُ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ يُصلِّى خَلْفَ ضَرِيرٍ يَقْرَأُ على القُبُورِ. وقد رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ أوْ أحَدِهِمَا، فَقَرَأ عِنْدَهُ أوْ عِنْدَهُمَا يسَ، غُفِرَ لَهُ». ورُوِىَ عنه، عليه السَّلامُ، أنَّه قال:«مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأ سُورَةَ يسَ، خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ».
٨١٣ - مسألة: (وأىُّ قُرْبَةٍ فَعَلَها وجَعَل ثَوابَها للمَيِّتِ المُسْلِمِ، نَفَعَه ذلك)
أمّا الدُّعاءُ، والاسْتِغْفارُ، والصَّدَقَةُ، وقَضاءُ الدَّيْنِ، وأداءُ الواجِباتِ، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إذا كانتِ الواجِباتُ مِمّا يَدْخُلُه النِّيابَةُ، قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} وقال سبحانه: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}. ودُعاءُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لأبى سَلَمَةَ حينَ مات ، وللمَيِّتِ الذى صَلَّى عليه ، ولذى البِجادَيْن حينَ دَفَنَه . وشَرَع اللهُ تعالى ذلك لكلِّ مَن صَلَّى على مَيِّتٍ.
وسَأل رجلٌ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: يارسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّى ماتَتْ، أَيَنْفَعُها إن تَصَدَّقْتُ عنها؟ قال:«نَعَمْ». رَواه أبو داودَ . وجاءَتِ امرأةٌ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - فقالَتْ: يارسولَ اللهِ، إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ في الحَجِّ أدْرَكَتْ أبى شَيْخًا كَبِيرًا، لا يَسْتَطِيعُ أن يَثْبُتَ على الرّاحِلَةِ، أفَأحُجُّ عنه؟ قال: «أرَأيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكِ دَيْنٌ أكُنْتِ قَاضِيَتَهُ». قالَتْ: نعم. قال:«فَدَيْنُ اللهِ أحَقُّ أنْ يُقْضَى».
وقال في الذى سَألَه، إنَّ أُمِّى ماتَتْ وعليها صَوْمُ شَهْرٍ، أفَأصُومُ عنها؟ قال:«نَعَمْ». وكلُّها أحادِيثُ صِحاحٌ، وفيها دَلالَةٌ على انْتِفَاعِ المَيِّتِ بسائِرِ القُرَبِ، لأنَّ الصومَ، والحَجَّ، والدُّعاءَ، والاسْتِغْفَارَ، كلُّها عِباداتٌ بَدَنِيَّةٌ، وقد أوْصَلَ اللهُ نَفْعَها إلى المَيِّتِ، فكذلك ما سِواها، مع ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ في ثَوابِ مَن قَرَأ يسَ، وتَخْفِيفِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عن أهلِ المَقابِرِ بقِراءَتِه. ولأنَّه عَمَلُ بِرٍّ وطاعَةٍ، فوَصَلَ نَفْعُه وثَوابُه، كالصَّدَقَةِ، والصيامِ، والحَجَّ الواجِبِ.
وقال الشافعىُّ: ما عَدَا الواجِباتِ، والصَّدَقَةَ، والدُّعاءَ، والاسْتِغْفَارَ، لا يُفْعَلُ عن المَيِّتِ، ولا يَصِلُ ثَوابُه إليه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}. وقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ؛ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، أوْ ولَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . ولأن نَفْعَه لا يَتَعَدَّى فاعِلَه، فلا يَتَعَدَّاه ثَوابُه.
وقال بعضُهم: إذا قُرِئ القُرْآنُ عندَ المَيِّتِ، أو أُهْدِىَ إليه ثَوابُه، كان الثَّوابُ لقارِئِه، ويَكُونُ المَيِّتُ كأنَّه حاضِرُها، فتُرْجَى له الرَّحْمَةُ. ولَنا، ما ذَكَرْناه، وأنَّه إجْماعُ المُسْلِمِين؛ فإنَّهم في كلِّ عَصْرٍ ومِصْرٍ يَجْتَمِعُون ويَقْرَءُون القُرْآنَ، ويُهْدُون ثَوابَه إلى مَوْتاهم مِن غيرِ نَكِيرٍ. ولأنَّ الحَدِيثَ صَحَّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهلِهِ عَلَيْهِ». واللهُ أكْرَمُ مِن أْن يُوصِلَ عُقُوبَةَ المَعْصِيَةِ إليه، ويَحْجُبَ عنه المَثُوبَةَ.
والآيةُ مَخْصُوصَةٌ بما سَلَّمُوه، فيُقاسُ عليه ما اخْتَلَفْنَا فيه؛ لكَوْنِه في مَعْناه. ولا حُجَّةَ لهم في الخَبَرِ الذى احْتَجُّوا به؛ لأنَّه إنَّمَا دَلَّ على انْقِطاعِ عَمَلِه، وليس هذا مِن عَمَلِه فلا دَلالَةَ فيه عليه،
ولو دَلَّ عليه كان مَخْصُوصًا بما سَلَّمُوه، فيَتَعَدَّى إلى ما مَنَعُوه، وما ذَكَرُوه مِن المَعْنَى غيرُ صَحِيحٍ،
فإنَّ تَعَدِّىَ الثَّوابِ ليس بفَرْعٍ لتَعَدِّى النَّفْعِ، ثم هو باطِلٌ بالصومِ والدُّعاءِ والحَجِّ، وليس له أصْلٌ يُعْتَبَرُ به. واللهُ أعلمُ. ٨١٤ -
(وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ) وَفِي الْمَقْبَرَةِ (فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، رَوَى أَنَسٌ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ فِيهَا (يس) خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِقَدْرِهِمْ حَسَنَاتٌ» وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، وَلِهَذَا رَجَعَ أَحْمَدُ عَنِ الْكَرَاهَةِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَصْلُهَا أَنَّهُ مَرَّ عَلَى ضَرِيرٍ يَقْرَأُ عِنْدَ قَبْرٍ، فَنَهَاهُ عَنْهَا، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي مُبَشِّرِ الْحَلَبِيِّ؛
قَالَ: ثِقَةٌ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي مُبَشِّرٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا،
وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ أَوْصَى بِذَلِكَ. فَقَالَ أَحْمَدُ عِنْدَ ذَلِكَ: ارْجِعْ فَقُلْ لِلرَّجُلِ يَقْرَأُ.
فَلِهَذَا قَالَ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ: الْمَذْهَبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ.
لَكِنْ قَالَ السَّامِرِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَعِنْدَ رِجْلِهِ بِخَاتِمَتِهَا.
وَالثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ، اخْتَارَهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الورَّاقُ، وَأَبُو حَفْصٍ؛ وَهِيَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ لَا يُقْرَأُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ بَيْتٍ يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» وَعَلَّلَهُ أَبُو الْوَفَاءِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا مَدْفَنُ النَّجَاسَةِ كَالْحَشِّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: شَدَّدَ أَحْمَدُ حَتَّى قَالَ: لَا تَقْرَأُ فِيهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَنَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِ: يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا يَقْرَأُ، واخْتَارَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَقْرَأُ إِلَّا عِنْدَ الْقَبْرِ،
وَعَنْهُ: إِنَّهَا بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَلَا فِعْلِ أَصْحَابِهِ [مَا يَنْفَعُ الْمَيِّتَ بَعْدَ مَوْتِهِ] (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا) مِنْ دُعَاءٍ، وَاسْتِغْفَارٍ، وَصَلَاةٍ، وَصَوْمٍ، وَحَجٍّ، وَقِرَاءَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَجَعَلَ ثَوَابَ ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، نَفَعَهُ ذَلِكَ) .
قَالَ أَحْمَدُ: الْمَيِّتُ يَصِلُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي كُلِّ مِصْرَ، وَيَقْرَءُونَ، وَيَهْدُونَ لِمَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَكَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، حَتَّى لَوْ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ الثَّوَابُ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
وَقَالَ الْأَكْثَرُ: لَا يَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ،
وَإِنَّ ذَلِكَ لِفَاعِلِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} وَ {لَهَا مَا كَسَبَتْ} وَبِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ ذَلِكَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى. قَالَ عِكْرِمَةُ: هَذَا فِي حَقِّهِمْ خَاصَّةً،
بِخِلَافِ شَرْعِنَا، بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، أَوْ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} أَوْ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْكَافِرِ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ مِنَ الْجَزَاءِ إِلَّا جَزَاءُ سَعْيِهِ، تَوَفَّاهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ، أَوْ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى عَدْلًا، وَلَهُ مَا سَعَى غَيْرُهُ فَضْلًا، أَوْ أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} وَعَنِ الثَّانِيَةِ: بِأَنَّهَا بَدَلُ الْمَفْهُومِ، وَمَنْطُوقُ السُّنَّةِ بِخِلَافِهِ، وَعَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي عَمَلِ غَيْرِهِ لَا عَمَلِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَفْتَقِرُ أَنْ يَنْوِيَهُ حَالَ الْقِرَاءَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَثَبْتَنِي عَلَى هَذَا، فَاجْعَلْهُ أَوْ مَا يُشَابِهُ لِفُلَانٍ،
وَقِيلَ: يَسِيرُ الثَّوَابِ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ لَهُ، وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ.
وَبَالَغَ الْقَاضِي فَقَالَ: إِذَا صَلَّى فَرْضًا، وَأَهْدَى ثَوَابَهُ صَحَّتِ الْهَدِيَّةُ، وَأَجْزَأَ فَاعِلَهُ، وَفِيهِ بُعْدٌ،
فَلَوْ أَهْدَى بَعْضَ الْقُرْبَةِ، فَنَقَلَ الْكَحَّالُ فِي الرَّجُلِ يَعْمَلُ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ مِنَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَيَجْعَلُ نِصْفَهُ لِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ قَالَ: أَرْجُو، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَكَلَامِ صَاحِبِ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ ثَوَابَ قُرْبَةٍ لِحَيٍّ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ،
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْحَيَّ كَالْمَيِّتِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ الْقَاضِي: لَا يُعْرَفُ رِوَايَةٌ بِالْفَرْقِ، بَلْ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ يَعُمُّ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إِنَّمَا ذَكَرَ الْمَيِّتَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَدِلَّةِ فِيهِ، وَحَاجَتُهُ إِلَى الثَّوَابِ أَكْثَرُ، وَأَنَّهُ إِذَا جَعَلَهَا لِغَيْرِ مُسْلِمٍ لَا يَنْفَعُهُ؛ وَهُوَ صَحِيحٌ لِنَصٍّ وَرَدَ فِيهِ.
[إِصْلَاحُ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ وَإِرْسَالِهِ لَهُمْ]
ولا تُكْرَهُ القراءَةُ على القَبْرِ، فى أصَحِّ الرِّوَايتَيْن. وهذا المذهبُ. قالَه فى «الفُروعِ» وغيرِه، ونصَّ عليه. قال الشَّارِحُ: هذا المشْهورُ عن أحمدَ. قال الخَلَّالُ، وصاحِبُه: المذهبُ رِوايةً واحدةً، لا تُكْرَهُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ، منهم القاضى. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . .
«الفُروعِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، تُكْرَهُ. اخْتارَها عَبْدُ الوَهَّابِ الوَرَّاقُ ، والشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ. قالَه فى «الفُروعِ». واخْتارَها أيضًا أبو حَفصٍ. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: نقَلها جماعةٌ، وهى قوْلُ جمهورِ السَّلَفِ، وعليها قُدَماءُ أصحابِه. وسَمَّى المَرُّوذِىَّ. انتهى.
قلتُ: قال كثيرٌ مِنَ الأصحابِ: رجَع الِإمامُ أحمدُ عن هذه الروايةِ؛ فقد روَى جماعةٌ عنِ الِإمامِ أحمدَ، أنَّه مَرَّ بضَريرٍ يقْرأُ عندَ قَبْرٍ، فَنَهاه.
وقال: القِراءةُ عندَ القَبْرِ بِدْعَةٌ. فقال محمدُ بنُ قُدامَةَ الجَوْهَرِىُّ: يا أبا عَبْدِ الله، ما تقولُ فى مُبَشِّرٍ الحَلَبِىِّ؟ فقال: ثِقَهٌ. فقال: حدَّثَنِى مُبَشِّرٌ وَأَىُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، نَفَعَهُ ذَلِكَ.
عن أبِيه، أنَّه أوْصى إذا دُفِنَ أنْ يُقْرَأَ عندَه بفاتحةِ البَقَرَةِ وخَاتِمَتِها.
وقال: سمِعْتُ ابنَ عمرَ يُوصِى بذلك. فقال الإِمامُ أحمدُ: ارْجِعْ فقلْ للرَّجُلِ يقْرأُ. فهذا يدُلُّ على رُجوعِه.
وعنه، لا يُكْرَهُ وَقْتَ دَفْنِه دُونَ غيرِه.
قال فى «الفائقِ»: وعنه، يُسَنُّ وقْتَ الدَّفْنِ. اخْتارَها عَبْدُ الوَهَّابِ الوَرَّاقُ وشيْخُنا.
وعنه، القِراءةُ على القَبْرِ بِدْعَةٌ؛ لأنَّها ليستْ مِن فِعْلِه عليه أفْضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، ولا من فِعْلِ أصحابِه.
فعلىْ القوْلِ بأنَّه لا يُكْرَهُ، فيُسْتَحَبُّ. على الصَّحيحِ. قال فى «الفائقِ»: تُسْتَحَبُّ القِراءةُ على القَبْرِ. نصَّ عليه أخِيرًا. قال ابنُ تَميمٍ: لا تُكْرَهُ القِراءةُ على القَبْرِ، بل تُسْتَحَبُّ. نصَّ عليه.
وقيلَ: تُباحُ. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: وتُباحُ القِراءةُ على القَبْرِ. نصَّ عليه. وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِيَيْن». قال فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزينٍ»: لا بأْسَ بالقِراءةِ عندَ القَبْرِ. وأطْلقَهما فى «الفُروعِ». وأىُّ قُرْبَةٍ فعَلها وجعَلها للْميِّتِ المُسْلِمِ، نفَعَه ذلك. وهو المذهبُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
مُطْلَقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وقال القاضى فى «المُجَرَّدِ»: مَن حَجَّ نَفْلًا عن غيرِه، وقع عن مَن حَجَّ لعدَمِ إذْنِه.
فائدة: نقَل المَرُّوذِىُّ، إذا دَخَلْتُم المَقابِرَ فاقْرأُوا آيَةَ الكُرْسِىِّ وثَلاثَ مَرَّاتٍ:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. ثم قولُوا: اللَّهُمَّ إنَّ فضْلَه لأهْلِ المَقابرِ، يعْنِى، ثَوابَه.
وقال القاضى: لابُدَّ مِن قوْلِه: اللَّهُمَّ إنْ كنتَ أثَبْتَنِى على هذا، فقد جعَلْتُ ثَوابَه، أو ما تَشاءُ منه، لفُلانٍ. لأنَّه قد يتخَلَّفُ فلا يتَحكَّمُ على اللهِ.
وقال المَجْدُ: مَنْ سأَلَ الثَّوابَ ثم أهْداه، كَقْولِه: اللَّهُمْ أثِبْنِى على عَمَلِى هذا أحْسَنَ الثَّوابِ، واجْعَلْه لفُلانٍ. كان أحْسَنَ، ولا يَضُرُّ كوْنُه مجْهولًا؛ لأنَّ اللهَ يعْلَمُه.
وقيل: يُعْتَبرُ أنْ ينْوِيَه بذلك وقتَ فِعْلِ القُرْبَةِ.
وقال الحَلْوَانِىُّ فى «التَّبْصِرَةِ»: يُعْتَبَرُ أنْ ينْوِيَه بذلك قبلَ فِعْلِ القُرْبَةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «مُفْرَداتِه»: يُشْتَرَطُ أنْ تتقَدَّمَه نِيَّةُ ذلك أو تُقارِنَه.
قال فى «الفُروعِ»: فإنْ أرادُوا أنَّه يُشْتَرَطُ للإهْداءِ ونقْلِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّوابِ، أنْ ينْوِىَ المَيِّتَ به ابْتِداءً، كما فهِمَه بعضُ المُتأخِّرِين وبعْدَه، فهو، مع مُخالَفَتِه لعُمومِ كلامِ الِإمامِ أحمدَ والأصحابِ، لا وَجْهَ له فى أثَرٍ له ولا نَظَرٍ.
وإن أرادُوا أنَّه يصحُّ أنْ تَقَعَ القُرْبَةُ عنِ المَيِّتِ ابْتداءً بالنِّيَّةِ له، فهذا مُتَّجَهٌ. ولهذا قال ابنُ الجَوْزِىِّ: ثَوابُ القُرآنِ يصِلُ إلى المَيِّتِ إذا نَواه قبلَ الفِعْلِ، ولم يُعْتَبَرِ الِإهْداءُ. فظاهِرُه عَدَمُه. وهو ظاهِرُ ما سبَق فى «التَّبْصِرَةِ».
وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُنونِ»: قال حَنْبَلٌ: يُشْتَرَطُ تقْديمُ النِّيَّةِ؛ لأنَّ ما تدْخلُه النِّيابَةُ مِنَ الأعْمالِ لا يحْصُلُ للمُسْتَنِيبِ إلَّا بالنِّيَّةِ مِنَ النَّائب قبلَ الفَراغِ.
تنبيه: قوْلُه: وأىُّ قُرْبَةٍ فعَلَها، وجَعَلَها للمَيِّتِ المُسْلِمِ، نفَعَه ذلك.
وكذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لو أهْدَى بعضَه، كنِصْفِه، أو ثُلُثِه، ونحو ذلك. كما تقَدَّم عنِ القاضى وغيرِه.
وهذه قد يُعايَى بها، فيقالُ: أيْنَ لَنا موْضِعٌ تصِحُّ فيه الهَدِيَّةُ، مع جَهالَةِ المُهْدِى لها؟ ذكَرَها فى «النُّكَتِ». وتقدَّم فى أوَاخرِ بابِ الجُمُعَةِ، كراهةُ إيثارِ الِإنْسانِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالمَكانِ الفاضِلِ، وهو إيثارٌ بفَضِيلَةٍ، فيَحْتاجُ إلى الفرقِ بينَه وبينَ إهْداءِ القُرَبِ.
تنبيه: شَمِلَ قوْلُه: وأىُّ قُرْبَةٍ فعَلها. الدُّعاءَ والاسْتِغْفارَ، والواجِبَ الذى تدْخُلُه النِّيابَةُ، وصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، والعِتْقَ، وحَجَّ التَّطَوُّعِ،
فإذا فَعَلها المُسْلِمُ وجعَل ثَوابَها للمَيِّتِ المُسْلمِ، نفَعه ذلك إجْماعًا.
وكذا تصِلُ إليه القِراءةُ والصَّلاةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصِّيامُ.
فائدتان؛ إحْدَاهما، قال المَجْدُ: يُسْتَحَبُّ إهْداءُ القُرَبِ للنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -. قال فى «الفُنونِ»: يُسْتَحَبُّ إهْداءُ القُرَبِ، حتى للنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -. ومنَع مِن ذلك الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ؛ فلم يَرَه لمَن له ثَوابٌ بسَبَبِ ذلك، كأجْرِ العاملِ، كالنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ومُعَلَّمِ الخَيْر،
بخِلافِ الوالدِ، فإنَّ له أجْرًا كأجْرِ الوَلَدِ. الثَّانيةُ، الحَىُّ فى كلِّ ما تقدَّم كالمَيِّتِ فى نَفْعِه بالدُّعاءِ ونحوِه.
وكذا القِراءةُ ونحوُها. قال ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلَحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ.
القاضى: لا تُعْرَفُ رِوايَةٌ بالفَرْقِ بينَ الحَىِّ والمَيِّتِ. قال المَجْدُ: هذا أصحُّ. قال فى «الفائقِ»: هذا أظْهَرُ الوَجْهَيْن. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقيل: لا ينْتَفِعُ بذلك الحَىُّ. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. وأطْلَقَهما ابنُ تَميمٍ، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». وجزَم المُصَنِّفُ وغيرُه، فى حَجِّ النَّفْلِ عنِ الحَىِّ، لا ينْفَعُه. ولم يَسْتَدِلَّ له.
وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «المُفْرَداتِ»: القِراءةُ ونحوُها لا تصِلُ إلى الحَىِّ.
قال: (ولا تكره القراءة على القبر في أصح الروايتين) .
أما كون ما ذُكر لا يكره في الصحيح فلما روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من دخل المقابر فقرأ فيها سورة يس خُفف عنهم يومئذ وكان له بعددهم حسنات».
وروت عائشة رضي الله عنها عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عندهما أو عنده سورة يس غفر لهما» رواهما أبو بكر صاحب الخلال.
وأما كونه يكره في روايةٍ؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تجعلوا بيوتكم مقابر لا يقرأ فيها شيئاً من القرآن. فإن الشيطان يفر من بيت يقرأ فيه سورة البقرة».
فلو كانت المقبرة يقرأ فيها القرآن لم يكن بينهما فرق.
قال: (وأي قربة فعلها وجعلها للميت المسلم: نفعه ذلك) .
أما كون كل قربة فعلها الإنسان؛ من دعاء واستغفار وأداء واجب وصدقة وصلاة وصوم وحج وقراءة ونحو ذلك وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك:
أما الدعاء والاستغفار وأداء الواجب؛ فبالإجماع وقد قال الله تعالى:{والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}.
وقال تعالى:{واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}.
ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة .
وأما الصدقة؛ فلأن سعد بن عبادة قال للنبي صلى الله عليه وسلم:«أينفع أمي إن تصدقت عنها؟ قال: نعم» رواه أبو داود.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة. وأن هشام بن العاص نحر حصته من ذلك خمسين. أفتجزئ عنه؟ فقال: إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصُمت عنه أو تصدقت بلغه ذلك».
وعن أنس بن مالك «سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نتصدق عن موتانا ونحج فهل يصل إليهم ذلك؟ فقال: إنه ليصل إليهم ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه».
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كان لي أبوان. كنت أبرهما في حياتهما. فكيف لي أن أبرهما بعد موتهما؟ فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك. وأن تصوم لهما مع صومك. وأن تتصدق لهما مع صدقتك» .
وأما الصلاة فلأنها مذكورة في حديث الرجل.
وأما الصوم فلأنه مذكور في حديث عمرو وأنس والرجل.
وأما الحج فلأنه مذكور في حديث أنس.
ولأن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : «إن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال: أرأيت إن كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى».
وأما قراءة القرآن؛ فلما تقدم من أنها لا تكره على القبر.
ولأنها قربة أشبهت سائر القرب.
وأما نحو ذلك؛ فبالقياس على ما تقدم.
فإن قيل: قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} تنفي ما ذُكر لأنه ليس من سعيه. وقوله تعالى:{لها ما كسبت} كذلك لأنه ليس من كسبه. وقوله صلى الله عليه وسلم:«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، وعلمٍ ينتفع به، وولدٍ صالح يدعو له» كذلك؛ لأنه ليس أحد الأمور الثلاثة؟
قيل: أما الأول فالجواب عنه من وجوه:
أحدها: أن ذلك في صحف إبراهيم وموسى.
ولذلك قال عكرمة: هذا في حقهم خاصة
بخلاف شرعنا. واستدل على ذلك بحديث الخثعمية . وثانيها: أنها منسوخة بقوله تعالى: {والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء}. روى ذلك ابن عباس.
وثالثها: أنه مختص بالكافر أي ليس له من الجزاء إلا جزاء سعيه يُوفّاه في الدنيا وماله في الآخرة من نصيب. ذكره الثعلبي في تفسيره.
ورابعها: أن معنى {ليس للإنسان إلا ما سعى} عدلاً. وله ما سعى وسعى غيره وصلاً.
وخامسها: أن اللام بمعنى على. ونحوه قوله تعالى:{أولئك لهم اللعنة} أي عليهم. وقوله تعالى:{ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} أي على من لم يكن أهل.
وأما الثاني وهو قوله:{لها ما كسبت} فإنما تدل على نفي ما تقدم بالمفهوم. وما تقدم من الأدلة منطوق. والمنطوق راجح على المفهوم.
على أن فعل القربة من الغير لا يخلو من نوع كسب ولو مودة الإسلام.
وأما الثالث: وهو قوله: «انقطع عمله» فالكلام في عمل غيره لا في عمله.
وأما قول المصنف رحمه الله: وجعل ثوابها للميت المسلم؛
فمشعر بأمرين:
أحدهما: أنه إذا جعلها للحي لا ينفعه ذلك. ووجهه: أن العجز في الحج ونحوه مصحح للنيابة فليكن ما ذكر كذلك.
وقال صاحب النهاية فيها: المنقول عن أحمد أنه لا فرق بين الحي والميت؛ لأن المعنى فيهما واحد.
ولعل المصنف رحمه الله إنما ذكر الميت؛ لأن أكثر الأدلة المتقدمة فيه.
ولأن حاجته إلى الثواب أكثر من الحي
لا أن ذلك شرطٌ فيه. وثانيهما: أنه إذا جعلها لغير المسلم لا تنفعه. وهو صحيح. وقد تقدم ذلك في حديث عمرو من قوله صلى الله عليه وسلم:«إن أباك لو كان أقر بالتوحيد بلغه ذلك».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.