ومؤخر
الشروح عليها
(و) لَا يَجُوزُ صَرْفُ (مُؤَخَّرٍ وَلَوْ) كَانَ التَّأْخِيرُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ صَرْفُ مُؤَخَّرٍ) أَيْ لِوُجُودِ رِبَا النَّسَاءِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَرِيبًا) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ التَّأْخِيرُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا بَعِيدًا مَعَ تَفَرُّقِ الْأَبَدَانِ بَلْ وَلَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ تَفَرُّقِ الْأَبَدَانِ قَرِيبًا هَذَا إذَا كَانَ التَّأْخِيرُ الْبَعِيدُ أَوْ الْقَرِيبُ اخْتِيَارًا بَلْ وَلَوْ كَانَ غَلَبَةً وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَنْعِ التَّأْخِيرِ الْقَرِيبِ مَعَ الْمُفَارَقَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُهُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِلَوْ مَذْهَبُ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ جَوَازِ التَّأْخِيرِ الْقَرِيبِ مَعَ تَفَرُّقِ الْأَبَدَانِ اخْتِيَارًا
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَبِمُؤَخَّرٍ، وَلَوْ قَرِيبًا) ش: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا دِينَارٌ أَيْ فَبِسَبَبِ حُرْمَةِ رِبَا الْفَضْلِ حُرِّمَ مَا تَقَدَّمَ، وَبِسَبَبِ حُرْمَةِ رِبَا النَّسَا حُرِّمَ مَا تَأَخَّرَ فِيهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُفَارَقَةُ تَمْنَعُ الْمُنَاجَزَةَ،
وَقِيلَ إلَّا الْقَرِيبَةَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فِي الَّذِي يَصْرِفُ دِينَارًا مِنْ صَيْرَفِيٍّ فَيُدْخِلُهُ تَابُوتَهُ ثُمَّ يُخْرِجُ الدَّرَاهِمَ لَا يُعْجِبُنِي،
وَإِذَا قَالَ هَذَا فِي التَّأْخِيرِ الْيَسِيرِ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهِ قَوْلُهُ
وَقِيلَ إلَّا الْقَرِيبَةُ لَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا كَانَتْ الْمُفَارَقَةُ الْقَرِيبَةُ بِسَبَبٍ يَعُودُ بِإِصْلَاحٍ عَلَى الْعَقْدِ كَمَا لَوْ فَارَقَ الْحَانُوتَ وَالْحَانُوتَيْنِ لِتَقْلِيبِ مَا أَخَذَهُ أَوْ زِنَتِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَحَمَلَهُ الْمُصَنِّفُ كَاللَّخْمِيِّ عَلَى الْخِلَافِ، وَتَأَوَّلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَلَى الْوِفَاقِ فَقَالَ: وَقَدْ قِيلَ إنَّ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي خِلَافًا؛ لِأَنَّهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ عَقْدِ التَّعَارُفِ وَقَبْلَ التَّقَابُضِ مِنْ مَجْلِسٍ وَلَا ضَرُورَة تَدْعُو إلَى ذَلِكَ وَمَسْأَلَةُ إنَّمَا قَامَا فِيهَا بَعْدَ التَّقَابُضِ لِلضَّرُورَةِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ،
وَمِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَهِيَ إدْخَالُ الصَّيْرَفِيِّ الدِّينَارَ تَابُوتَه قَبْلَ أَنْ؛ يُخْرِجَ الدَّرَاهِمَ مَمْنُوعَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَةٌ، وَلَفْظُ التَّهْذِيبِ، وَأَكْرَهُ لِلصَّيْرَفِيِّ أَنْ يُدْخِلَ الدِّينَارَ تَابُوتَهُ أَوْ يَخْلِطَهُ ثُمَّ يُخْرِجَ الدَّرَاهِمَ، وَلَكِنْ يَدَعُهُ حَتَّى يَزِنَ دَرَاهِمَهُ فَيَأْخُذَ، وَيُعْطِيَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا وَبِهَا اسْتَشْهَدَ اللَّخْمِيُّ بِكَرَاهَةِ التَّأْخِيرِ الْيَسِيرِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ مُحَمَّد: وَلْيَرُدَّ دِينَارَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَتَنَاجَزَا، وَكُلُّ هَذَا حِمَايَةٌ، وَلَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّرْفُ،
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَقْدُ الصَّرْفِ عَلَى مَرْئِيٍّ كَمَالٍ، وَعَلَى حَاضِرِ غَيْرِهِ جَائِزٍ انْتَهَى،
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ كُرِهَ أَنْ يَقْبِضَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِوَضَ صَاحِبِهِ، وَيَحُوزَهُ ثُمَّ يَتَرَاخَى إقْبَاضُهُ إيَّاهُ الْعِوَضَ الثَّانِي إلَّا أَنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ بِفَوْرِهِمَا لَا يُفْسِدُ النَّقْدَ كَمَا لَوْ وَضَعَهُ فِي صُنْدُوقٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا أَوْ كَأَنَّهُمَا فِي حَالَةِ الْعَقْدِ،
وَفِي عَمَلِهِ، وَهَكَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ إنَّ ذَلِكَ إنْ وَقَعَ لَا يُفْسِدُ الصَّرْفَ قَالَ، وَلْيَرُدَّ دِينَارَهُ إلَيْهِ ثُمَّ يَتَنَاجَزَاهُ قَالَ: لَكِنْ هُوَ مَكْرُوهٌ لِمُضَارَعَةِ مَعِيبٍ مَا حَضَرُوهُ، وَشَرْطٍ فِي الْعَقْدِ انْتَهَى. بَلْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ،
وَفِي غَيْبَةِ النَّقْدِ الْمَشْهُورُ الْمَنْعُ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْكَرَاهَةُ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا حَمَلَهَا عَلَى الْمَنْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) : ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الْقِيَامَ إلَى الْحَانُوتِ أَوْ الْحَانُوتَيْنِ لِلْوَزْنِ وَالتَّقْلِيبِ مَمْنُوعٌ عَلَى الْمَشْهُورِ،
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّقَابُضِ عَلَى تَأْوِيلِ اللَّخْمِيِّ خِلَافًا لِمَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْعِ
أَمَّا اللَّخْمِيُّ فَإِنَّهُ حَكَى فِي التَّأْخِيرِ الْيَسِيرِ قَوْلَيْنِ بِالتَّخْفِيفِ وَالْكَرَاهَةِ، وَعَزَا الْأَوَّلَ لِلْمُوَازِيَةِ وَالثَّانِي لِلْمُدَوَّنَةِ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَنَصُّ كَلَامِهِ،
وَإِنْ طَالَ مَا بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْمُنَاجَزَةِ بَيْنَ الْمُتَصَارِفَيْنِ
إمَّا لِغَيْبَةِ النَّقْدَيْنِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَقَصْدِ التَّأْخِيرِ مَعَ بَقَاءِ الْمَسْجِدِ أَوْ افْتَرَقَا أَوْ قَامَا جَمِيعًا إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِ الَّذِي عَقَدَا فِيهِ الصَّرْفَ فَسَدَ مَتَى وَقَعَ الطُّولُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ التَّأْخِيرُ يَسِيرًا، وَلَمْ يَطُلْ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ مَرَّةً، وَاسْتَخَفَّهُ أُخْرَى فَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ صَرَفَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ فَقَالَ: أَذْهَبُ بِهَا إلَى الصَّرَّافِ فَأَرَى، وَأَزِنُ قَالَ
أَمَّا الشَّيْءُ الْخَفِيفُ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ قَالَ: وَقَدْ يُشْبِهُ مَا إذَا قَامَا إلَيْهِ جَمِيعًا فَأَجَازَ الْقِيَامَ وَالِافْتِرَاقَ عَنْ الْمَجْلِسِ إذَا كَانَ يَسِيرًا، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى مَا هُوَ غَائِبٌ عَنْهُمَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْقُرْبِ إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ،
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فِي الَّذِي يَصْرِفُ دِينَارًا مِنْ صَرَّافٍ فَيَزِنُهُ، وَيُدْخِلُهُ تَابُوتَهُ لَا يُعْجِبُنِي، وَلْيَتْرُكْ الدِّينَارَ عَلَى حَالِهِ حَتَّى يُخْرِجَ دَرَاهِمَهُ فَيَزِنَهَا ثُمَّ يَأْخُذَ الدِّينَارَ، وَيُعْطِيَ الدَّرَاهِمَ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلْيَرُدَّ دِينَارَهُ إلَيْهِ ثُمَّ يَتَنَاجَزَانِ، وَهَذَا كُلُّهُ حِمَايَةٌ،
وَلَا يَفْسُدُ بِهِ صَرْفٌ انْتَهَى وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ: وَفِي يَسِيرِ التَّأْخِيرِ طُرُقٌ اللَّخْمِيُّ فِي خِفَّتِهِ، وَكَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدٍ مَنْ صَرَفَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ،
وَقَالَ أَذْهَبُ إلَى الصَّرَّافِ لِيَرَى، وَيَزِنَ لَا بَأْسَ بِمَا قَرُبَ مِنْهُ وَقَوْلُهُ فِيهَا أَكْرَهُ أَنْ يُدْخِلَ الدِّينَارَ تَابُوتَه أَوْ يَخْلِطَهُ ثُمَّ يُخْرِجَ الدَّرَاهِمَ بَلْ يَدَعَهُ حَتَّى يَزِنَ فَيَأْخُذَ، وَيُعْطِيَ
ثُمَّ ذَكَرَ طَرِيقَةً غَيْرَهُ لَكِنَّهُ عَزَا الْمَسْأَلَةَ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَيْسَتْ فِيهِ إنَّمَا هِيَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَنَصُّهَا فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَصْرِفُ مِنْ الصَّرَّافِ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ، وَيَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ بِهَا فَزِنْهَا عِنْدَ هَذَا الصَّرَّافِ، وَأَرِهِ وُجُوهَهَا،
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ فَقَالَ: أَمَّا الشَّيْءُ الْقَرِيبُ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، وَهُوَ يُشْبِهُ عِنْدِي مَا لَوْ قَامَا إلَيْهِ جَمِيعًا فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ فَقِيلَ لِمَالِكٍ لَعَلَّهُ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ الصَّرْفُ بَيْنَهُمَا أُصَارِفُك عَلَى أَنْ أَذْهَبَ بِهَا إلَى هَذَا فَيَزِنَهَا وَيَنْظُرَ إلَيْهَا فِيمَا بَيْنِي، وَبَيْنَكَ قَالَ هَذَا قَرِيبٌ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ لَا بَأْسَ بِهِ، ابْنُ رُشْدٍ اسْتَخَفَّ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إذْ غَالِبُ النَّاسِ لَا يُمَيِّزُونَ النُّقُودَ؛
وَلِأَنَّ التَّقَابُضَ قَدْ حَصَلَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُونَا بِفِعْلِهِمَا هَذَا مُخَالِفَيْنِ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمِقْدَارُ لَا يُسَامَحُ فِيهِ فِي الصَّرْفِ لَوَقَعَ النَّاسُ بِذَلِكَ فِي حَرَجٍ شَدِيدٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ،
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَهُوَ يُشْبِهُ عِنْدِي أَنْ لَوْ قَامَا إلَيْهِ جَمِيعًا فَلَا شَكَّ أَنَّ قِيَامَهُمَا إلَيْهِ جَمِيعًا بَعْدَ التَّقَابُضِ أَحَبُّ مِنْ قِيَامِ أَحَدِهِمَا إلَيْهِ وَحْدَهُ،
وَقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ هَذَا مُخَالِفٌ لِكَرَاهَتِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يَتَصَارَفَا فِي مَجْلِسٍ، ثُمَّ يَقُومَانِ فَيَزِنَانِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ وَلَيْسَ عِنْدِي هَذَا خِلَافًا لَهُ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ
فَأَمَّا بَعْدَ عَقْدِ التَّصَارُفِ، وَقَبْلَ التَّقَابُضِ مِنْ مَجْلِسٍ إلَى مَجْلِسٍ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إنَّمَا قَامَا فِيهَا بَعْدَ التَّقَابُضِ لِلضَّرُورَةِ الْمَاسَةِ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
فَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فَلَيْسَ فِيهِ إجَازَةُ التَّأْخِيرِ الْقَرِيبِ، بَلْ لَا بُدَّ عِنْدَهُ مِنْ التَّقَابُضِ، وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا ابْنُ رُشْدٍ هِيَ قَوْلُهَا، وَأَكْرَهُ أَنْ يُصَارِفَهُ فِي مَجْلِسٍ، وَيُنَاقِدَهُ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْكَرَاهَةُ هُنَا عَلَى الْمَنْعِ،
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: فِي شَرْحِهَا لِلْمَسْأَلَةِ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَعْقِدَ مَعَهُ الصَّرْفَ، وَيُرِيَهُ الذَّهَبَ فَيَقُولَ: أَذْهَبُ لِأُرِيَهُ وَأَزِنَهُ فَهُوَ الَّذِي، وَقَعَ فِيهِ الْكَرَاهَةُ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْقَوْلُ وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَزِنَ لَهُ الذَّهَبَ وَيَتَقَابَضَا جَمِيعًا، ثُمَّ يَبْقَى فِي نَفْسِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ فَيَقُولُ: أَذْهَبُ لِأَسْتَعِيرَهُ فَهَذَا لَا يَضُرُّ الصَّرْفَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ شَرْطُهُ الَّذِي هُوَ الْقَبْضُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ لِأَسْتَعِيرَهُ مَعْنَاهُ أَزِنُهُ مِنْ الْعِيَارِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ إذَا تَقَابَضَا الْعِوَضَيْنِ ثُمَّ قَامَا مَعًا أَوْ قَامَ أَحَدُهُمَا إلَى الْحَانُوتِ، وَالْحَانُوتَيْنِ لِلْوَزْنِ وَالتَّقْلِيبِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّرْفُ،
وَإِذَا وَجَدَ فِيهِ مَا يَسْتَحِقُّ الْبَدَلَ أَبْدَلَهُ، وَلَا يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ الصَّرْفُ كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ فِي الطِّرَازِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَعِيرَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَإِنْ وَجَدَهُ نَاقِصًا، وَمَعَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ تُفَارِقْهُ أَوْ صَدَّقَهُ رَبُّهُ فَلَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ،
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ إنَّمَا يَعْنِي بِهِ إذَا اطَّلَعَ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَ الطُّولِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الثَّالِثُ: إنْكَارُهُ فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلَ الثَّانِي الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ تَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَاعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ فِي حِكَايَتِهِ، وَنَصُّهُ وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ إنَّ الْمُفَارَقَةَ قَبْلَ التَّقَابُضِ إنْ بَعُدَتْ اخْتِيَارًا بَطَلَتْ
وَكَذَا طُولُ الْمَجْلِسِ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا وَإِنْ قَرُبَتْ فَالْمَشْهُورُ الْإِبْطَالُ، وَالتَّصْحِيحُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُفَارَقَةُ اخْتِيَارًا تَمْنَعُ الْمُنَاجَزَةَ،
وَقِيلَ إلَّا الْقَرِيبَةُ يَقْتَضِي وُجُودَ الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ فِي قَرِيبِ مُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ قَبْلَ مُطْلَقِ الْقَبْضِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ تَمَامِ الصَّرْفِ، وَلَا أَعْرِفُهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ يُرِيدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ،
وَقَالَ قَبْلَهُ، وَقَوْلُ سَنَدٍ أَبَاحَ مَالِكٌ الْقِيَامَ مِنْ الْمَجْلِسِ لِلْقَبْضِ مِمَّا هُوَ فِي حُكْمِ الْمَجْلِسِ لَا أَعْرِفهُ قُلْت، وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ الْمُفَارَقَةُ هَلْ مَعْنَاهُ مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ أَوْ مُفَارَقَةُ الْمَجْلِسِ الَّذِي عَقَدَا فِيهِ الصَّرْفَ؟ أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ؟ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ الْمَوَّازِيَّةِ جَوَازَ ذَلِكَ
وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بَلْ كَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ
قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ تَسَلُّفِ أَحَدِهِمَا إنْ كَانَ قَرِيبًا، وَلَا يَقُومَانِ إلَى مَوْضِعٍ يَزِنُهَا فِيهِ، وَيَتَنَاقَدَانِ فِي مَجْلِسٍ سِوَى الْمَجْلِسِ الَّذِي تَصَارَفَا فِيهِ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي تَعْيِينَ مَجْلِسِ الصَّرْفِ.
وَلَا يَجُوزُ مُفَارَقَتُهُ قَبْلَ التَّقَابُضِ، وَيُخْتَلَفُ فِيمَا قَرُبَ
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْعُتْبِيَّةِ، وَالْمَوَّازِيَّةِ ثُمَّ قَالَ: فَأَجَازَ الْقِيَامَ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ إلَى غَيْرِهِ قَالَ الْبَاجِيُّ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَا لِقُرْبِهِمَا فِي حُكْمِ الْمُتَجَالِسَيْنِ
فَأَمَّا إنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ حَتَّى يُرَى أَنَّهُ افْتِرَاقٌ مِنْ الْمُتَصَارِفَيْنِ فَلَا يَجُوزُ، وَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ،
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا بَأْسَ أَنْ يَصْطَحِبَا مِنْ مَحِلِّهِمَا إلَى غَيْرِهِ لِيُوَفِّيَهُ: لِأَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْقِيَاسُ يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ، وَرَدِّهِ مَتَى وَقَعَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ حَيْثُ شُرِطَ أَنْ لَا يَتَنَاقَدَا فِي مَجْلِسٍ غَيْرِ الْمَجْلِسِ الَّذِي تَصَارَفَا فِيهِ وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ يُغْتَفَرَ فِي ذَلِكَ مَا قَرُبَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ فِي اعْتِبَارِ الْوَزْنِ، وَانْتِقَادِ الْعَيْنِ مَعَ أَنَّ الْقُرْبَ فِي حُكْمِ الْفَوْرِ، وَسَوَّى مَالِكٌ فِي الِاسْتِحْسَانِ بَيْنَ أَنْ يَذْهَبَا جَمِيعًا أَوْ يَذْهَبَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ
قَالَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ إذَا عَقَدَهُ ثُمَّ مَضَى مَعَهُ إلَى الصَّيَارِفَةِ مَا نَصُّهُ: إذَا تَصَارَفَا فِي مَجْلِسٍ، وَتَقَابَضَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ فَالْمَشْهُورُ مَنْعُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ،
وَقِيلَ يَجُوزُ فِيمَا قَرُبَ انْتَهَى.
الرَّابِعُ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمُؤَخَّرٍ،
وَلَوْ قَرِيبًا مَعْنَاهُ يَحْرُمُ الصَّرْفُ الْمُؤَخَّرُ قَبْضُ عِوَضَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَنْ مَحِلِّ الْعَقْدِ،
وَلَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ قَرِيبًا، وَيَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ مَا إذَا تَرَاخَى الْقَبْضُ عَنْ الْعَقْدِ، وَهُمَا بِالْمَجْلِسِ تَرَاخِيًا طَوِيلًا،
وَأَمَّا إذَا كَانَ يَسِيرًا، فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كُرِهَ لِلصَّيْرَفِيِّ إدْخَالُ الدِّينَارِ تَابُوتَه قَبْلَ إخْرَاجِهِ الدَّرَاهِمَ،
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كُرِهَ لِمَنْ ابْتَاعَ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِدِينَارٍ فَوَزَنَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَنْ يَزِنَ أَلْفًا أُخْرَى قَبْلَ فَرَاغِ دَنَانِيرِهِ الْأُولَى ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي بَابِ الْمُنَاجَزَةِ فِي الصَّرْفِ أَنْ لَا يَجُوزُ لِمَنْ بَاعَ طَعَامًا بِطَعَامٍ أَنْ يَتَشَاغَلَا بِبَيْعٍ آخَرَ حَتَّى يَتَنَاجَزَا؛ لِأَنَّهُ كَالصَّرْفِ فَإِنْ تَشَاغَلَا بِبَيْعٍ آخَرَ، وَلَمْ يَطُلْ كَانَ مَكْرُوهًا،
وَإِنْ طَالَ كَانَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ فَاسِدًا قَالَ
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الرَّدِّ فِي الدِّرْهَمِ، وَقَبِلَهُ شَارِحُهُ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ صَرْفٌ،
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى اخْتِصَارِ ابْنِ يُونُسَ: فِيمَنْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ كَثِيرَ الْفِضَّةِ نَصْلُهُ تَبَعٌ لِفِضَّتِهِ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ فَقَبَضَهُ ثُمَّ بَاعَهُ مَكَانَهُ مِنْ رَجُلٍ إلَى جَنْبِهِ قَبْلَ النَّقْدِ ثُمَّ نَقَدَ الثَّمَنَ مَكَانَهُ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبِيعَ السَّيْفَ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ، وَنَقَدَهُ مَكَانَهُ لَمْ يُنْقَضْ الْبَيْعُ، وَرَأَيْته جَائِزًا
وَأَمَّا إنْ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ السَّيْفَ، وَفَارَقَ الْبَائِعَ قَبْلَ أَنْ يُنْقَدَهُ الثَّمَنَ فَسَدَ الْبَيْعُ،
ثُمَّ إنْ بَاعَهُ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَيَضْمَنُ الْمُبْتَاعُ الْأَوَّلُ لِبَائِعِهِ قِيمَةَ السَّيْفِ مِنْ الذَّهَبِ يَوْمَ قَبْضِهِ كَبَيْعِ فَاسِدٍ فَاتَ بِالْبَيْعِ،
وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ثَمَنٌ وَمُثْمَنٌ فَالثَّمَنُ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مُثَمَّنَاتٌ فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى دَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ أَوْ عَلَى دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ،
وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَا أَدْفَعُ حَتَّى أَقْبِضَ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى أَحَدِهِمَا وُجُوبُ التَّسْلِيمِ قَبْلَ الْآخَرِ،
وَقِيلَ لَهُمَا إنْ تَرَاخَى قَبْضُهُمَا عَنْ الْعَقْدِ انْفَسَخَ الصَّرْفُ فَإِنْ كَانَا بِحَضْرَةِ حَاكِمٍ فَفِي الدَّنَانِيرِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ يُوَكِّلُ مَنْ يَحْفَظُ عَلَّاقَةَ الْمِيزَانِ، وَيَأْمُرُ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَ صَاحِبِهِ مِنْ الْكِفَّةِ الَّتِي هُوَ بِهَا،
وَفِي الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ يُوَكِّلُ عَدْلًا يَقْبِضُ مِنْهُمَا، وَيُسَلِّمُ لَهُمَا جَمِيعًا مَعًا فَيَقْبِضُ مِنْ هَذَا فِي وَقْتِ قَبْضِ هَذَا،
وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُثَمَّنَاتِ كَعَرَضٍ بِعَرَضٍ، وَتَشَاحَّا فِي الْإِقْبَاضِ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ إلَّا أَنَّ الْعَقْدَ لَا يُفْسَخُ بِتَرَاخِي الْقَبْضِ عَنْهُ، وَلَا بِافْتِرَاقِهِمَا مِنْ مَجْلِسِهِ،
وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُثَمَّنَاتِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَثْمَانِ وَمِنْهُ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ أَوَّلًا ثُمَّ قَالَ: إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ يَنْبَغِي إنْ كَانَ الصَّرْفُ فِي ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ أَنْ لَا يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي الْمُثَمَّنَ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ بَيْعٌ وَقَبْضَهُ كَقَبْضِهِ، وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ الصَّرْفُ بِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ حَقٌّ لِلشَّرْعِ فَانْقَبَضَ فِيهِ الْمُثَمَّنُ قَبْلَ الثَّمَنِ لَمْ يَضُرَّ الْعَقْدَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِاشْتِرَاطِ الْقَبْضِ الْمُنَاجَزَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ
أَمَّا إذَا تَسَلَّمَ السَّيْفَ مُبْتَاعُهُ فَبَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ ثَمَنَهُ لَمْ يَجُزْ الصَّرْفُ قَالَ الْبَاجِيُّ: وَكَذَلِكَ إذَا قَبَضَ أَحَدُ الْمُتَصَارِفَيْنِ فَإِنْ كَانَ بِالْفَوْرِ، وَنَقَدَ ثَمَنَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ مُبْتَاعُ السَّيْفِ بِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمُرَاعَى فِي الصَّرْفِ الْقَبْضُ قَبْلَ تَفَرُّقِ الْمُتَصَارِفَيْنِ وَقَبْلَ غَيْبَةِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ،
وَإِنْ ذَهَبَ بِالسَّيْفِ مُبْتَاعُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ بَائِعَهُ ثَمَنَهُ لَمْ يَجُزْ الصَّرْفُ قَالَ الْبَاجِيُّ: وَكَذَلِكَ إذَا قَبَضَ أَحَدُ الْمُتَصَارِفَيْنِ الدَّنَانِيرَ فَأَنْفَذَهَا إلَى بَيْتِهِ ثُمَّ دَفَعَ الدَّرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ ثُمَّ
قَالَ: وَلَوْ بَاعَ السَّيْفَ مُبْتَاعُهُ، وَهُوَ بِيَدِ بَائِعِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ نَقَدَ ثَمَنَهُ، وَتَسَلَّمَهُ مِنْ بَائِعِهِ ثُمَّ سَلَّمَهُ جَازَ
قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَهُوَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ إنْ صَرَفْتَ دَرَاهِمَ ثُمَّ بِعْتَهَا فِي مَقَامِكِ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ إنْ قَبَضْتَهَا أَنْتَ فَدَفَعْتَهَا إلَى مُبْتَاعِهَا مِنْكَ،
وَإِنْ أَمَرْتَ الصَّرَّافَ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ
قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَإِنْ لَمْ تَبْرَحَا بِعْتَهَا بِعَرَضٍ أَوْ بِدَنَانِيرَ انْتَهَى مُخْتَصَرًا وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى.
وَمَسْأَلَةُ الْعُتْبِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا هِيَ فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ الثَّانِي مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ، وَزَادَ وَلَوْ بَاعَهَا مِنْ الصَّرَّافِ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا مِنْ الصَّرَّافِ بِمَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا إلَّا أَنْ يَقْبِضَهَا هُوَ صَحِيحٌ فِي مَذْهَبِهِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ لَا تَجُوزُ فِي الصَّرْفِ،
وَإِنْ قَبَضَ الْمُحَالَ بِحَضْرَةِ الْمُحِيلِ، وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ بِإِجَازَةِ ذَلِكَ إذَا قَبَضَ الْمُحَالَ بِحَضْرَةِ الْمُحِيلِ يَجُوزُ إذَا قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي بِحَضْرَتِهِ،
وَأَمَّا بَيْعُهُ إيَّاهَا مِنْ الصَّرَّافِ نَفْسِهِ فَجَائِزٌ عَلَى مَا قَالَ إذَا بَاعَهَا بِمَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا مِنْهُ، وَهُوَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ بِمَا شَاءَ مِنْ الْعُرُوضِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ وَقَبَضَ الدَّنَانِيرَ، ثُمَّ بَاعَهُ بِالدَّرَاهِمِ عَرَضًا جَازَ انْتَهَى
بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَصْرِفَ مِنْهُ الدَّنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ الصَّفْقَتَيْنِ اُنْظُرْ كِتَابَ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ صَرَفْتَ مِنْ رَجُلٍ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى أَخَذْت مِنْهُ بِهَا سِلْعَةً أَوْ قَبَضْتَ مِنْهُ نِصْفَهَا، وَأَخَذْت بِنِصْفِهَا سِلْعَةً مَكَانَك فَذَلِكَ جَائِزٌ،
وَإِنْ رَدَدْت السِّلْعَةَ بِعَيْبٍ رَجَعْتَ بِدِينَارِكَ،
وَلَوْ صَرَفْتَ مِنْهُ بِدَرَاهِمَ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ بِهَا سَمْنًا أَوْ زَيْتًا نَقْدًا أَوْ مُؤَجَّلًا أَوْ عَلَى أَنْ تَقْبِضَهَا ثُمَّ تَشْتَرِيَ بِهَا هَذِهِ السِّلْعَةَ فَذَلِكَ جَائِزٌ،
وَإِنْ رَدَدْت السِّلْعَةَ بِعَيْبِ رَجَعْتَ بِدِينَارِكَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا وَقَعَ بِالسِّلْعَةِ، وَاللَّفْظُ لَغْوٌ.
[تَنْبِيه وَقَعَ التَّقَابُضُ فِي الصَّرْفِ ثُمَّ أَوْدَعَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ عِنْدَ الْآخَرِ] (الْخَامِسُ) : إذَا وَقَعَ التَّقَابُضُ فِي الصَّرْفِ، ثُمَّ أَوْدَعَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ عِنْدَ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ قَالَهُ فِي رَسْمِ شَكَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ آلَ إلَى الصَّرْفِ الْمُتَأَخِّرِ، فَإِنَّهُمَا عَلَى الْقَصْدِ إلَى ذَلِكَ،
وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا فِيهِ حَرَجٌ وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ فِي سَمَاعِ أَبِي جَعْفَرٍ إذَا طُبِعَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ عَلَيْهَا لَا يَدْفَعُ التُّهْمَةَ
بِخِلَافِ رَهْنِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إذَا غُيِّبَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَا يَجُوزُ الْيَوْمَ لِمَنْ صَرَفَ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ أَنْ يُودِعَهَا بَعْدَ الْمُنَاجَزَةِ عِنْدَ الصَّرَّافِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ تَرْكِهَا أَنْ يَبْرَأَ مِنْ نَقْصِهَا وَنُحَاسِهَا قَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي قَبَضَ مِنْ دَيْنٍ لَهُ طَوْقَ ذَهَبٍ فَافْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِهِ الطَّوْقَ لَا خَيْرَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ فِيهِ حَقٌّ مِنْ التَّوْفِيَةِ وَزْنٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ،
وَلَوْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ التَّوْفِيَةِ لَكَانَتْ مُصِيبَتُهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ، وَإِيدَاعُهُ جَائِزٌ
بِخِلَافِ إيدَاعِ الدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ انْتَهَى. فَفَرَّقَ بَيْنَ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَالْمَصُوغِ، فَيَجُوزُ إيدَاعُهُ وَبَيْنَ أَنْ لَا يُعْرَفَ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَالتِّبْرِ فَلَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ،
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ، وَلَوْ أَوْدَعَهُ مَا صَارَفَهُ بِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ فَسَدَ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ فَإِنْ طُبِعَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ مِمَّا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ صَحَّ انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَبَيْنَ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ صَحِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَذَكَرَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ فِي بَابِ الْمُنَاجَزَةِ فِي الصَّرْفِ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ وَفِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ وَقَبِلَهُ شَارِحُهُ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ صَرْفٌ قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ إذَا غَابَ عَنْك وَأُبْدِلَ لَكَ عَرَفْتَ أَنَّهُ غَيْرُ شَيْئِكَ
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ الطَّبْعِ، فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ الطَّبْعِ، فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ.
وَقَالَ: إنَّهُ بَعِيدٌ وَحَكَمَهُ بِالْفَسَادِ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ
إمَّا فِي ظَاهِرٍ وَإِمَّا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ إذَا صَحَّ أَمْرُهُمَا وَلَمْ يُقْصَدْ التَّأْخِيرُ فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ فَتَأَمَّلْهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا يَعُودُ ذَلِكَ بِخَلَلٍ فِي الْعَقْدِ إذَا صَحَّ أَمْرُهُمَا وَمَسْأَلَةُ الطَّوْقِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّخْمِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَفْظُهُ فِيهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ أَصْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) : قَالَ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا الصَّرْفُ عَلَى أَنْ يَتَأَخَّرَ مِنْهُ شَيْءٌ فُسِخَ وَإِنْ عُقِدَ عَلَى الْمُنَاجَزَةِ، ثُمَّ أَخَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّظْرَةُ بِاتِّفَاقٍ فَإِنْ كَانَتْ النَّظْرَةُ فِي أَقَلَّ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ انْتَقَضَ صَرْفُ دِينَارٍ وَإِنْ كَانَ فِي أَكْثَرَ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ انْتَقَضَ صَرْفُ دِينَارَيْنِ وَإِنْ كَانَ فِي أَكْثَرَ مِنْ صَرْفِ دِينَارَيْنِ انْتَقَضَ صَرْفُ ثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ، وَهَكَذَا أَبَدًا وَمَا وَقَعَ فِيهِ التَّنَاجُزُ عَلَى اخْتِلَافٍ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْمُنَاجَزَةِ ثُمَّ تَأَخَّرَ مِنْهُ شَيْءٌ بِغَلَطٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ مَضَى الصَّرْفُ فِيمَا، وَقَعَ فِيهِ التَّنَاجُزُ بِاتِّفَاقٍ وَفِيمَا وَقَعَ فِيهِ التَّأْخِيرُ إنْ رَضِيَ هَذَا الَّذِي هُوَ لَهُ بِتَرْكِهِ عَلَى اخْتِلَافٍ سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ انْتَهَى.
[تَنْبِيه اصْطَرَفَ دَرَاهِمَ فَعَجَزَتْ الدَّرَاهِمُ دِرْهَمًا] (السَّابِعُ) : قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَمَنْ اصْطَرَفَ دَرَاهِمَ فَعَجَزَتْ الدَّرَاهِمُ دِرْهَمًا فَلَا يَجُوزُ لِلْمُصْطَرِفِ أَنْ يُقْرِضَ الصَّيْرَفِيَّ دِرْهَمًا يُتِمُّ بِهِ الصَّرْفَ ثُمَّ يُطَالِبُهُ بِهِ دَيْنًا وَمَنْ اصْطَرَفَ دَرَاهِمَ وَعَجَزَتْ كَسْرًا وَأَخَّرَهُ عَلَى الصَّيْرَفِيِّ ثُمَّ عَلِمَ بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لِلصَّيْرَفِيِّ لِيُجِيزَ بِذَلِكَ صَرْفَهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ لَهُمَا أَنْ يَتَنَاقَضَا الصَّرْفَ وَيَرْجِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِمِثْلِ نَقْدِهِ وَمَنْ اصْطَرَفَ دَرَاهِمَ وَعَجَزَتْ دِرْهَمًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ مَا أَحَبَّ مِنْ طَعَامٍ أَوْ إدَامٍ أَوْ عَرَضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مُعَجَّلًا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِبَعْضِ دِينَارِهِ بَعْدَ الْمُصَارَفَةِ مَا أَحَبَّ قَبْلَ قَبْضِ الدَّرَاهِمِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا إذَا كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ مِمَّا صَارَفَهُ بِهِ وَأَدْنَى مِنْهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ مُعَجَّلًا بِدِينَارٍ إلَى شَهْرٍ وَالدِّينَارُ بِكَذَا
وَكَذَا دِرْهَمًا إلَى شَهْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا وَقَعَ بِالدَّرَاهِمِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى قُبْحِ كَلَامِهِمَا إذَا صَحَّ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يُنْظَرُ إلَى حُسْنِ كَلَامِهِمْ إذَا قَبُحَ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا
(وَمُؤَخَّرٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ فِي الصَّرْفِ إلَّا الْمُنَاجَزَةُ لَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَلَا نَظْرَةٌ إلَّا يَدًا بِيَدٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَمُؤَخَّرٌ وَلَوْ قَرِيبًا (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّأْخِيرُ فِي الصَّرْفِ وَلَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا قَرِيبًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ مُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ وَالِانْتِقَالِ إلَى حَانُوتٍ أَوْ دَارٍ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ الْآتِيَ أَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا، وَطَالَ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْمُفَارَقَةِ كَاسْتِقْرَاضِهِ مِمَّنْ بِجَانِبِهِ مِنْ غَيْرِ بَعْثٍ وَلَا قِيَامٍ بَلْ كَحَلِّ الصُّرَّةِ.
وَمُقَابِلُهُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِلَوْ مَذْهَبُ الْعُتْبِيَّةِ جَوَازُ التَّأْخِيرِ الْقَرِيبِ وَقَيَّدَ بِمَا إذَا عَادَتْ الْمُفَارَقَةُ بِمَصْلَحَةٍ عَلَى الصَّرْفِ كَتَقْلِيبٍ وَحَمَلَهَا اللَّخْمِيُّ عَلَى الْخِلَافِ وَحَمَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ عَلَى الْوِفَاقِ بِحَمْلِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْمُفَارَقَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ،
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ لِرَدِّهِ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلَى مَا فِي حَيِّزِ لَوْ (أَوْ) كَانَ التَّأْخِيرُ (غَلَبَةً) الْبَاجِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ قَوْلُهُ وَمُؤَخَّرٍ مَعْطُوفٌ عَلَى دِينَارٍ أَيْ وَلَا يُبَاحُ صَرْفُ مُؤَخَّرٍ وَحِينَئِذٍ فَفِي كَلَامِهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ فَقَوْلُهُ لَا دِينَارٌ إلَخْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ رِبَا فَضْلٍ وَقَوْلُهُ وَمُؤَخَّرٍ إلَخْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَنَسَاءٍ.
وَقَوْلُهُ أَوْ غَلَبَةً مَعْطُوفٌ عَلَى صِفَةٍ قَرِيبًا أَيْ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا اخْتِيَارًا أَوْ غَلَبَةً وَفِي الْمُبَالَغَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْبَعِيدِ كَالْقَرِيبِ وَهِيَ تُوهِمُ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْمَنْعِ فِي الْبَعِيدِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ الْآتِيَ) أَيْ مَفْهُومُ قَوْلِهِ الْآتِي،
وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا وَطَالَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَطُلْ يَجُوزُ فَيُنَافِي قَوْلَهُ هُنَا وَلَوْ قَرِيبًا فَأَجَابَ الشَّارِحُ بِأَنَّ مَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُفَارَقَةِ
(قَوْلُهُ عَلَى الْخِلَافِ) أَيْ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ
(قَوْلُهُ لِرَدِّهِ) أَيْ لِرَدِّ حَمْلِ ابْنِ رُشْدٍ
(قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ) لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْمَوَّازِيَّةِ ذِكْرٌ، وَلَكِنْ الْوَاقِعُ أَنَّ الْمَوَّازِيَّةَ مِثْلُ الْعُتْبِيَّةِ
ثُمَّ إنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ أَوْ غَلَبَةً مَعْطُوفٌ عَلَى صِفَةً قَرِيبًا أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ عَلَى الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ بِلَوْ بِطَرَفَيْهَا الِاخْتِيَارِ وَالْغَلَبَةِ مَعَ أَنَّ الْعُتْبِيَّةَ وَالْمَوَّازِيَّةَ فِي الِاخْتِيَارِ لَكِنْ الْغَلَبَةُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى إلَّا أَنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ الْآتِي إنَّ الْخِلَافَ فِي الْبَعِيدِ كَالْقَرِيبِ مَعَ أَنَّ الْمَوَّازِيَّةَ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَرِيبِ وَسَيَأْتِي تَتِمَّتُهُ.
(قَوْلُهُ أَيْ وَلَا يُبَاحُ صَرْفُ مُؤَخَّرٍ) حَلَّ بِحَسَبِ الْمَعْنَى، وَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يُبَاحُ صَرْفُ دِينَارٍ وَغَيْرِهِ بِمِثْلِهِمَا وَلَا صَرْفُ مُؤَخَّرٍ أَيْ وَلَا يُبَاحُ صَرْفُ مُؤَخَّرٍ
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا اخْتِيَارًا أَوْ غَلَبَةً) كَلَامٌ مُجْمَلٌ
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمَا إذَا دَخَلَا عَلَى التَّأْخِيرِ فَيَفْسُدُ حَصَلَ تَأْخِيرٌ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَمْ لَا وَعَلَى تَقْدِيرِ دُخُولِهِ كَانَ فِي الْكُلِّ أَوْ فِي الْبَعْضِ،
وَأَمَّا إذَا دَخَلَا عَلَى عَدَمِ التَّأْخِيرِ فَيَمْتَنِعُ إنْ حَصَلَ تَأْخِيرٌ اخْتِيَارًا،
وَلَوْ فِي الْبَعْضِ كَاضْطِرَارٍ فِي الْجَمِيعِ أَوْ جَمِيعِ أَحَدِهِمَا لَا فِي بَعْضِ أَحَدِهِمَا فَيَمْضِي فِيمَا وَقَعَ فِيهِ التَّنَاجُزُ وَاخْتَلَفَ فِي مُضِيِّ مَا يَقَعُ فِيهِ التَّأْخِيرُ اُنْظُرْ عج
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْبَعِيدِ إلَخْ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُخَالِفَ الْمَوَّازِيَّةُ وَالْعُتْبِيَّةُ وَالْمَسْأَلَةُ مُقَيَّدَةٌ فِي كَلَامِهِمَا بِالْقُرْبِ نَعَمْ ظَاهِرُ النَّقْلِ أَنَّ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ غَلَبَةً لَا يُقَيِّدُ بِالْقُرْبِ فَإِذَا كَانَ هَذَا مُرَادَ الشَّارِحِ فَلَا يَظْهَرُ عَطْفُ قَوْلِهِ أَوْ غَلَبَةً عَلَى اخْتِيَارًا الْمَحْذُوفَةِ بَلْ مَعْطُوفًا عَلَى قَرِيبًا، وَنُوزِعَ فِي الْمُبَالَغَةِ وَالْمَعْنَى هَذَا إذَا كَانَ بَعِيدًا بَلْ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا هَذَا إذَا كَانَ اخْتِيَارًا بَلْ وَلَوْ كَانَ غَلَبَةً
(وَ) حَرُمَ صَرْفُ (مُؤَخَّرٌ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مُشَدَّدَةً عَوَّضَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا إنْ كَانَ التَّأْخِيرُ طَوِيلًا، بَلْ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ولو قريبا أو غلبة؛ يعني أنه يحرم الصرف المؤخر ولو كان التأخير منهما أو من أحدهما قريبا، أو كان غلبة كما لو كان عليه قفل وعسر فتحه، قال عبد الباقي: وحرم صرف مؤخر ولو كان التأخير منهما أو من أحدهما قريبا
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.