ووجب وضوء بهاد
الشروح عليها
(وَوَجَبَ وُضُوءٌ بِهَادٍ) وَهُوَ دَمٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ قُرْبَ الْوِلَادَةِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَوْلِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَوَجَبَ وُضُوءٌ بِهَادٍ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ اعْتِيَادُ الْخَارِجِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَوَجَبَ وُضُوءٌ بِهَادٍ وَالْأَظْهَرُ نَفْيُهُ) .
ش قَالَ فِي الطِّرَازِ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ الْحَوَامِلِ عَادَةً قُرْبَ الْوِلَادَةِ وَعِنْدَ شَمِّ الرَّائِحَةِ مِنْ الطَّعَامِ وَحَمْلِ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ وَمَا خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ عَادَةً هُوَ حَدَثٌ ثُمَّ قَالَ: وَلِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ مَجَالٌ فَإِنَّ هَذَا الْمَاءَ لَا يَخْرُجُ إلَّا غَلَبَةً فَهُوَ فِي حُكْمِ السَّلَسِ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
وَلَا إشْكَالَ فِي نَجَاسَتِهِ لِقَوْلِ صَاحِبِ التَّلْقِينِ، وَالْقَرَافِيِّ وَغَيْرِهِمَا كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَهُوَ نَجِسٌ، انْتَهَى.
فَإِنْ لَازَمَ الْمَرْأَةَ وَخَافَتْ خُرُوجَ وَقْتِ الصَّلَاةِ صَلَّتْ بِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. كَمُلَ كِتَابُ الطَّهَارَةِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[كِتَابُ الصَّلَاةِ] (كِتَابُ الصَّلَاةِ) لَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى الطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ أَوْكَدُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى بَقِيَّةِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا أَوْ سُنَنِهَا وَمُسْتَحَبَّاتهَا وَمُبْطِلَاتِهَا وَالْكَلَامِ عَلَى بَقِيَّةِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَأَنْوَاعِهَا، وَجَرَتْ عَادَةُ الْفُقَهَاءِ بِتَسْمِيَةِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِكِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَسَّمَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا فِي كِتَابَيْنِ وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي تَقْسِيمِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا مِثْلَ هَذَا إلَى كِتَابَيْنِ وَإِلَى ثَلَاثَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لِلصُّعُوبَةِ وَعَدَمِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ وَقِلَّتِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُمَا مَعًا نَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهَا وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْكِتَابِ وَالْبَابِ وَالْفَصْلِ وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ يَجْعَلُ الْأَبْوَابَ مَكَانَ الْكُتُبِ وَيَحْذِفُ التَّرَاجِمَ الْمُضَافَ إلَيْهَا الْأَبْوَابُ.
وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ. قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى:{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} أَيْ: دَعَوَاتُكَ طُمَأْنِينَةٌ لَهُمْ وقَوْله تَعَالَى: {وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} أَيْ: أَدْعِيَتَهُ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا جَاءَهُ النَّاسُ بِصَدَقَاتِهِمْ يَدْعُو لَهُمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى جِئْتُ مَعَ أَبِي بِصَدَقَةٍ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ.
(قُلْتُ:) وَبِهَذَا فَسَّرَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ ثُمَّ
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ الرَّحْمَةُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ وَمِنْ الْآدَمِيِّ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ. وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا التَّقْسِيمَ الْإِمَامُ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ
وَقَالَ فِي الشِّفَاءِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْقُشَيْرِيُّ: الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ لِمَنْ دُونَ النَّبِيِّ رَحْمَةٌ وَلِلنَّبِيِّ تَشْرِيفٌ وَتَكْرِمَةٌ،
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: صَلَاةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَتُسْتَعْمَلُ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى الِاسْتِغْفَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بُعِثْتُ إلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ لِأُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ» فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ أُمِرْتُ لِأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى:{وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} . (قُلْتُ:) وَهَذَا الثَّانِي يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِتَضَمُّنِ الصَّلَاةِ مَعْنَى التَّعَطُّفِ عُدِّيَتْ بِعَلَى،
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: هِيَ وَاقِعَةٌ عَلَى دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَحْدُودَةٍ تَقْتَرِنُ بِهَا أَفْعَالٌ مَشْرُوعَةٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ مَعَ النِّيَّةِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، قَالَ: وَلَا تَرِدُ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْغَالِبِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قِيلَ: تَصَوُّرُهَا عُرْفًا ضَرُورِيٌّ،
وَقِيلَ: نَظَرِيٌّ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِ الصَّقَلِّيِّ وَغَيْرِهِ وَرِوَايَةِ الْمَازِرِيِّ:" سُجُودُ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ " نَظَرٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نَظَرِيٌّ فَهِيَ قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَتَسْلِيمٍ أَوْ سُجُودٍ فَقَطْ فَيَدْخُلُ هُوَ يَعْنِي سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ انْتَهَى. وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ لَيْسَ بِصَلَاةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ شَبِيهٌ بِالصَّلَاةِ كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ شَبِيهٌ بِالصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِصَلَاةٍ،
وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى ذَلِكَ صَلَاةٌ فَمِنْ طَرِيقِ الْمَجَازِ لَا الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ قَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ: لَا أُصَلِّي فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ فَسَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ لَا يَحْنَثُ؟ انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّهَا صَلَاةٌ؛ لِأَنَّهُ عَدَّهَا فِي الصَّلَوَاتِ الْفَضَائِلِ وَاعْتَرَضَ الْأَبِيُّ حَدَّ ابْنِ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ قَالَ لَصِدْقِهِ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَسَلَّمَ مِنْهُ عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَأَجَابَ بِأَنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ غَيْرُ إحْرَامِ الصَّلَاةِ وَبِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا هُوَ بِالْخَوَاصِّ اللَّازِمَةِ وَالسَّلَامُ فِي الصَّلَاةِ لَازِمٌ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ فِي الْحَجِّ وَبِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لَيْسَتَا مِنْ حَقِيقَةِ الْحَجِّ لَصِحَّتِهِ بِدُونِهِمَا وَلَا يُقَالُ: إنَّهُمَا لَازِمَتَانِ لِلْحَجِّ الْكَامِلِ؛
لِأَنَّ الْحَدَّ لِلْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ لَا لِلْكَامِلَةِ.
(فَصْلٌ) وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ إطْلَاقَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِمَعْنَى أَنَّ حَمَلَةَ الشَّرْعِ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُمْ لِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ فِي تِلْكَ الْمَعَانِي حَتَّى إنَّ اللَّفْظَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الشَّرْعَ هَلْ وَضَعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِهَذِهِ الْمَعَانِي، أَوْ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، أَوْ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهَا حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ مُبْتَكَرَةٌ نَقَلَهَا الشَّرْعُ عَنْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ إلَى الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةٍ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَصْلًا،
وَإِنْ صَادَفَ ذَلِكَ الْوَضْعُ عَلَاقَةً بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَذَلِكَ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَاسْتُبْعِدَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي أَنْ تَكُونَ الْعَرَبُ خُوطِبَتْ بِغَيْرِ لُغَتِهَا.
وَالثَّانِي أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ وَالْمَعَانِي الَّتِي اُسْتُعْمِلَتْ فِيهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْمَازِرِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَهِيَ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ نَقْلٌ، وَلَا مَجَازٌ بَلْ الْأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ لَكِنْ دَلَّتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ اللُّغَوِيَّةَ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ قُيُودٍ زَائِدَةٍ حَتَّى تَصِيرَ شَرْعِيَّةً وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَفْظُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ الدُّعَاءُ فَإِذَا قِيلَ: لَهُ الدُّعَاءُ لَيْسَ مُجْزِيًا وَحْدَهُ
وَيَصِحُّ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، يَقُولُ: عَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِدَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى ضَمِّ أُمُورٍ أُخَرَ لَا مِنْ لَفْظِ الصَّلَاةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنَّ النَّقْلَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مُنَاسَبَةُ الْمَعْنَى الْمَنْقُولِ إلَيْهِ لِلْمَعْنَى الْمَنْقُولِ مِنْهُ
بِخِلَافِ الْمَجَازِ، وَعَلَى الثَّانِي فَقِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ الْعِبَادَةُ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ الدُّعَاءُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ،
وَقِيلَ: لِلدُّعَاءِ مَعْنَيَانِ دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ وَدُعَاءُ عِبَادَةٍ وَخُضُوعٍ وَبِهِ فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} فَقِيلَ: الْمَعْنَى أَطِيعُونِي أُثِبْكُمْ،
وَقِيلَ: سَلُونِي أُعْطِكُمْ وَحَالُ الْمُصَلِّي كَحَالِ السَّائِلِ الْخَاضِعِ فَسُمِّيَتْ أَفْعَالُهُ صَلَاةً،
وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الصَّلَوَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ فِي الرِّدْفِ وَأَصْلُهُمَا الصَّلَا وَهُوَ عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ يَفْتَرِقُ عِنْدَ عَجْبِ الذَّنَبِ،
وَقِيلَ: هُمَا عَظْمَاتُ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَذَا
قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ قَالَ الْقَرَافِيُّ
وَلَمَّا كَانَ يَظْهَرَانِ مِنْ الرَّاكِعِ سُمِّيَ مُصَلِّيًا وَفِعْلُهُ صَلَاةً، وَمِنْهُ الْمُصَلِّي وَهُوَ التَّالِي مِنْ حَلَبَةِ السِّبَاقِ؛ لِأَنَّ رَأْسَ فَرَسِهِ يَكُونُ عِنْدَ صَلَوَيْ الْأَوَّلِ قَالُوا: وَلِهَذَا كُتِبَتْ الصَّلَاةُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ اُخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِ الصَّلَاةِ فَالْأَظْهَرُ الْأَشْهَرُ أَنَّهَا مِنْ الصَّلَوَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ وَعَظْمَاتُ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ انْتَهَى. فَجَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي تَفْسِيرِ الصَّلَوَيْنِ
قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ الْإِيمَانِ وَتَالِيَتُهُ كَالْمُصَلِّي مِنْ الْخَيْلِ فِي حَلْبَةِ السِّبَاقِ،
وَقِيلَ: لِأَنَّ فَاعِلَهَا مُتَّبِعٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَتَّبِعُ الْفَرَسُ الثَّانِي الْأَوَّلَ،
وَقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَصْلِيَةِ الْعُودِ عَلَى النَّارِ لِيُقَوَّمَ،
وَلَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ تُقِيمُ الْعَبْدَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَخِدْمَتِهِ وَتَنْهَاهُ عَنْ خِلَافِهِ كَانَتْ مُقَوِّمَةً لِفَاعِلِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} ،
وَقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ الصِّلَةِ؛ لِأَنَّهَا صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ بِمَعْنَى أَنَّهَا تُدْنِيهِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَتُوَصِّلُهُ إلَى كَرَامَتِهِ وَجَنَّتِهِ،
وَقِيلَ: إنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ وَفِي الصَّلَاةِ هَذَا الْمَعْنَى،
وَقِيلَ: مَعْنَاهَا اللُّزُومُ فَكَأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَزِمَ هَذِهِ الْعِبَادَةَ،
وَقِيلَ: مِنْ الرَّحْمَةِ وَالصَّلَاةُ رَحْمَةٌ،
وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُفْضِي إلَى الْمَغْفِرَةِ وَالْمَغْفِرَةُ تُسَمَّى صَلَاةً قَالَ - تَعَالَى - {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} .
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَوْلُنَا: وَضْعُ الشَّرْعِ وَنَقْلُ الشَّرْعِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: صَاحِبِ الشَّرْعِ قَالَ الْقَرَافِيُّ: لِأَنَّ الشَّرْعَ هُوَ الرِّسَالَةُ وَالرِّسَالَةُ لَا تَضَعُ لَفْظًا، إنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْوَضْعُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ - تَعَالَى - انْتَهَى. وَالصَّلَوَانُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَاللَّامِ تَثْنِيَةُ صَلَى بِالْقَصْرِ وَحَلْبَةُ السِّبَاقِ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: خَيْلٌ تُجْمَعُ لِلسِّبَاقِ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ أَيْ: نَاحِيَةٍ لَا تَخْرُجُ مِنْ إصْطَبْلٍ وَاحِدٍ انْتَهَى. وَالسِّبَاقُ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُسَابَقَةُ، وَقَوْلُهُمْ: صَلَّيْتُ الْعُودَ عَلَى النَّارِ بِالتَّشْدِيدِ نَقَلَهُ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، قَالَ: وَاعْتَرَضَ النَّوَوِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ صَلَّيْت لَامُهُ يَاءٌ وَلَامُ الصَّلَاةِ وَاوٌ. وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُشَدَّدَ تُقْلَبُ فِيهِ الْوَاوُ يَاءً نَحْوُ زَكَّيْتُ الْمَالَ وَصَلَّيْتُ الظُّهْرَ قَالَ الدَّمِيرِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ صَلَيْتُ اللَّحْمَ بِالتَّخْفِيفِ صَلْيًا كَرَمَيْتُ رَمْيًا إذَا شَوَيْتُهُ.
الثَّانِي قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَعْنِي الْقَوْلَ بِالنَّقْلِ فَهُوَ لَمَّا نَقَلَ الشَّرْعُ هَذَا اللَّفْظَ جَعَلَهُ مُتَوَاطِئًا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَوْ جَعَلَهُ مُشْتَرَكًا كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَا فِيهِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَعَلَى مَا لَا رُكُوعَ فِيهِ وَلَا سُجُودَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَعَلَى مَا لَا تَكْبِيرَ فِيهِ وَلَا تَسْلِيمَ كَالطَّوَافِ، وَعَلَى مَا لَا حَرَكَةَ فِيهِ لِلْجِسْمِ كَصَلَاةِ الْمَرِيضِ الْمَغْلُوبِ، وَلَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الصُّوَرِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا.
[فَصَلِّ مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة وَحُكْمهَا] (فَصْلٌ) وَوُجُوبُهَا مَعْلُومٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَدِينِ الْأُمَّةِ ضَرُورَةً فَلَا نُطَوِّلُ بِذَلِكَ وَفَرَضَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ عَلَى نَبِيِّهِ فِي السَّمَاءِ
بِخِلَافِ سَائِرِ الشَّرَائِعِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهَا وَتَأْكِيدِ وُجُوبِهَا انْتَهَى.
وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ الْمِعْرَاجِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْهُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ فَتَاوَى النَّوَوِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ،
وَقِيلَ: إنَّهُ كَانَ فِي رَجَبٍ وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ،
وَقِيلَ: فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ: فِي شَوَّالٍ. وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي السَّنَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا فَقِيلَ: قَبْلَ الْمَبْعَثِ وَهُوَ شَاذٌّ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَهُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي النَّوَادِرِ وَابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَبَالَغَ ابْنُ حَزْمٍ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ وَهُوَ مَرْدُودٌ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ،
وَقِيلَ: بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: بِأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا،
وَقِيلَ: بِخَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقِيلَ: بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا،
وَقِيلَ: بِسَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقِيلَ: بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا،
وَقِيلَ: بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَقِيلَ: بِخَمْسِ سِنِينَ
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَاخْتُلِفَ كَيْفَ فُرِضَتْ فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ،
وَقِيلَ: فُرِضَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ قُصِرَ مِنْهَا رَكْعَتَانِ فِي السَّفَرِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ» انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ إلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَاخْتُلِفَ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ إلَّا مَا وَقَعَ الْأَمْرُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَذَهَبَ الْحَرْبِيُّ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ مَفْرُوضَةً رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَقَالَ وَكَانَ بَدْءُ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ رَكْعَتَيْنِ غُدُوًّا وَرَكْعَتَيْنِ عَشِيًّا وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ «فِي قَوْله تَعَالَى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} أَنَّهَا صَلَاتُهُ بِمَكَّةَ حِينَ كَانَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ غُدُوًّا وَرَكْعَتَيْنِ عَشِيًّا فَلَمْ يَزَلْ فَرْضُ الصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ تِسْعَ سِنِينَ فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ أَسْرَى اللَّهُ بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ثُمَّ عَرَجَ بِهِ جِبْرِيلُ إلَى السَّمَاءِ»
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ وَنَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ قَالَ: وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: فُرِضَتْ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَكَانَ الْفَرْضُ قَبْلَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ فَأَوَّلُ مَا صَلَّى جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرُ فَسُمِّيَتْ الْأُولَى، قَالَ غَيْرُ ابْنِ حَبِيبٍ: إنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ إنَّمَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَكَانَ الطُّهْرُ بِمَكَّةَ سُنَّةً قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ انْتَهَى.
وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ هَلْ وَقَعَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَتَوَاتَرَتْ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ الْإِسْرَاءُ فِي لَيْلَةٍ وَالْمِعْرَاجُ فِي لَيْلَةٍ مُتَمَسِّكًا بِظَاهِرِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَهِيَ قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ. وَالْمُرَادُ بِالْإِسْرَاءِ: الذَّهَابُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبِالْمِعْرَاجِ: الْعُرُوجُ إلَى السَّمَاءِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْحِكْمَةُ فِي وُقُوعِ فَرْضِ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ لَمَّا قُدِّسَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حِينَ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ وَمُلِئَ بِالْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ وَمِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا الطَّهُورُ نَاسَبَ ذَلِكَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَلِيَظْهَرَ شَرَفُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى مِمَّنْ ائْتَمَّ بِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَلِيُنَاجِيَ رَبَّهُ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْأَوْقَاتِ حِكَايَةً عَنْ جِبْرِيلَ: هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ يُوهِمُ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَانَتْ مَشْرُوعَةً لِمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتُ عَلَى هَذَا الْمِيقَاتِ إلَّا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَاصَّةً،
وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي بَعْضِهَا، وَلَكِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ الْمُوَسَّعَ الْمَحْدُودَ بِطَرَفَيْنِ مِثْلُ وَقْتِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ، أَيْ: صَلَاتُهُمْ كَانَتْ وَاسِعَةَ الْوَقْتِ ذَاتَ طَرَفَيْنِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّلَاةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ فَقِيلَ: إنَّهَا مُجْمَلَةٌ لَا يُفْهَمُ الْمُرَادُ بِهَا مِنْ لَفْظِهَا وَتَفْتَقِرُ فِي الْبَيَانِ إلَى غَيْرِهَا فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى صِفَةِ مَا أَوْجَبَتْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، وَقَوْلُهُ: وَالْحَجُّ كُلُّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ لَيْسَ لَهُمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ بَيَانٌ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ ذَلِكَ،
وَقِيلَ: إنَّهَا عَامَّةٌ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى ذَلِكَ
وَيَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى عُمُومِهَا فِي كُلِّ مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ مِنْ أَنْوَاعِ الدُّعَاءِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ خَصَّصَهُ فِي نَوْعٍ مِنْ الدُّعَاءِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ تَقْتَرِنُ بِهِ أَفْعَالٌ مَشْرُوعَةٌ مِنْ قِيَامٍ وَجُلُوسٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقِرَاءَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
[فَصَلِّ الصَّلَاةُ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى] (فَصْلٌ) وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِهَا وَالْحَثِّ عَلَى إقَامَتِهَا وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا وَمُرَاعَاةِ حُدُودِهَا الْبَاطِنَةِ آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ. وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - الْمُسْتَحِقِّ لِلتَّعْظِيمِ، وَمُنَاجَاتُهُ - تَعَالَى - بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَتَعْمِيرُ الْقَلْبِ بِذِكْرِهِ، وَاسْتِعْمَالُ الْجَوَارِحِ فِي خِدْمَتِهِ.
وَالصَّلَاةُ عَلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ وَهِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ بِشُرُوطِهَا. وَفَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَهِيَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ. وَسُنَّةٌ وَهِيَ الْوِتْرُ وَالْعِيدَانِ وَكُسُوفُ الشَّمْسِ وَخُسُوفُ الْقَمَرِ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَالرُّكُوعُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَسَجَدَتَا السَّهْوِ،
وَكَذَلِكَ رَكْعَتَا الطَّوَافِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ فِيهِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا صَلَاةٌ. وَفَضِيلَةٌ وَهُوَ رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَرَكْعَتَا الشَّفْعِ وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَقِيَامُ اللَّيْلِ وَقِيَامُ رَمَضَانَ وَهُوَ أَوْكَدُ وَالتَّنَفُّلُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا وَقَبْلَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالضُّحَى بِلَا حَدٍّ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَرَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ الْخُرُوجِ لِلسَّفَرِ وَعِنْدَ الْقُدُومِ مِنْهُ وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَنْزِلِ وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ وَرَكْعَتَانِ لِمَنْ قُرِّبَ لِلْقَتْلِ،
وَلَوْ كَانَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، أَوْ غُرُوبِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي، وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ التَّوْبَةِ وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَبَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ، وَصَلَاةُ التَّسْبِيحِ عَلَى مَا ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ وَسَمَّى ابْنُ رُشْدٍ مَا بَعْدَ قِيَامِ رَمَضَانَ نَافِلَةً وَجَعَلَهُ أَحَطَّ رُتْبَةً مِنْ الْفَضِيلَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَمَكْرُوهَةٌ وَهِيَ الصَّلَاةُ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تُصَلَّى الْمَغْرِبُ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا إذَا صُلِّيَتَا فِي الصَّحْرَاءِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ لِسَفَرٍ، أَوْ مَطَرٍ، أَوْ بِعَرَفَةَ، أَوْ مُزْدَلِفَةَ.
وَمَمْنُوعَةٌ وَهِيَ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ الْغُرُوبِ وَمِنْ حِينِ يَخْرُجُ الْإِمَامُ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ إلَى أَنْ يَفْرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَتَنَفُّلُ مَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ، وَابْتِدَاءُ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ إذَا كَانَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ يُصَلِّي، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مَحَالِّهِ، وَلِلصَّلَاةِ شُرُوطٌ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا مِنْهَا: الطَّهَارَةُ وَتَقَدَّمَتْ فِي كِتَابٍ مُسْتَقِلٍّ لِطُولِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ثُمَّ اُفْتُتِحَ كِتَابُ الصَّلَاةِ بِالْكَلَامِ عَلَى الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَصِحَّتِهَا وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ لِصِدْقِ حَدِّ السَّبَبِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ نَعَمْ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْعِلْمِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ شَرْطٌ أَيْ: فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَيَتَعَيَّنُ الِاهْتِمَامُ بِمَعْرِفَةِ وَقْتِ الصَّلَاةِ إذْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ تَجِبُ وَبِخُرُوجِهِ تَصِيرُ قَضَاءً فَقَالَ:
(وَوَجَبَ وُضُوءٌ بِهَادٍ وَالْأَظْهَرُ نَفْيُهُ) الذَّخِيرَةُ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَاءُ الْحَامِلِ قُرْبَ وَضْعِهَا كَبَوْلِهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ فِيهِ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. ابْنُ رُشْدٍ: أَيْ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. [كِتَابُ الصَّلَاةِ][بَاب فِي مَوَاقِيت الصَّلَاة][فَصَلِّ فِي وَقْت الرَّفَاهِيَة وَوَقْت الْمَعْذُورِينَ وَوَقْت الْكَرَاهِيَة فِي الصَّلَاة] بَابٌ ابْنُ شَاسٍ: فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَبْوَابٌ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْمَوَاقِيتِ وَفِيهِ فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ:
الْأَوَّلُ: فِي وَقْتِ الرَّفَاهِيَةِ.
الثَّانِي: فِي وَقْتِ الْمَعْذُورِينَ.
الثَّالِثُ: فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهِيَةِ (الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ لِآخِرِ الْقَامَةِ بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ)
(ص) وَوَجَبَ وُضُوءٌ بِهَادٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْهَادِيَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ مِنْ الْحَامِلِ يُجْمَعُ فِي وِعَاءٍ عِنْدَ وَضْعِ الْوَلَدِ أَوْ السِّقْطِ كَذَا قَالَ الشَّارِحُ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ هُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْوَلَدُ وَسَوَاءٌ كَانَ أَوَّلَ الْحَمْلِ أَوْ وَسَطَهُ أَوْ آخِرَهُ الْأَبْهَرِيُّ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَوْلِ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ
وَقِيلَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَّا غَلَبَةً فَهُوَ فِي حُكْمِ السَّلَسِ وَعَنْ مَالِكٍ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ لَيْسَ هُوَ بِشَيْءٍ وَأَرَى أَنْ تُصَلِّيَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الْأَحْسَنُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعْتَادٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
وَالْأَظْهَرُ نَفْيُهُ أَيْ نَفْيُ الْوُضُوءِ مِنْهُ وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَهُوَ نَجِسٌ فَإِنْ لَازَمَ الْمَرْأَةَ وَخَافَتْ خُرُوجَ الْوَقْتِ صَلَّتْ بِهِ.
(بَابٌ) لَمَّا أَكْمَلَ الْكَلَامَ عَلَى كِتَابِ الطَّهَارَةِ الَّذِي أَوْقَعَ الْبَابَ مَوْقِعَهُ إذْ هِيَ آكَدُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ اتَّبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى بَقِيَّةِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَسُنَنِهَا وَمَنْدُوبَاتِهَا وَمُبْطِلَاتِهَا وَتَرْجَمَ عَنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِبَابٍ مَكَانَ تَرْجَمَةِ غَيْرِهِ عَنْهَا بِكِتَابٍ وَحَذَفَ الْمُتَرْجَمَ لَهُ الْمُضَافَ إلَيْهِ الْبَابُ فَلَمْ يَقُلْ بَابُ الصَّلَاةِ كَقَوْلِ غَيْرِهِ كِتَابُ الصَّلَاةِ اخْتِصَارًا وَالصَّلَاةُ لُغَةً الدُّعَاءُ وَبِمَعْنَى الْبَرَكَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ أَوْ سُجُودٍ فَقَطْ فَيَدْخُلُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ اهـ.
وَافْتَتَحَ الْمُؤَلِّفُ كِتَابَ الصَّلَاةِ بِوَقْتِهَا لِأَنَّهُ
إمَّا شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا وَوُجُوبِهَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَوْ سَبَبٌ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ خِطَابِ الْمُكَلَّفِ بِالصَّلَاةِ
وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ خِطَابِ الْمُكَلَّفِ بِهَا كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ لِتَأْخِيرِهِ الشُّرُوطَ عَنْهُ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَذَانَ سُنَّةٌ
ثُمَّ ذَكَرَ الشُّرُوطَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: شَرْطٌ لِصَلَاةٍ طَهَارَةُ حَدَثٍ وَخَبَثٍ وَمَعَ الْأَمْنِ اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ هَلْ سَتْرٌ عَوْرَتِهِ إلَخْ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ شَرْطًا لَصَرَّحَ بِشَرْطِيَّتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَوَاقِي وَمَعْرِفَتُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ الْقَرَافِيِّ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ وَفَرْضُ عَيْنٍ عِنْدَ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّخْصِ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ دُخُولَ الْوَقْتِ
(قَوْلُهُ: وَوَجَبَ وُضُوءٌ بِهَادٍ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهُ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ وَصَنِيعُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: هُوَ الْوِعَاءُ) أَيْ الْوِعَاءُ الَّذِي فِي الْبَطْنِ
(قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ أَوَّلَ الْحَمْلِ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ عِنْدَ صَيْرُورَتِهِ عَلَقَةً فَمَا بَعْدَهُ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْأَوَّلِيَّةِ أَوْ الْوَسَطِ لَا يَكُونُ إلَّا سَقْطًا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ وَكَلَامِ بَهْرَامَ
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إلَخْ) كَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ
(قَوْلُهُ: فِي حُكْمِ السَّلَسِ) لَا يَخْفَى أَنَّ السَّلَسَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يُلَازِمَ أَقَلَّ الزَّمَنِ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حُكْمِ السَّلَسِ أَيْ أَنَّهُ فِي حُكْمِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَمْ يَقُلْ فَهُوَ مِنْ السَّلَسِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ أَيْ خَارِجٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ أَيْ لَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ الْمُتَكَرِّرَةُ كُلَّ وَقْتٍ كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مُعْتَادٌ لِلْحَوَامِلِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَازَمَ الْمَرْأَةَ) أَيْ سَاعَةَ نُزُولِهِ.
[بَاب الْوَقْت الْمُخْتَار]
(قَوْلُهُ: لَمَّا أَكْمَلَ الْكَلَامَ عَلَى كِتَابِ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَصْلَ التَّعْبِيرِ بِكِتَابٍ
إمَّا لِأَنَّهُ طَرِيقَةُ الْأَوَائِلِ فَتُتَّبَعُ
وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ كُلُّ بَابٍ يُقْصَدُ بِالذَّاتِ بِحَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يُفْرَدَ عَلَى حِدَةٍ نَاسَبَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِكِتَابٍ
(قَوْلُهُ: إذْ هِيَ آكَدُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ أَكْمَلَ بِمُلَاحَظَةِ قَيْدِ الْأَوَّلِيَّةِ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَمَّا أَكْمَلَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا أَوَّلًا
(قَوْلُهُ وَأَرْكَانُهَا) مَعْطُوفٌ عَلَى بَقِيَّةٍ
(قَوْلُهُ: عَنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ) أَيْ عَنْ دَالِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَهِيَ الْقَضَايَا لِأَنَّ مُسَمَّى التَّرَاجِمِ الْأَلْفَاظُ
(قَوْلُهُ: وَالصَّلَاةُ لُغَةً الدُّعَاءُ) أَيْ وَبِمَعْنَى الْبَرَكَةِ وَإِنْ شِئْت قُلْت أَوْ الرَّحْمَةِ إذَا صَدَرَتْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَتُسْتَعْمَلُ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى الِاسْتِغْفَارِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بُعِثْت إلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ لِأُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ» ، فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ أُمِرْت لِأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» أَيْ أَبِي أَوْفَى نَفْسِهِ فَآلٌ زَائِدَةٌ وَبِمَعْنَى الدُّعَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أَيْ اُدْعُ لَهُمْ، وَقَوْلُهُ: أَوْ سُجُودٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلَى ذَاتٍ وَأَنْ يَكُونَ مَخْفُوضًا عَطْفًا عَلَى إحْرَامٍ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَقَوْلُهُ: فَقَطْ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلِانْتِهَاءِ عَنْ الزِّيَادَةِ وَهِيَ اسْمُ فِعْلٍ أَيْ انْتَهِ عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَى لَفْظِ السُّجُودِ وَاقْتُصِرَ عَلَيْهِ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَيْهَا
إمَّا لِأَنَّهَا جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ
وَإِمَّا زَائِدَةٌ وَإِمَّا عَاطِفَةٌ (فَإِنْ قُلْت) لِمَ لَمْ يَقُلْ وَحْدَهُ
(قُلْت) كَلِمَةُ فَقَطْ أَخْصَرُ
(قَوْلُهُ: فَدَخَلَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ أَوْ سُجُودٌ فَقَطْ وَقَوْلُهُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ فِي قَوْلِهِ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ أَوْ لَيْسَتْ لِلشَّكِّ الْمُمْتَنِعِ كَوْنُهُ فِي الْحُدُودِ بَلْ هِيَ لِلتَّنْوِيعِ وَقَوْلُهُ ذَاتُ إحْرَامٍ لَا إلَخْ يُنَافِي أَنَّهَا ذَاتُ شَيْءٍ آخَرَ كَالدُّعَاءِ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ بِشَامِلٍ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ ذَاتُ دُعَاءٍ أَيْضًا ثُمَّ نَقُولُ أَرَادَ بِعَدَمِ الْإِحْرَامِ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَكْبِيرَةٌ زَائِدَةٌ مُقْتَرِنَةٌ بِنِيَّتِهَا غَيْرُ تَكْبِيرَةِ الْهُوِيِّ وَإِلَّا فَالنِّيَّةُ لَا بُدَّ مِنْهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ اللَّقَانِيِّ عَلَى نَقْلِ الْفِيشِيِّ وَتَكْبِيرَةُ الْهُوِيِّ لَا بُدَّ مِنْهَا بِمَعْنَى أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ (فَإِنْ قُلْت) مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الصَّلَاةِ إلَّا بِنِيَّةٍ أَوْ الْعَاجِزُ عَنْ النُّطْقِ فِعْلُهُمَا وَقُرْبَتُهُمَا صَلَاةٌ وَلَمْ تُوجَدْ خَاصِّيَّةُ الْمَحْدُودِ
(قُلْت) الصَّوَابُ أَنْ يُزَادَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِصِدْقِهِ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِالْخَوَاصِّ اللَّازِمَةِ، وَالسَّلَامُ فِي الصَّلَاةِ لَازِمٌ وَفِي الْحَجِّ غَيْرُ لَازِمٍ بِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لَيْسَتَا مِنْ حَقِيقَتِهِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ) وَعَبَّرَ غَيْرُهُ بِالصَّحِيحِ أَيْ لِصِدْقِ حَدِّ السَّبَبِ عَلَيْهِ أَيْ سَبَبٍ فِي الْوُجُوبِ وَشَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ، وَالشَّرْطُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ.
(فَائِدَةٌ) الصَّلَاةُ قَالَ النَّوَوِيُّ الْأَشْهَرُ الْأَظْهَرُ أَنَّهَا مِنْ الصَّلَوَيْنِ بِفَتْحِ الصَّادِ، وَاللَّامِ وَهُمَا عِرْقَانِ فِي الرِّدْفِ عَنْ يَمِينِ الذَّنَبِ وَشِمَالِهِ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ وَلِذَلِكَ كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ
وَقِيلَ: إنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ صَلَيْت الْعُودَ إذَا قَوَّمْتُهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَحْمِلُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَتَرُدُّ عَنْ الْمَعْصِيَةِ قَالَ تَعَالَى {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}
وَقِيلَ: إنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الصِّلَةِ لِأَنَّهَا تَصِلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَخَالِقِهِ بِمَعْنَى أَنَّهَا تُدْنِيهِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَتُقَرِّبُهُ مِنْهَا
(قَوْلُهُ: حَتَّى يَتَحَقَّقَ) أَيْ يَجْزِمَ بِدُخُولِهِ أَيْ فَمَنْ قَالَ فَرْضُ عَيْنٍ مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا إذَا جَزَمَ بِدُخُولِهِ وَلَوْ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْرِ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الظَّنَّ الْغَالِبَ يَكْفِي فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ وَيَأْتِي هَذَا الْكَلَامُ
(وَوَجَبَ وُضُوءٌ بِ) خُرُوجِ (هَادٍ) أَيْ مَاءٍ أَبْيَضَ مِنْ قُبُلِهَا قُرْبَ وِلَادَتِهَا لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ لَهُنَّ فَهُوَ حَدَثٌ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الِاعْتِبَارِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.