ثُمَّ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ مُعَيَّنًا عِنْدَهُ أَوْ يَشْتَرِي أَوْ لِكَشَهْرٍ أَوْ بِمَالٍ فَعَجَّلَهُ
الشروح عليها
(ثُمَّ) يَلِي الْعِتْقَ الْمُبْتَلَّ وَالْمُدَبَّرَ فِي الْمَرَضِ (الْمُوصَى بِعِتْقِهِ) إذَا كَانَ (مُعَيَّنًا عِنْدَهُ) كَعَبْدِي فُلَانٍ (أَوْ) مُعَيَّنًا (يُشْتَرَى) بَعْدَ مَوْتِهِ كَ اشْتَرُوا عَبْدَ فُلَانٍ وَأَعْتِقُوهُ عَنِّي حَالًّا (أَوْ لِكَشَهْرٍ) أَيْ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ بَعْدَ مَوْتَى فِي الصُّورَتَيْنِ أَيْ وَهُوَ الْمُعَيَّنُ عِنْدَهُ أَوْ يُشْتَرَى (أَوْ) أَوْصَى بِعِتْقٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَهُ (بِمَالٍ) أَيْ عَلَى مَالٍ يَدْفَعُهُ الْعَبْدُ لِلْوَرَثَةِ وَسَوَاءٌ قَيَّدَهُ بِمُعَجَّلٍ أَوْ بِمُؤَجَّلٍ أَوْ أَطْلَقَ (فَعَجَّلَهُ) الْعَبْدُ عَقِبَ مَوْتِ سَيِّدِهِ وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ الصُّوَرُ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ يَقَعُ التَّحَاصُّ فِيهَا عِنْدَ الضِّيقِ وَأُخِّرَتْ عَنْ الْمُبْتَلِّ وَالْمُدَبَّرِ بِمَرَضٍ لِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيهِمْ بِخِلَافِهِمَا
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْإِيصَاءَ بِعِتْقِهِ عَنْهُ حَالًّا أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ مِنْ مَوْتِهِ يَجْرِي فِيمَا إذَا أَوْصَى بِعِتْقٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَهُ أَوْ يُشْتَرَى بَعْدَ مَوْتِهِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ.
(قَوْلُهُ أَوْ بِمَالٍ) أَيْ كَمَا لَوْ قَالَ لِلْوَرَثَةِ أُوصِيكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ عَبْدِي فُلَانٍ عَشْرَةً وَتَعْتِقُوهُ حَالًّا أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ مِنْ مَوْتِي أَوْ أَطْلَقَ فَعَجَّلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ الْمَالَ عَقِبَ مَوْتِ السَّيِّدِ.
(قَوْلُهُ وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ) أَيْ وَهِيَ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ حَالَ كَوْنِهِ مُعَيَّنًا عِنْدَهُ حَالًّا أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ مِنْ مَوْتِهِ أَوْ يُشْتَرَى بَعْدَ مَوْتِهِ وَيُعْتَقُ حَالًّا أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ وَالْخَامِسُ الْمُعَيَّنُ عِنْدَهُ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ عَلَى مَالٍ وَعَجَّلَهُ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَهَذِهِ السَّبْعَةُ؛ لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ عَلَى مَالٍ
إمَّا أَنْ يُقَيَّدَ عِتْقُهُ بِالْحَالِ أَوْ بِقَوْلِهِ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ يُطْلَقَ أَوْ يَقُولَ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَيْ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ حَالَةَ كَوْنِهِ مُعَيَّنًا عِنْدَهُ أَوْ يُشْتَرَى وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ عَلَى مَالٍ فَعَجَّلَهُ لَكِنَّ الشَّارِحَ جَعَلَهَا خَمْسَةً مُجَارَاةً لِلْمَتْنِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيهِمْ) الْأَوْلَى فِيهَا، أَيْ الْخَمْسِ صُوَرٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ؛ لِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِي الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِمْ أَيْ بِعِتْقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ
بِخِلَافِ مُدَبَّرِ الْمَرَضِ وَالْمُبْتَلِّ عِتْقُهُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ فِيهِمَا.
ص (ثُمَّ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ مُعَيَّنًا) ش: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى عَلَى صَدَقَةِ الْمَرِيضِ الْمُبَتَّلَةِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: صَدَقَةُ الْمُبَتَّلِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِعِتْقٍ مُعَيَّنٍ إذْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ سَحْنُونٌ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ قَبْلَ وَصِيَّتِهِ أَوْ بَعْدَهَا، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا تَوَقَّفَ فِي تَبْدِئَةِ صَدَقَةِ الْمُبَتَّلِ عَلَى الْوَصَايَا
وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّة: وَتَبْدَأُ أَحَبُّ إلَيَّ
وَأَمَّا عَلَى الْعِتْقِ بِعَيْنِهِ فَيَبْدَأُ الْعِتْقُ، ابْنُ زَرْقُونٍ الَّذِي فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْوَصَايَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ يُحَاصُّ بِهَا مَعَ صَدَقَةِ الْمَرِيضِ،
وَفِي كِتَابِ الْمُرَابَحَةِ مِنْ الْعُتْبِيَّة الصَّدَقَةُ مُبَدَّأَةٌ انْتَهَى.
وَفِي رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الرِّوَايَةَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ السُّؤَالَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْعَطِيَّةِ، فَقَالَ: إنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ وَلَا خِلَافَ أَحْفَظُهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رَأَيْت لِابْنِ دَحُونٍ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ قِيلَ إنَّ الصَّدَقَةَ تُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا لِلْفُقَرَاءِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْأَغْنِيَاءِ وَلَا أَعْرِفُ هَذَا الْقَوْلَ وَلَا وَجْهَ لَهُ إذْ قَدْ يُتَصَدَّقُ عَلَى الْغَنِيِّ وَيُعْطَى لِلْفَقِيرِ،
وَيَلْزَمُ أَنْ تَبْدَأَ الْوَصِيَّةُ لِلْفَقِيرِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِلْغَنِيِّ وَذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف الْمَعْلُومُ فِي الصَّدَقَةِ الْمُبَتَّلَةِ فِي الْمَرَضِ وَالْوَصِيَّةِ هَلْ يَتَحَاصَّانِ أَوْ تَبْدَأُ الصَّدَقَةُ الْمُبَتَّلَةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ إنْ صَحَّ لَزِمَتْهُ فَرَوَى الْحَارِثُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِالصَّدَقَةِ فِي مَرَضِهِ وَيُوصِي لِنَاسٍ بِوَصَايَا ثُمَّ يَمُوتُ فَيُرِيدُ أَهْلُ الْوَصَايَا أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ قَالَ لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِي صَدَقَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَمِثْلُ هَذَا فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ وَمِثْلُ هَذَا فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْأَصْلِ انْتَهَى.
فَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمُبَتَّلَةَ، وَمِثْلُهَا الْعَطِيَّةُ الْمُبَتَّلَةُ يُقَدَّمَانِ عَلَى الْوَصَايَا عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْوِيِّ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَهَلْ يُقَدَّمَانِ عَلَى الْمُوصَى بِعِتْقِهِ اخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَبْدِئَةَ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَلْ تَحْتَاجُ الْعَطِيَّةُ فِي الْمَرَضِ إلَى حَوْزٍ فَفِي الْمُنْتَقَى عَدَمُ احْتِيَاجِهَا اُنْظُرْهُ فِيهِ بَعْدُ يُشِيرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى قَوْلِ الْبَاجِيِّ فِي الْمُنْتَقَى فِي الْوَصَايَا فِي تَرْجَمَةِ الْوَصِيَّةِ فِي الثُّلُثِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ إيَّاهُمْ وَثُلُثَ مَالِي قَالَ لَا فَضْلَ إنْ حَمَلْنَا قَوْلَهُ أَنَا أَتَصَدَّقُ بِثُلُثِ مَالِي عَلَى بَتْلِ الصَّدَقَةِ فِي الْمَرَضِ، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَبْتَلَ مِنْ مَالِهِ إلَّا ثُلُثَهُ بِصَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ مُحَابَاةٍ فِي بَيْعٍ،
فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَالزِّيَادَةُ مَوْقُوفَةٌ،
فَإِنْ أَفَاقَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ لَزِمَهُ جَمِيعُهُ،
وَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ إنْ أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ، وَإِلَّا رُدَّ إلَى الثُّلُثِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ قَبْضُ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ وَشَذَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَقَالُوا: يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ إذَا قَبَضَ الْهِبَةَ أَوْ الصَّدَقَةَ انْتَهَى. وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ قَبْضُ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ وَالْوَصِيَّةُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْحَوْزُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَلْحَقَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ بِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ الْمُوصَى لَهُ بِكِتَابَتِهِ إذَا عَجَّلَ الْكِتَابَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرَ حَبْسَهُ وَقَدْ أَوْصَى بِوَصَايَا مَالٍ فَلَمْ يَحْمِلْ ذَلِكَ ثُلُثُهُ] (فَرْعٌ) جَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ الْمُوصَى بِتَحْبِيسِهِ مَعَ الْمُوصَى بِالثُّلُثِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَنَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ وَانْظُرْ الْحَبْسَ الْمُبَتَّلَ فِي الْمَرَضِ هَلْ يَبْدَأُ عَلَى الْوَصَايَا بِمَالٍ؟
فَإِنَّ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ إشَارَةً إلَى ذَلِكَ، وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ: مَنْ حَبَسَ فِي مَرَضِهِ دَارًا لَهُ وَجَعَلَهَا بَعْدَ حَبْسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ، أَذَلِكَ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ لَهُ.
وَنَصُّهُ قَوْلُهُ: إنَّ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ فِي مَرَضِهِ يُرِيدُ فَيَنْفُذُ تَغْيِيرُهُ،
وَيَبْطُلُ الْحَبْسُ إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ،
وَأَمَّا إنْ صَحَّ فَيَلْزَمُهُ الْحَبْسُ، وَيُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ رَجَعَ عَنْهُ، وَغَيَّرَهُ فِي مَرَضِهِ وَوَجْهُ كَوْنِهِ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْحَبْسُ لَا يَنْفُذُ مَنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ فِي أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ فَعَلَى قِيَاسِ هَذَا إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرَ حَبْسَهُ، وَقَدْ أَوْصَى بِوَصَايَا مَالٍ فَلَمْ يَحْمِلْ ذَلِكَ ثُلُثُهُ تَحَاصَّا فِي الثُّلُثِ وَلَمْ يَبْدَأْ الْحَبْسُ الْمُبَتَّلُ فِي الْمَرَضِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ، وَهَذَا أَصْلٌ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ بَتَّلَ عِتْقَ عَبْدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ وَأَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ آخَرَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ الْمُبَتَّلُ فِي الْمَرَضِ يَبْدَأُ عَلَى الْمُوصَى بِعِتْقِهِ أَخَذَ بِذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ دِينَارٍ وَإِيَّاهُ اخْتَارَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ تَغْيِيرُ مَا حَبَسَهُ فِي مَرَضِهِ وَلَا بَتَّلَ عِتْقَهُ فِيهِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ الْمُبَتَّلَ فِي الْمَرَضِ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ فِيهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَدْ نَقَلَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَجَعَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَعَلَيْهِ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَقَوْلُهُ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إنَّ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ حَبْسَهُ الَّذِي حَبَسَهُ فِي مَرَضِهِ يَأْتِي عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ وَلَا يَبْدَأُ الْمُبَتَّلُ فِي الْمَرَضِ عَلَى الْمُوصَى بِعِتْقِهِ انْتَهَى.
فَالْمَقْصُودُ مِنْ كَلَامِهِ قَوْلُهُ: فَعَلَى قِيَاسِ هَذَا أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرَ حَبْسَهُ، إلَى قَوْلِهِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ.
(ثُمَّ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ مُعَيَّنًا عِنْدَهُ أَوْ يُشْتَرَى) سَيَأْتِي أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمُبَتَّلَةَ فِي الْمَرَضِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ، مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: ثُمَّ يُبْدَأُ بِالْمُبَتَّلِ وَالْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ مَعًا ثُمَّ الْمُوصَى بِهِ لِلْعِتْقِ بِعَيْنِهِ وَالْمُشْتَرَى بِعَيْنِهِ مَعًا.
اللَّخْمِيِّ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَبْدَأُ الَّذِي مَلَكَهُ وَهُوَ أَبْيَنُ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُتَرَقَّبٌ فِي الَّذِي لَيْسَ فِي مِلْكِهِ.
وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَوْصَى بِوَصَايَا لِقَوْمٍ وَأَوْصَى بِبَقِيَّةِ ثُلُثِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ أَقَامَ أَيَّامًا وَأَوْصَى بِعِتْقِ رَقِيقِهِ وَأَوْصَى بِوَصَايَا لِقَوْمٍ آخَرِينَ وَلَمْ يُغَيِّرْ مِنْ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى شَيْئًا ثُمَّ مَاتَ قَالَ مَالِكٌ: يُبْدَأُ بِالْعِتْقِ. ثُمَّ يَكُونُ أَهْلُ الْوَصَايَا فِي الثُّلُثِ سَوَاءً، إنْ وَسِعَهُمْ أَخَذُوهَا وَإِلَّا تَحَاصُّوا فِيهَا بِقَدْرِ وَصَايَاهُمْ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَلَا يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ بِبَقِيَّةِ الثُّلُثِ شَيْءٌ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ وَبَعْدَ أَخْذِ أَهْلِ الْوَصَايَا الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَصَايَاهُمْ فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ أَوْ رَدَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْوَصَايَا وَصِيَّتَهُ أُدْخِلَ فِي الثُّلُثِ قِيمَةُ الْمَيِّتِ وَوَصِيَّةُ الرَّادِّ وَكَانَ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ (أَوْ لِكَشَهْرٍ أَوْ بِمَالٍ فَعَجَّلَهُ) جَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ بِعَيْنِهِ، وَالْمُوصَى أَنْ يُشْتَرَى فَيُعْتَقَ، وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ إلَى شَهْرٍ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ عَلَى مَالٍ، وَالْمُوصَى بِكِتَابَتِهِ إذَا عَجَّلَ الْكِتَابَةَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ سَوَاءٌ لَا يَبْدَأُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَتَحَاصُّونَ
ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ
(ثُمَّ) يُخْرَجُ مِنْ الْبَاقِي الرَّقِيقُ (الْمُوصَى) بِفَتْحِ الصَّادِ (بِعِتْقِهِ) حَالَ كَوْنِهِ (مُعَيَّنًا) بِفَتْحِ الْيَاءِ مُثَقَّلًا (عِنْدَهُ) أَيْ الْمُوصِي كَعَبْدِي فُلَانٍ (أَوْ) مُعَيَّنًا عِنْدَ غَيْرِهِ كَسَعِيدٍ عَبْدِ زَيْدٍ (يُشْتَرَى) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ لَهُ (أَوْ) مُعَيَّنًا أَوْصَى بِعِتْقِهِ (لِكَشَهْرٍ) أَوْ نَحْوِهِ (أَوْ) مُعَيَّنًا (أَوْصَى بِعِتْقِهِ عَلَى مَالٍ) يُؤْخَذُ مِنْهُ فَالْأَرْبَعَةُ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَتَحَاصُّونَ عِنْدَ الضِّيقِ. ابْنُ مَرْزُوقٍ شَمِلَ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ عَلَى مَالِ مَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ عَلَى مَالٍ مُعَجَّلٍ فَعَجَّلَهُ، ثُمَّ الْمُوصَى بِكِتَابَةٍ؛
وَالْمُعْتَقُ بِمَالٍ، وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ بَعُدَ، ثُمَّ الْمُعْتَقُ لِسَنَةٍ عَلَى الْأَكْثَرِ، [منح الجليل] وَمَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ عَلَى مَالٍ مُؤَجَّلٍ فَعَجَّلَهُ، وَمَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ عَلَى مَالٍ مُطْلَقٍ فَعَجَّلَهُ فَحُكْمُهَا وَاحِدٌ عَلَى الظَّاهِرِ،
وَمِثْلُهُ الْمُوصَى بِكِتَابَتِهِ فَعَجَّلَهَا فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَتَحَاصُّونَ عِنْدَ الضِّيقِ وَأُخِّرَتْ عَنْ مُبَتَّلِ الْمَرَضِ وَمُدَبَّرِهِ لِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيهَا دُونَهُمَا فِيهَا، ثُمَّ يَبْدَأُ بِالْمُبَتَّلِ وَالْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ مَعًا ثُمَّ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ بِعَيْنِهِ وَالْمُشْتَرَى لَهُ بِعَيْنِهِ.
اللَّخْمِيُّ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَبْدَأُ الَّذِي فِي مِلْكِهِ وَهَذَا أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُتَرَقَّبٌ فِي الَّذِي لَيْسَ فِي مِلْكِهِ. ابْنُ رُشْدٍ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْمُوصَى بِعِتْقِهِ بِعَيْنِهِ وَالْمُوصَى أَنْ يُشْتَرَى فَيُعْتَقَ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ عَلَى مَالٍ إذَا عَجَّلَهُ وَالْمُوصَى بِكِتَابَتِهِ إذَا عَجَّلَهَا وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ إلَى شَهْرٍ وَمَا أَشْبَهَ لَا يَبْدَأُ أَحَدُهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَتَحَاصُّونَ.
ثم الموصى بعتقه معينا عنده يعني أنه يلي المبتل ومدبر المرض العبد الذي أوصى بعتقه ناجزا وهو معين عند الموصي، قوله: "معينا" حال من الضمير البارز في عتقه، وعنده يصح أن يكون حالا منه أيضا،
ويصح أن يكون حالا من الضمير في معين. قاله الشبراخيتي. والله تعالى أعلم.
وقال الرهوني عند قوله: "ثم الموصى بعتقه معينا عنده" ما نصه: يصدق بالواحد وبالمتعدد،
فإن حمل الثلث جميعهم فالأمر واضح وإلا فقد تقدم حكم ذلك في كلام المصنف آخر باب العتق. انتهى.
فرع في الرهوني ما نصه: قال مالك فيمن أوصى بعتق بعض رقيقه فمرض بعضهم أنه يقوم مريضا ولا ينتظر به الصحة مخافة أن يموت إذا جمع المال، قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأن الميت إذا مات وجب تنفيذ ما أوصى به العتق وغيره، فوجب أن لا يؤخر ذلك من أجل مرضه. وبالله التوفيق. انتهى. أو يشترَى هذا مفهوم قوله: عنده يعني أنه يلي المبتل في المرض والمدبر فيه العبد المعين في ملك الغير موصى بشرائه ليعتق عنه ناجزا وهو في مرتبة الموصى بعتقه معينا عند الموصى، أو لكشهر يعني أنه إذا أوصى بعتق عبد معين بعد كشهر سواء كان عنده أو يشترَى فإنه في مرتبة مع الموصى بعتقه ناجزا، أو بمال فعجله يعني أنه إذا أوصى بعتق عبد معين عنده على مال معجل أو مؤجل أو أطلق فعجله العبد بعد موت الموصي،
فإن هذا العبد في مرتبة مع الموصى بعتقه ناجزا.
والحاصل أن هذه الأربعة في مرتبة واحدة، قال عبد الباقي: وهذه الأربعة في مرتبة واحدة ويتحاصون عند الضيق، وأخرت عن المبتل والمدبر في المرض لأن له الرجوع فيهم بخلافهما. انتهى.
وقال الشبراخيتي: ومثله يعني المعتق على مال فعجله الموصى بكتابته إذا عجلت،
ثم إن المال إذا عجلها لا تدخل الوصايا في ثلثه لأنه مال طرأ وهذا إذا كان بعد الموت،
وأما إن عجله في المرض فإنها تدخل الوصية في ثلثه، والظاهر أن الذي يعتبر جعله في الثلث هو ما زادته قيمته على ما عجله من الكتابة ومن المال. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.