فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبيرالدردير

(كَمُشَمَّسٍ) فَلَا يُكْرَهُ هَذَا ظَاهِرُهُ

٣٨

وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ فَلْيُجْعَلْ تَشْبِيهًا بِالْمَكْرُوهِ وَيُقَيَّدُ بِكَوْنِهِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَالْأَوَانِي الْمُنْطَبِعَةُ وَهِيَ مَا تُمَدُّ تَحْتَ الْمِطْرَقَةِ غَيْرُ النَّقْدَيْنِ وَغَيْرُ الْمُغَشَّاةِ بِمَا يَمْنَعُ انْفِصَالَ الزُّهُومَةِ مِنْهَا لَا مُسَخَّنٌ بِنَارٍ فَلَا يُكْرَهُ مَا لَمْ تَشْتَدَّ حَرَارَتُهُ فَيُكْرَهُ كَشَدِيدِ الْبُرُودَةِ لِمَنْعِهَا كَمَالَ الْإِسْبَاغِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَرَاهَةِ سُؤْرِ شَارِبِ الْخَمْرِ وَمَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَسُؤْرِ مَا لَا يَتَوَقَّى نَجِسًا إذَا لَمْ يَعْسُرْ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ طَعَامًا وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ مَحَلُّهُ إنْ لَمْ تُرَ النَّجَاسَةُ عَلَى فِيهِ وَقْتَ اسْتِعْمَالِهِ

حاشية الدسوقيالدسوقي، حاشية على الشرح الكبير

(قَوْلُهُ: كَمُشَمَّسٍ) أَيْ كَمَاءٍ مُسَخَّنٍ بِالشَّمْسِ فَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي رَفْعِ حَدَثٍ وَلَا حُكْمِ خَبَثٍ سَوَاءٌ كَانَ بِوَضْعِ وَاضِعٍ فِيهَا أَمْ لَا هَذَا ظَاهِرُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شَعْبَانَ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِمْ

(قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ) وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ عَنْ مَالِكٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ لَكِنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ طِبِّيَّةٌ لَا شَرْعِيَّةٌ؛ لِأَنَّ حَرَارَةَ الشَّمْسِ لَا تَمْنَعُ مِنْ إكْمَالِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ

٢٥٥

بِخِلَافِ الْكَرَاهَةِ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ مَا لَمْ تَشْتَدَّ حَرَارَتُهُ فَإِنَّهَا شَرْعِيَّةٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَرَاهَتَيْنِ أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ يُثَابُ تَارِكُهَا

٢٥٦

بِخِلَافِ الطِّبِّيَّةِ وَمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا طِبِّيَّةٌ هُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ ح أَنَّهَا شَرْعِيَّةٌ

(قَوْلُهُ: وَهِيَ مَا تُمَدُّ تَحْتَ الْمِطْرَقَةِ) أَيْ مِثْلُ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ لِلْقَرَافِيِّ وَقَالَ ابْنُ الْإِمَامِ الْكَرَاهَةُ خَاصَّةٌ بِالْمُشَمَّسِ فِي النُّحَاسِ الْأَصْفَرِ وَعِلَّةُ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ أَنَّ التَّسْخِينَ فِي الْأَوَانِي الْمَذْكُورَةِ يُورِثُ الْمَاءَ زُهُومَةً،

٢٥٧

فَإِذَا غُسِلَ الْعُضْوُ بِذَلِكَ الْمَاءِ انْحَبَسَ الدَّمُ عَنْ السَّرَيَانِ فِي الْعُرُوقِ وَانْقَلَبَ بَرَصًا،

٢٥٨

وَأَمَّا الْمُشَمَّسُ فِي أَوَانِي الْفَخَّارِ أَوْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ الْبِرَكِ وَالْأَنْهَارِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي اسْتِعْمَالِهِ

٢٥٩

(تَنْبِيهٌ) عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمُشَمَّسِ مَكْرُوهٌ فَالْكَرَاهَةُ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي الْبَدَنِ فِي وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ،

٢٦٠

وَلَوْ غَيْرَ مَطْلُوبٍ وَغَسْلِ نَجَاسَةٍ مِنْ الْبَدَنِ لَا مِنْ غَيْرِهِ كَالثَّوْبِ

٢٦١

وَيُكْرَهُ شُرْبُهُ وَأَكْلُ مَا طُبِخَ بِهِ إنْ قَالَتْ الْأَطِبَّاءُ بِضَرَرِهِ، وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِتَبْرِيدِ الْمَاءِ لِزَوَالِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ حِينَئِذٍ عَلَى مَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا

(قَوْلُهُ: يَمْنَعُ انْفِصَالَ الزُّهُومَةِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَوَانِي الْمَذْكُورَةِ لِلْمَاءِ

(قَوْلُهُ: فَلَا يُكْرَهُ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ التَّسْخِينُ فِي أَوَانِي النُّحَاسِ

(قَوْلُهُ: مَحَلُّهُ إلَخْ) أَيْ مَحَلُّ هَذَا التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ إنْ لَمْ تُرَ النَّجَاسَةُ عَلَى فِيهِ،

٢٦٢

فَإِنْ رُئِيَتْ عُمِلَ عَلَيْهَا أَيْ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ آخَرُ

(قَوْلُهُ: أَيْ عُلِمَتْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ فِي كَلَامِهِ عِلْمِيَّةٌ لَا بَصَرِيَّةٌ فَلَا يُقَالُ الصَّوَابُ أَنْ يُعَبِّرَ بِتُيُقِّنَتْ بَدَلَ رِيئَتْ وَأَصْلُ رِيئَتْ رُئِيَتْ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْيَاءِ فَفِيهِ قَلْبٌ مَكَانِيٌّ وَضْعُ الْيَاءِ مَكَانَ الْهَمْزَةِ وَالْهَمْزَةُ مَكَانَ الْيَاءِ وَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الْهَمْزَةِ لِلرَّاءِ

(قَوْلُهُ: عَلَى فِيهِ) لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ مِثْلُ الْفَمِ غَيْرُهُ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ

مواهب الجليلالحطاب

ص (كَمُشَمَّسٍ) ش: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُشَبَّهُ بِالْمُخْرَجِ مِنْ الْكَرَاهَةِ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُشَمَّسِ وَهُوَ الْمُسَخَّنُ بِالشَّمْسِ لَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّهَارَةِ وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ

٥٢٦

قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَالْمُشَمَّسُ كَغَيْرِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَفِيهِ

٥٢٧

تَنْبِيهٌ عَلَى خِلَافِ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَكْرَهُونَ الْمُسَخَّنَ بِالشَّمْسِ لِلطِّبِّ وَاقْتَصَرَ عِيَاضٌ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَسَنَدٌ فِي الْمُشَمَّسِ عَلَى الْكَرَاهَةِ انْتَهَى.

(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ عَنْ عِيَاضٍ هُوَ فِي قَوَاعِدِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِهَا خِلَافًا بَلْ قَالَ: لَعَلَّهُ إنَّمَا كَرِهَهُ طِبًّا

تعليق

ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ الْآتِي وَكَلَامَ سَنَدٍ فِي الطِّرَازِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَذْهَبَ كَرَاهَتُهُ وَنَصَّهُ

٥٢٨

فَرْعٌ وَكُرِهَ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَوَجْهُهُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَقَدْ سَخَّنَتْ مَاءً فِي الشَّمْسِ فَقَالَ لَا تَفْعَلِي هَذَا يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ» وَنَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ انْتَهَى. وَصَدَّرَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ بِكَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: لَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَدِيثٌ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يَخْرُجُ مِنْ الْإِنَاءِ مِثْلُ الْهَبَاءِ بِسَبَبِ التَّشْمِيسِ فِي النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ فَيَعْلَقُ بِالْأَجْسَامِ فَيُوَرِّثُ الْبَرَصَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِصَفَائِهَا.

٥٢٩

وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ وَالْمُشَمَّسُ كَغَيْرِهِ انْتَهَى كَلَامُ الذَّخِيرَةِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ نَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ أَنَّ كَرَاهَةَ الْمُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ عَنْ مَالِكٍ

تعليق

ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ السَّابِقَ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ ابْنُ الْإِمَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيَنْبَغِي كَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِ الْمُشَمَّسِ قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَبِكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِهِ لَوْ شُمِّسَ فِي أَوَانِي الصُّفْرِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ لَمَا يَحْدُثُ مِنْ الْبَرَصِ قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَسَالِكِهِ وَأَطْلَقَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ الْقَوْلَ بِكَرَاهَةِ الْوُضُوءِ مِنْهُ

٥٣٠

وَيَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ التَّجْرِبَةَ إنْ قَضَتْ بِضَرَرِ اسْتِعْمَالِهِ فَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مَا رَوَى لِمَا عُلِمَ شَرْعًا مِنْ طَلَبِ الْكَفِّ عَمَّا يَضُرُّ عَاجِلًا.

وَلَمْ يَلْزَمْ بِمَا قِيلَ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِهِ لِأَنَّ مَا لَا يَسْتَلْزِمُ الضَّرَرَ إلَّا نَادِرًا لَا يَحْرُمُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ

٥٣١

بِخِلَافِ مَا اسْتَلْزَمَهُ غَالِبًا فَإِنَّ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ الظَّنَّ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ انْتَهَى.

(قُلْتُ) : وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ كَوْنِ الْحَدِيثِ مَوْضُوعًا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَفِي كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ الَّذِي نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ أَعْنِي قَوْلَهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَدِيثٌ إشَارَةً إلَى ذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقٍ وَبَيَّنَ ضَعْفَهَا كُلَّهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مَوْضُوعًا وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ وَقَالَهُ أَنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ وَهَذَا ضَعِيفُ أَيْضًا بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُشَمَّسَ لَا أَصْلَ لِكَرَاهَتِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْأَطِبَّاءِ فِيهِ شَيْءٌ فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ انْتَهَى.

(قُلْتُ) : وَقَدْ جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ بِكَرَاهَةِ الْمُشَمَّسِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَقَوْلُهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْأَطِبَّاءِ فِيهِ شَيْءٌ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ النَّفِيسِ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ إنَّ مُقْتَضَى الطِّبِّ كَوْنُهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ قَالَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ وَهُوَ عُمْدَةٌ فِي ذَلِكَ انْتَهَى وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُكْرَهُ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ فِي الْأَوَانِي الْمُنْطَبِعَةِ وَهِيَ الْمُطْرَقَةُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: جَمِيعُ مَا يُطْرَقُ

٥٣٢

وَقِيلَ كُلُّ مَا يُطْرَقُ إلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لِصَفَائِهِمَا

٥٣٣

وَقِيلَ إنَّهَا مِنْ النُّحَاسِ خَاصَّةً

٥٣٤

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَوْلَ بِكَرَاهَةِ الْمُشَمَّسِ قَوِيٌّ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِنَفْيِ الْكَرَاهَةِ لَمْ أَرَهُ إلَّا فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْإِمَامِ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ نَقَلَهُ ابْنُ الْفَرَسِ عَنْ مَالِكٍ وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ كَوْنِهِ فِي أَوَانِي الصُّفْرِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَجَوَّزَ ابْنُ الْفُرَاتِ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَمُشَمَّسٍ رَاجِعًا إلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ (قُلْتُ) : وَكَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ إنَّهُ إنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ قَالَ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى رَفْعِهِ الْحَدَثَ بَلْ لِمُنْفَصِلٍ عَنْهُ قَالَ وَيَتَعَيَّنُ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْوَاجِبِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْمَكْرُوهَةِ انْتَهَى.

(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ إذَا قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ فَالظَّوَاهِرُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ إرْشَادٍ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ وَلَيْسَتْ كَرَاهَةً شَرْعِيَّةً وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ الشَّرْعِيَّةَ يُثَابُ تَارِكُهَا انْتَهَى.

(قُلْتُ) : فِي هَذَا الْكَلَامِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ حَيْثُ نَهَى الشَّرْعُ عَنْ شَيْءٍ أُثِيبَ عَلَى تَرْكِهِ كَمَنْ تَرَكَ أَكْلَ السُّمِّ امْتِثَالًا لِنَهْيِ الشَّرْعِ عَنْ التَّسَبُّبِ فِي قَتْلِ النَّفْسِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَلَامُ ابْنِ الْإِمَامِ السَّابِقُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ نَحْوَ مَا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَقَالَ: هَذَا خِلَافُ الْمَشْهُورِ، (الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَانْظُرْ هَلْ تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِتَبْرِيدِهِ أَوْ لَا أَوْ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ لِلْأَطِبَّاءِ

٥٣٥

أَمَّا إنْ قِيلَ إنَّ الْعِلَّةَ تُحَلِّلُ أَجْزَاءً مِنْ الْإِنَاءِ فَلَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِتَبْرِيدِهِ انْتَهَى.

(قُلْتُ) : وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، (الرَّابِعُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ الْمُشَمَّسِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ تَبَرُّدٍ أَوْ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ وَفِي غُسْلِ النَّجَاسَةِ بِهِ مِنْ الْبَدَنِ

٥٣٦

وَأَمَّا غُسْلُ النَّجَاسَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْبَدَنِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يُبَاشِرْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ شُرْبُهُ وَأَكْلُ طَعَامٍ طُبِخَ فِيهِ إنْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يَضُرُّ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ، (الْخَامِسُ)

٥٣٧

أَمَّا الْمُشَمَّسُ فِي الْبِرَكِ وَالْأَنْهَارِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَتِهِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ: لِعَدَمِ إمْكَانِ الصِّيَانَةِ وَتَأْثِيرِ الشَّمْسِ انْتَهَى،.

(قُلْتُ) : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا يُخَالِفُهُ وَقَوْلُهُ وَتَأْثِيرِ الشَّمْسِ أَيْ وَلِعَدَمِ تَأْثِيرِ الشَّمْسِ، (السَّادِسُ) الْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ لَكِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ ابْنُ الْكَرَوِيِّ بِأَنْ لَا يَكُونَ شَدِيدَ التَّسْخِينِ فَإِنْ كَانَ شَدِيدَ التَّسْخِينِ كُرِهَ

٥٣٨

وَمِثْلُهُ شَدِيدُ الْبُرُودَةِ قَالَ: لِأَنَّهُ يُنَافِي الْخُشُوعَ وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْإِسْبَاغَ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ سَنَدٍ أَنَّ الْمُسَخَّنَ يُسْتَعْمَلُ وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ طَعْمُ الْقِدْرِ

٥٣٩

[فَرْعٌ الْمَاءُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّجَاسَةِ] (فَرْعٌ) يُكْرَهُ الْمَاءُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْكَرَوِيِّ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ.

٥٤٠

(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَا وَقَعَ لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ تَفْضِيلِ الْبَارِدِ عَلَى الْمُسَخَّنِ إنَّمَا ذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَشُدُّ الْأَعْضَاءَ وَلِنَشَاطِ النَّفْسِ بَعْدَهُ فِي إقْلِيمِ الْحِجَازِ وَحَرَارَةِ الْبِلَادِ وَقَالَ غَيْرُهُ: لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الرَّفَاهِيَةِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ وَأَنَا أَفْعَلُهُ كَثِيرًا وَنَقَلَ فِي الْبَيَانِ كَرَاهَتَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ فَإِنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّنَعُّمِ وَأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْمَاءِ الْبَارِدِ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ لِلْحَدِيثِ فَقَدْ أَصَابَ.

٥٤١

(تَنْبِيهٌ وَفَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ: هَذَا وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ الْبَارِدِ مَعَ وُجُودِ الْمُسَخَّنِ أَفْضَلُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَطْلُبْ مِنْ عِبَادِهِ الْمَشَاقَّ وَلِأَنَّ الْقُرَبَ كُلَّهَا تَعْظِيمٌ وَتَوْقِيرٌ وَلَيْسَ عَيْنُ الْمَشَاقِّ تَعْظِيمًا وَلَا تَوْقِيرًا وَإِنَّمَا طَلَبَ مِنْهُمْ تَحْصِيلَ الْمَصَالِحِ فَإِنْ لَمْ تُحَصَّلْ إلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظُمَ الْأَجْرُ لِقُرْبِ الْإِخْلَاصِ فَلِذَلِكَ كَانَ ثَوَابُ أَشَقِّ الْفِعْلَيْنِ الْمُتَّحِدَيْنِ وَالْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ وَالسُّنَنِ وَغَيْرِهَا أَعْظَمَ كَالْوُضُوءِ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُضُوءِ فِي الصَّيْفِ وَهَذَا مِنْ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَالصَّوْمِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَشِدَّةِ الْقَيْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ أَوْ فَصْلِ الْبَرْدِ وَإِنْ أَمْكَنَ حُصُولُ الْمَصَالِحِ بِدُونِ مَشَقَّةٍ وَأَرَادَ أَحَدٌ فِعْلَ الْأَشَقِّ طَلَبًا لِمَزِيدِ الثَّوَابِ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِالْبَارِدِ مَعَ وُجُودِ الْمُسَخَّنِ وَكَسَلْوِكِ الطَّرِيقِ الْأَبْعَدِ إلَى الْجَامِعِ وَالْحَجِّ دُونَ الْأَقْرَبِ مَعَ إمْكَانِ سُلُوكِهِ قَصْدًا لِمَا ذُكِرَ كَانَ غَالِطًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَشَقَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ بَلْ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَرُبَّمَا كَانَ فِي فِعْلِهِ الْعِقَابُ عَلَى قَدْرِ الْمَفْسَدَةِ انْتَهَى.

٥٤٢

وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَتَسْخِينُ الْمَاءِ لِدَفْعِ بَرْدِهِ لِيَقْوَى عَلَى الْعِبَادَةِ لَا يَمْنَعُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ الْمَذْكُورِ

تعليق

ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي كَثْرَةِ الْخُطَا إلَى الْمَسَاجِدِ نَحْوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْإِمَامِ وَقَبِلَهُ وَأَيَّدَهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي عَنْ الْبُرْزُلِيِّ.

٥٤٣

[فَرْعٌ دُخُولُ الْحَمَّامِ] (فَرْعٌ) وَأَمَّا دُخُولُ الْحَمَّامِ فَوَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ فِي الرِّوَايَاتِ وَفَتَاوَى الشُّيُوخِ وَاَلَّذِي حَصَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي جَامِعِ الْمُقَدِّمَاتِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ ابْنُ شَاسٍ وَالْقَرَافِيُّ وَابْنُ نَاجِي وَالْقَلْشَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ دُخُولَهُ لِلرَّجُلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ إذَا كَانَ خَالِيًا قَالَ ابْنُ نَاجِي أَوْ مَعَ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ. الثَّانِي إذَا كَانَ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ أَوْ مَعَهُ مَنْ لَا يَسْتَتِرُ فَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ وَمَنْ فَعَلَهُ كَانَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ.

٥٤٤

وَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْبَيَانِ: وَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي دِينِهِ وَقَدْحٌ فِي شَهَادَتِهِ

٥٤٥

وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ دُخُولِهِ مَعَ مَنْ لَا يَسْتَتِرُ بَلْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ سِوَى مَائِهِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إلَّا بِدُخُولِهِ وَمَنْ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَ كَالْعَادِمِ لِلْمَاءِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَهُ غَاضًّا بَصَرَهُ لِإِخْرَاجِهِ لَا لِمُقَامِهِ فِيهِ إذْ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى. فَعَلَى قَوْلِهِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهُ صَارَ عَادِمًا لِلْمَاءِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.

(الثَّالِثُ) إذَا كَانَ مَسْتُورًا مَعَ مَسْتُورِينَ فَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ: لَا بَأْسَ بِهِ وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْغُسْلِ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ فِيهِ وَاَللَّهُ مَا دُخُولُهُ بِصَوَابٍ فَكَيْفَ يَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ وَوَجْهُ كَرَاهَةِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا مَعَ مَسْتُورِينَ مَخَافَةً أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَةِ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إذْ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ دَخَلَهُ مَعَ النَّاسِ

٥٤٦

وَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْبَيَانِ: وَأَمَّا كَرَاهَةُ الِاغْتِسَالِ مِنْ مَائِهِ فَلِأَنَّهُ يُسَخَّنُ بِالْأَقْذَارِ وَالنَّجَاسَاتِ وَلِاخْتِلَافِ الْأَيْدِي فَرُبَّمَا تَنَاوَلَ أَخْذُهُ بِيَدِهِ مَنْ لَا يَتَحَفَّظُ لِدِينِهِ.

٥٤٧

وَقَالَ قَبِلَهُ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي حَوْضِ الْحَمَّامِ وَهُوَ مَلَآنِ يُجْزِئُهُ فِي طَهَارَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ طَاهِرًا يُرِيدُ بِذَلِكَ الرَّجُلِ وَالْمَاءِ جَمِيعًا وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ بِالشَّرْطَيْنِ جَمِيعًا لَا أَنَّهُ يُبِيحُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً لِوَجْهَيْنِ: (الْأَوَّلُ) الِاغْتِسَالُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ،

٥٤٨

(وَالثَّانِي) كَرَاهَةُ الِاغْتِسَالِ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ.

٥٤٩

وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي الْقِسْمِ الثَّانِي هُوَ مَكْرُوهٌ

٥٥٠

وَقِيلَ جَائِزٌ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ يَصِحُّ بِعَشَرَةِ شُرُوطٍ ذَكَرَهَا ابْنُ شَاسٍ أَنْ لَا يَدْخُلَ إلَّا بِنِيَّةِ التَّدَاوِي أَوْ التَّطَهُّرِ وَأَنْ يَقْصِدَ أَوْقَاتَ الْخَلْوَةِ وَقِلَّةِ النَّاسِ وَأَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ بِإِزَارٍ صَفِيقٍ وَأَنْ يَطْرَحَ بَصَرَهُ إلَى الْأَرْضِ أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْحَائِطَ لِئَلَّا يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مَحْظُورٍ وَأَنْ يُغَيِّرَ مَا يَرَى مِنْ مُنْكَرٍ بِرِفْقٍ بِقَوْلِهِ: اسْتَتِرْ سَتَرَكَ اللَّهُ وَأَنْ لَا يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ عَوْرَتِهِ أَنْ يُدَلِّكَهَا وَهِيَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْفَخْذَيْنِ هَلْ هُمَا عَوْرَةٌ أَمْ لَا وَأَنْ يَدْخُلَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ وَأَنْ يَصُبَّ مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَأَنْ يَتَذَكَّرَ عَذَابَ جَهَنَّمَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دُخُولِهِ وَحْدَهُ اتَّفَقَ مَعَ قَوْمٍ يَحْفَظُونَ أَدْيَانَهُمْ عَلَى كِرَائِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ فَلْيَجْتَهِدْ فِي غَضِّ الْبَصَرِ.

٥٥١

وَإِنْ حَضَرَ وَقْتَ صَلَاةٍ فِيهِ اسْتَتَرَ وَصَلَّى فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ انْتَهَى هَذِهِ آدَابٌ مِنْهَا وَاجِبٌ وَمِنْهَا مَنْدُوبٌ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمَدْخَلِ وَقَالَ فِيهِ: وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَسْتُورُ الْعَوْرَةِ مَعَ مَكْشُوفِ الْعَوْرَةِ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الْحَمَّامِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْ هُوَ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ وَيَصُونُ نَظَرَهُ وَسَمْعَهُ كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِاغْتِسَالُ فِي النَّهْرِ وَإِنْ كَانَ يَجِدُ فِيهِ ذَلِكَ وَكَمَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ الْمَسَاجِدِ وَفِيهَا مَا فِيهَا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى زَمَانِهِ

٥٥٢

وَأَمَّا زَمَانُنَا فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُجِيزَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ وَالْغَالِبُ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَنَّ شَاطِئَ النَّهْرِ فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ مِثْلُ مَا فِي الْحَمَّامَاتِ

٥٥٣

وَكَذَلِكَ الْفَسَاقِي الَّتِي فِي الْمَيَاضِي وَالرِّبَاطَاتِ إذْ أَنَّهَا مَحِلُّ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ وَمَا أَتَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ أَلْفَاظَ الْعُلَمَاءِ عَلَى عُرْفِهِمْ وَزَمَانِهِمْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَخْتَصُّ كُلُّ زَمَانٍ بِعَادَتِهِ وَعُرْفِهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ انْتَهَى.

وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْغُسْلِ أَنَّ الْغُسْلَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فِي زَمَانِ الدِّفَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْحَمَّامِ لِأَنَّ مَالِكًا كَرِهَهُ

٥٥٤

وَأَمَّا زَمَنُ الْبَرْدِ فَدُخُولُ الْحَمَّامِ أَفْضَلُ خَشْيَةَ أَنْ يَضُرَّهُ الْمَاءُ الْبَارِدُ انْتَهَى، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٥٥

وَأَمَّا دُخُولُ النِّسَاءِ فَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنَّهُنَّ بِمَنْزِلَةِ الرِّجَالِ

تعليق

ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الشَّيْخِ فِي الرِّسَالَةِ وَلَا تَدْخُلُهُ امْرَأَةٌ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ وَقَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِهَا هَذَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحَمَّامَ مُحَرَّمٌ عَلَى النِّسَاءِ وَبَحَثَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: فَدُخُولُ النِّسَاءِ الْحَمَّامَاتِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِنَّ

تعليق

ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي حَالِ الْمَرَضِ وَقَالَ: لَوْ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِنَّ لَمَا جَازَ فِي الْمَرَضِ فَهُوَ لَهُنَّ فِي الْمَرَضِ جَائِزٌ وَمَعَ الصِّحَّةِ مَكْرُوهٌ وَإِذَا كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ مُؤْتَزِرَاتٍ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ. وَنَحْوُهُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ

٥٥٦

وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَرَاهَتَهُ لَهُنَّ لِغَيْرِ عِلَّةٍ إذَا كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ أَشَدُّ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِلرِّجَالِ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِهَا فِي حَقِّهِنَّ وَإِنَّمَا بَحَثَ فِي نَفْيِ التَّحْرِيمِ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ

٥٥٧

وَأَمَّا فِي الرِّجَالِ فَقَالَ: تَرْكُهُ أَحْسَنُ وَفَسَّرَ الشُّرَّاحُ قَوْلَ الرِّسَالَةِ مِنْ عِلَّتِهِ بِالْمَرَضِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَقَابَلُوهُ بِمُجَرَّدِ النَّظَافَةِ وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَقَدْ ذَاعَ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَسْتَتِرْنَ إلَّا الْقَلِيلَ وَذَلِكَ الْقَلِيلُ يَرَى عَوْرَةَ غَيْرِهِ فَأَرَاهُ الْيَوْمَ مَجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ إلَّا أَنْ يَخْلُوَ لَهَا أَوْ تَكُونَ مَعَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا.

٥٥٨

[فَرْعٌ فِيمَنْ مَنَعَ زَوْجَتَهُ مِنْ الْحَمَّامِ] (فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ السُّيُورِيِّ فِيمَنْ مَنَعَ زَوْجَتَهُ مِنْ الْحَمَّامِ: فَهُوَ صَوَابٌ وَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ وَإِذَا اُضْطُرَّتْ إلَيْهِ وَكَانَ مَا يُؤَدَّى فِي إخْلَائِهِ لَا يُجْحَفُ بِهِ وَلَمْ تَكُنْ تَرَى فِي خُرُوجِهَا مَا لَا يَجُوزُ جَازَ وَلَزِمَهُ.

٥٥٩

(فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ» لَكِنْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٦٠

(فَائِدَةٌ) قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: مَنَعَ سَحْنُونٌ دُخُولَ الرَّجُلِ الْحَمَّامَ بِزَوْجِيَّتِهِ مَعًا وَأَجَازَهُ بِإِحْدَاهُمَا وَذَكَرَ ابْنُ الرَّقِيقِ فِي تَارِيخِ الْقَيْرَوَانِ أَنَّ أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ أَجَابَ الْأَمِيرَ بِجَوَازِ دُخُولِ الْحَمَّامِ بِجَوَارِيهِ وَخَطَّأَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ لِحُرْمَةِ الْكَشْفِ بَيْنَهُنَّ وَالصَّوَابُ مَعَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْقَسَم وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

التاج والإكليلالمواق

(كَمُشَمَّسٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ وَالْمُشَمَّسُ كَغَيْرِهِ.

١٦

وَفِي قَوَاعِدِ عِيَاضٍ: إنَّ الْمُشَمَّسَ مَكْرُوهٌ وَفِي الْمَسَالِكِ النَّهْيُ عَنْ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ نَهْيُ أَدَبٍ وَكُرِهَ ذَلِكَ كَمَا كُرِهَ الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ وَنَقَلَ فِي الذَّخِيرَةِ حَدِيثًا بِالنَّهْيِ عَنْهُ انْتَهَى وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ الْقَبَّابِ لَعَلَّ هَذَا مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا الْمُتَّقَى مِنْ ذَلِكَ الْمُشَمَّسُ فِي أَوَانِي الصَّفَرِ

شرح الخرشيالخرشي

(ص) كَمُشَمَّسٍ (ش) هَذَا مُشَبَّهٌ بِالْمُخْرَجِ مِنْ الْكَرَاهَةِ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ أَيْ فَلَا يُكْرَهُ التَّطْهِيرُ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ عِنْدَ ابْنِ شَعْبَانَ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ بَعْضٌ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِمْ وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ قَوِيٌّ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ عَنْ مَالِكٍ وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَيْهِ، وَلِذَا جَوَّزَ ابْنُ الْفُرَاتِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يَكُونَ شَبَّهَهُ بِالْمَكْرُوهَاتِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ حِينَئِذٍ بِكَوْنِهِ فِي الْأَوَانِي الصُّفْرِ مِنْ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

لا زيادة له على هذه المسألة.

حاشية العدويالعدوي، حاشية على شرح الخرشي

(قَوْلُهُ كَمُشَمَّسٍ) أَيْ مُسَخَّنٍ بِالشَّمْسِ وَسَوَاءٌ كَانَ بِوَضْعِ وَاضِعٍ فِيهَا أَوْ لَا،

٥٧٣

وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي الْأَوَّلِ

٥٧٤

فَلَوْ عَبَّرَ بِمُتَشَمِّسٍ لَكَانَ أَوْلَى

(قَوْلُهُ وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ قَوِيٌّ) ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ

(قَوْلُهُ بِكَوْنِهِ فِي الْأَوَانِي الصُّفْرِ) أَيْ النُّحَاسِ الْأَصْفَرِ لِمَا يُحْدِثُ مِنْ الْبَرَصِ هَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْإِمَامِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ إلَّا أَنَّ الْقَرَافِيَّ قَالَ يَخْرُجُ مِنْ الْإِنَاءِ مِثْلُ الْهَبَاءِ بِسَبَبِ التَّشَمُّسِ فِي النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْأَجْسَامِ فَيُورِثُ الْبَرَصَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِصَفَائِهِمَا فَلَعَلَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ لَا يُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَوَانِي الصُّفْرِ وَخَصَّصَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ذَلِكَ بِخُصُوصِ النُّحَاسِ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ كَوْنِهِ أَصْفَرَ أَوْ لَا وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَهَلْ الْكَرَاهَةُ شَرْعِيَّةٌ، وَهُوَ مَا ارْتَضَاهُ الْحَطَّابُ أَوْ طِبِّيَّةٌ وَبِهِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ؛

لِأَنَّ الشَّمْسَ لِحِدَّتِهَا تَفْصِلُ مِنْ الْمَاءِ زُهُومَةً تَعْلُو الْمَاءَ فَإِذَا لَاقَتْ الْبَدَنَ بِسُخُونَتِهَا خِيفَ أَنْ تَقْبِضَ عَلَيْهِ فَيُحْبَسُ الدَّمُ فَيَحْصُلُ الْبَرَصُ

٥٧٥

بِخِلَافِ الْمُسَخَّنِ بِالنَّارِ فَإِنَّ النَّارَ تُذْهِبُ الزُّهُومَةَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ الشَّرْعِيَّةَ يُثَابُ تَارِكُهَا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْإِرْشَادَ شَرْعِيٌّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَنْدُوبِ أَنَّهُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَالْإِرْشَادُ لِنَفْعِ الدُّنْيَا عج قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَانْظُرْ هَلْ تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِتَبْرِيدِهِ أَمْ لَا أَوْ يَرْجِعُ ذَلِكَ لِلْأَطِبَّاءِ وَفِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ إنْ بَرَدَ زَالَتْ الْكَرَاهَةُ فِيهِ انْتَهَى.

(أَقُولُ) وَحِينَئِذٍ فَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِتَبْرِيدِهِ؛ لِأَنَّا نَرْجِعُ لِلشَّافِعِيَّةِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ عِنْدَنَا.

٥٧٦

(تَنْبِيهٌ) : يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ الْمُشَمَّسِ فِي الْبَدَنِ فِي وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ مَطْلُوبٍ أَوْ لَا أَوْ غُسْلِ نَجَاسَةٍ فِي الْبَدَنِ لَا فِي غَيْرِهِ كَالثَّوْبِ نَعَمْ يُكْرَهُ شُرْبُهُ وَأَكْلُ مَا طُبِخَ فِيهِ إنْ قَالَتْ الْأَطِبَّاءُ بِضَرَرِهِ وَلَا كَرَاهَةَ فِي مُشَمَّسِ الْبِرَكِ وَالْأَنْهَارِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الصِّيَانَةِ وَعَدَمِ تَأْثِيرِ الشَّمْسِ فِيهِ.

منح الجليلعليش

(كَمُشَمَّسٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمِيمِ الثَّانِيَةِ أَيْ مَاءٍ مُسَخَّنٍ بِشَمْسٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالطَّعَامِ فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ مَذْكُورٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ شَعْبَانَ وَمَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَنَقَلَ ابْنُ الْفَرَسِ كَرَاهَتَهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا جُمْهُورُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهَا بِجَعْلِهِ مُشَبَّهًا بِمَا قَبْلَهُ فِي الْكَرَاهَةِ وَقُيِّدَتْ بِالْبِلَادِ الْحَارَّةِ كَالْحِجَازِ، وَالْأَوَانِي الَّتِي تَمْتَدُّ تَحْتَ الْمِطْرَقَةِ غَيْرَ النَّقْدَيْنِ وَخَصَّ ابْنُ الْإِمَامِ التِّلْمِسَانِيِّ ذَلِكَ بِالنُّحَاسِ الْأَصْفَرِ.

٧٣

وَلَا يُكْرَهُ الْمُسَخَّنُ بِنَارٍ مَا لَمْ تَشْتَدَّ سُخُونَتُهُ فَيُكْرَهَ كَشَدِيدِ الْبُرُودَةِ لِمَنْعِهِمَا كَمَالَ الْخُشُوعِ، وَالْكَرَاهَةُ قَاصِرَةٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْبَدَنِ بِوُضُوءٍ، أَوْ غُسْلٍ، أَوْ رَفْعِ حُكْمِ خَبَثٍ، أَوْ وَسَخٍ ظَاهِرٍ وَلَا يُكْرَهُ فِي الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ وَنَحْوِهَا

٧٤

وَيُكْرَهُ شُرْبُهُ وَأَكْلُ الْمَطْبُوخِ بِهِ إنْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ بِضَرَرِهِ وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِتَبْرِيدِهِ وَكَرَاهَةُ سُؤْرِ الْمَاءِ، وَالْمُدْخَلِ فِيهِ، وَإِبَاحَةُ الطَّعَامِ مَحَلَّهُمَا إذَا لَمْ تُرَ النَّجَاسَةُ عَلَى فَمِهِ، أَوْ يَدِهِ حِينَ اسْتِعْمَالِهِ.

لوامع الدرر في هتك أستار المختصرمحمد بن محمد سالم المجلسي

لا يتكلم على هذه المسألة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.