تجب زكاة نصاب النعم بملك وحول كملا
الشروح عليها
(تَجِبُ زَكَاةُ نِصَابِ النَّعَمِ) الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (بِمِلْكٍ) فَلَا تَجِبُ عَلَى غَاصِبٍ وَمُودَعٍ بِالْفَتْحِ وَمُلْتَقِطٍ (وَحَوْلٍ كَمُلَا) أَيْ الْمِلْكُ وَالْحَوْلُ فَإِنْ لَمْ يَكْمُلْ الْمِلْكُ كَمَالِ الْعَبْدِ وَمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ وَمَالِ الْمَدِينِ بِشَرْطٍ فَلَا تَجِبُ فِيهِ،
وَكَذَا إنْ لَمْ يَكْمُلْ الْحَوْلُ
وَأَمَّا جَوَازُ إخْرَاجِهَا قَبْلَهُ بِشَهْرٍ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ فَرُخْصَةٌ هَذَا إذَا كَانَتْ النَّعَمُ سَائِمَةً وَهِيَ الرَّاعِيَةُ بَلْ
(قَوْلُهُ تَجِبُ زَكَاةُ إلَخْ) هَذَا فِي قُوَّةِ قَوْلِنَا كُلُّ نِصَابٍ مِنْ أَنْوَاعِ النَّعَمِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ
وَظَاهِرُهُ كَانَ مِلْكًا لِوَاحِدٍ أَوْ لِأَكْثَرَ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَالْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ وَهُوَ الْإِخْرَاجُ لَا الْمَعْنَى الِاسْمِيُّ إذْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ
(قَوْلُهُ نِصَابُ النَّعَمِ) النِّصَابُ لُغَةً الْأَصْلُ وَشَرْعًا الْقَدْرُ الَّذِي إذَا بَلَغَهُ الْمَالُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ وَسُمِّيَ نِصَابًا أَخْذًا لَهُ مِنْ النُّصُبِ لِأَنَّهُ كَعَلَامَةٍ نُصِبَتْ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَوْ لِأَنَّ لِلْفُقَرَاءِ فِيهِ نَصِيبًا وَالنَّعَمُ وَاحِدُ الْأَنْعَامِ وَهِيَ الْمَالُ الرَّاعِيَةُ فَيَصْدُقُ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مَا ذَكَرَ نَعَمًا لِكَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ فِيهَا عَلَى خَلْقِهِ مِنْ النُّمُوِّ وَعُمُومِ الِانْتِفَاعِ وَالنَّعَمُ اسْمُ جَمْعٍ لَا اسْمُ جِنْسٍ لِأَنَّهُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ بَلْ مِنْ مَعْنَاهُ وَاسْمُ الْجِنْسِ هُوَ الَّذِي يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ بِالتَّاءِ غَالِبًا.
(قَوْلُهُ بِمِلْكٍ) أَيْ بِسَبَبِ مِلْكٍ لِلنِّصَابِ وَبِسَبَبِ حَوْلٍ أَيْ مُرُورِ حَوْلٍ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَصْلِهِ فَالْأَوَّلُ كَمَا لَوْ كَانَ يَمْلِكُ أَرْبَعِينَ نَعْجَةً تَمَامَ الْحَوْلِ وَالثَّانِي كَمَا لَوْ كَانَ مَلَكَ عِشْرِينَ نَعْجَةً حَوَامِلَ ثُمَّ وَلَدَتْ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَقَدْ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى أَصْلِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَوْلَ شَرْطٌ بِلَا خِلَافٍ لِصِدْقِ تَعْرِيفِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُوبُهَا وَلَا عَدَمُهُ لِتَوَقُّفِ وُجُوبِهَا عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ وَفَقْدِ الْمَانِعِ كَالدِّينِ فِي الْعَيْنِ
وَأَمَّا الْمِلْكُ فَقَالَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ سَبَبٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْوُجُوبِ بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهُ شَرْطٌ نَظَرًا لِلظَّاهِرِ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْوُجُوبِ وَلَا عَدَمُهُ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى شُرُوطٍ أُخَرَ كَالْحَوْلِ وَانْتِفَاءِ مَانِعٍ كَالدِّينِ وَقَرْنُ الْمُؤَلِّفِ لَهُ بِالشَّرْطِ يُؤَكِّدُ كَوْنَهُ شَرْطًا وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالْبَاءِ الَّتِي لِلسَّبَبِيَّةِ لِأَنَّ جَعْلَهَا لِلسَّبَبِيَّةِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ لِلْمَعِيَّةِ أَوْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهَا فِي حَقِيقَتِهَا وَهُوَ السَّبَبِيَّةُ وَمَجَازُهَا وَهُوَ الْمَعِيَّة.
(قَوْلُهُ كَمَا الْعَبْدُ وَمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ) أَيْ كَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ لَكِنْ مِلْكُهُ غَيْرُ تَامٍّ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ مَرْدُودٌ لَا لِأَنَّ لِسَيِّدِهِ انْتِزَاعَهُ لِعَدَمِ صِدْقِ هَذِهِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ
(قَوْلُهُ بِشَرْطِهِ) أَيْ بِأَنَّ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَالٍ قَدْرُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ أَزْيَدَ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ.
(قَوْلُهُ فَرُخْصَةٌ) أَيْ وَلِأَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ
(قَوْلُهُ وَهِيَ الرَّاعِيَةُ) أَيْ الَّتِي تَرْعَى الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ النَّابِتَ. وَاعْلَمْ أَنَّ السَّائِمَةَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا إذَا تَوَفَّرَتْ فِيهَا الشُّرُوطُ وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْلُوفَةِ فِي كُلِّ الْحَوْلِ أَوْ بَعْضِهِ وَفِي الْعَامِلَةِ فِي حَرْثٍ وَنَحْوُهُ فَمَذْهَبُنَا وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِمَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا عُلِفَتْ فِي الْحَوْلِ وَلَوْ جُمُعَةً لَا زَكَاةَ فِيهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ إذَا عُلِفَتْ كُلَّ الْحَوْلِ أَوْ غَالِبَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا وَإِلَّا فَالزَّكَاةُ وَالْعَامِلَةُ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَلَوْ سَائِمَةً.
(قَوْلُهُ بَلْ وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُوفَةً) أَيْ وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّائِمَةِ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ عَلَى مَوَاشِي الْعَرَبِ فَهُوَ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا مَفْهُومَ لَهُ
[كِتَابُ الزَّكَاةِ] ص (- بَابٌ - تَجِبُ زَكَاةُ النَّعَمِ) ش الزَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ: النُّمُوُّ وَالْبَرَكَةُ وَزِيَادَةُ الْخَيْرِ، يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ إذَا نَمَا وَزَكَتْ النَّفَقَةُ إذَا بُورِكَ فِيهَا وَفُلَانٌ زَاكٍ أَيْ كَثِيرُ الْخَيْرِ، وَيُطْلَقُ عَلَى التَّطْهِيرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} أَيْ طَهَّرَهَا مِنْ الْأَدْنَاسِ وَمُنَاسَبَتُهَا لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِنُمُوِّ الْمَالِ الْمُخْرَجِ مِنْهُ وَطُهْرَةً لِلْمُخْرِجِ مِنْ الْإِثْمِ،
وَفِي الشَّرْعِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الزَّكَاةُ اسْمُ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِ شَرْطُهُ لِمُسْتَحِقِّهِ بِبُلُوغِ الْمَالِ نِصَابًا وَمَصْدَرُ إخْرَاجِ جُزْءٍ إلَى آخِرِهِ، وَعُلِمَ وُجُوبِهَا لِغَيْرِ حَدِيثِ الْإِسْلَامِ ضَرُورِيٌّ ابْنُ رُشْدٍ جَاحِدُهَا كَافِرٌ قُلْت يُرِيدُ غَيْرَ الْحَدِيثِ، وَبَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ تَارِكُهَا كَافِرٌ، انْتَهَى. وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَعْنِي كَوْنَهَا اسْمًا فَقَالَ: هِيَ اسْمٌ لِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ يُخْرِجُهُ الْمُسْلِمُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِالنِّيَّةِ وَسُمِّيَتْ زَكَاةً؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَنْمُو بِبَرَكَةِ إخْرَاجِهَا وَمُؤَدِّيهَا يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ كَابْنِ شَاسٍ زَكَاةَ الْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ عَلَى الْعَيْنِ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ تَرْتِيبِ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا لِشَرَفِ مَا يَنْمُو بِنَفْسِهِ، وَقُدِّمَ الْحَيَوَانُ لِشَرَفِهِ عَلَى الْجَمَادِ وَبُدِئَ مِنْهَا بِالْإِبِلِ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِأَنَّهَا أَشْرَفُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، وَالنِّصَابُ بِكَسْرِ النُّونِ فِي اللُّغَةِ: الْأَصْلُ،
وَفِي الشَّرْعِ: الْقَدْرُ الَّذِي إذَا بَلَغَهُ الْمَالُ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَذَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ وَسُمِّيَ نِصَابًا؛ لِأَنَّهُ كَالْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ أَوْ؛ لِأَنَّ الْمَالَ إذَا بَلَغَ النِّصَابَ إلَيْهِ يُبْعَثُ لِلسُّعَاةِ، وَالنَّصَبُ بِالتَّحْرِيكِ بِمَعْنَى التَّعَبِ أَوْ بِمَعْنَى النَّصِيبِ؛ لِأَنَّ لِلْمَسَاكِينِ فِيهِ نَصِيبًا حِينَئِذٍ وَالنَّعَمُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ اسْمٌ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ قَالَ الدَّمِيرِيُّ نَقَلَ الْوَاقِدِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَخَصَّهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَالْهَرَوِيُّ بِالْإِبِلِ لِقَوْلِ حَسَّانٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ ...
خِلَالَ بُيُوتِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ ،
وَقِيلَ: يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرَ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْغَنَمِ، انْتَهَى. قُلْت وَعَلَى مَا قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَابْنُ دُرَيْدٍ مَشَى الْحَرِيرِيُّ فِي دُرَّةِ الْغَوَّاصِ فِي أَوْهَامِ الْخَوَاصِّ
فَقَالَ: وَكَذَلِكَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ النَّعَمِ وَالْأَنْعَامِ، وَقَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا الْعَرَبُ فَجَعَلَتْ النَّعَمَ اسْمًا لِلْإِبِلِ خَاصَّةً وَالْمَاشِيَةِ الَّتِي مِنْهَا الْإِبِلُ، وَقَدْ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ وَجُعِلَتْ الْأَنْعَامُ اسْمًا لِأَنْوَاعِ الْمَاشِيَةِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ أَدْخَلَ فِيهَا الظِّبَاءَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} انْتَهَى. قُلْت، وَظَاهِرُ كَلَامِ الصِّحَاحِ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الْإِبِلِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالنَّعَمُ وَاحِدُ الْأَنْعَامِ وَهِيَ الْمَالُ الرَّاعِيَةُ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى الْإِبِلِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهُوَ ذَكَرٌ لَا يُؤَنَّثُ يَقُولُونَ هَذَا نَعَمٌ وَارِدٌ وَالْأَنْعَامُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: النَّعَمُ الْإِبِلُ وَالشَّاءُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ جَمْعُهَا أَنْعَامٌ وَأَنَاعِيمُ جَمْعُ الْجَمْعِ، انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ النَّعَمَ اسْمٌ لِلْإِبِلِ وَالشَّاءِ وَسُمِّيَ النَّعَمُ نَعَمًا لِكَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ فِيهِ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ النُّمُوِّ وَعُمُومِ الِانْتِفَاعِ مَعَ كَوْنِهَا مَأْكُولَةً، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ،
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَالنَّعَمُ وَالنَّعْمَةُ وَالنَّعِيمُ وَالنَّعْمَاءُ مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِ " نَعَمْ "؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ بِهَا يَسُرُّ غَالِبًا فَاشْتُقَّ مِنْهَا أَلْفَاظُ هَذِهِ الْأُمُورِ لِكَوْنِهَا سَارَةَ، وَلَفْظُ الْغَنَمِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالْبَقَرِ مِنْ الْبَقْرِ الَّذِي هُوَ الشَّقُّ؛ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ أَيْ تَشُقُّهَا، وَالْجِمَالُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْجَمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَتَجَمَّلُ بِهَا، انْتَهَى. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ص (بِمِلْكٍ وَحَوْلٍ كَمُلَا) ش: أَيْ بِشَرْطِ مِلْكٍ وَحَوْلٍ كَامِلَيْنِ وَاحْتُرِزَ بِالْمِلْكِ الْكَامِلِ مَنْ مِلْكِ الْعَبْدِ وَمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ وَعَدَمُ كَمَالِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ التَّصَرُّفَ التَّامَّ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعَهُ لِعَدَمِ شُمُولِ الْعِلَّةِ لِلْمُكَاتَبِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّنْ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِهِ.
(تَنْبِيهٌ) وَالْمُرَادُ بِالْمِلْكِ أَنْ يَمْلِكَ عَيْنَ الْمَاشِيَةِ وَيَمُرَّ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فِي مِلْكِهِ،
فَأَمَّا مَنْ مَلَكَ مَاشِيَةً فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا،
قَالَ مَالِكٌ: فَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ دِيَةٌ مِنْ الْإِبِلِ فَقَبَضَهَا بَعْدَ أَعْوَامٍ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهَا
قَالَ فِي الطِّرَازِ: هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ وَجَبَتْ دَيْنًا مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ، وَالْحَوْلُ إنَّمَا يُرَاعَى فِي عَيْنِ الْمَاشِيَةِ عَلَى مِلْكِ مَنْ يُزَكِّي عَلَيْهِ فَإِذَا قَبَضَهَا تَعَيَّنَتْ فِي مِلْكِهِ، وَلِأَنَّهُ إذَا مَرَّ السَّاعِي بِأَهْلِ الدِّيَةِ زَكَّى مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَاشِيَةِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يُسْقِطُ زَكَاتَهَا.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْجَزَّارِ يَشْتَرِي الْغَنَمَ لِيَذْبَحَهَا فَيَحُولُ حَوْلُهَا عِنْدَهُ: إنَّهُ يُزَكِّيهَا، انْتَهَى. مِنْ الْبِسَاطِيِّ.
(تَنْبِيهٌ) الْحَوْلُ الْكَامِلُ لَا كَلَامَ إنَّهُ شَرْطٌ،
وَأَمَّا مِلْكُ النِّصَابِ فَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ سَبَبٌ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ شَرْطٌ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا مُحْتَمِلٌ لَهُمَا إلَّا أَنَّ ذِكْرَهُ مَعَ الْحَوْلِ يَقْتَضِي الثَّانِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(تَجِبُ زَكَاةُ نِصَابِ النَّعَمِ بِمِلْكٍ وَحَوْلٍ) التَّلْقِينُ. تَجِبُ زَكَاةُ الْمَاشِيَةِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ وَهِيَ: الْحَوْلُ وَالنِّصَابُ وَمَجِيءُ السَّاعِي. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ سِوَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.
قَالَ: وَالزَّكَاةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الزَّكَاءِ وَهُوَ النُّمُوُّ. زَكَا الزَّرْعُ نَمَا وَطَابَ وَحَسُنَ، وَزَكَّى الْقَاضِي الشُّهُودَ أَنْمَى حَالَهُمْ وَرَفَعَهُمْ مِنْ حَالِ السَّخْطَةِ إلَى حَالِ الْعَدَالَةِ فَسُمِّيَتْ الصَّدَقَةُ الْوَاجِبُ أَخْذُهَا مِنْ الْمَالِ بِزَكَاةٍ لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ يُبَارَكُ فِيهِ وَيَزْكُو
وَقِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ وَتَنْمُو لِصَاحِبِهَا حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ. وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ فَاعِلَهَا يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ وَيَرْتَفِعُ حَالُهُ بِفِعْلِهَا. قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} الْآيَةَ وَالنِّصَابُ مِنْ الْمَالِ هُوَ أَقَلُّ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ سُمِّيَ نِصَابًا لِأَنَّهُ الْغَايَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيمَا دُونَهَا زَكَاةٌ، وَالْعَلَمُ الْمَنْصُوبُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَالْحَدُّ الْمَحْدُودُ لِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ:{إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} أَيْ إلَى غَايَةٍ أَوْ عَلَمٍ مَنْصُوبٍ لَهُمْ يُسْرِعُونَ، أَوْ يَكُونُ مَأْخُوذًا مِنْ النَّصِيبِ لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ فِي الْمَالِ نَصِيبًا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ (كَمُلَا) ابْنُ شَاسٍ: شَرْطُ الزَّكَاةِ كَمَالُ الْمِلْكِ وَأَسْبَابُ الضَّعْفِ ثَلَاثَةٌ: امْتِنَاعُ التَّصَرُّفِ كَمَنْ غُصِبَتْ مَاشِيَتُهُ أَوْ تَسَلَّطَ غَيْرُهُ عَلَى مِلْكِهِ كَأَمْوَالِ الْعَبِيدِ أَوْ عَدَمُ قَرَارِهِ كَالْغَنِيمَةِ.
ابْنُ يُونُسَ: السُّنَّةُ أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ نِصَابُ مَاشِيَةٍ إلَّا بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهَا بِشِرَاءٍ أَوْ بِمِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ مَعَ مَجِيءِ السَّاعِي
(ص) بِمِلْكٍ وَحَوْلٍ كَمُلَا (ش) يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ كَمَالُ الْمِلْكِ لِعَيْنِ النِّصَابِ، أَوْ لِأَصْلِهِ كَالْأُمَّهَاتِ الْمُكَمَّلَةِ بِالنَّسْلِ وَالْحَوْلِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: بِمِلْكٍ مِمَّا لَا مِلْكَ لَهُ كَالْغَاصِبِ وَالْمُودَعِ وَبِمِلْكِ الْعَيْنِ عَنْ مِلْكِ الدَّيْنِ كَمَنْ قَبَضَ دِيَةً أَوْ سَلَمًا بَعْدَ أَعْوَامٍ فَيَسْتَقْبِلُ. وَاحْتَرَزَ بِكَمَالِ الْمِلْكِ عَنْ مِلْكِ الْغَنِيمَةِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا وَعَنْ مِلْكِ الْعَبْدِ وَمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ لِعَدَمِ تَمَامِ تَصَرُّفِهِ لَا لِتَسَلُّطِ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ لِانْتِقَاضِهِ بِالْمُكَاتَبِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّنْ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِهِ.
وَاحْتَرَزَ بِكَمَالِ الْحَوْلِ عَنْ عَدَمِ كَمَالِهِ فَلَا تَجِبُ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي،
وَأَمَّا جَوَازُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ فِيمَا لَا سَاعِيَ فِيهِ قَبْلَ الْحَوْلِ فَرُخْصَةٌ لِأَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ بِمِلْكٍ وَحَوْلٍ. . . إلَخْ) اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحَوْلَ شَرْطٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمِلْكِ فَقِيلَ سَبَبٌ
وَقِيلَ شَرْطٌ، وَهُوَ الرَّاجِحُ وَقَرْنُ الْمُؤَلِّفِ لَهُ بِالشَّرْطِ يُؤَكِّدُ كَوْنَهُ شَرْطًا وَلَا يُشْكِلُ جَعْلُ الْبَاءِ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ لِلْمَعِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: لِعَيْنِ النِّصَابِ) أَيْ لِذَاتِ النِّصَابِ
(قَوْلُهُ: أَوْ لِأَصْلِهِ كَالْأُمَّهَاتِ. . . إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَالِكٌ لِذَاتِ النِّصَابِ عِنْدَ آخِرِ الْحَوْلِ وَالْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ فِي كَمَالِ الْمِلْكِ فَيَصْدُقُ بِآخِرِهِ
(قَوْلُهُ: وَالْمُودَعِ) بِفَتْحِ الدَّالِ.
(قَوْلُهُ: عَنْ مِلْكِ الدَّيْنِ) أَيْ عَنْ مِلْكِ مَا إذَا كَانَ دَيْنًا وَقَوْلُهُ: كَمَنْ قَبَضَ دِيَةً. . . إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَلَكَ ذَاتَ النِّصَابِ تَحْقِيقًا وَاسْتِقْبَالُهُ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ مَلَكَ ذَاتَ النِّصَابِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَمَنْ لَهُ دِيَةٌ، أَوْ سَلَمٌ عِنْدَ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يُقَالُ لَهُ مَالِكٌ لِلدَّيْنِ لَا لِلْعَيْنِ.
(قَوْله عَنْ مِلْكِ الْغَنِيمَةِ) أَيْ قَبْلَ قَسْمِهَا عَلَى الْجَيْشِ وَبَعْدَ حَوْزِهَا وَقَوْلُهُ: لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا أَيْ لَمْ يَتَمَيَّزْ لَهُ مَا يَخُصُّهُ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تَجِبُ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَلَا تَجِبُ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي فِيمَا فِيهِ سَاعٍ وَلَا قَبْلَ مُضِيِّ الْعَامِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ سَاعٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَلِأَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ.
(بَابٌ) تَجِبُ زَكَاةُ نِصَابِ [منح الجليل] [بَابٌ فِي أَحْكَام الزَّكَاة] (تَجِبُ زَكَاةُ) أَيْ: إخْرَاجُ جُزْءٍ مَخْصُوصٍ مِنْ مَالٍ مَخْصُوصٍ بَلَغَ نِصَابًا لِمُسْتَحِقِّهِ إنْ تَمَّ الْمِلْكُ وَحَوْلُ غَيْرِ مَعْدِنٍ وَحَرْثٍ، وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْجُزْءِ الْمَخْصُوصِ الْمُخْرَجِ مِنْ الْمَالِ الْمَخْصُوصِ الَّذِي بَلَغَ نِصَابًا إنْ تَمَّ الْمِلْكُ وَحَوْلُ غَيْرِ الْمَعْدِنِ وَالْحَرْثِ وَهَذَانِ مَعْنَيَانِ شَرْعِيَّانِ لَهَا، وَمَعْنَاهَا لُغَةً: النُّمُوُّ وَزِيَادَةُ الْخَيْرِ وَمُنَاسَبَةُ الشَّرْعِيِّ اللُّغَوِيَّ مِنْ جِهَةِ نُمُوِّ الْجُزْءِ الْمَخْصُوصِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لِحَدِيثِ «مَا تَصَدَّقَ عَبْدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطَّيِّبَ إلَّا كَأَنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ فَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ كَالْجَبَلِ» .
وَمِنْ جِهَةِ تَطْهِيرِ الْمَالِ وَحُصُولِ الْبَرَكَةِ فِيهِ وَنُمُوِّهِ بِالرِّبْحِ وَالْوِلَادَةِ وَالْإِثْمَارِ وَتَطْهِيرِ صَاحِبِهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَحُصُولِ الْبَرَكَةِ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} .
وَإِضَافَةُ زَكَاةِ (نِصَابٍ) مِنْ إضَافَةِ اسْمِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ بَعْدَ حَذْفِ فَاعِلَهْ بِكَسْرِ النُّونِ مَعْنَاهُ لُغَةً الْأَصْلُ وَشَرْعًا قَدْرٌ مَخْصُوصٌ إذَا بَلَغَهُ الْمَالُ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لِلْوُجُوبِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّصْبِ بِسُكُونِ الصَّادِ بِمَعْنَى التَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى وُجُوبِهَا وَيُحْتَمَلُ النَّعَمِ: بِمِلْكٍ وَحَوْلٍ، كَمُلَا وَإِنْ مَعْلُوفَةً وَعَامِلَةً وَنِتَاجًا لَا مِنْهَا [منح الجليل] أَنَّهُ مِنْ النَّصِيبِ؛ لِأَنَّ لِلْمُسْتَحِقِّينَ نَصِيبًا فِيهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ النَّصْبِ بِفَتْحِهَا أَيْ: التَّعَبِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي نَصَبِ السُّعَاةِ وَتَعَبِهِمْ بِالطَّوَافِ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ.
وَإِضَافَةُ نِصَابِ (النَّعَمِ) لَامِيَّةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لِكَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا عَلَى خَلْقِهِ بِالنُّمُوِّ وَالْوِلَادَةِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ وَالشَّعْرِ وَعُمُومِ الِانْتِفَاعِ أَوْ مِنْ نَعَمْ الْجَوَابِيَّةِ بِجَامِعِ السُّرُورِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (بِ) سَبَبِ (مِلْكٍ) لِنِصَابِ النَّعَمِ فَلَا زَكَاةَ عَلَى مُودَعٍ بِالْفَتْحِ وَمُرْتَهِنٍ وَمُسْتَعِيرٍ وَمُسْتَأْجِرٍ وَمُلْتَقِطٍ لِعَدَمِ مِلْكِهِمْ مَا بِأَيْدِيهِمْ. (وَ) بِ (حَوْلٍ) عَلَى النِّصَابِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ (كَمَلَا) بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الْأَفْصَحِ أَيْ: الْمِلْكُ وَالْحَوْلُ فَلَا زَكَاةَ عَلَى مَالِكٍ مِلْكًا غَيْرَ كَامِلٍ كَرَقِيقٍ وَمَدِينٍ وَغَاصِبٍ لَيْسَ لَهُمَا مَا يَجْعَلَانِهِ فِي الدَّيْنِ وَالْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِمَا عَيْنٌ وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ يَكْمُلْ الْحَوْلُ وَالنِّصَابُ فِي مِلْكِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْدِنٍ وَحَرْثٍ وَالْحَوْلُ شَرْطٌ اتِّفَاقًا؛
لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ،
وَأَمَّا الْمِلْكُ فَقَالَ الْقَرَافِيُّ إنَّهُ سَبَبٌ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ وَهُوَ الْحَقُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إنَّهُ شَرْطٌ نَظَرًا لِلظَّاهِرِ وَقَرْنُ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِالْحَوْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَبِعَ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي أَنَّهُ شَرْطٌ وَالْبَاءُ فِي كَلَامِهِ تَحْتَمِلُ الْمَعِيَّةَ وَالْمُلَابَسَةَ فَلَا تَتَعَيَّنُ السَّبَبِيَّةُ إنْ كَانَتْ النَّعَمُ رَاعِيَةً وَغَيْرَ عَامِلَةٍ وَكِبَارًا بَلْ
فقال: تجب زكاة نصاب النعم؛ يعني أن الزكاة واجبة في النصاب من النعم، والنصاب هو القدر الذي إذا بلغة المال وجبت فيه الزكاة، والنعم: الإبل والبقر والغنم، وجمع النعم: أنعام، وجمع الجمع: أناعيم. قاله الحطاب. وسمي النعم نعما لكثرة نعم الله فيه على خلقه من النمو، وعموم الانتفاع به مع كونها مأكولة؛، ولذلك وجبت فيها الزكاة،
وفي الذخيرة: والنعم والنعمة والنعيم والنعماء مأخوذ من لفظ نعم؛ لأن الجواب بها يسر غالبا، فاشتق منها ألفاظ هذه الأمور لكونها سارة، ولفظ الغنم مأخوذ من الغنيمة، والبقر مأخوذ من البقر الذي هو الشق؛ لأنها تبقر الأرض أي تشقها، والجمل مأخوذ من الجمال؛ لأن العرب تتجمل بها. والله تعالى أعلم. قاله الحطاب. وسميت الإبل إبلا لأنها تأبل بالرطب عن الماء؛ أي تجزأ وهو الحق، لا لأنها تبل ساقيها لعدم الوفاق في المادة، قال الشاعر: لقد أبلت شهري ربيع كليهما … وقد تم فيه نسؤها واقترارها فسود ماء المرد فاها فلونه … كلون النَّئور وهي أدماء سارها ويقال: نسأت الإبل: بدا سمنها، والاقترار: السمن أو نهايته، والنئور كصبور: حصاة كالإثمد، والسار والسائر: البقية.
والله أعلم. وقوله: "النعم" ، احترز به من الخيل والبغال والحمير والعبيد، فلا تجب فيها الزكاة،
وفي البخاري عنه صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة (١) ). واعلم أنه إذا كانت الخيل للتجارة وجبت فيها الزكاة إجماعا، وخالف أبو حنيفة في الخيل التي ليست للتجارة، فأوجب في كل فرس دينارا أو ربع عشر قيمتها على التخيير، وقوله: "زكاة نصاب النعم" ، الزكاة فيه بالمعنى المصدري الذي هو الإخراج؛ لأن الوجوب من الأحكام التكليفية، ولا يكلف إلا بفعل اختياري.
تنبيه: قد علمت أن النصاب هو القدر الذي إذا بلغة المال وجبت فيه الزكاة، كما قاله الإمام مالك. وسمي نصابا لأنه كالعلم المنصوب لوجوب الزكاة،
وفي الكتاب العزيز: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} ؛ أي شيء منصوب كعلم أو راية، ومعنى يوفضون يسرعون، أو لأن المال إذا بلغة نُصِبَ إليه ببعث السعاة من النصب بالتحريك بمعنى التعب، أو من النصيب بمعنى الحظ؛ لأن للمساكين فيه نصيبا حينئذ. المازري: النصاب لغة: أصل الشيء، فلما كان ما علق عليه الزكاة هو مبدأ الوجوب سمي نصابا لكونه أصلا في الوجوب، وقوله: "تجب" ؛ يعني أن الزكاة واجبة كتابا وسنة وإجماعا،
أما وجوبها بالكتاب، ففي غير آية،
وأما وجوبها بالسنة فَلِمَا أخرجه الخمسة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن، فقال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله تعالى،
فإذا عرفوا عبادة الله تعالى، فأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم إن هم أطاعوا لذلك، فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب ). رواه في التيسير. وروى فيه أيضا عن الخمسة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حق الله فيها إلا جاءت يوم القيامة أكبر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر تستن عليه بقوائمها وأخفافها وتنطحة بقرونها وتطأه بأظلافها، ليس فيها جماء ولا منكسر قرنها، كلما مرت عليه أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الخلائق، ولا صاحب كنز لا يعمل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه فاتحا فاه،
فإذا أتاه فر منه فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني،
فإذا رأى أنه لا بد له منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل (٢) ). انتهى. القاع: المستوي من الأرض الواسع، والقرقر: الأملس، والظلف للشاة كالحافر للفرس، والشجاع: الحية، والأقرع صفته بطول العمر؛ لأنه إذا طال عمره امَّزق شعره، فهو أخبث وأشد شرا. وقد انعقد الإجماع على وجوبها فمن جحده فهو كافر،
وفي الحطاب ما نصه: وعلم وجوبها لغير حديث الإسلام ضروري. انتهى. فما مر من كفر جاحد وجوبها في غير حديث عهد بالإسلام، وقد نص على ذلك الإمام الحطاب. بملك، الباء متعلقة بتجب؛ يعني أنه يشترط في وجوب زكاة نصاب النعم على الشخص أن يكون مالكا له، واحترز بذلك من الغاصب والمودع، فإنهما لا تجب عليهما الزكاة في المال المغصوب والمال المودع، لعدم ملك كل لذلك. وحول؛ يعني أنه يشترط أيضا في وجوب الزكاة مع اشتراط الملكية أن يمر على المال حول في ملك الشخص المذكور، فلا تجب قبل مرور الحول لخبر: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (٣) )، والباء في قوله: "بملك" ، للسببية، وقوله: كملا، صفة لملك، وحول؛
يعني به أنه لا بد في الوجوب بالملك والحول من أن يكونا كاملين، واحترز بالملك الكامل من ملك العبد ومن فيه شائبة رق، فإنه لا تجب الزكاة في ماله حتى ينتزعه السيد، وعدم كمال الملك في العبد من جهة أنه لا يتصرف فيه التصرف التام، لا من جهة أن للسيد انتزاعه لعدم شمول العلة للمُكاتَب ومن في معناه ممن ليس للسيد انتزاع ماله. واعلم أن المكاتب ليس للسيد انتزاع ماله،
وكذا المبعض، وأما الخالص الرِّقِّية فللسيد انتزاع ماله، كالمدبر وأم الولد إن لم يمرض السيد،
وكذا المعتق لأجل إن لم يقرب الأجل، وإلا فلا. والله سبحانه أعلم. واحترز بالحول الكامل من أن يمر أقل من الحول على النصاب في ملكه. أو يمر عليه الحول في ملكه قبل مجيء الساعي فلا تجب، بل لا تجزئ إن أخرجت قبل مجيئه -كما يأتي-
وأما من لا ساعي لهم فتجب بمرور الحول، والمراد بالملك أن يملك عين الماشية، ويمر عليها الحول في ملكه،
فأما من ملك ماشية في ذمة شخص وحال عليها الحول قبل أن يقبضها، فإنه لا يجب عليه زكاتها، قال مالك: من وجبت له دية من الإبل فقبضها بعد أعوام يستقبل بها،
قال في الطراز: هذا متفق عليه؛ لأن الدية وجبت دينا مضمونا في الذمة، والحول إنما يراعى في عين الماشية على ملك من يزكى عليه،
فإذا قبضت تعينت في ملكه، ولأنه إذا مر الساعي بأكمل الدية زكى ما بأيديهم من الماشية؛ لأن الدين لا يسقطها. قاله الحطاب. ومر أن مال العبد لا تجب زكاته قبل أن ينتزعه السيد، حيث يجوز له الانتزاع،
فإن انتزع مال العبد الذي يجوز انتزاع ماله لم تجب عليه الزكاة إلا بعد حول من يوم انتزاعه،
وفي الشاذلي على الرسالة، قال ابن عبد السلام: عندي أن مال العبد يزكيه السيد أو العبد لأنه مملوك لأحدهما قطعا، وقولهم: حول كمل، قال الشيخ الأمير: وإنما يتم بمجيء الساعي. انتهى.
تنبيه: اعلم أن الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته،
وأن السبب هو ما يلزم من عدمه العدم
ويلزم من وجوده الوجود لذاته، ووقع البحث في هذا بأن حد الشرط يصدق على السبب؛ لأن كلا منهما يلزم من عدمه العدم وقد لا يلزم من وجوده وجود لمصاحبة مانع. وحاصل ما أجابوا به في الفرق بينهما أن السبب أولى بالحكم من الشرط،
وأن الشرط متمم له. والله سبحانه أعلم. واعلم أن الزكاة أفضل من الصوم، ويدل لذلك تقديمها الذي رواه الشيخان والنسائي والترمذي، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم ومضان (١) ). انتهى.
فرع: قال ابن وهب عن مالك في الجزار يشتري الغنم ليذبحها فيحول حولها عنده: إنه يزكيها. انتهى. قاله الحطاب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.