تَجِبُ مُوَسَّعًا فِي الْعُمْرِ
الشروح عليها
بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ مِنْ إضَافَةِ الْحُكْمِ لِشَرْطِهِ وَالْفِطْرُ لَفْظٌ إسْلَامِيٌّ وَالْفِطْرَةُ مُوَلَّدٌ، بَلْ قِيلَ لَحْنٌ وَأَمَرَ بِهَا فِي السَّنَةِ الَّتِي فُرِضَ فِيهَا رَمَضَانُ قَبْلَ الزَّكَاةِ وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَخْطُبُ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ يَأْمُرُ بِإِخْرَاجِهَا ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ (تَجِبُ) وَحَدِيثِ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ» مَعْنَاهُ قَدَّرَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مُنْكِرَهَا لَا يَكْفُرُ (مُوَسَّعًا فِي الْعُمْرِ) عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ بَحْرٌ عَنْ الْبَدَائِعِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ الْأَمْرَ بِأَدَائِهَا مُطْلَقُ الزَّكَاةِ عَلَى قَوْلٍ كَمَا مَرَّ،
وَلَوْ مَاتَ فَأَدَّاهَا وَارِثُهُ جَازَ
(قَوْلُهُ: مِنْ إضَافَةِ الْحُكْمِ لِشَرْطِهِ) الْمُرَادُ بِالْحُكْمِ وُجُوبُ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي شَرْطُهُ الْفِطْرُ لَا نَفْسُ الْوُجُوبِ الَّذِي مَنَاطُهُ وُجُودُ السَّبَبِ وَهُوَ الرَّأْسُ ح.
وَفِي الْبَحْرِ وَالْإِضَافَةُ فِيهَا مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى شَرْطِهِ وَهُوَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى سَبَبِهِ وَهُوَ الرَّأْسُ اهـ أَيْ؛ لِأَنَّهَا عَلَى الْأَوَّلِ لِأَدْنَى مُنَاسَبَةٍ مِثْلُ كَوْكَبِ الْخَرْقَاءِ وَعَلَى الثَّانِي بِمَعْنَى اللَّامِ الِاخْتِصَاصِيَّةِ
(قَوْلُهُ: وَالْفِطْرُ لَفْظٌ إسْلَامِيٌّ) اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ كَأَنَّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ بِمَعْنَى الْخِلْقَةِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ تَبَعًا لِلزَّيْلَعِيِّ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْفِطْرَ الْمُضَافَ إلَيْهِ الصَّدَقَةُ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلْيَوْمِ الْمَخْصُوصِ لَفْظٌ شَرْعِيٌّ أَيْ إطْلَاقُهُ عَلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ بِخُصُوصِهِ اصْطِلَاحٌ شَرْعِيٌّ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْفِطْرَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الصَّوْمِ لُغَوِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ قَبْلَ الشَّرْعِ أَوْ مُرَادُهُ لَفْظُ الْفِطْرَةِ بِالتَّاءِ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ فَفِي النَّهْرِ عَنْ شَرْحِ الْوِقَايَةِ أَنَّ لَفْظَ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ مُوَلَّدٌ حَتَّى عَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنْ لَحْنِ الْعَامَّةِ. اهـ.
أَيْ أَنَّ الْفِطْرَةَ الْمُرَادَ بِهَا الصَّدَقَةُ غَيْرُ لُغَوِيَّةٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ بِهَذَا الْمَعْنَى
وَأَمَّا مَا فِي الْقَامُوسِ مِنْ أَنَّ الْفِطْرَةَ بِالْكَسْرِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَالْخِلْقَةِ فَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَخْرَجَ لَمْ يُعْلَمْ إلَّا مِنْ الشَّارِعِ وَقَدْ عُدَّ مِنْ غَلَطِ الْقَامُوسِ مَا يَقَعُ كَثِيرًا فِيهِ مِنْ خَلْطِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ بِاللُّغَوِيَّةِ اهـ لَكِنْ فِي الْمُغْرِبِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ: الْفِطْرَةُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ فَمَعْنَاهَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي عِبَارَاتِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ مِنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ وَإِنْ لَمْ أَجِدْهَا فِيمَا عِنْدِي مِنْ الْأُصُولِ اهـ وَفِي تَحْرِير النَّوَوِيِّ: هِيَ اسْمٌ مُوَلَّدٌ وَلَعَلَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَبْهَرُ مَعْنَاهَا زَكَاةُ الْخِلْقَةِ كَأَنَّهَا زَكَاةُ الْبَدَنِ. اهـ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ وَقَوْلُهُمْ: تَجِبُ الْفِطْرَةُ الْأَصْلُ تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرَةِ وَهِيَ الْبَدَنُ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَاسْتَغْنَى بِهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ لِفَهْمِ الْمَعْنَى. اهـ. وَمَشَى عَلَيْهِ الْقُهُسْتَانِيُّ، وَلِهَذَا نَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا تُسَمَّى صَدَقَةَ الرَّأْسِ وَزَكَاةَ الْبَدَنِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ لَفْظَ الْفِطْرَةِ بِالتَّاءِ لَا شَكَّ فِي لُغَوِيَّتِهِ وَمَعْنَاهُ الْخِلْقَةُ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي إطْلَاقِهِ مُرَادًا بِهِ الْمَخْرَجُ فَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِدُونِ تَقْدِيرٍ فَهُوَ اصْطِلَاحٌ شَرْعِيٌّ مُوَلَّدٌ،
وَأَمَّا مَعَ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ فَالْمُرَادُ بِهَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَلَعَلَّ هَذَا وَجْهُ الصِّحَّةِ الَّذِي أَرَادَهُ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ،
وَأَمَّا لَفْظُ الْفِطْرِ بِدُونِ تَاءٍ فَلَا كَلَامَ فِي أَنَّهُ مَعْنًى لُغَوِيٌّ وَبِهَذَا تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ تَبَعًا لِلنَّهْرِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَأَمَرَ بِهَا) أَيْ بِإِخْرَاجِهَا.
وَفِي حَاشِيَةِ نُوحٍ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ فَرْضَ صِيَامِ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ بَعْدَ مَا حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ إلَى الْكَعْبَةِ وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ خِلَافَهُ اهـ
(قَوْلُهُ: وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَخْ) أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَ «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ فَقَالَ أَدُّوا صَاعًا مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» فَتْحٌ.
قَالَ ط: وَبِهَذَا يَتَقَوَّى مَا بَحَثَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ سَابِقًا فِي بَابِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ أَحْكَامُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ فِي خُطْبَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْعِيدِ لِأَجْلِ أَنْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ إخْرَاجِهَا قَبْلَ الذَّهَابِ إلَى الْمُصَلَّى
(قَوْلُهُ: وَحَدِيثُ فَرَضَ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى فَرْضِيَّتِهَا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» فَتْحٌ
(قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ قَدَّرَ إلَخْ) أَيْ فَإِنَّهُ أَحَدُ مَعَانِي الْفَرْضِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى - {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}- وَيُقَالُ فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ وَهَذَا الْجَوَابُ ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ.
وَأَجَابَ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ الثَّابِتَ بِظَنِّيٍّ يُفِيدُ الْوُجُوبَ وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الِافْتِرَاضَ الَّذِي يُثْبِتُهُ الشَّافِعِيَّةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهٍ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ فَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ عِنْدَنَا، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْفَرْضَ فِي اصْطِلَاحِهِمْ أَعَمُّ مِنْ الْوَاجِبِ فِي عُرْفِنَا فَأَطْلَقُوهُ عَلَى أَحَدِ جُزْأَيْهِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى الْوُجُوبِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْضِ مَا هُوَ عُرْفُنَا أَيْ مَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ؛ لِأَنَّ ذَاكَ إذَا نُقِلَ الْإِجْمَاعُ تَوَاتُرًا لِيَكُونَ قَطْعِيًّا أَوْ كَانَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ كَالْخُمُسِ
لَا إذَا كَانَ ظَنِّيًّا، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مُنْكِرَ وُجُوبِهَا لَا يَكْفُرُ، فَكَانَ الْمُتَيَقَّنُ الْوُجُوبَ بِالْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ عِنْدَنَا اهـ مُلَخَّصًا.
قُلْت: وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ فَرْضٌ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عِنْدَنَا لِلْقَطْعِ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
بِخِلَافِ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِطَرِيقٍ قَطْعِيٍّ فَيَكُونُ مِثْلَهُ وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ الْوَاجِبَ لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْمَنَارِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ) هُوَ مَا عَلَيْهِ الْمُتُونُ بِقَوْلِهِمْ وَصَحَّ لَوْ قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ
(قَوْلُهُ: مُطْلَقُ) أَيْ عَنْ الْوَقْتِ فَتَجِبُ فِي مُطْلَقِ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِهِ فِعْلًا أَوْ آخِرَ الْعُمْرِ، فَفِي أَيِّ وَقْتٍ أَدَّى كَانَ مُؤَدِّيًا لَا قَاضِيًا كَمَا فِي سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ الْمُوَسَّعَةِ غَيْرَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَغْنُوهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» بَدَائِعُ
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: وَافْتِرَاضُهَا عُمْرِيٌّ إلَخْ
(قَوْلُهُ: جَازَ) فِي الْجَوْهَرَةِ: إذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ أَوْ فِطْرَةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ أَوْ نَذْرٌ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْ تَرِكَتِهِ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يَتَبَرَّعَ وَرَثَتُهُ بِذَلِكَ وَهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ وَلَمْ يُجِيزُوا عَلَيْهِ وَإِنْ أَوْصَى تَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.