وَنُدِبَ رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَأَرْبَعٌ فَصَاعِدًا فِي الضُّحَى
الشروح عليها
(وَنُدِبَ رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْوُضُوءِ) يَعْنِي قَبْلَ الْجَفَافِ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَنْ الْمَوَاهِبِ. (وَ) نُدِبَ (أَرْبَعٌ فَصَاعِدًا فِي الضُّحَى) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ بَعْدِ الطُّلُوعِ إلَى الزَّوَالِ وَوَقْتُهَا الْمُخْتَارُ بَعْدَ رُبُعِ النَّهَارِ.
وَفِي الْمُنْيَةِ: أَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْثَرُهَا اثْنَيْ عَشَرَ، وَأَوْسَطُهَا ثَمَانٍ وَهُوَ أَفْضَلُهَا كَمَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ، لِثُبُوتِهِ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
وَأَمَّا أَكْثَرُهَا فَبِقَوْلِهِ فَقَطْ، وَهَذَا لَوْ صَلَّى الْأَكْثَرَ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ؛
أَمَّا لَوْ فَصَلَ فَكُلُّ مَا زَادَ أَفْضَلُ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ.
وَمِنْ الْمَنْدُوبَاتِ رَكْعَتَا السَّفَرِ وَالْقُدُومِ مِنْهُ.
وَصَلَاةُ اللَّيْلِ وَأَقَلُّهَا عَلَى مَا فِي الْجَوْهَرَةِ ثَمَانٍ،
وَلَوْ جَعَلَهُ أَثْلَاثًا فَالْأَوْسَطُ أَفْضَلُ،
وَلَوْ أَنْصَافًا فَالْأَخِيرُ أَفْضَلُ.
وَإِحْيَاءُ لَيْلَةِ الْعِيدَيْنِ، وَالنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَالْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَكُونُ بِكُلِّ عِبَادَةٍ تَعُمُّ اللَّيْلَ أَوْ أَكْثَرَهُ. وَمِنْهَا رَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ. وَأَرْبَعُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ بِثَلَاثِمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ، وَفَضْلُهَا عَظِيمٌ.
وَأَرْبَعُ صَلَاةِ الْحَاجَةِ، قِيلَ وَرَكْعَتَانِ.
وَفِي الْحَاوِي أَنَّهَا اثْنَا عَشَرَ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ، وَبَسَطْنَاهُ فِي الْخَزَائِنِ.
(قَوْلُهُ وَنُدِبَ رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْوُضُوءِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا إلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» خَزَائِنُ، وَمِثْلُ الْوُضُوءِ الْغُسْلُ كَمَا نَقَلَهُ ط عَنْ الشُّرُنْبُلَالِيُّ، وَيَقْرَأُ فِيهِمَا الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصَ كَمَا فِي الضِّيَاءِ، وَانْظُرْ هَلْ تَنُوبُ عَنْهُمَا صَلَاةُ غَيْرِهِمَا كَالتَّحِيَّةِ أَمْ لَا؟ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ لَبَابِ الْمَنَاسِكِ أَنَّ صَلَاةَ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَصَلَاةِ اسْتِخَارَةٍ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا تَنُوبُ الْفَرِيضَةُ مَنَابَهَا،
بِخِلَافِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَشُكْرِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ كَمَا حَقَّقَهُ فِي الْحُجَّةِ. اهـ.
مَطْلَبٌ سُنَّةُ الضُّحَى.
(قَوْلُهُ وَنُدِبَ أَرْبَعٌ إلَخْ) نَدْبُهَا هُوَ الرَّاجِحُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْغَزْنَوِيَّةِ وَالْحَاوِي وَالشِّرْعَةِ وَالْمِفْتَاحِ وَالتَّبْيِينِ وَغَيْرِهَا،
وَقِيلَ لَا تُسْتَحَبُّ، لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ إنْكَارِ ابْنِ عُمَرَ لَهَا اهـ إسْمَاعِيلُ، وَبَسْطُ الْأَدِلَّةِ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَيَقْرَأُ فِيهَا سُورَتَيْ الضُّحَى كَمَا فِي الشِّرْعَةِ أَيْ سُورَةَ - وَالشَّمْسِ - وَسُورَةَ - وَالضُّحَى -
وَظَاهِرُهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ صَلَّاهَا أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ مِنْ بَعْدِ الطُّلُوعِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ.
(قَوْلُهُ وَوَقْتُهَا الْمُخْتَارُ) أَيْ الَّذِي يُخْتَارُ وَيُرَجَّحُ لِفِعْلِهَا وَهَذَا عَزَاهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ إلَى الْحَاوِي،
وَقَالَ: لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَتَرْمَضُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْمِيمِ: أَيْ تَبْرُكُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي أَخِفَافِهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْمُنْيَةِ أَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ) نَقَلَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ مِثْلَهُ عَنْ الْغَزْنَوِيَّةِ وَالْحَاوِي وَالشِّرْعَةِ وَالسَّمَرْقَنْدِيَّة، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَيْهِ فِي التَّبْيِينِ وَالْمِفْتَاحِ وَالدُّرَرِ. وَدَلِيلُ الْأَوَّلِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَى أَبَا هُرَيْرَةَ بِرَكْعَتَيْنِ» كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. وَدَلِيلُ الثَّانِي «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَالتَّوْفِيقُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ أَقَلُّ الْمَرَاتِبِ وَالْأَرْبَعُ أَدْنَى الْكَمَالِ
(قَوْلُهُ وَأَكْثَرُهَا اثْنَا عَشَرَ) لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الْجَنَّةِ» وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
وَقِيلَ أَكْثَرُهَا ثَمَانِيَةٌ، وَعَزَاهُ فِي الْحِلْيَةِ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعَزَاهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى الْأَكْثَرِينَ.
(قَوْلُهُ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ) اسْمُ كِتَابٍ لِابْنِ الشِّحْنَةِ مُؤَلَّفٍ فِي الْأَلْغَازِ الْفِقْهِيَّةِ.
(قَوْلُهُ لِثُبُوتِهِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا أَوْرَدَ: فَكَيْفَ يَكُونُ أَوْسَطُهَا أَفْضَلَ مَعَ أَنَّ الْأَكْثَرَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَوْسَطِ وَزِيَادَةٍ وَفِيهِ زِيَادَةُ مَشَقَّةٍ؟ .
(قَوْلُهُ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ حَجَرٍ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ: وَلَا يُتَصَوَّرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَفْضَلِ وَالْأَكْثَرِ إلَّا فِيمَنْ صَلَّى الِاثْنَيْ عَشَرَ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهَا تَقَعُ نَفْلًا مُطْلَقًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إنَّ أَكْثَرَ سُنَّةِ الضُّحَى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ،
فَأَمَّا إذَا فَصَلَهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ صَلَّى الضُّحَى، وَمَا زَادَ عَلَى الثَّمَانِ يَكُونُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا فَتَكُونُ صَلَاةُ اثْنَيْ عَشَرَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلَ مِنْ ثَمَانٍ لِكَوْنِهِ أَتَى بِالْأَفْضَلِ وَزَادَ. اهـ.
أَقُولُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ أَكْثَرَهَا ثَمَانِي رَكَعَاتٍ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الزِّيَادَةِ عِنْدَهُ لَوْ صَلَّاهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ بِتَسْلِيمَةٍ لَمْ تَقَعْ عَنْ سُنَّةِ الضُّحَى لِنِيَّتِهِ خِلَافَ الْمَشْرُوعِ فَالْأَفْضَلُ عِنْدَهُ صَلَاتُهَا ثَمَانِي رَكَعَاتٍ،
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ أَكْثَرُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً لِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ كَمَا مَرَّ تَكُونُ هِيَ الْأَفْضَلَ، كَمَا لَوْ فَصَلَهَا كُلَّ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ عِنْدَ الْكُلِّ. وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ كَوْنَ الثَّمَانِيَةِ أَفْضَلَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا أَكْثَرُهَا لِعَدَمِ ثُبُوتِ الزِّيَادَةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَخْفَى عَلَيْك مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ حَيْثُ مَشَى عَلَى أَنَّ أَكْثَرَهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً وَجَعَلَ أَوْسَطَهَا أَفْضَلَ. عَلَى أَنَّا لَوْ قُلْنَا إنَّ الثَّمَانِيَةَ هِيَ الْأَكْثَرُ، فَتَقْيِيدُ أَفْضَلِيَّتُهَا عَلَى الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بِمَا إذَا صَلَّى الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لِتَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا لَا يُوَافِقُ قَوَاعِدَ مَذْهَبِنَا، بَلْ تَقَعُ عَمَّا نَوَى عَلَى قَوَاعِدِنَا؛
كَمَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ سِتَّ رَكَعَاتٍ مَثَلًا وَقَعَدَ عَلَى رَأْسِ الرَّابِعَةِ فَإِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الزَّائِدَتَيْنِ لَا تُغَيِّرُ مَا قَبْلَهَا عَنْ صِفَةِ الْفَرْضِيَّةِ لِصِحَّةِ الْبِنَاءِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ عِنْدَنَا، وَنِيَّةُ الْعَدَدِ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ،
فَإِذَا صَلَّى الضُّحَى أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِيَةٍ يَقَعُ الزَّائِدُ نَفْلًا مُطْلَقًا لَا الْكُلُّ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ وَصْلِهَا وَفَصْلِهَا، نَعَمْ فِي وَصْلِهَا كَرَاهَةُ الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي نَفْلِ النَّهَارِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ وَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَكْثَرِ الضُّحَى، فَلَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ كَوْنُ الثَّمَانِيَةِ أَفْضَلَ. وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ أَفْضَلِيَّةَ الثَّمَانِيَةِ لِلِاتِّبَاعِ أَيْ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَيَتَرَجَّحُ فِيهَا الِاتِّبَاعُ لِلشَّارِعِ
بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ لِضَعْفِ حَدِيثِهَا، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ صَلَاةَ الْأَكْثَرِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْأَوْسَطِ الَّذِي فِيهِ الِاتِّبَاعُ إلَّا أَنْ يُبْنَى أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الثَّمَانِيَةَ هِيَ الْأَكْثَرُ. وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا أَكْثَرَ بِتَسْلِيمَةٍ تَقَعُ نَفْلًا مُطْلَقًا لَا عَمَّا نَوَى أَوْ يُقَالُ: مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَفْعٍ مِنْ الزَّائِدِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى الْمَجْمُوعِ فَهَذَا غَايَةُ مَا تَحَرَّرَ لِي هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ فِي رَكْعَتَيْ السَّفَرِ
(قَوْلُهُ رَكْعَتَا السَّفَرِ وَالْقُدُومِ مِنْهُ) عَنْ مِقْطَمِ بْنِ الْمِقْدَامِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا خَلَّفَ أَحَدٌ عِنْدَ أَهْلِهِ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَرْكَعُهُمَا عِنْدَهُمْ حِينَ يُرِيدُ سَفَرًا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقْدَمُ مِنْ السَّفَرِ إلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ شَرْحُ الْمُنْيَةِ. وَمُفَادُهُ اخْتِصَاصُ صَلَاةِ رَكْعَتَيْ السَّفَرِ بِالْبَيْتِ، وَرَكْعَتَيْ الْقُدُومِ مِنْهُ بِالْمَسْجِدِ وَبِهِ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ.
مَطْلَبٌ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ.
(قَوْلُهُ وَصَلَاةُ اللَّيْلِ) أَقُولُ: هِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَنُورِ الْإِيضَاحِ، وَقَدْ صَرَّحَتْ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ بِفَضْلِهَا وَالْحَثِّ عَلَيْهَا.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَمِنْهَا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا «لَا بُدَّ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَلَوْ حَلْبَ شَاةٍ، وَمَا كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَهُوَ مِنْ اللَّيْلِ» وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ هَذِهِ السُّنَّةُ تَحْصُلُ بِالتَّنَفُّلِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَبْلَ النَّوْمِ. اهـ.
قُلْت: قَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْحِلْيَةِ، ثُمَّ قَالَ فِيهَا بَعْدَ كَلَامٍ: ثُمَّ غَيْرُ خَافٍ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ الْمَحْثُوثَ عَلَيْهَا هِيَ التَّهَجُّدُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ فِي الِاصْطِلَاحِ التَّطَوُّعُ بَعْدَ النَّوْمِ، وَأَيَّدَ بِمَا فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «يَحْسَبُ أَحَدُكُمْ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يُصَلِّي حَتَّى يُصْبِحَ أَنَّهُ قَدْ تَهَجَّدَ، إنَّمَا التَّهَجُّدُ الْمَرْءُ يُصَلِّي الصَّلَاةَ بَعْدَ رَقْدَةٍ» غَيْرَ أَنَّ فِي سَنَدِهِ ابْنَ لَهِيعَةَ وَفِيهِ مَقَالٌ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ رُجْحَانُ حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ تَشْرِيعٌ قَوْلِيٌّ مِنْ الشَّارِعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
بِخِلَافِ هَذَا، وَبِهِ يَنْتَفِي مَا عَنْ أَحْمَدَ مِنْ قَوْلِهِ قِيَامُ اللَّيْلِ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ اهـ مُلَخَّصًا.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ حَدِيثَ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوَّلَ بَيَانٌ لِكَوْنِ وَقْتِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، حَتَّى لَوْ نَامَ ثُمَّ تَطَوَّعَ قَبْلَهَا لَا يَحْصُلُ السُّنَّةُ، فَيَكُونُ حَدِيثُ الطَّبَرَانِيِّ الثَّانِي مُفَسِّرًا لِلْأَوَّلِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إثْبَاتِ التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا وَلِأَنَّهُ يَكُونُ جَارِيًا عَلَى الِاصْطِلَاحِ وَلِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّ التَّهَجُّدَ إزَالَةُ النَّوْمِ بِتَكَلُّفٍ مِثْلَ: تَأَثَّمَ أَيْ تَحَفَّظَ عَنْ الْإِثْمِ؛ نَعَمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَقِيَامُ اللَّيْلِ أَعَمُّ مِنْ التَّهَجُّدِ، وَبِهِ يُجَابُ عَمَّا أُورِدَ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهٌ] ظَاهِرُ مَا مَرَّ أَنَّ التَّهَجُّدَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتَّطَوُّعِ؛
فَلَوْ نَامَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فَوَائِتَ لَا يُسَمَّى تَهَجُّدًا وَتَرَدَّدَ فِيهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَقْيِيدَهُ بِالتَّطَوُّعِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ وَأَنَّهُ يَحْصُلُ بِأَيِّ صَلَاةٍ كَانَتْ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَارِّ «وَمَا كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَهُوَ مِنْ اللَّيْلِ» ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَهُ صَلَاةَ اللَّيْلِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ مَشَى عَلَيْهِ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ. وَقَدْ تَرَدَّدَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي كَوْنِهِ سُنَّةً أَوْ مَنْدُوبًا، لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْقَوْلِيَّةَ تُفِيدُ النَّدْبَ؛ وَالْمُوَاظَبَةُ الْفِعْلِيَّةُ تُفِيدُ السُّنِّيَّةَ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا وَاظَبَ عَلَى تَطَوُّعٍ يَصِيرُ سُنَّةً؛
لَكِنَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَانَ تَطَوُّعًا فِي حَقِّهِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ فَلَا تُفِيدُ مُوَاظَبَتُهُ عَلَيْهِ السُّنِّيَّةَ فِي حَقِّنَا لَكِنَّ صَرِيحَ مَا فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ فَرِيضَةً ثُمَّ نُسِخَ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ " وَمُفَادُهُ اعْتِمَادُ السُّنِّيَّةِ فِي حَقِّنَا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ نَسْخِ الْفَرْضِيَّةِ، وَلِذَا
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ
(قَوْلُهُ وَأَقَلُّهَا عَلَى مَا فِي الْجَوْهَرَةِ ثَمَانٍ) قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عَلَى مَا فِي الْجَوْهَرَةِ لِأَنَّهُ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ قَالَ: يُصَلِّي مَا سَهُلَ عَلَيْهِ وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ وَالسُّنَّةُ فِيهَا ثَمَانِي رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ تَسْلِيمَاتٍ اهـ وَالتَّقْيِيدُ بِأَرْبَعِ تَسْلِيمَاتٍ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ،
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فَلَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحِلْيَةِ،
وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى «أَنَّ أَقَلَّ تَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّ مُنْتَهَاهُ كَانَ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ» أَخْذًا مِمَّا فِي مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ. ثُمَّ سَاقَ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى مَا عَيَّنَهُ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ مُنْتَهَاهُ، وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُد الدَّالُّ عَلَى أَنَّ «أَقَلَّ تَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعٌ سِوَى ثَلَاثٍ الْوِتْرِ» ، وَتَمَامُ ذَلِكَ فِيهَا فَرَاجِعْهَا، لَكِنْ ذَكَرَ آخِرًا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اسْتَيْقَظَ مِنْ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ كُتِبَا مِنْ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ،
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. اهـ.
أَقُولُ: فَيَنْبَغِي الْقَوْلُ بِأَنَّ أَقَلَّ التَّهَجُّدِ رَكْعَتَانِ وَأَوْسَطُهُ أَرْبَعٌ وَأَكْثَرُهُ ثَمَانٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ جَعَلَهُ أَثْلَاثًا إلَخْ) أَيْ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُومَ ثُلُثَهُ وَيَنَامَ ثُلُثَيْهِ فَالثُّلُثُ الْأَوْسَطُ أَفْضَلُ مِنْ طَرَفَيْهِ لِأَنَّ الْغَفْلَةَ فِيهِ أَتَمُّ وَالْعِبَادَةُ فِيهِ أَثْقَلُ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُومَ نِصْفَهُ وَيَنَامَ نِصْفَهُ فَقِيَامُ نِصْفِهِ الْأَخِيرِ أَفْضَلُ لِقِلَّةِ الْمَعَاصِي فِيهِ غَالِبًا وَلِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» وَمَعْنَى يَنْزِلُ رَبُّنَا يَنْزِلُ أَمْرُهُ كَمَا أَوَّلَهُ بِهِ الْخَلَفُ وَبَعْضُ أَكَابِرِ السَّلَفِ، وَتَمَامُهُ فِي تُحْفَةِ ابْنِ حَجَرٍ، وَذَكَرَ أَنَّ الْأَفْضَلَ مِنْ الثُّلُثِ الْأَوْسَطِ السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ لِلْخَبَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى صَلَاةُ دَاوُد، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» .
اهـ. وَبِهِ جَزَمَ فِي الْحِلْيَةِ.
[تَتِمَّةٌ] ذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ أَيْضًا مَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُ تَهَجُّدٍ اعْتَادَهُ بِلَا عُذْرٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ عُمَرَ «يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ ثُمَّ تَرَكَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ الْأَخْذُ مِنْ الْعَمَلِ بِمَا يُطِيقُهُ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا.
مَطْلَبٌ فِي إحْيَاءِ لَيَالِي الْعِيدَيْنِ وَالنِّصْفِ وَعَشْرِ الْحِجَّةِ وَرَمَضَانَ
(قَوْلُهُ وَإِحْيَاءُ لَيْلَةِ الْعِيدَيْنِ) الْأَوْلَى لَيْلَتَيْ بِالتَّثْنِيَةِ: أَيْ لَيْلَةِ عِيدِ الْفِطْرِ، وَلَيْلَةِ عِيدِ الْأَضْحَى.
(قَوْلُهُ وَالنِّصْفِ) أَيْ وَإِحْيَاءُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
(قَوْلُهُ وَالْأُوَل) أَيْ وَلَيَالِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ إلَخْ. وَقَدْ بَسَطَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي الْإِمْدَادِ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ هَذِهِ اللَّيَالِيِ كُلِّهَا فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ وَيَكُونُ بِكُلِّ عِبَادَةٍ تَعُمُّ اللَّيْلَ أَوْ أَكْثَرَهُ) نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ، قِيلَ هُوَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِنِصْفِ اللَّيْلِ وَقَالَ " مَنْ أَحْيَا نِصْفَ اللَّيْلِ فَقَدْ أَحْيَا اللَّيْلَ " وَذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ إطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ الِاسْتِيعَابُ، لَكِنْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ " مَا أَعْلَمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحَ " فَيَتَرَجَّحُ إرَادَةُ الْأَكْثَرِ أَوْ النِّصْفِ، لَكِنَّ الْأَكْثَرَ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ مَا لَمْ يَثْبُتْ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَ النِّصْفِ.
اهـ. وَفِي الْإِمْدَادِ: وَيَحْصُلُ الْقِيَامُ بِالصَّلَاةِ نَفْلًا فُرَادَى مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَبِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْأَحَادِيثِ وَسَمَاعِهَا، وَبِالتَّسْبِيحِ وَالثَّنَاءِ، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَاصِلُ ذَلِكَ فِي مُعْظَمِ اللَّيْلِ
وَقِيلَ بِسَاعَةٍ مِنْهُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ جَمَاعَةً، وَالْعَزْمِ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ جَمَاعَةً، كَمَا قَالُوهُ فِي إحْيَاءِ لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ» . اهـ.
[تَتِمَّةٌ] أَشَارَ بِقَوْلِهِ فُرَادَى إلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْدُ فِي مَتْنِهِ مِنْ قَوْلِهِ
وَيُكْرَهُ الِاجْتِمَاعُ عَلَى إحْيَاءِ لَيْلَةٍ مِنْ هَذِهِ اللَّيَالِي فِي الْمَسَاجِدِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِهِ، وَصَرَّحَ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ. قَالَ: وَمَا رُوِيَ مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ يُصَلَّى فُرَادَى غَيْرَ التَّرَاوِيحِ.
مَطْلَبٌ فِي صَلَاةِ الرَّغَائِبِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ كَرَاهَةُ الِاجْتِمَاعِ عَلَى صَلَاةِ الرَّغَائِبِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي رَجَبٍ فِي أُولَى جُمُعَةٍ مِنْهُ وَأَنَّهَا بِدْعَةٌ، وَمَا يَحْتَالُهُ أَهْلُ الرُّومِ مِنْ نَذْرِهَا لِتَخْرُجَ عَنْ النَّفْلِ وَالْكَرَاهَةِ فَبَاطِلٌ اهـ.
قُلْت: وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ آخِرَ الْبَابِ، وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا شَارِحَا الْمُنْيَةِ، وَصَرَّحَا بِأَنَّ مَا رُوِيَ فِيهَا بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ، وَبَسَطَا الْكَلَامَ فِيهَا خُصُوصًا فِي الْحِلْيَةِ وَلِلْعَلَامَةِ نُورِ الدِّينِ الْمَقْدِسِيَّ فِيهَا تَصْنِيفٌ حَسَنٌ سَمَّاهُ رَدْعُ الرَّاغِبِ، عَنْ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ، أَحَاطَ فِيهِ بِغَالِبِ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ.
مَطْلَبٌ فِي رَكْعَتَيْ الِاسْتِخَارَةِ.
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا رَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ) عَنْ «جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يَعْلَمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك، وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك، وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ، فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدِرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدِرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
[تَتْمِيمٌ] مَعْنَى فَاقْدِرْهُ اقْضِهِ لِي وَهَيِّئْهُ، وَهُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَبِضَمِّهَا، وَقَوْلُهُ «أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي» شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي. قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيَقُولَ " وَعَاقِبَةِ أَمْرِي وَعَاجِلِهِ وَآجِلِهِ " وَقَوْلُهُ «وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» قَالَ ط: أَيْ بَدَلَ قَوْلِهِ «هَذَا الْأَمْرَ» . اهـ.
قُلْت: أَوْ يَقُولُ بَعْدَهُ وَهُوَ كَذَا
وَكَذَا، وَقَالُوا الِاسْتِخَارَةُ فِي الْحَجِّ وَنَحْوِهِ تُحْمَلُ عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ.
وَفِي الْحِلْيَةِ: وَيُسْتَحَبُّ افْتِتَاحُ هَذَا الدُّعَاءِ وَخَتْمُهُ بِالْحَمْدَلَةِ وَالصَّلَاةِ.
وَفِي الْأَذْكَارِ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى الْكَافِرُونَ،
وَفِي الثَّانِيَةِ الْإِخْلَاصَ. اهـ. وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ يَزِيدُ فِي الْأُولَى - {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} إلَى قَوْلِهِ - {يُعْلِنُونَ}- وَفِي الثَّانِيَةِ {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ} الْآيَةَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُكَرِّرَهَا سَبْعًا، لِمَا رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ «يَا أَنَسُ إذَا هَمَمْت بِأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ رَبَّك فِيهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الَّذِي سَبَقَ إلَى قَلْبِك فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ» وَلَوْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ اسْتَخَارَ بِالدُّعَاءِ اهـ مُلَخَّصًا.
وَفِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ: الْمَسْمُوعُ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ عَلَى طَهَارَةٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بَعْدَ قِرَاءَةِ الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ،
فَإِنْ رَأَى مَنَامَهُ بَيَاضًا أَوْ خُضْرَةً فَذَلِكَ الْأَمْرُ خَيْرٌ،
وَإِنْ رَأَى فِيهِ سَوَادًا أَوْ حُمْرَةً فَهُوَ شَرٌّ يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ اهـ.
مَطْلَبٌ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ.
(قَوْلُهُ وَأَرْبَعُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ إلَخْ) يَفْعَلُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، أَوْ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ مَرَّةً، وَإِلَّا فَفِي كُلِّ أُسْبُوعٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ الْعُمُرِ، وَحَدِيثُهَا حَسَنٌ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ. وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ وَضْعَهُ، وَفِيهَا ثَوَابٌ لَا يَتَنَاهَى وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: لَا يَسْمَعُ بِعَظِيمِ فَضْلِهَا وَيَتْرُكُهَا إلَّا مُتَهَاوِنٌ بِالدِّينِ، وَالطَّعْنُ فِي نَدْبِهَا بِأَنَّ فِيهَا تَغْيِيرًا لِنُظُمِ الصَّلَاةِ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِهَا فَإِذَا ارْتَقَى إلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ أَثْبَتَهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا ذَلِكَ، وَهِيَ أَرْبَعٌ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ تَسْلِيمَتَيْنِ، يَقُولُ فِيهَا ثَلَثَمِائَةِ مَرَّةٍ «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ»
وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ «وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» يَقُولُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ مَرَّةً؛ فَبَعْدَ الثَّنَاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَفِي رُكُوعِهِ، وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَكُلٍّ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ،
وَفِي الْجَلْسَةِ بَيْنَهُمَا عَشْرًا عَشْرًا بَعْدَ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ هِيَ الَّتِي رَوَاهَا التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَحَدِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي شَارَكَهُ فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ، وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ فِي الْقُنْيَةِ وَقَالَ إنَّهَا الْمُخْتَارُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الْقِيَامِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ مَرَّةً بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، وَالْعَشَرَةُ الْبَاقِيَةُ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَالْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ، وَحَدِيثُهَا أَشْهَرُ، لَكِنْ
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: إنَّ الصِّفَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ الْمُبَارَكِ هِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي مُخْتَصَرِ الْبَحْرِ، وَهِيَ الْمُوَافِقَةُ لِمَذْهَبِنَا لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ فِيهَا إلَى جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ إذْ هِيَ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَنَا. اهـ.
قُلْت: وَلَعَلَّهُ اخْتَارَهَا فِي الْقُنْيَةِ لِهَذَا، لَكِنْ عَلِمْت أَنَّ ثُبُوتَ حَدِيثِهَا يُثْبِتُهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا ذَلِكَ، فَاَلَّذِي يَنْبَغِي فِعْلُ هَذِهِ مَرَّةً وَهَذِهِ مَرَّةً.
[تَتِمَّةٌ] قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ تَعْلَمُ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ سُورَةً قَالَ: التَّكَاثُرُ وَالْعَصْرُ وَالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَفْضَلُ نَحْوُ الْحَدِيدِ وَالْحَشْرِ وَالصَّفِّ وَالتَّغَابُنِ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الِاسْمِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ: يَبْدَأُ بِتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ثُمَّ بِالتَّسْبِيحَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَقَالَ الْمُعَلَّى: يُصَلِّيهَا قَبْلَ الظُّهْرِ هِنْدِيَّةٌ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ.
وَقِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ: لَوْ سَهَا فَسَجَدَ هَلْ يُسَبِّحُ عَشْرًا عَشْرًا قَالَ: لَا إنَّمَا هِيَ ثَلَثُمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ. قَالَ الْمُلَّا عَلِيٌّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ سَهَا وَنَقَصَ عَدَدًا مِنْ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ، يَأْتِي بِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ تَكْمِلَةً لِلْعَدَدِ الْمَطْلُوبِ اهـ.
قُلْت: وَاسْتُفِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي سَهَا فِيهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا تَرَكَ فِيمَا يَلِيهِ إنْ كَانَ غَيْرَ قَصِيرٍ فَتَسْبِيحُ الِاعْتِدَالِ يَأْتِي بِهِ فِي السُّجُودِ،
أَمَّا تَسْبِيحُ الرُّكُوعِ فَيَأْتِي بِهِ فِي السُّجُودِ أَيْضًا لَا فِي الِاعْتِدَالِ لِأَنَّهُ قَصِيرٌ.
قُلْت: وَكَذَا تَسْبِيحُ السَّجْدَةِ الْأُولَى يَأْتِي بِهِ فِي الثَّانِيَةِ لَا فِي الْجِلْسَةِ لِأَنَّ تَطْوِيلَهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ عِنْدَنَا عَلَى مَا مَرَّ فِي الْوَاجِبَاتِ.
وَفِي الْقُنْيَةِ: لَا يَعُدُّ التَّسْبِيحَاتِ بِالْأَصَابِعِ إنْ قَدَرَ أَنْ يَحْفَظَ بِالْقَلْبِ وَإِلَّا يَغْمِزُ الْأَصَابِعَ. وَرَأَيْت لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ طُولُونَ الدِّمَشْقِيِّ الْحَنَفِيِّ رِسَالَةً سَمَّاهَا [ثَمَرُ التَّرْشِيحِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ] بِخَطِّهِ أَسْنَدَ فِيهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أَنَّهُ يُقَالُ فِيهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ السَّلَامِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك تَوْفِيقَ أَهْلِ الْهُدَى، وَأَعْمَالَ أَهْلِ الْيَقِينِ، وَمُنَاصَحَةَ أَهْلِ التَّوْبَةِ، وَعَزْمَ أَهْلِ الصَّبْرِ، وَجِدَّ أَهْلِ الْخَشْيَةِ، وَطَلَبَ أَهْلِ الرَّغْبَةِ، وَتَعَبُّدَ أَهْلِ الْوَرَعِ، وَعِرْفَانَ أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى أَخَافَك.
اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مَخَافَةً تَحْجِزُنِي عَنْ مَعَاصِيك حَتَّى أَعْمَلَ بِطَاعَتِك؛ وَعَمَلًا أَسْتَحِقُّ بِهِ رِضَاك، حَتَّى أُنَاصِحَكَ بِالتَّوْبَةِ خَوْفًا مِنْك، وَحَتَّى أُخْلِصَ لَك النَّصِيحَةَ حُبًّا لَك، وَحَتَّى أَتَوَكَّلَ عَلَيْك فِي الْأُمُورِ حُسْنَ ظَنٍّ بِك، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ ". اهـ.
مَطْلَبٌ فِي صَلَاةِ الْحَاجَةِ.
(قَوْلُهُ وَأَرْبَعُ صَلَاةِ الْحَاجَةِ إلَخْ)
قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: وَمِنْ الْمَنْدُوبَاتِ صَلَاةُ الْحَاجَةِ، ذَكَرَهَا فِي التَّجْنِيسِ وَالْمُلْتَقَطِ وَخِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَكَثِيرٍ مِنْ الْفَتَاوَى وَالْحَاوِي وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ.
أَمَّا فِي الْحَاوِي فَذَكَرَ أَنَّهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَبَيَّنَ كَيْفِيَّتَهَا بِمَا فِيهِ كَلَامٌ.
وَأَمَّا فِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ، فَذَكَر أَنَّهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَأَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْفَاتِحَةَ مَرَّةً وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ ثَلَاثًا،
وَفِي كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَالْإِخْلَاصَ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ مَرَّةً مَرَّةً كُنَّ لَهُ مِثْلَهُنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ مَشَايِخُنَا: صَلَّيْنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ فَقُضِيَتْ حَوَائِجُنَا مَذْكُورٌ فِي الْمُلْتَقَطِ وَالتَّجْنِيسِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْفَتَاوَى، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى.
وَأَمَّا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَذَكَرَ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهَا مَذْكُورَةٌ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَتْ لَهُ إلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لْيُثْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لْيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَسْأَلُك مُوجِبَاتِ رَحْمَتِك، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِك، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إلَّا غَفَرْته، وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجْته، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَك رِضًا إلَّا قَضَيْتهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» .
اهـ.
أَقُولُ: وَقَدْ عَقَدَ فِي آخِرِ الْحِلْيَةِ فَصْلًا مُسْتَقِلًّا لِصَلَاةِ الْحَاجَةِ، وَذَكَرَ مَا فِيهَا مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ وَالرِّوَايَاتِ وَالْأَدْعِيَةِ وَأَطَالَ وَأَطَابَ كَمَا هُوَ عَادَتُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَهُ.
[خَاتِمَةٌ] يَنْبَغِي لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ. وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُ بِالْقَتْلِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَهُمَا لِيَكُونَ آخِرُ عَمَلِهِ الصَّلَاةَ وَالِاسْتِغْفَارَ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ عَنْ شَرْحِ الشِّرْعَةِ: مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ صَلَاةُ التَّوْبَةِ وَصَلَاةُ الْوَالِدَيْنِ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ وَرَكْعَتَيْنِ فِي السِّرِّ لِدَفْعِ النِّفَاقِ وَالصَّلَاةُ حِينَ يَدْخُلُ بَيْتَهُ وَيَخْرُجُ تَوَقِّيًا عَنْ فِتْنَةِ الْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.