وَيَجِبُ عَلَيْهَا زَكَاةُ نِصْفِ مَهْرٍ مَرْدُودٍ بَعْدَ الْحَوْلِ مِنْ أَلْفٍ قَبَضَتْهُ مَهْرًا لِطَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَتَسْقُطُ عَنْ مَوْهُوبٍ لَهُ فِي مَرْجُوعٍ فِيهِ مُطْلَقًا بَعْدَ الْحَوْلِ هُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ قَادِرٌ عَلَى الْحِمَايَةِ نَصَّبَهُ الْإِمَامُ عَلَى الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ مِنْ التُّجَّارِ الْمَارِّينَ بِأَمْوَالِهِمْ عَلَيْهِ
الشروح عليها
(وَيَجِبُ عَلَيْهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (زَكَاةُ نِصْفِ مَهْرٍ) مِنْ نَقْدٍ (مَرْدُودٍ بَعْدَ) مُضِيِّ (الْحَوْلِ مِنْ أَلْفٍ) كَانَتْ (قَبَضَتْهُ مَهْرًا) ثُمَّ رَدَّتْ النِّصْفَ (لِطَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا) فَتُزَكِّي الْكُلَّ؛ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ (وَتَسْقُطُ) الزَّكَاةُ (عَنْ مَوْهُوبٍ لَهُ فِي) نِصَابٍ (مَرْجُوعٍ فِيهِ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ رَجَعَ بِقَضَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ (بَعْدَ الْحَوْلِ) لِوُرُودِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى عَيْنِ الْمَوْهُوبِ، وَلِذَا لَا رُجُوعَ بَعْدَ هَلَاكِهِ قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْوَاهِبِ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَهِيَ مِنْ الْحِيَلِ وَمِنْهَا أَنْ يَهَبَهُ لِطِفْلِهِ قَبْلَ التَّمَامِ بِيَوْمٍ.
بَابُ الْعَاشِرِ قِيلَ هَذَا مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ أَحْوَالِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ الْعُشْرُ عَلَمٌ لِمَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ مُطْلَقًا ذَكَرَهُ سَعْدِيٌّ أَيْ عَلَمُ جِنْسٍ (هُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ) بِهَذَا يُعْلَمُ حُرْمَةُ تَوْلِيَةِ الْيَهُودِ عَلَى الْأَعْمَالِ (غَيْرُ هَاشِمِيٍّ) لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ الزَّكَاةِ (قَادِرٌ عَلَى الْحِمَايَةِ) مِنْ اللُّصُوصِ وَالْقُطَّاعِ لِأَنَّ الْجِبَايَةَ بِالْحِمَايَةِ. (نَصَّبَهُ الْإِمَامُ عَلَى الطَّرِيقِ) لِلْمُسَافِرِينَ خَرَجَ السَّاعِي فَإِنَّهُ الَّذِي يَسْعَى فِي الْقَبَائِلِ لِيَأْخُذَ صَدَقَةَ الْمَوَاشِي فِي أَمَاكِنِهَا (لِيَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ) تَغْلِيبًا لِلْعِبَادَةِ عَلَى غَيْرِهَا (مِنْ التُّجَّارِ) بِوَزْنِ فُجَّارٍ (الْمَارِّينَ بِأَمْوَالِهِمْ) الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ (عَلَيْهِ) وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَمِّ الْعَشَّارِ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَخْذِ ظُلْمًا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهَا إلَخْ) صُورَتُهَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِأَلْفٍ وَقَبَضْتهَا وَحَالَ الْحَوْلُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَعَلَيْهَا رَدُّ نِصْفِهَا اتِّفَاقًا لَكِنَّ زَكَاةَ النِّصْفِ الْمَرْدُودِ لَا تَسْقُطُ عَنْهَا خِلَافًا لِزُفَرَ شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ نَقْدٍ) هُوَ الذَّهَبُ أَوْ الْفِضَّةُ احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ كَانَ الْمَهْرُ سَائِمَةً أَوْ عَرَضًا فَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهَا تُزَكِّي النِّصْفَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ نِصْفَ عَيْنِ النِّصَابِ وَالِاسْتِحْقَاقُ بِمَنْزِلَةِ الْهَلَاكِ. اهـ.
وَكَانَ الْأَوْلَى بِالشَّارِحِ إسْقَاطَهُ؛ لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَلْفٍ
(قَوْلُهُ: مِنْ أَلْفٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ نِصْفِ مَهْرٍ عَلَى أَنَّهُ صِفَتُهُ، وَقَوْلُهُ ثُمَّ رَدَّتْ النِّصْفَ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ مَرْدُودٍ، وَقَوْلُهُ لِطَلَاقٍ مُتَعَلِّقٍ بِقَوْلِهِ مَرْدُودٍ نَظَرًا لِلْمَتْنِ ط.
(قَوْلُهُ: لَا تَتَعَيَّنُ إلَخْ) أَيْ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا أَنْ تَرُدَّ نِصْفَ مَا قَبَضَتْهُ بِعَيْنِهِ بَلْ مِثْلُهُ وَالدَّيْنُ بَعْدَ الْحَوْلِ لَا يُسْقِطُ الْوَاجِبَ وَلْوَالِجِيَّةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يُزَكِّي الزَّوْجُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ الْآنَ عَادَ. اهـ.
قُلْت: بَقِيَ مَا إذَا لَمْ تَقْبِضْ الْمَرْأَةُ شَيْئًا وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ فِي يَدِ الزَّوْجِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ وَالظَّاهِرُ أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ،
أَمَّا الزَّوْجُ فَلِأَنَّهُ مَدْيُونٌ بِقَدْرِ مَا فِي يَدِهِ وَدَيْنُ الْعِبَادِ مَانِعٌ كَمَا مَرَّ وَاسْتِحْقَاقُهُ لِنِصْفِهِ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبٍ عَارِضٍ وَهُوَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مِلْكٍ جَدِيدٍ،
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلِأَنَّ مَهْرَهَا عَلَى الزَّوْجِ دَيْنٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ اسْتَحَقَّ الزَّوْجُ نِصْفَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهَا مَا لَمْ يَمْضِ حَوْلٌ جَدِيدٌ بَعْدَ الْقَبْضِ لِلْبَاقِي تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ) أَيْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَعَقْدِ النِّكَاحِ وَفِي الْفُسُوخِ كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَنَحْوِهِ وَتَمَامُهُ فِي أَحْكَامِ النَّقْدِ مِنْ الْأَشْبَاهِ
(قَوْلُهُ: لِوُرُودِ الِاسْتِحْقَاقِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ فَسْخٌ مِنْ وَجْهٍ وَلَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَالدَّرَاهِمُ مِمَّا تَتَعَيَّنُ فِي الْهِبَةِ فَاسْتَحَقَّ عَيْنَ مَالِ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ هَلَكَ وَلْوَالِجِيَّةٌ وَبِهِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْمَهْرِ
(قَوْلُهُ: قَيَّدَ بِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ عَنْ مَوْهُوبٍ لَهُ
(قَوْلُهُ: اتِّفَاقًا لِعَدَمِ الْمِلْكِ) ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْوَاهِبِ انْقَطَعَ بِالْهِبَةِ،
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ اتِّفَاقًا إلَى أَنَّ فِي سُقُوطِهَا عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ خِلَافًا؛ لِأَنَّ زُفَرَ يَقُولُ بِعَدَمِهِ إنْ رَجَعَ الْوَاهِبُ بِلَا قَضَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَبْطَلَ مِلْكَهُ بِاخْتِيَارِهِ صَارَ ذَلِكَ كَهِبَةٍ جَدِيدَةٍ وَكَمُسْتَهْلَكٍ.
قُلْنَا: بَلْ هُوَ غَيْرُ مُخْتَارٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ عَنْ الرَّدِّ أُجْبِرَ بِالْقَضَاءِ فَصَارَ كَأَنَّهُ هَلَكَ شَرْحُ دُرَرِ الْبِحَارِ
(قَوْلُهُ: وَهِيَ مِنْ الْحِيَلِ) أَيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ حِيَلِ إسْقَاطِ الزَّكَاةِ بِأَنْ يَهَبَ النِّصَابَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ مَثَلًا ثُمَّ يَرْجِعُ فِي هِبَتِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ أَيْضًا لَبُطْلَانِ الْحَوْلِ بِزَوَالِ الْمِلْكِ تَأَمَّلْ وَقَدَّمْنَا الِاخْتِلَافَ فِي كَرَاهَةِ الْحِيلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَا فِي هَالِكٍ بَعْدَ وُجُوبِهَا بِخِلَافِ الْمُسْتَهْلَكِ
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا إلَخْ) لَكِنْ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِي هَذِهِ الْهِبَةِ لَكِنَّهَا لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ نَعَمْ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ فَلَهُ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
[بَابُ الْعَاشِرِ فِي الزَّكَاة] بَابُ الْعَاشِرِ أَلْحَقَهُ بِالزَّكَاةِ اتِّبَاعًا لِلْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَا يُؤْخَذُ زَكَاةً وَلَيْسَ مُتَمَحَّضًا، فَلِذَا أَخَّرَهُ عَمَّا تَمَحَّضَ وَقَدَّمَهُ عَلَى الرِّكَازِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ عَشَرْت الْقَوْمَ أَعْشُرُهُمْ عُشْرًا بِالضَّمِّ فِيهِمَا إذَا أَخَذْت عُشْرَ أَمْوَالِهِمْ نَهْرٌ
(قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ سَعْدِيٌّ) أَيْ فِي حَاشِيَةِ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ الْمَأْخُوذُ هُوَ رُبُعُ الْعُشْرِ لَا الْعُشْرُ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَطْلَقَ الْعُشْرَ، وَأَرَادَ بِهِ رُبُعَهُ مَجَازًا مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ جُزْئِهِ أَوْ يُقَالُ الْعُشْرُ صَارَ عَلَمًا لِمَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْخُوذُ عُشْرًا لُغَوِيًّا أَوْ رُبُعَهُ أَوْ نِصْفَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ الْعَاشِرُ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ أَحْوَالِهِ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ. وَفَسَّرَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلنَّهْرِ بِالْعَلَمِ الْجِنْسِيِّ إذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَمَ شَخْصٍ، وَالْأَقْرَبُ كَوْنُهُ اسْمَ جِنْسٍ شَرْعِيٍّ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى عَلَمِيَّتِهِ؛
لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمَّا رَأَوْا الْعَرَبَ فَرَّقَتْ بَيْنَ أُسَامَةَ وَأَسَدٍ الْمَوْضُوعَيْنِ لِمَاهِيَّةِ الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ بِإِجْرَائِهِمْ أَحْكَامَ الْأَعْلَامِ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ نَحْوِ مَنْعِ الصَّرْفِ، وَجَوَازِ مَجِيءِ الْحَالِ مِنْهُ، وَعَدَمِ دُخُولِ أَلْ عَلَيْهِ حَكَمُوا عَلَى الْأَوَّلِ بِالْعَلَمِيَّةِ الْجِنْسِيَّةِ دُونَ الثَّانِي، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِقَيْدِ الِاسْتِحْضَارِ عِنْدَ الْوَضْعِ، وَعَدَمِهِ كَمَا بَيَّنَ فِي مَحَلِّهِ وَلَيْسَ هُنَا مَا يَقْتَضِي عَلَمِيَّةِ الْعُشْرِ حَتَّى يَعْدِلَ عَنْ تَنْكِيرِهِ الْأَصْلِيِّ عَلَى أَنَّ ادِّعَاءَ التَّصَرُّفِ وَالنَّقْلِ فِي الْعُشْرِ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ ادِّعَائِهِ فِي الْعَاشِرِ، بَلْ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِ الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ هُوَ مَنْ نَصَّبَهُ الْإِمَامُ لِيَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ مِنْ التُّجَّارِ أَنَّ الْعَاشِرَ اسْمٌ لِذَلِكَ نُقِلَ شَرْعًا إلَيْهِ إذْ لَوْ كَانَ التَّصَرُّفُ وَقَعَ فِي الْعُشْرِ لَكَانَ حَقُّهُ بَيَانَ مَعْنَى الْعُشْرِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ لَا بَيَانُ الْعَاشِرِ أَوْ يُبَيِّنُ كُلًّا مِنْهُمَا فَيَقُولُ هُوَ مَنْ نَصَّبَهُ الْإِمَامُ لِيَأْخُذَ الْعُشْرَ الشَّامِلَ لِرُبُعِهِ وَنِصْفِهِ وَأَيْضًا فَالْمُتَعَارَفُ إطْلَاقُ الْعَاشِرِ عَلَى مَنْ يَأْخُذُ الْعُشْرَ وَغَيْرَهُ دُونَ إطْلَاقِ الْعُشْرِ عَلَى نِصْفِهِ وَرُبُعِهِ فَتَأَمَّلْ وَأَجَابَ فِي النِّهَايَةِ وَتَبِعَهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَأْخُذُ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ رُبُعَهُ سُمِّيَ عَاشِرَ الدَّوْرِ أَنَّ اسْمَ الْعُشْرِ فِي مُتَعَلِّقِ أَخْذِهِ وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا قُلْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْكَافِرِ فِي وَلَايَةٍ
(قَوْلُهُ: هُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِعَدَمِ الْوَلَايَةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِي عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْآيَةِ بَحْرٌ عَنْ الْغَايَةِ وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ قَوْله تَعَالَى {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا}
(قَوْلُهُ: بِهَذَا إلَخْ) أَيْ بِاشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ لِلْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، زَادَ فِي الْبَحْرِ وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ ذَلِكَ أَيْضًا اهـ: أَيْ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْظِيمَهُ وَقَدْ نَصُّوا عَلَى حُرْمَةِ تَعْظِيمِهِ بَلْ
قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَمِّهِ أَيْ الْعَاشِرِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَظْلِمُ كَزَمَانِنَا وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ حُرْمَةُ تَوْلِيَةِ الْفَسَقَةِ فَضْلًا عَنْ الْيَهُودِ وَالْكَفَرَةِ. اهـ.
قُلْت: وَذَكَرَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَلَا تَتَّخِذْ أَحَدًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَاتِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ فِي دِينِهِمْ وَلَا رِشْوَةَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ فَإِنَّ الْوَالِيَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ {لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} . اهـ.
(قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ الزَّكَاةِ) أَيْ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَصَارِفِ، فَيُعْطَى كِفَايَتَهُ مِنْهُ نَظِيرَ عَمَلِهِ وَلِذَا لَوْ هَلَكَ مَا جَمَعَهُ لَا شَيْءَ لَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الزَّيْلَعِيِّ، فَكَانَ فِيهِ شَبَهُ الْأُجْرَةِ وَشَبَهُ الصَّدَقَةِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ أَعْنِي كَوْنَهُ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الْغَايَةِ وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ غَيْرَهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا فِي بَابِ الْمَصْرِفِ مِنْ أَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ الْهَاشِمِيُّ عَلَى الصَّدَقَةِ لَا يَنْبَغِي لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا وَلَوْ عَمِلَ وَرُزِقَ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ. اهـ.
وَمُرَادُهُ بِلَا يَنْبَغِي لَا يَحِلُّ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ هُنَاكَ، وَهَذَا كَالصَّرِيحِ فِي جَوَازِ نَصْبِهِ عَامِلًا فَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ لِحِلِّ أَخْذِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُ صَاحِبِ الْغَايَةِ بِقَوْلِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ مُفَادَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ هَاشِمِيًّا إذَا جَعَلَ لَهُ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ كَانَ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا مِمَّا يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَسَنَذْكُرُ فِي بَابِ الْمَصْرِفِ تَمَامَهُ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْجِبَايَةَ بِالْحِمَايَةِ) أَيْ جِبَايَةَ الْإِمَامِ هَذَا الْمَأْخُوذُ بِسَبَبِ حِمَايَتِهِ لِلْأَمْوَالِ وَلِذَا لَوْ غَلَبَ الْخَوَارِجُ عَلَى مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَأَخَذُوا مِنْهُمْ الصَّدَقَاتِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ إلَّا إعَادَةُ الْخَرَاجِ كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: لِلْمُسَافِرِينَ) أَيْ طَرِيقِ السَّفَرِ لِأَجْلِ الْحِمَايَةِ وَلِذَا
قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: لِيَأْمَنُوا مِنْ اللُّصُوصِ إلَى قَيْدٍ لَا بُدَّ مِنْهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ، وَهُوَ أَنْ يَأْمَنَ بِهِ التُّجَّارُ مِنْ اللُّصُوصِ وَيَحْمِيَهُمْ مِنْهُمْ
(قَوْلُهُ: خَرَجَ السَّاعِي) فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ وَالْمُصَدِّقُ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ اسْمُ جِنْسٍ لَهُمَا.
(قَوْلُهُ: تَغْلِيبًا إلَخْ) دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ إنَّ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْكَافِرِ لَيْسَ بِصَدَقَةٍ
(قَوْلُهُ: الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ) فَإِنَّ مَالَ الزَّكَاةِ نَوْعَانِ: ظَاهِرٌ، وَهُوَ الْمَوَاشِي، وَمَا يَمُرُّ بِهِ التَّاجِرُ عَلَى الْعَاشِر، وَبَاطِنٌ: وَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَأَمْوَالُ التِّجَارَةِ فِي مَوَاضِعِهَا بَحْرٌ وَمُرَادُهُ هُنَا بِالْبَاطِنَةِ مَا عَدَا الْمَوَاشِيَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ الْمَارِّينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَإِلَّا فَكُلُّ مَا مَرَّ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ فَهُوَ مِنْ نَوْعِ الظَّاهِرِ، وَسَمَّاهَا بَاطِنَةً بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ قَبْلَ الْمُرُورِ.
أَمَّا الْبَاطِنَةُ الَّتِي فِي بَيْتِهِ لَوْ أَخْبَرَ بِهَا الْعَاشِرَ فَلَا يَأْخُذُ مِنْهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ وَسَيَأْتِي مَتْنًا أَيْضًا
وَأَشَارَ بِهَذَا التَّعْمِيمِ إلَى رَدِّ مَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْأَمْوَالُ الْبَاطِنَةُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَةَ: وَهِيَ السَّوَائِمُ لَا يَحْتَاجُ الْعَاشِرُ فِيهَا إلَى مُرُورِ صَاحِبِ الْمَالِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ عُشْرَهَا وَإِنْ لَمْ يَمُرَّ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَيْهِ اهـ فَإِنَّهُ كَمَا فِي النَّهْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْعَاشِرِ وَالسَّاعِي، وَقَدْ عَلِمْت التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا بِمَا مَرَّ، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْبَدَائِعِ.
مَطْلَبٌ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الْعَشَّارِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَمِّ الْعَشَّارِ إلَخْ) مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَدْنُو مِنْ خَلْقِهِ أَيْ بِرَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَفَضْلِهِ فَيَغْفِرُ لِمَنْ شَاءَ إلَّا لِبَغِيٍّ بِفَرْجِهَا أَوْ عَشَّارٍ» وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا يَدْخُلُ صَاحِبُ مَكْسٍ الْجَنَّةَ» قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ يَعْنِي: الْعَشَّارَ وَقَالَ الْبَغَوِيّ: يُرِيدُ بِصَاحِبِ الْمَكْسِ، الَّذِي يَأْخُذُ مِنْ التُّجَّارِ إذَا مَرُّوا عَلَيْهِ مَكْسًا بِاسْمِ الْعُشْرِ أَيْ الزَّكَاةِ قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ.
أَمَّا الْآنَ فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ مَكْسًا بِاسْمِ الْعُشْرِ وَمَكْسًا آخَرَ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ، بَلْ شَيْءٌ يَأْخُذُونَهُ حَرَامًا وَسُحْتًا، وَيَأْكُلُونَهُ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا حُجَّتُهُمْ فِيهِ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، كَذَا فِي الزَّوَاجِرِ لِابْنِ حَجَرٍ.
مَطْلَبٌ لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِالدَّفْعِ إلَى الْعَاشِرِ فِي زَمَانِنَا ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ فَسَقَةِ التُّجَّارِ يَظُنُّ أَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَكْسِ يُحْسَبُ عَنْهُ إذَا نَوَى بِهِ الزَّكَاةَ وَهَذَا ظَنٌّ بَاطِلٌ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُنَصِّبُ الْمَكَّاسِينَ لِقَبْضِ الزَّكَاةِ بَلْ لِأَخْذِ عُشُورَاتِ مَالٍ وَجَدُوهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا اهـ وَتَمَامُهُ هُنَاكَ.
قُلْت: عَلَى أَنَّهُ الْيَوْمَ صَارَ الْمُكَّاسُ يُقَاطِعُ الْإِمَامَ بِشَيْءٍ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ وَيَصِيرُ يَأْخُذُ مَا يَأْخُذُهُ لِنَفْسِهِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، وَيَأْخُذُ ذَلِكَ وَلَوْ مَرَّ التَّاجِرُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مُكَّاسٍ آخَرَ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِرَارًا مُتَعَدِّدَةً،
وَلَوْ كَانَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ مِنْ الزَّكَاةِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْعَاشِرَ الَّذِي يُنَصِّبُهُ الْإِمَامُ عَلَى الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ مِنْ الْمَارِّينَ وَقَدْ مَرَّ أَيْضًا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ: أَنْ يَأْمَنَ بِهِ التُّجَّارُ مِنْ اللُّصُوصِ، وَيَحْمِيَهُمْ مِنْهُمْ وَهَذَا يَقْعُدُ عَلَى أَبْوَابِ الْبَلْدَةِ، وَيُؤْذِي التُّجَّارَ أَكْثَرَ مِنْ اللُّصُوصِ، وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَيَأْخُذُهُ مِنْهُمْ قَهْرًا وَلِذَا
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إذَا نَوَى أَنْ يَكُونَ الْمَكْسُ زَكَاةً فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى الزَّكَاةِ كَذَا قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ. اهـ.
وَأَشَارَ بِالصَّحِيحِ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إذَا نَوَى عِنْدَ الدَّفْعِ التَّصَدُّقَ عَلَى الْمُكَّاسِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ التَّبِعَاتِ وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.