كُلُّ مَنْ أَتْلَفَ إِنْسَانًا، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ بِمُبَاشَرَةٍ، أَوْ سَبَبٍ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ
الشروح عليها
كتابُ الدِّياتِ الأَصْلُ في وُجُوبِ الدِّيَةِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجْماع؛
أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} الآية.
وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو بكرِ بنُ محمدِ ابنِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَبَ لعمرِو بنِ حَزْمٍ كِتابًا إلى أَهْلِ اليَمَنِ، فيه الفَرائِضُ والسُّنَنُ والدِّيَاتُ،
وقال فيه:«وفى النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ». رَوَاه النَّسَائِىُّ في «سُنَنِه»، ومالكٌ في «مُوَطَّئِهِ». قال ابنُ عبدِ البَرِّ : وهو كتابٌ مَشْهورٌ عندَ أَهْلِ السِّيَرِ، مَعْروفٌ عندَ أَهْلِ العِلْمِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بشُهْرَتِها عن الإِسْنادِ؛ لأنَّه أشْبَهَ التَّواتُرَ في مَجِيئِه في أحاديثَ كثيرةٍ. تأْتِى في مواضِعِها مِن البابِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى. وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوب الدِّيَةِ في الجُمْلَةِ. [وسيَأْتِى ذلك مُفَصَّلًا في مواضِعِه مُبَيَّنًا، إن شاءَ اللَّهُ تعالى].
٤١٧٠ - مسألة: (كُلُّ مَن أَتْلَفَ إنْسَانًا أو جُزءًا منه، بمُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ، فعليه دِيَتُه) سَواءٌ كان مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا، أو مُسْتَأْمِنًا أو مُهَادِنًا؛ لِما ذكَرْنا مِن الآيةِ، وفيها:{وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ}. وعَبَّرَ عن الذِّمَّةِ بالمِيثاقِ، وحديثِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزْم، حينَ كَتَبَ له النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كتابًا إلى أَهْلِ اليَمَنِ، ذكرَ فيه الدِّياتِ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على ذلك في الجملةِ.
٤١٧١ -
كِتَابُ الدِّيَاتِ][مَنْ أَتْلَفَ إِنْسَانًا أَوْ جُزْءًا مِنْهُ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ] الدِّيَاتُ وَاحِدَتُهَا دِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ وَأَصْلُهَا وَدِيَ، وَالْهَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ كَالْعِدَةِ مِنَ الْوَعْدِ، وَالزِّنَةِ مِنَ الْوَزْنِ، يُقَالُ: وَدَيْتُ الْقَتِيلَ أَدِيهِ دِيَةً إِذَا أَعْطَيْتُ دِيَتَهُ، وَايْتَدَيْتُ إِذَا أَخَذْتُ الدِّيَةَ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الْمَالُ الْمُؤَدَّى إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، أَوْ أَوْلِيَائِهِ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:{وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} وَفِي الْخَبَرِ: «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» . (كُلُّ مَنْ أَتْلَفَ إِنْسَانًا، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ بِمُبَاشَرَةٍ، أَوْ سَبَبٍ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ)
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِي الْفَرَائِضِ، وَالسُّنَنِ، وَالدِّيَاتِ:«فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ وَمَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بِشُهْرَتِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ، أَشْبَهَ الْمُتَوَاتِرَ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا مُسْتَأْمَنًا، أَوْ مُهَادِنًا فَقَوْلُهُ " أَوْ جُزْءًا مِنْهُ " هَذِهِ الزِّيَادَةُ انْفَرَدَ بِهَا الْمُؤَلِّفُ عَنِ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ " ;
لِأَنَّ مَا ضُمِنَتْ جُمْلَتُهُ ضُمِنَتْ أَجْزَاؤُهُ، وَقَوْلُهُ " بِمُبَاشَرَةٍ " لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِهَا فَوَجَبَتْ دِيَتُهُ كَالنَّفْسِ إِذَا أُتْلِفَتْ بِهَا، وَقَوْلُهُ " أَوْ سَبَبٍ " ; لِأَنَّهُ مُؤَدٍّ إِلَى تَلَفِهِ، أَشْبَهَ الْمُبَاشَرَةَ
كِتَابُ الدِّيَاتِ كِتابُ الدِّيَاتِ كُلُّ مَنْ أَتْلفَ إِنْسَانًا أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ،
فَإِنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا، فَهِىَ فى مَالِ الْجَانِى حَالَّةً. كلُّ مَن أَتْلَفَ إنْسَانًا، أو جُزْءًا منه بمُباشَرَةٍ أَو سَبَبٍ، فعليه دِيَتُه، فإنْ كان عَمْدًا مَحْضًا، فهى فى مالِ الجانِى حَالَّة. بلا نِزاعٍ. ويأْتِى ذلك فيما لا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَحْمِلُه العاقِلَةُ فى بابِ العاقِلَةِ.
وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ، أو خَطَأً، أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ.
تنبيه: قولُه: وِإنْ كانَ شِبْهَ عَمْدٍ، أَو خطَأً، أو مما جَرَى مَجْراه، فعلى عاقِلَتِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أمَّا الخَطأُ وما جرَى مَجْراه، فتَحْمِلُه العاقِلَةُ،
وأمَّا شِبْهُ العَمْدِ، فجزَم المُصَنِّفُ هنا، بأنَّها تحْمِلُه. وهو المذهبُ.
وقال أبو بَكْرٍ: لا تحْمِلُه. ويأْتِى ذِكْرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِلافُ قَرِييًا فى كلامِ المُصَنِّفِ فى بابِ العاقِلَةِ.
وَلَوْ أَلْقَى عَلَى إِنْسَانٍ أَفْعًى، أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْها، فَقَتَلَتْهُ، أَوْ طَلَبَ إِنْسَانًا
كتاب الديات] الديات جمع دية. والهاء في دية عوض من الواو. تقول: وَدَيْتُ القتيل أدِيهِ دية. ونحوه العِدَة في قولك: وَعَدَهُ يَعِدُهُ عِدَةً.
والأصل في وجوب الدية في الجملة الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {ومن قَتل مؤمنًا خطئا فتحريرُ رقبةٍ مؤمنة وديةٌ مسلمة إلى أهله إلا أن يصّدقوا}.
وأما السنة؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم:«وأن في النفسِ المؤمنة مائة من الإبل».
وفي الباب غير ذلك يأتي ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وأما الإجماع فأجمع أهل الإسلام على وجوب الدية في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (كل من أتلف إنساناً أو جزءاً منه بمباشرة أو سبب فعليه ديته. فإن كان عمداً محضاً فهي في مال الجاني حالّة، وإن كان شبه عمد أو خطأ أو ما أجري مجراه فعلى عاقلته) .
أما كون كل من أتلف إنساناً بمباشرة عليه ديته؛ فلما تقدم من الآية والخبر.
وأما كون من أتلف جزءاً منه بمباشرة عليه ديته؛ فلأنه أتلفه بمباشرة فوجبت فيه ديته؛ كما تجب دية النفس إذا تلفت بالمباشرة.
وأما كون من أتلف ذلك بسبب عليه ديته؛ فلأن السبب مؤد إلى تلفه. أشبه المباشرة.
ولأن السبب لو لم يترتب عليه وجوب الدية لاتخذه الناس وسيلة إلى الإتلاف، وفيه ضرر عظيم. فينتفي بقوله عليه السلام:«لا ضَرَرَ ولا إضرَار».
وأما كون الدية فيما ذكر إذا كان الإتلاف عمداً محضاً في مال الجاني؛ فلأن القياس يقتضي وجوب الضمان على المتلِف؛ لأن التلف أثر فعله. فيجب أن يختص به، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا يجني جان إلا على نفسه». تُرك العمل به في غير العمد المحض لأمر يختص به يأتي بيانه إن شاء الله تعالى فيبقى في العمد المحض على مقتضاه.
وأما كون الدية حالّة؛ فلأنها موجب عمد محض. فوجب كونها حالّة؛ كالقصاص.
وأما كون الدية فيما ذكر إذا كان الإتلاف شبه عمد على العاقلة؛ فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال:«اقتتلتِ امرأتان من هُذيل فرمتْ إحداهُما الأخرى بحجرٍ فقتلتْها وما في بطنِها. فقضَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بديةِ المرأةِ على عاقِلَتِها». متفق عليه.
ولأن شبه العمد نوعُ قتل لا يوجب قصاصاً. فأوجب الدية على العاقلة؛ كالخطأ.
وأما كون الدية فيما ذكر إذا كان خطأً على العاقلة؛ فلأنه قد ثبت في الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة».
قال ابن المنذر: أجمع على هذا -يعني على تحمل العاقلة دية الخطأ- كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
ولأن في إيجاب دية شبه العمد عليها تنبيهاً على إيجاب دية الخطأ عليها .
فإن قيل: ما المعنى في تحمل العاقلة ذلك؟
قيل: لأن جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كبيرة فإيجابها على الجاني في ماله تجحف به. فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل والإعانة له تخفيفاً عنه.
وأما كونها فيما أجري مجرى الخطأ على العاقلة؛ فلأن ما أجري مجرى الشيء يعطى حكمه والخطأ على العاقلة. فكذلك ما أُجري مجراه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.