الْقِسْمُ الثَّالِثُ: تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا
الشروح عليها
فصل: قال، رَضِىَ اللهُ عنه: (القِسْمُ الثالثُ، تَداعَيا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما، فإنَّه يُقْرَعُ بينَهما، فَمَنْ خرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف) أنَّها له
لا زيادة له على هذه المسألة.
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ: تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا) نَقُولُ: إِذَا ادَّعَاهَا صَاحِبُ الْيَدِ لِنَفْسِهِ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا فِي الْأَشْهَرِ،
فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا لَزِمَهُ الْعَيْنُ لَهُمَا أَوْ عَوَّضَهَا،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ (فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَلِأَنَّ الْقُرْعَةَ تَتَمَيَّزُ عِنْدَ التَّسَاوِي، وَلِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدٌ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِهِ
فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ، تَدَاعَيَا عَيْنًا فِى يَدِ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا،
فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا. القِسْمُ الثَّالِثُ، تَدَاعَيا عَيْنًا فى يَدِ غَيْرِهما. اعلمْ أنَّهما إذا تَداعَيَا عَيْنًا فى يَدِ غيرِهما فلا يَخْلُو؛
إمَّا أنْ يُقِرَّ بها لهما، أو يُنْكِرَهما ولم يُنازِعْ فيها، أو يدَّعِيَها لنَفْسِه، أو يُقِرَّ بها لأحَدِهما بعَيْنِه، أو يُقِرَّ بها لأحَدِهما لا بعَيْنِه، فيقولَ: لا أعْلَمُ عَيْنَه منهما. أو يُقِرَّ بها لغيرِهما؛
فإنْ أقَرَّ بها فما، [فهى لهما]؛ لكُلِّ واحدٍ منهما الجُزْءُ الذى أقَرَّ به. جزَم به فى «الشَّرْحِ» وغيرِه.
وإنْ أقَرَّ بها لأحَدِهما وقال: لا أعْرِفُ عَيْنَه منهما. فَتَارَةً يُصَدِّقانِه وتارَةً يُكَذِّبانِه، أو أحَدُهما.
فإَنْ صدَّقاه، لم يحْلِفْ، وإنْ كذَّباه أو أحدُهما، حلَف يَمِينًا واحدةً ويُقْرَعُ بينَهما،
فَمَنْ قرَع، حلَف وهى له. هذا المذهبُ. نصَّ عليه. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وفيه وَجْةٌ آخَرُ، أنَّه لا يَحْلِفُ. ذكَرَه فى «القاعِدَةِ الأخِيرَةِ». قال الزَّرْكَشِىُّ: ولم يتَعرَّضِ الْخِرَقِىُّ لوُجوبِ اليَمِينِ على المُقِرِّ.
وكذلك الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، فى رِوايةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ مَنْصُورٍ، إذا قال: أَوْدَعَنِى أحدُهما لا أعْرِفُه عَيْنًا. أُقْرِعَ بينَهما. وحَمَلَه القاضى على ما إذا صدَّقاه فى عدَمِ العِلْمِ. فعلى الأوَّلِ، إنْ عادَ بَيِّنَهُ. فقِيلَ: كَتَبْييِنه ابْتِداءً. ونقَل المَيْمُونِىُّ، إنْ أبَى اليَمِينَ مَن قرَع، أخَذَها أيضًا.
وقيلَ لجماعَةٍ مِن الأصحاب: لا يجوزُ أنْ يُقالَ: ثبَت الحقُّ لأحَدِهما لا بعَيْنِه بإقْرارِه. وإلَّا لصَحَّتِ الشَّهادَةُ لأَحَدِهما لا بعَيْنِه. فقالوا: الشَّهادَةُ لا تصِحُّ لمَجْهولٍ ولا به، ولهما القُرْعَةُ بعدَ تحْلِيفِة الواجِبِ وقبلَه.
فإنْ نَكَل، قُدِّمَتْ، ويحْلِفُ للمَقْروعِ إنْ كذَّبه،
فإنْ نَكَل أخَذ منه بدَلَها،
وإنْ أقَرَّ بها لأحَدِهما بعَيْنِه، حلَف وهى له، ويَحْلِفُ أيضًا المُقِرُّ للآخَرِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: لا يحْلِفُ له.
فعلى المذهبِ، إنْ نَكَلَ، أخَذ منه بدَلَها،
وإذا أخَذَها المُقَرُّ له، فأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً، أخَذَها منه. قال فى «الرَّوْضَةِ»: وللمُقَرِّ له قِيمَتُها على المُقِرِّ.
وإنْ أنْكَرَهما ولم يُنازِعْ، فقال فى «الفُروعِ»: نقَل الجماعَةُ عن الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ- وجزَم به الأكثرُ- يُقْرَعُ بينَهما، كإقْرارِه لأحَدِهما لا بعَيْنِه.
وقال فى «الواضِحِ»: وحكَى أصحابُنا، لا يُقْرَعُ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ لهما حقٌّ، كشَهادَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَيِّنَةِ بها لغيرِهما، وتُقَرُّ بيَدِه حتى يظْهَرَ ربُّها.
وكذا فى «التَّعْليقِ» مَنْعًا. أوْمَأَ إليه الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، ثم تَسْلِيمًا. فعلى الأوَّلِ، إنْ أخَذَها مَن قرَع، ثم عَلِمَ أنَّها للآخَرِ، فقد مَضَى الحُكْمُ. نَقَلَه المَرُّوذِىُّ. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «التَّرْغيبِ»، فى التى بيَدِ ثالثٍ غيرِ مُنازِعٍ ولا بَيِّنَةَ: كالتى بيَدَيْهما. وذكَرَه ابنُ رَزِينٍ وغيرُه.
وقال فى «التَّرْغيبِ»: ولو ادَّعى أحدُهما الكُلَّ، والآخَرُ النِّصْفَ، فكالتى بيَدَيْهما؛ إذِ اليَدُ المُسْتَحِقَّةُ الوَضْعَ كَمَوْضوعَةٍ. وفى «التَّرْغيبِ» أيضًا، لو ادَّعى كلُّ واحدٍ نِصْفَها، فصَدَّقَ أحدَهما وكذَّب الآخَرَ ولم يُنازِعْ، فقيل: يُسَلِّمُ إليه.
وقيل: يحْفَظُه حاكِمٌ. وقيل: يَبْقَى بحالِه. ونقَل حَنْبَلٌ، وابنُ مَنْصُورٍ فى التى قبلَها، لمُدَّعِى كلِّها نِصْفُها،
ومَنْ قرَع فى النِّصْفِ الآخَرِ، حلَف وأخذَه.
قال فى «القاعِدَةِ الأخيرةِ»: وإنْ قالَ مَنْ هى فى يَدِه: ليستْ لِى، ولا أعْلَمُ لمَنْ هى. ففيها ثَلاَثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يقْتَرِعان عليها، كما لو أقَرَّ بها لأحَدِهما مُبْهَمًا. والثَّانى، تُجْعَلُ عندَ أمِينِ الحاكمِ.
والثَّالثُ، تُقَرُّ فى يَدِ مَنْ هى فى يَدِه. والأوَّلُ ظاهِرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، فى رِوايةِ صالحٍ، وأبى طالب، وأبى النَّضْرِ، وغيرِهم. والوَجْهان الأخِيران مُخَّرجان مِن مسْألةِ مَنْ فى يَدِه شئٌ مُعْتَرِفٌ بأنَّه ليسَ له ولا يَعْرِفُ مالِكَه، فادَّعاه مُعَيَّنٌ، فهل يُدْفَعُ إليه أمْ لا؟ وهل يُقَرُّ فى يَدِ مَنْ هو فى يَدِه أمْ ينْتَزِعُه الحاكِمُ؟ فيه خِلافٌ. انتهى.
وإنِ ادَّعاها لنَفْسِه، وهو قولُ المُصَنِّفِ: وإنِ ادَّعاها صاحِبُ اليَدِ لنَفْسِه. فقال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القاضى: يحْلِفُ لكُلِّ واحدٍ منهما، وهى له. وهو المذهبُ. قدَّمه فى «الفُروعِ» وغيره. وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ».
وقال أبو بَكْرٍ: بل يُقْرَعُ بينَ المُدَّعِيَيْن، فتكونُ لمَنْ تخْرجُ له القُرْعَةُ. قال الشَّارِحُ: يَنْبَنِى على أنَّ البَيِّنَتَيْن إذا تعَارَضَتا لا تسْقُطان، فرُجِّحَت إحْدَى البَيِّنَتَيْن بالقُرْعَةِ. فعلى المذهبِ، إنْ نَكَلَ، أخَذَها منه وبَدَلها، واقْتَرَعا عليها. على الصَّحيح مِن المذهبِ. جزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. ويَحْتَمِلُ أنْ يقتَسِماها، كما لو أقَرَّ بها لهما ونَكَل عن اليَمِينِ.
قال فى «الوَجيزِ»: وإنْ نَكَلَ، لَزِمَ لهما العَيْنُ أو عِوَضُها.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَهُ اللهُ: قد يقالُ: تُجْزِئْ يمينٌ واحدةٌ. ويقالُ: إنَّما تجِبُ العَيْنُ، يقْتَرِعان عليها. ويقالُ: إذا اقْتَرَعا على العَيْنِ،
فَمَنْ قرَع، فللآخَرِ أنْ يدَّعِىَ عليه بها. ويقالُ: إنَّ القارِعَ هنا يحْلِفُ ثم يأْخُذُها؛ لأنَّ النُّكُولَ غايَتُه أنَّه بَدَلٌ ، والمَطْلوبُ ليس له هنا بَدَلُ العَيْنِ، فيُجْعَل كالمُقِرِّ، فيَحْلِفُ المُقَرُّ له.
وإنْ أقَرَّ لغيرِهما، فقد تقدَّم حُكْمُه مُسْتَوْفًى فى أثْناءِ بابِ طَريقِ الحُكمِ وصِفَتِه.
فائدة: لو لم تَكُنْ بيَدِ أحدٍ، فَنَقَلَ صالِحٌ، وحَنْبَلٌ، هى لأحَدِهما بقُرْعَةٍ، كالتى بيَدِ ثالثٍ. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وذكَر جماعةٌ، تُقسَمُ بينَهما، كما لو كانتْ بيَدَيْهما. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى».
وأَطْلَقَهما فى «القاعِدَةِ الأَخيرةِ». فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَبْدًا، فَأَقَرَّ لأَحَدِهِمَا، لَمْ يُرَجَّحْ بِإِقْرَارِهِ،
وَإِنْ كَانَ لأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَة، تَعَارَضَتَا، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
فصل [إذا تداعيا عينا في يد غيرهما] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: تداعيا عيناً في يد غيرهما، فإنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها) .
أما كون القسم الثالث ما ذكر؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كون من تداعيا ما ذكر يقرع بينهما؛ فلما روى أبو هريرة «أن رجلين تداعيا عيناً لم يكن لواحد منهما بينة. فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين».
ولأن أحدهما لا مزية له. أشبه ما لو أعتق أحد عبديه، وما لو أعتق عبيداً لا مال له غيرهم في مرض موته.
وأما كون من خرجت له القرعة يحلف ويأخذها؛ فلما تقدم فيما إذا تساوت البينتان.
وقيل: بالقرعة فيها .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.