فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِخَبَرٍ ثِقَةٍ عَنْ يَقِينٍ أَوِ اسْتِدْلَالٌ بِمَحَارِيبَ الْمُسْلِمِينَ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ
الشروح عليها
مسألة: (فإن أمْكَنَه ذلك بخَبَرِ ثِقَةٍ عن يَقِينٍ أو اسْتِدْلالٍ بمَحاريبِ المُسْلِمِين، لَزِمَه العَمَلُ به، وإن وَجَد مَحاريبَ لا يَعْلَم؛ هل هي للمُسْلِمِين، أولا؟ لم يَلْتَفِتْ إليها) متى أخْبَرَه ثقَة عن يَقِينٍ، لَزِمَه قَبُولُ خبَرِه؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن كان في مِصْرٍ، أو قَرْيَةٍ مِن قُرَى المُسْلِمِين، ففَرْضُه التِّوَجُّهُ إلى مَحارِيبِهم؛ لأنَّ هذه القِبْلَةَ يَنْصِبُها أهلُ الخِبْرَةِ والمَعْرِفَةِ، [فجَرَى ذلك مَجْرَى الخَبَرِ، فأغْنَى عن الاجْتِهادِ،
وإن أخْبَرَهُ مُخْبِرٌ مِن أهلِ المَعْرِفَةِ] بالقِبْلَةِ مِن أهل البَلَدِ، أو مِن غيرِه، صار إلى خَبَرِه، وليس له الاجْتِهادُ، كالحاكِمِ يَقْبَلُ النَّصَّ مِن الثِّقَةِ، ولا يَجْتَهِدُ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما يَلْزَمُه الرُّجُوعُ إلى الخَبَرِ وإلى المَحَارِيبِ في حَقِّ القَرِيبِ الَّذي يُخْبَرُ عن التَّوَجُّهِ إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ،
أمّا في حَقِّ مَن يَلْزَمُه قَصْدُ الجِهَةِ،
فإن كان أعْمَى، أو مَن فَرْضُه التَّقْلِيدُ، لَزِمَه الرُّجُوعُ إلى ذلك،
وإن كان مُجْتَهِدًا، جاز له الرُّجُوعُ؛ [لِما ذَكَرْنا، كما يَجُوزُ له الرُّجُوعُ]، في الوَقْتِ إلى قَوْلِ المُؤذِّنِ، ولا يَلْزَمُه ذلك، بل يَجُوزُ له الاجْتِهادُ، إن شاء، إذا كانتِ الأدِلَّةُ على القِبْلَةِ ظاهِرَةً، لأنَّ المُخْبرَ والذي نَصَب المَحارِيبَ إِنما يَبْنِي على الأدِلَّةِ. وقد ذَكَر ابنُ الزّاغُونِيِّ في كتابِ «الإِقْناعِ»، قال: إذا دَخَل رجلٌ إلى مَسْجِدٍ قَدِيم مَشْهُورٍ في بَلَدٍ مَعْرُوفٍ، كبَغْدادَ، فهل يَلْزَمُه الاجْتِهادُ، أم يُجْزِئُه التَّوَجُّهُ إلى القِبْلَةِ؛ فيه رِوايَتان عن أحمدَ؛
إحْداهما، يَلْزَمُه الاجْتِهادُ؛ لأنَّ المُجْتَهِدَ لا يَجُوزُ له أن يُقَلِّدَ في مَسائِلِ الفِقْهِ. والثانيةُ، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ اتِّفاقَهم عليها مع تَكرُّرِ الأعْصارِ إجْماعٌ عليها،
ولا يَجُوزُ مُخالَفَتُها باجْتِهادِه. فإذا قُلْنا: يَجِبُ الاجْتِهادُ في سائِرِ البلادِ. ففي مَدِينَة النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رِوايَتان؛ إحْداهما، يَتَوجَّهُ إليها بلا اجْتِهادٍ؛ لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُداوِمُ عليها إلَّا وهي مَقْطوعٌ بصِحَّتِها، فهو كما لو كان مُشاهِدًا للبَيْتِ. والثانية، هي كسائِرِ البِلادِ، يلْزَمُه الاجْتِهادُ فيها؛ لأنَّها نازِحَةٌ عن مَكَّةَ، فهي كغيرِها.
فصل: ولا يَجُوزُ له الاسْتِدْلالُ بمَحارِيبِ الكُفّارِ، لأنَّ قَوْلَهم لا يجُوزُ الرُّجُوعُ إليه، فمَحارِيبُهم أوْلَى، إلَّا أن نَعْلَمَ قِبْلَتَهم، كالنَّصارَى،
فإذا رَأى مَحارِيبَهم في كَنائِسِهم عَلِم أنَّها مُسْتَقْبِلَةٌ المَشْرِقَ.
فإن وَجَد مَحارِيبَ لا يَعْلَمُ هل هي للمُسْلِمِين أو للكُفَّارِ، لم يَجُزِ الاسْتِدْلالُ بها؛ لكوْنِها لا دَلالَةَ فيها،
وكذلك لو رَأى على المِحْرابِ آثارَ الإسلامِ؛ لجَوازِ أن يكُونَ البانِي مُشْرِكًا، عَمِلَه ليَغُرَّ به المُسْلِمِين، إلَّا أن يكونَ مِمّا لا يَتَطرَّقُ إليه هذا الاحْتِمالُ، ويَحْصُلَ له العِلْمُ أنَّه مِن مَحارِيب المُسْلِمِين فيَسْتَقْبِلَه.
فصل: وإذا صَلَّى على مَوْضِع عالٍ يَخْرُجُ عن مُسامَتَةِ الكَعْبَةِ، أو في مكانٍ يَنْزِلُ عن مُسامَتَتِها، صَحَّتْ صَلاتُه؛ لأنَّ الواجِبَ اسْتِقْبالُها وما حاذاها مِن فَوْقِها وتَحْتِها؛ لأنَّها لو زالَتْ صَحَّتِ الصلاةُ إلى مَوْضِع جِدارِها. واللهُ أعلمُ. ٣٥٠ -
(فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ) أَيْ: مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ (بِخَبَرٍ ثِقَةٍ) عَدَلَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا،
وَقِيلَ: أَوْ مَسْتُورٌ أَوْ مُمَيَّزٌ (عَنْ يَقِينٍ) أَيْ: عَنْ عِلْمٍ لَزِمَهُ تَقْلِيدُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَيْسَ لَهُ الِاجْتِهَادُ كَالْحَاكِمِ يَقْبَلُ النَّصَّ مِنَ الثِّقَةِ، وَلَا يَجْتَهِدُ،
وَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": الْقَادِرُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ لَيْسَ لَهُ مُتَابَعَةُ الْمُخْبِرِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ خَبَرَ فَاسِقٍ، لَكِنْ يَصِحُّ التَّوَجُّهُ إِلَى قِبْلَتِهِ فِي بَيْتِهِ،
فَلَوْ شَكَّ فِي حَالِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي الْأَصَحِّ،
وَإِنْ شَكَّ فِي إِسْلَامِهِ فَلَا، وَأَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَهُ عَنِ اجْتِهَادٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِي الْأَصَحِّ،
وَقِيلَ: مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ،
وَقِيلَ: أَوْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ قَلَّدَهُ،
وَفِي " التَّمْهِيدِ " يُصَلِّيهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، ثُمَّ يُعِيدُ إِذَا قَدَرَ، فَلَا ضَرُورَةَ إِلَى التَّقْلِيدِ، كَعَادِمِ الطَّهُورَيْنِ يُصَلِّي وَيُعِيدُ، وَيَلْزَمُهُ السُّؤَالُ، فَظَاهِرُهُ يَقْصِدُ الْمَنْزِلَ فِي اللَّيْلِ لِيَسْتَخْبِرَ (أَوِ اسْتِدْلَالٌ بِمَحَارِيبَ) وَاحِدُهَا مِحْرَابٌ، وَهُوَ صَدْرُ الْمَجْلِسِ، وَمِنْهُ مِحْرَابُ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ الْغُرْفَةُ،
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: لَا يَكُونُ مِحْرَابًا إِلَّا أَنْ يَرْتَقِيَ إِلَيْهِ بِدَرَجٍ (الْمُسْلِمِينَ) عُدُولًا كَانُوا أَوْ فُسَّاقًا (لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) إِذَا عَلَّمَهَا لَهُمْ، لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهَا مَعَ تَكَرُّرِ الْأَعْصَارِ إِجْمَاعٌ عَلَيْهَا،
وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا، وَعَنْهُ: يَجْتَهِدُ فَإِنْ أَخْطَأَ فَوَجْهَانِ،
وَعَنْهُ: وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَلَا يَنْحَرِفُ لِأَنَّ دَوَامَ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ كَالْقَطْعِ كَالْحَرَمَيْنِ
فإنْ أمْكنَه ذلك بِخَبَرِ ثِقَةٍ عن يقين، أوِ اسْتِدْلالٍ بمَحارِيبِ المسلمين، لَزِمَه العَمَل به. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ؛ أنَّه يُشْتَرَطُ في المُخْبِرِ أنْ يكونَ عَدْلًا، ظاهِرًا وباطِنًا،
وأن يكونَ بالِغًا. جزَم به في «شَرْحِه». وهو ظاهِرُ كلام الشَّارِحِ وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، وصَحَّحه.
وقيلَ: ويكْفِي مَسْتورُ الحالِ أَيضًا. صَحِّحه ابنُ تَمِيمٍ. وجزَم به في «الرِّعايَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصُّغْرى، و «الحاوِيَيْن». وقيل: يكْفِي أَيضًا خَبَرُ المُمَيِّزِ. وأطْلَقَهما ابنُ تَميمٍ فيه.
تنبيهٌ: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لا يُقْبَلُ خَبَرُ الفاسقِ في القِبْلَةِ. وهو صحيحٌ، لكنْ قال ابنُ تَميمٍ: يصِحُّ التوَجُّهُ إلى قِبْلَتِه في بَيْتِه. ذكرَه في «الإشاراتِ». وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: قلتُ: وإنْ كان هو عمِلَها، فهو كإخْبارِه بها. عن يَقينٍ. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ؛ أنَّه لا يَلْزَمُه العملُ بقوْلِه إلَّا إذا أخْبَرَه عن يَقينٍ، فلو أخْبَرَه عن اجْتِهادٍ، لم يَجُزْ تقْليدُه، وعليه الجمهورُ. قال في «الفُروعِ»: لم يَجُزْ تقْليدُه، في الأصَحِّ. قال ابنُ تَميمٍ: لم يُقَلِّدْه، واجْتَهَدَ في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأظْهَرِ. وهو ظاهرُ ما جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ» وغيرِها. وقيل: يجوزُ تقْليدُه. وقيل: يجوزُ تقْليدُه إنْ ضاقَ الوقْتُ، وإلَّا فلا. وذكرَه القاضي ظاهرَ كلامِ الإمامِ أحمدَ، واخْتارَه جماعةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهمُ الشَّيْخُ تقِيُّ الدِّينِ، ذكرَه في «الفائقِ». وقيل: يجوزُ تقْليدُه إنْ ضاقَ الوقْتُ، أو كان أعْلَمَ منه. وقال أبو الخطَّابِ، في آخِرِ «التَّمْهيدِ»: يُصَلِّيها حسَبَ حالِه، ثم يُعيدُ إذا قدَر، فلا ضَرورةَ إلى التَّقْليدِ، كمَن عدِمَ الماءَ والتُّرابَ، يُصَلِّي ويُعيدُ. لَزِمَه العَمَل به. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ؛ انَّه يَلْزَمُه العَمَلُ بقوْلِ الثِّقَةِ إذا كان عن يَقِين. وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وقال في «التَّلْخيصِ»: ليس للعالِمِ تقْليدُه. قال ابنُ تَميمٍ: وهو بعيدٌ. وقيل: لا يَلْزَمُه تقْلِيدُه مُطْلقًا. أوِ اسْتِدْلالٍ بمَحارِيبِ المسْلِمِينَ، لَزِمَه العَمَلُ به. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ؛ أنَّه يَلْزَمُه العمَلُ بمَحارِيبِ المُسْلِمِينَ، فيَسْتَدِلُ بها على القِبْلَةِ، وسواءٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كانوا عُدولًا أو فُسَّاقًا. وعليه الأصحابُ. وعنه، يَجْتَهِدُ إلَّا إذا كان بمدينةِ النَّبِيِّ، -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وعنه، يَجْتَهِدُ ولو بالمدينةِ، على ساكِنِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلام. ذكَرَها ابنُ الزَّاغُونِيِّ في «الإقْناعِ»، و «الوَجيزِ». قلتُ: وهما ضعِيفان جدًّا. وقطَع الزَّرْكَشِيُّ بعدَمِ الاجْتِهادِ في مكَّةَ والمدينةِ، وحكَى الخِلافَ في غيرِهما.
تنبيه: مفْهومُ قولِه: أو اسْتِدْلالٍ بِمَحارِيبِ المُسْلِمينَ أنَّه لا يجوزُ الاسْتِدْلالُ بغيرِ مَحَاريبِ المُسْلِمينَ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الجمهورُ، وجزَم وَإنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ في السَّفَرِ، اجْتَهَدَ في طَلَبِهَا بِالدَّلَائِلِ، وَأثْبَتُهَا الْقُطْبُ اذَا جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ.
به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعَ»، و «الرِّعايَةِ». وقال المُصَنِّفُ، وتَبِعَه الشَّارِحُ،: لا يجوزُ الاسْتِدْلالُ بمَحاريبِ الكُفَّارِ إلَّا أنْ يعْلمَ قِبْلَتَهم، كالنَّصارَى. وجزَم به ابنُ تَميمٍ. وقال أبو المَعالِي: لا يَجْتَهِدُ في مِحْرابٍ لم يعرفْ بمَطْعَنٍ بقرْيِةٍ مَطروقَةٍ. قال: وأصَحُّ الوَجْهَيْن، ولا يَنْحَرِفُ؛ لأنَّ دَوامَ التوَجُّهِ إليه كالقَطْعِ، كالحَرَمَيْن.
قال: (فإن أمكنه ذلك بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين لزمه العمل به. وإن وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا؟ لم يلتفت إليها) .
أما كون من أمكنه معرفة القبلة بخبر ثقة عن يقين يلزمه العمل به؛ فلأن الخبر كالنص فلزم قبوله. ولم يجز العدول عنه إلى الاجتهاد معه كالحاكم إذا وجد النص.
وأما كون من أمكنه ذلك باستدلالٍ بمحاريب المسلمين يلزمه ذلك؛ فلأن أهل الخبرة والمعرفة بنوها على الصحة. فجرى ذلك مجرى الخبر عن يقين.
وفي تقييد المصنف رحمه الله خبر الثقة بكونه عن يقين إشعار بأنه إذا أخبره عن اجتهاد لا يجوز له العمل بقوله. وهو صحيح. صرح به صاحب الهداية فيها. ووجهه أن العالم لا يجوز له العمل باجتهاد غيره فكذا هذا.
وأما كون من وَجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا؟ لا يلتفت إليها فلاحتمال كونها لغير المسلمين.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.