وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَهَلْ يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (ومَن قُتِل مَظْلُومًا، فهل يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ على رِوايَتَيْن) إحْدَاهما، يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه. اخْتارَها الخَلَّالُ. وهو قولُ الحسنَ، ومَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ رُتْبَتَه دونَ رُتْبَةِ الشَّهِيدِ في المُعْتَرَكِ، أشْبَهَ المَبْطُونَ ، ولأنَّ هذا لا يَكْثُرُ القَتْلُ فيه، فلم يَجُزْ إلْحَاقُه بشَهِيدِ المُعْتَرَكِ. والثَّانِيَةُ، حُكْمُه حُكْمُ الشَّهِيدِ. وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ في الغَسْلِ؛ لأنَّه شَهِيدٌ، أشْبَهَ شَهِيدَ المُعْتَرَكِ. قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ».
فصل: فأمَّا الشَّهِيدُ بغيرِ قَتْلٍ، كالمَطْعُونِ ، والمَبْطُونِ، والغَرِقِ، وصاحِبِ الهَدْمِ، والنُّفَساءِ، فإنَّهم يُغَسَّلُون، ويُصَلَّى عليهم. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا أنَّه رُوِىَ عن الحسنِ: لا يُصَلَّى على النُّفَساءِ؛ [لأنَّها شَهِيدَةٌ]. ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلي على امْرَأةٍ ماتَت في نِفاسِها، فقامَ وَسَطَها. مُتَّفَقٌ عليه . وصَلَّى المُسْلِمُون على عُمَرَ، وعليٍّ، رَضىَ اللهُ عنهما، وهما شَهِيدان.
وقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: «الشُّهَدَاءُ خَمْسٌ؛ الْمَطْعُونُ، والْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ في سَبِيلِ اللهِ» . قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثُ حسنٌ صحيحٌ. وكلُّهم، غيرَ الشَّهِيدِ في سَبِيلِ اللهِ، يُغَسَّلُون، ويُصَلَّى عليهم، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك غَسْلَ شَهِيدِ المَعْرَكَةِ، لِما يَتَضَمَّنُه مِن إزالَةِ الدَّمِ المُسْتَطابِ شَرْعًا، أو لمَشَقَّةِ غَسْلِهم، لكَثْرَتِهم، أو لِما فيهم من الجِراحِ، ولا يُوجَدُ ذلك ههُنا.
٧٦٠ -
(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَهَلْ يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُلْحَقُ بِهِ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فَعَلَيْهَا لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، كَشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَالْحُسَيْنَ قُتِلُوا ظُلْمًا، وَغُسِّلُوا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، أَشْبَهَ الْمَبْطُونَ، وَعَلَى الْأُولَى: مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لَا يُغَسَّلُ،
وَفِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ كُلَّ شَهِيدٍ غُسِّلَ، صُلِّيَ عَلَيْهِ وُجُوبًا،
وَمَنْ لَا يُغَسَّلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
تَذْنِيبٌ: يُغَسَّلُ الْبَاغِي وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُلْحَقُ بِشَهِيدِ أَهْلِ الْعَدْلِ، لِلْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ غُسْلُ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصَفِّينَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مَنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ أَوِ الْكُفَّارُ خَطَأً غُسِّلَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً،
وَكَذَا النُّفَسَاءُ تُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهَا كَالشَّهِيدِ بِغَيْرِ قَتْلٍ، كَحَرِيقٍ وَغَرَقٍ وَهَدْمٍ، وَهُمْ بِضْعَةَ عَشْرَ،
وَمِنْ أَغْرَبِهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ» ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ الْمُنَجَّا، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْعَاشِقَ مِنْهَا، وَأَشَارُوا إِلَى الْخَبَرِ الْمَرْفُوعِ «مَنْ عَشِقَ وَعَفَّ وَكَتَمَ، فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدًا» . وَهَذَا الْخَبَرُ مَذْكُورٌ فِي تَرْجَمَةِ سُوِيدِ بْنِ سَعِيدٍ فِيمَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيُّ.
مَسْأَلَةٌ: قَاطِعُ الطَّرِيقِ يُقْتَلُ أَوَّلًا وَيُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصْلَبُ،
وَقِيلَ: يُؤَخَّرَانِ عَنِ الصَّلْبِ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ".
[السَّقْطُ هَلْ يُغَسَّلُ]
ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا - كقتيلِ اللُّصوصِ ونحوِه - فهل يُلْحَقُ بالشَّهِيدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن. وأطْلَقَهما فى «الفائقِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتيْن»، و «الحاوِيَيْن»؛ إحْدَاهما، يلْحَقُ بشَهيدِ المعْركَةِ. وهو المذهبُ. اخْتارَه أكثرُ الأصحابِ. قال فى «الفُروعِ»: ولا يُغَسَّلُ المقْتولُ ظُلْمًا على الأصحِّ. قال الزَّرْكَشِىُّ: اخْتارَه القاضى وعامَّةُ أصحابِه. وصحَّحه فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . .
«مَجْمَع البَحْرَيْن». وقدَّمه ابنُ تَميمٍ. الرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يلْحَقُ بشَهِيدِ المعْركةِ. اخْتارَه الخَلَّالُ، وصحَّحه فى «التَّصْحيحَ». وجزَم به فى «الوَجيزِ».
تنبيه: قدْ يقالُ: دخَل فى كلامِه، إذا قتَل البَاغِى العادِلَ، وهو أحَدُ الطرَّيقَتَيْن. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، والقاضى.
وقيل: بل حُكْمُه حُكْمُ قَتيلِ الكُفَّارِ.
وهو المنْصوصُ. واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والمَجْدُ، وغيرُهم.
وعنه، يلْحَقُ بشَهِيدِ المعْرَكَةِ إنْ قُتِلَ فى مُعْتَرَكٍ بينَ المُسْلِمين، كقَتِيلِ البُغاةِ والخَوارِجِ فى المعْركَةِ، أو قَتَلَه الكُفَّارُ صَبْرًا فى غيرِ حَرْبٍ، كخُبَيْبٍ ، وإلَّا فلا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ إحْداها، قيل: إنَّما لم يُغَسَّلِ الشَّهيدُ دَفْعًا للحَرج والمَشَقَّةِ، لكَثْرَةِ لشُّهَداءِ فى المعْركَةِ.
وقيل: لأنَّهم لمَّا لم يُصَلَّ عليهم، لم يُغَسَّلُوا.
وقيل، وهو لصَّحيحُ: لِئَلَّا يزُولَ أثر العِبادَةِ المطْلوبِ بَقَاؤُها. وإنَّما لم يُصَلَّ عليهم، قيل: لأنَّهم أحْياءٌ عندَ رَبِّهم، والصَّلاةُ إنَما شُرِعَتْ فى حقِّ الموْتَى.
وقيل: لِغِناهم عنِ الشَّفاعَةِ. الثَّانيةُ، قال فى «الفُروعِ»: الشَّهِيدُ غيرُ شَهِيدِ المعْركَةِ، بِضْعَةَ وَإذَا وُلِدَ السِّقْطُ لأَكْثَرَ مِنْ أَربَعَةِ أَشْهُرٍ، غُسِّلَ وَصُلِّىَ عَلَيْهِ.
عَشَرَ، مُفَرقَةً فى الأخْبارِ، ومِن أغْرَبِها:«مَوْتُ الغَرِيب، شَهادَةٌ» رَواه ابنُ ماجَه والخلَّالُ مرْفُوعًا، وأغْرَبُ منه:«مَن عَشِقَ وعَفَّ وكَتَمَ فَماتَ، ماتَ شَهِيدًا». ذكرَه أبو المَعالِى، وابنُ مُنَجَّى.
وقال بعضُ الأصحابِ المُتَأخِّرين: كوْنُ العِشْقِ شَهادَةً مُحالٌ. ورَدَّه فى «الفُروعِ».
تنبيه: مفهوم قوله: وإذا وُلِدَ السِّقْطُ لأكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه لو وُلِدَ لدُونِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، أنَّه لا يُغَسَّلُ ولا يصَلَّى عليه. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. وهو ظاهِرُ كلامِه فى «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما. وقدَّمه فى «الفُروع،»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن». قال فى «الفُصُولِ»: لم يَجُزْ أنْ يصَلَّى عليه. وجزَم به فى «النَّظْمِ»، و «ناظِمِ المُفْرَداتِ».
فقال:
بعدَ ارْبَعِ الشُّهورِ سقْطٌ يُغسَلُ ... وصَلِّ لو لم يَسْتَهِلَّ نَقَلُوا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعنه، متى بانَ فيه خَلْقُ الِإنْسانِ، غُسِّلَ وصلِّىَ عليه. واخْتارَه أبو بكْرٍ فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«التَّنْبِيهِ»، وابنُ أبِى مُوسى. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ» و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «البُلْغَةِ»، و «التَلْخيصِ».
وقال: وقد ضَبَطَه بعضُ الأصحابِ بأرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ لأنَّها مَظِنَّةُ الحَياةِ. وقدَّمه ابنُ تَميمٍ.
فوائد، إحْداها، يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ هذا المَوْلودِ. نصَّ عليه. واخْتارَه الخَلَّالُ وغيرُه. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وعنه، لا يُسَمَّى إلا بعدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ. نقَلَه وَمَنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ يُمِّمَ.
الجماعةُ عنِ الإمامِ أحمدَ، قال القاضى وغيرُه: لأنَّه لا يُبْعَثُ قبلَها.
وقال القاضى فى «المُعْتَمَدِ»: يُبْعَثُ قبلَها.
وقال: هو ظاهرُ كلام الإمامِ أحمدَ. قال الشَّيْخُ تَقِى الدِّينِ: وهو قوْلُ كثيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ.
وقال فى «نِهايَةِ المُبْتَدِى»: لا يُقْطَعُ بإعادَتِه وعَدَمِها كالجَمادِ.
وقال فى «الفُصولِ»: لا يجوزُ أنْ يُصَلَّى عليه كالعَلَقَةِ؛ لأنه لا يُعادُ ولا يُحاسَبُ. الثَّانيةُ، يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ مَن لم يَسْتَهِلَّ أيضًا.
وإنْ جُهِلَ ذكَرٌ أم أُنْثَى، سُمِّىَ باسْمٍ صالحٍ لهما، كطَلْحَةَ وهِبَةِ اللهِ. الثَّالثةُ، لو كان السِّقْطُ مِن كافرٍ،
فإنْ حُكِمَ بإسْلامِه، فكَمُسْلم، وإلَّا فلا. ونَقَل حَنْبَلٌ، يصَلَّى على كلِّ موْلودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ. الرَّابعةُ، مَن ماتَ فى سَفِينَةٍ، غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه بعدَ تَكْفِينِه، وأُلقِىَ فى البَحْر سَلًّا، كإدْخالِه فى القَبْرِ مع خَوْفِ فَسادٍ أو حاجَةٍ. ونقَلَ عَبْدُ الله، يُثَقَّلُ بشئٍ. وذكَره فى «الفُصُولِ» عن أصحابِنا. قال: ولا موْضِعَ لنا، الماءُ فيه بَدَلٌ عنِ التُّرابِ إلَّا هنا. فيُعايىَ بها.
قال: (ومن قُتل مظلوماً فهل يلحق بالشهيد؟ على روايتين) .
أما كون من ذُكر لا يلحق بالشهيد فيما تقدم ذكره على روايةٍ فـ «لأن عمر وعثمان وعلياً والحسين قتلوا ظلماً وغسلوا وصلي عليهم».
ولأنه ليس بشهيد المعركة أشبه المبطون.
وأما كونه يلحق به على روايةٍ فلقوله عليه السلام:«من قتل دون ماله فهو شهيد». ولأنه مقتول ظلماً أشبه الشهيد.
ولأنه يساوي شهيد المعركة في الشهادة فوجب أن يساويه فيما ذكر بالقياس عليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.