فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

باب ميراث الجد] قال: ومذهب أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الجد قول زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. ش: يعني في توريث الإخوة مع الجد،

٣٬٨٩٣

وفي كيفية توريثهم معه، أما الأول - وهو توريث الإخوة مع الجد - فهو المذهب المعروف، المشهور عند عامة الأصحاب.

٢٢٦٧ - وهو قول علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لأن توريث الإخوة ثبت بنص الكتاب، فلا يمنعون إلا بنص، أو إجماع، أو قياس، ولم يرد شيء من ذلك، ولأن الأخوة والجدودة في درجة واحدة، إذ الجد أب الأب، والأخ ابنه، وقرابة البنوة لا تنقص عن قرابة الأبوة، بل تعصيب البنوة أقوى. ٢٢٦٨ - ولهذا مثله زيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بواد خرج منه نهر، تفرق منه جدولان، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب منه إلى الوادي، ونحو ذلك عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

وعن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رواية أخرى، اختارها أبو حفص - أظنه البرمكي - أن الجد يسقط الإخوة كما يسقطهم الأب.

٢٢٦٩ - وهو مذهب أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

٢٢٧٠ - ويروى عن ثلاثة عشر صحابيا، منهم عثمان، وعائشة، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، ولأنه والد، بدليل قَوْله تَعَالَى: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} [يوسف: ٣٨] .

٢٢٧١ - وقال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا» والوالد لا ترث الإخوة معه شيئا، قال الله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: ١٧٦] والكلالة من لا ولد له ولا والد.

٢٢٧٢ - ولهذا قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أبا الأب أبا. ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» والجد أولى من الأخ، لأن له إيلادا،

٣٬٨٩٤

ولو ازدحمت الفروض سقط الأخ دونه، ولأنه كالأب في أنه لا يقتل بابن ابنه، ولا يحد بقذفه، ولا يقطع بسرقة ماله، وتجب عليه نفقته، ويمنع من دفع زكاته إليه، فكذلك هنا، ثم نقول: لا شك أن أمر الجد قد اشتبه على أكابر الصحابة.

٢٢٧٣ - وقد روى الإمام أحمد عن الحسن، «أن عمر سأل عن فريضة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الجد، فقام معقل بن يسار المزني فقال: قضى فيها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ماذا؟ قال: السدس. قال: مع من؟ قال: لا أدري. قال: لا دريت، قال: فما تغني إذا» ،

٣٬٨٩٥

وإذا اشتبه الأمر كان المرجع إلى أكثر الصحابة وأقدمهم وأعلمهم أولى. ولا تفريع على هذا القول،

٣٬٨٩٦

أما على الأول فاختلفوا في كيفية توريثهم معه، ومذهبنا في ذلك بلا نزاع مذهب زيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، كما يذكره الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

٢٢٧٤ - وإنما اعتمد أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ذلك على قول زيد، لما روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله عز وجل أبي، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» رواه أحمد والنسائي، والترمذي وصححه، وابن ماجه، والحاكم،

٣٬٨٩٧

وقال: إنه على شرط الشيخين،

٣٬٨٩٨

وقال كثير من أهل العلم بالحديث: إن الصحيح أنه مرسل عن أبي قلابة، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كذا قال الدارقطني، والخطيب،

٣٬٨٩٩

وقال ابن عبد البر: إن أكثر الرواة على هذا. واتفق الكل أن المسند منه «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»

٣٬٩٠٠

وكذلك أخرجه الشيخان، دون بقية الحديث.

٢٢٧٥ - وقد روي هذا الحديث من رواية جابر، أخرجه الطبراني،

٣٬٩٠١

ومن رواية أبي سعيد الخدري، رواه قاسم بن أصبغ،

٣٬٩٠٢

ومن رواية ابن عمر، أخرجه أبو يعلى الموصلي، لكن في أسانيدها كلام، وأقربها، وأحسنها حديث أنس، وبها وإن كان مرسلا يتقوى، ويصير حجة عند العامة، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

بَابُ مِيرَاثِ الْجَدِّ] مِيرَاثِ الْجَدِّ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ ابْنَ ابْنِ ابْنِي مَاتَ، فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ؟ قَالَ: لَك السُّدُسُ. فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ، فَقَالَ: إنَّ لَك سُدُسًا آخَرَ. فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ، فَقَالَ: إنَّ لَك السُّدُسَ الْآخَرَ طُعْمَةً.» قَالَ قَتَادَةُ: فَلَا نَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ وَرَّثَهُ. قَالَ قَتَادَةُ أَقَلُّ شَيْءٍ وَرِثَ الْجَدُّ السُّدُسَ.

وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَيْضًا، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ:«أَيُّكُمْ يَعْلَمُ مَا وَرَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَدَّ؟ فَقَالَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَا، وَرَّثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّدُسَ. قَالَ: مَعَ مَنْ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ: لَا دَرَيْت. قَالَ: فَمَا يُغْنِي إذًا» رَوَاهُ سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ ". قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْأَبِ، لَا يَحْجُبُهُ عَنْ الْمِيرَاثِ غَيْرُ الْأَبِ، وَأَنْزَلُوا الْجَدَّ فِي الْحَجْبِ وَالْمِيرَاثِ مَنْزِلَةَ الْأَبِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ، إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ.

أَحَدُهَا، زَوْجٌ وَأَبَوَانِ. وَالثَّانِيَةُ، زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ، لِلْأُمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي فِيهِمَا مَعَ الْأَبِ، وَثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ لَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَبِ جَدٌّ. وَالثَّالِثَةُ، اخْتَلَفُوا فِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي إسْقَاطِهِ بَنِي الْإِخْوَةِ وَوَلَدَ الْأُمِّ، ذَكَرَهُمْ وَأُنْثَاهُمْ. وَذَهَبَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى أَنَّ الْجَدَّ يُسْقِطُ جَمِيعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، كَمَا يُسْقِطُهُمْ الْأَبُ.

وَبِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ.

وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالْمُزَنِيُّ، وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَابْنُ اللَّبَّانِ، وَدَاوُد، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يُوَرَّثُونَهُمْ مَعَهُ، وَلَا يَحْجُبُونَهُمْ بِهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّ الْأَخَ ذَكَرٌ يُعَصِّبُ أُخْتَهُ، فَلَمْ يُسْقِطْهُ الْجَدُّ، كَالِابْنِ.

وَلِأَنَّ مِيرَاثَهُمْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ، فَلَا يُحْجَبُونَ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَمَا وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يُحْجَبُونَ؛ وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَتَسَاوُونَ فِيهِ،

٢٣٬٨٥٦

فَإِنَّ الْأَخَ وَالْجَدَّ يُدْلِيَانِ بِالْأَبِ، الْجَدُّ أَبُوهُ، وَالْأَخُ ابْنُهُ، وَقَرَابَةُ الْبُنُوَّةِ لَا تَنْقُصُ عَنْ قَرَابَةِ الْأُبُوَّةِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَتْ أَقْوَى؛

٢٣٬٨٥٧

فَإِنَّ الِابْنَ يُسْقِطُ تَعْصِيبَ الْأَبِ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِشَجَرَةٍ أَنْبَتَتْ غُصْنًا، فَانْفَرَقَ مِنْهُ غُصْنَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى أَصْلِ الشَّجَرَةِ،

٢٣٬٨٥٨

وَمَثَّلَهُ زَيْدٌ بِوَادٍ خَرَجَ مِنْهُ نَهْرٌ، انْفَرَقَ مِنْهُ جَدْوَلَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْوَادِي.

وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، وَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ» . وَالْجَدُّ أَوْلَى مِنْ الْأَخِ، بِدَلِيلِ الْمَعْنَى وَالْحُكْمِ؛

٢٣٬٨٥٩

أَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَهُ قَرَابَةُ إيلَادٍ وَبَعْضِيَّةٍ كَالْأَبِ،

٢٣٬٨٦٠

وَأَمَّا الْحُكْمُ فَإِنَّ الْفُرُوضَ إذَا ازْدَحَمَتْ سَقَطَ الْأَخُ دُونَهُ، وَلَا يُسْقِطُهُ أَحَدٌ إلَّا الْأَبُ، وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ يَسْقُطُونَ بِثَلَاثَةٍ، وَيُجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ، كَالْأَبِ، وَهُمْ يَنْفَرِدُونَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُسْقِطُ وَلَدَ الْأُمِّ، وَوَلَدُ الْأَبِ يَسْقُطُونَ بِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ إذَا اسْتَغْرَقَتْ الْفُرُوضُ الْمَالَ، وَكَانُوا عَصَبَةً.

٢٣٬٨٦١

وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ فِي الْمُشْرَكَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِ ابْنِ ابْنِهِ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ،

٢٣٬٨٦٢

وَيَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَيُمْنَعُ مِنْ دَفْعِ زَكَاتِهِ إلَيْهِ، كَالْأَبِ سَوَاءً، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى قُوَّتِهِ.

٢٣٬٨٦٣

فَإِنْ قِيلَ: فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي تَقْدِيمِ الْأَخَوَاتِ؛ لِأَنَّ فُرُوضَهُنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَجِبُ أَنْ تَلْحَقَ بِهِنَّ فُرُوضُهُنَّ، وَيَكُونُ لِلْجَدِّ مَا بَقِيَ. فَالْجَوَابُ، أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ حُجَّةُ فِي الذُّكُورِ الْمُنْفَرِدِينَ،

٢٣٬٨٦٤

وَفِي الذُّكُورِ مَعَ الْإِنَاثِ.

أَوْ نَقُولُ: هُوَ حُجَّةٌ فِي الْجَمِيعِ، وَلَا فَرْضَ لِوَلَدِ الْأَبِ مَعَ الْجَدِّ؛ لِأَنَّهُمْ كَلَالَةٌ، وَالْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْوَارِثِ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ مَعَهُ إذًا فَرْضٌ. حُجَّةٌ أُخْرَى، قَالُوا: الْجَدُّ أَبٌ، فَيَحْجُبُ وَلَدَ الْأَبِ، كَالْأَبِ الْحَقِيقِيِّ. وَدَلِيلُ كَوْنِهِ أَبًا قَوْله تَعَالَى:{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} وَقَوْلُ يُوسُفَ: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} . وَقَوْلُهُ: {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} وَقَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا» .

وَقَالَ:«سَامُ أَبُو الْعَرَبِ، وَحَامُ أَبُو الْحَبَشِ» . وَقَالَ:«نَحْنُ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لَا نَقَفُوا أُمَّنَا، وَلَا نَنْفِي مِنْ أَبِينَا» .

٢٣٬٨٦٥

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

إنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لَا نَدَّعِي لِأَبٍ عَنْهُ ... وَلَا هُوَ بِالْأَبْنَاءِ يَشْرِينَا فَوَجَبَ أَنْ يَحْجُبَ الْإِخْوَةَ، كَالْأَبِ الْحَقِيقِيِّ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ ابْنَ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ يَقُومُ مَقَامَ أَبِيهِ فِي الْحَجْبِ،

٢٣٬٨٦٦

وَكَذَلِكَ أَبُو الْأَبِ يَقُومُ مَقَامَ ابْنِهِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدٌ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا، وَلَا يَجْعَلُ أَبَا الْأَبِ أَبًا. وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا إيلَادًا وَبَعْضِيَّةً وَجُزْئِيَّةً، وَهُوَ يُسَاوِي الْأَبَ فِي أَكْثَرِ أَحْكَامِهِ، فَيُسَاوِيهِ فِي هَذَا الْحَجْبِ.

يُحَقِّقُهُ أَنَّ أَبَا الْأَبِ وَإِنْ عَلَا يُسْقِطُ بَنِي الْإِخْوَةِ،

٢٣٬٨٦٧

وَلَوْ كَانَتْ قَرَابَةُ الْجَدِّ وَالْأَخِ وَاحِدَةً، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَبُو الْجَدِّ مُسَاوِيًا لِبَنِي الْأَخِ، لِتَسَاوِي دَرَجَةِ مَنْ أَدْلَيَا بِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِوُضُوحِهِ. (٤٨٦٧) فَصْلٌ: اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِتَوْرِيثِهِمْ مَعَهُ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ، فَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَفْرِضُ لِلْأَخَوَاتِ فُرُوضَهُنَّ، وَالْبَاقِيَ لِلْجَدِّ، إلَّا أَنْ يَنْقُصَهُ ذَلِكَ مِنْ السُّدُسِ، فَيَفْرِضَهُ لَهُ،

٢٣٬٨٦٨

فَإِنْ كَانَتْ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ، وَإِخْوَةٌ لِأَبٍ، فَرَضَ لِلْأُخْتِ النِّصْفَ، وَقَاسَمَ الْجَدُّ الْإِخْوَةَ فِيمَا بَقِيَ، إلَّا أَنْ تَنْقُصَهُ الْمُقَاسَمَةُ مِنْ السُّدُسِ، فَنَفْرِضَهُ لَهُ.

٢٣٬٨٦٩

فَإِنْ كَانَ الْإِخْوَةُ كُلُّهُمْ عَصَبَةً، قَاسَمَهُمْ الْجَدُّ إلَى السُّدُسِ.

٢٣٬٨٧٠

فَإِنْ اجْتَمَعَ وَلَدُ الْأَبِ وَوَلَدُ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْجَدِّ، سَقَطَ وَلَدُ الْأَبِ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الْمُقَاسَمَةِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِمْ.

٢٣٬٨٧١

وَإِنْ انْفَرَدَ وَلَدُ الْأَبِ، قَامُوا مَقَامَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْجَدِّ. وَصَنَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي الْجَدِّ مَعَ الْأَخَوَاتِ كَصُنْعِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَاسَمَ بِهِ الْإِخْوَةَ إلَى الثُّلُثِ،

٢٣٬٨٧٢

فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَصْحَابُ فَرَائِضَ، أَعْطَى أَصْحَابَ الْفَرَائِضِ فَرَائِضَهُمْ، ثُمَّ صَنَعَ صَنِيعَ زَيْدٍ فِي إعْطَاءِ الْجَدِّ الْأَحَظَّ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ أَوْ ثُلُثَ الْبَاقِي أَوْ سُدُسَ جَمِيعِ الْمَالِ، وَعَلِيٌّ يُقَاسِمُ بِهِ بَعْدَ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ الْفَرَائِضِ بِنْتًا أَوْ بَنَاتٍ فَلَا يَزِيدُ الْجَدُّ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَا يُقَاسِمُ بِهِ.

٢٣٬٨٧٣

وَقَالَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ الْمِقْسَمِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ. وَذَهَبَ إلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَسْرُوقٌ، وَعَلْقَمَةُ، وَشُرَيْحٌ.

٢٣٬٨٧٤

وَأَمَّا مَذْهَبُ زَيْدٍ فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، وَسَنَشْرَحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ. وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.

[مَسْأَلَةٌ إخْوَة وَأَخَوَات وَجَدِّ قَاسِمهمْ الْجَدُّ بِمَنْزِلَةِ أَخ] (٤٨٦٨) مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ (وَمَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي الْجَدَّ، قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِذَا كَانَ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ وَجَدٌّ، قَاسَمَهُمْ الْجَدُّ بِمَنْزِلَةِ أَخٍ، حَتَّى يَكُونَ الثُّلُثُ خَيْرًا، فَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ خَيْرًا لَهُ، أُعْطِيَ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ زَيْدٍ فِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ، وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبَوَيْنِ، أَوْ لِلْأَبِ، أَنَّهُ يُعْطِيهِ الْأَحَظَّ مِنْ شَيْئَيْنِ؛

٢٣٬٨٧٥

إمَّا الْمُقَاسَمَةُ، كَأَنَّهُ أَخٌ، وَإِمَّا ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ. فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْإِخْوَةُ اثْنَيْنِ، أَوْ أَرْبَعَ أَخَوَاتٍ، أَوْ أَخًا وَأُخْتَيْنِ، فَالثُّلُثُ وَالْمُقَاسَمَةُ سَوَاءٌ، فَأَعْطِهِ مَا شِئْت مِنْهُمَا.

٢٣٬٨٧٦

وَإِنْ نَقَصُوا عَنْ ذَلِكَ، فَالْمُقَاسَمَةُ أَحَظُّ لَهُ، فَقَاسِمْ بِهِ لَا غَيْرُ.

٢٣٬٨٧٧

وَإِنْ زَادُوا، فَالثُّلُثُ خَيْرٌ لَهُ، فَأَعْطِهِ إيَّاهُ. وَسَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَبٍ أَوْ مِنْ أَبَوَيْنِ،

٢٣٬٨٧٨

فَإِنْ اجْتَمَعَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ، وَوَلَدُ الْأَبِ،

٢٣٬٨٧٩

فَإِنَّ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ يُعَادُونَ الْجَدَّ بِوَلَدِ الْأَبِ، وَيَحْتَسِبُونَ بِهِمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَا حَصَلَ لَهُمْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ أُخْتًا وَاحِدَةً، فَتَأْخُذَ مِنْهُمْ تَمَامَ نِصْفِ الْمَالِ، ثُمَّ مَا فَضَلَ فَهُوَ لَهُمْ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْضُلَ عَنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ السُّدُسِ؛ لِأَنَّ أَدْنَى مَا لِلْجَدِّ الثُّلُثُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي بَعْدَهُمَا هُوَ السُّدُسُ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.