ولو عدم ثوبًا صلّى قاعدًا مؤمّيًا بركوعٍ وسجودٍ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَدِمَ ثَوْبًا صَلَّى قَاعِدًا مُومِئًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ) لِمَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبُوا فِي السَّفِينَةِ فَانْكَسَرَتْ بِهِمْ فَخَرَجُوا مِنْ الْبَحْرِ عُرَاةً فَصَلُّوا قُعُودًا بِإِيمَاءٍ أَرَادَ بِالثَّوْبِ مَا يَسْتُرُ عَامَّةَ عَوْرَتِهِ وَلَوْ حَرِيرًا أَوْ حَشِيشًا أَوْ نَبَاتًا أَوْ كَلَأً أَوْ طِينًا يُلَطِّخُ بِهِ عَوْرَتَهُ وَيَبْقَى عَلَيْهِ حَتَّى يُصَلِّيَ لَا الزُّجَاجُ الَّذِي يَصِفُ مَا تَحْتَهُ وَالْعَدَمُ الْمَذْكُورُ يَثْبُتُ بِعَدَمِ الْوُجُودِ فِي مِلْكِهِ وَبِعَدَمِ الْإِبَاحَةِ لَهُ حَتَّى لَوْ أُبِيحَ لَهُ ثَوْبٌ تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ
فَلَوْ صَلَّى عَارِيًّا لَمْ يَجُزْ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا أُبِيحَ لَهُ الْمَاءُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْعُرْيَانِ يَعِدُهُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ يُعْطِيهِ الثَّوْبَ إذَا صَلَّى فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُهُ وَلَا يُصَلِّي عُرْيَانًا وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْقُنْيَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْتَظِرُهُ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ وَأَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَيَمِّمِ إذَا كَانَ يَرْجُو الْمَاءَ فِي آخِرِهِ وَأَطْلَقَ فِي الصَّلَاةِ قَاعِدًا فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا فِي بَيْتٍ أَوْ صَحْرَاءَ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا بَيَّنَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ خَصَّهُ بِالنَّهَارِ
أَمَّا فِي اللَّيْلِ فَيُصَلِّي قَائِمًا؛ لِأَنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ تَسْتُرُ عَوْرَتَهُ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَهَذَا لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ؛ لِأَنَّ السِّتْرَ الَّذِي يَحْصُلُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لَا عِبْرَةَ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ حَالَةَ الْقُدْرَةِ عَلَى الثَّوْبِ إذَا صَلَّى عُرْيَانًا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لَا يَجُوزُ فَصَارَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ. اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي بِأَنَّ الِاسْتِشْهَادَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ مُتَّجَهٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَ حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَحَالَةِ الِاضْطِرَارِ وَأَطَالَ إلَى أَنْ قَالَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ سُئِلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ صَلَاةِ الْعُرْيَانِ قَالَ إنْ كَانَ حَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ صَلَّى جَالِسًا وَإِنْ كَانَ حَيْثُ لَا يَرَاهُ النَّاسُ صَلَّى قَائِمًا وَهُوَ وَإِنْ كَانَ سَنَدُهُ ضَعِيفًا فَلَا يَقْصُرُ عَنْ إفَادَةِ الِاسْتِئْنَاسِ،
وَأَمَّا وَاقِعَةُ الصَّحَابَةِ الْمُتَقَدِّمَةُ فَقَدْ تَطَرَّقَ إلَيْهَا احْتِمَالَاتٌ
إمَّا لِأَنَّهُمْ اخْتَارُوا الْأَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الِانْكِشَافِ أَوْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَرَائِينَ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَيْلًا فَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ صِفَةَ الْقُعُودِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا فَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي يَقْعُدُ كَمَا يَقْعُدُ فِي الصَّلَاةِ فَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَهُوَ يَفْتَرِشُ وَهِيَ تَتَوَرَّكُ وَفِي الذَّخِيرَةِ يَقْعُدُ وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى عَوْرَتِهِ الْغَلِيظَةِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي السِّتْرِ مَا لَا يَحْصُلُ بِالْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ خُلُوِّ هَذِهِ الْهَيْئَةِ عَنْ فِعْلِ مَا لَيْسَ بِأَوْلَى وَهُوَ مَدُّ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقُعُودَ عَلَى هَيْئَةٍ مُتَعَيِّنَةٍ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ بَلْ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْقُعُودُ أَفْضَلَ مِنْ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ أَهَمُّ مِنْ أَدَاءِ الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ مُطْلَقًا وَالْأَرْكَانُ فَرَائِض الصَّلَاةِ لَا غَيْرُ، وَقَدْ أَتَى بِبَدَلِهَا وَإِنَّمَا كَانَ الْقِيَامُ جَائِزًا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَرَكَ فَرْضَ السَّتْرِ فَقَدْ كَمَّلَ الْأَرْكَانَ الثَّلَاثَةَ وَبِهِ حَاجَةٌ إلَى تَكْمِيلِهَا، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَجُوزَ الْإِيمَاءُ قَائِمًا؛ لِأَنَّ تَجْوِيزَ تَرْكِ فَرْضِ السَّتْرِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ تَكْمِيلِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ وَالْمُومِئُ بِهِمَا قَائِمًا لَمْ يُحْرِزْهُمَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ مَعَ أَنَّ الْقِيَامَ إنَّمَا شُرِعَ لِتَحْصِيلِهِمَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ قَاعِدًا وَسَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ قِطْعَةٌ يَسْتُرُ بِهَا أَصْغَرَ الْعَوْرَاتِ فَلَمْ يَسْتُرْ فَسَدَتْ وَإِلَّا فَلَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ وَجَدَ مَا يَسْتُرْ بَعْضَ الْعَوْرَةِ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ وَيَسْتُرُ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ.
اهـ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ بِهِ إلَّا أَحَدَهُمَا قِيلَ يَسْتُرُ الدُّبُرَ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
وَقِيلَ يَسْتُرُ الْقُبُلَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ الْقِبْلَةَ وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتُرُ بِغَيْرِهِ وَالدُّبُرُ يُسْتَرُ بِالْأَلْيَتَيْنِ اهـ.
كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّ الْعُرَاةَ لَا يُصَلُّونَ جَمَاعَةً وَفِي الذَّخِيرَةِ وَأَسْتَرُ مَا يَكُونُ أَنْ يَتَبَاعَدَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِهِمْ إذَا أَمِنُوا الْعَدُوَّ وَالسَّبُعَ وَإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً صَحَّتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَيَقِفُ الْإِمَامُ وَسْطَهُمْ وَإِنْ تَقَدَّمَ جَازَ وَيَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ سِوَى الْإِمَامِ، ثُمَّ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ عَلَى الْعَارِي الْإِعَادَةَ إذَا وَجَدَ ثَوْبًا، وَقَدْ أَفَادَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ إذَا صَلَّى عَارِيًّا لِلْعَجْزِ عَنْ السُّتْرَةِ.
اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ الْإِعَادَةُ عِنْدَنَا إذَا كَانَ الْعَجْزُ لِمَنْعٍ مِنْ الْعِبَادِ كَمَا إذَا غَصَبَ ثَوْبَهُ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْمَاءِ إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَارِيًّا لَا ثَوْبَ لَهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى شِرَاءِ ثَوْبٍ هَلْ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ كَالْمَاءِ إذَا كَانَ يُبَاعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَهُ ثَمَنُهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ.
(قَوْلُهُ: قِيَاسًا عَلَى الْمُتَيَمِّمِ إذَا كَانَ يَرْجُو الْمَاءَ فِي آخِرِهِ) أَقُولُ: تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ وُعِدَ بِالْمَاءِ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِظَارُ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ فَيَنْبَغِي قِيَاسُ الثَّوْبِ عَلَيْهِ إذْ هُوَ أَقْرَبُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ الظَّاهِرُ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ،
فَإِنَّ فِيهِ قِيَاسَ الْمَوْعُودِ عَلَى الْمَوْعُودِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ إلَخْ) وَاخْتَارَ تَقْيِيدَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ بِمَا إذَا كَانَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ
(قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ إلَخْ) ذَكَرَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ جَلَسَ كَهَيْئَةِ الْمُتَشَهِّدِ تَبْدُو عَوْرَتُهُ الْغَلِيظَةُ حَالَةَ الْإِيمَاءِ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَكْثَرَ مِمَّا إذَا جَلَسَ وَمَقْعَدَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ مَادًّا رِجْلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ إلَّا انْكِشَافٌ يَسِيرٌ حَالَةَ الْإِيمَاءِ وَفِي مَدِّ رِجْلَيْهِ زِيَادَةُ سِتْرٍ عَلَى مَا إذَا جَلَسَ مُتَرَبِّعًا وَلِذَا
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرَانِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ أَوْلَى لِزِيَادَةِ السِّتْرِ فِيهِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا
قُلْتُ: وَعَلَيْهِ مَشَى الزَّيْلَعِيُّ وَكَذَا فِي السِّرَاجِ وَالدُّرَرِ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إلَخْ) يُوَافِقُهُ مَا مَرَّ عَنْ ظَاهِرِ الْهِدَايَةِ فِي الْمَقُولَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا أَقُولُ: وَهَذَا الْبَحْثُ مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ.
(قَوْلُهُ: قِيلَ يَسْتُرُ الدُّبُرَ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ تَعَيَّنَ سِتْرُ الْقُبُلِ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ الْإِعَادَةُ عِنْدَنَا إلَخْ) وَافَقَهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ يُمْكِنُ تَأْيِيدُ الْإِطْلَاقِ بِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ لَمَّا كَانَتْ لَا تَسْقُطُ وَلَا بِعُذْرٍ كَمَا سَبَقَ جَرَى فِيهَا التَّفْصِيلُ لِأَهَمِّيَّتِهَا
بِخِلَافِ سِتْرِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ كَمَا تَرَى فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ.
وَفِيهِ بَحْثٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذَا كَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي السُّقُوطِ بِالْعُذْرِ فَاضْمَحَلَّ الْفَرْقُ.
(قَوْلُهُ: هَلْ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ كَالْمَاءِ إلَخْ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِدُونِ هَلْ فَمُقْتَضَى النُّسْخَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ نَصًّا فِي ذَلِكَ وَيُوَافِقُهَا مَا سَبَقَ لَهُ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْضًا وَلَكِنْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ نَقْلَ مَسْأَلَةٍ عَنْ السِّرَاجِ وَأَنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ النَّهْرِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ قِيَاسًا عَلَى شِرَاءِ الْمَاءِ. اهـ.
وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ ثُمَّ رَأَيْت فِي مَتْنِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ جَزَمَ بِأَنَّ الثَّوْبَ كَالْمَاءِ
(ولو عدم) المصلي (ثوبا) يستر عورته ولو حريرا أو نباتا أو طينا يلطخها به
قال في الفتح: ولو وجد ما يستر بعضها وجب استعماله ويستر القبل والدبر انتهى.
فإن لم يجد إلا ما يستر أحدهما قيل: يستر القبل للقبلة.
وقيل: الدبر لفحشه في الركوع والسجود كذا في السراج والظاهر أن الخلاف في الأولوية ومقتضى تعليل الثاني أنه لو (صلى قاعدا) بالإيماء تعين ستر القبل والمراد بالعدم عدم القدرة حتى لو أبيح له عد قادرا على الأصح ولو وعد انتظره ما لم يخف فوت الوقت عند الإمام والثاني كذا في القنية.
وما في السراج من أنه ينتظره وإن خاف خروج الوقت كذا عند محمد محمول على أنه قوله وحده ولو قدر بشرائه بثمن مثله لم يذكروه وينبغي أن يلزمه قياسا على شراء الماء صلى حال كونه قاعدا مومئا بركوع أو سجود ليلا كان أو نهارا وهو الأصح وخصه بعضهم بالنهار
أما في الليل فيصلي قائما ورده في الذخيرة بأن الستر بالظلمة لا عبرة به ألا ترى أن القادر لو صلى فيها عريانا لم يجز ولو كان لها أثر لجاز وفرق الحلبي بين حالة الاختيار والاضطرار وأيده بما أخرجه عبد الرزاق سئل علي عن صلاة العريان قال: إن كانت بحيث يراه الناس صلى جالسا وإن كان بحيث لا يراه الناس صلى قائما. وهو وإن ضعف سنده إلا أنه لا يقصر على الاستئناس
وأما واقعة الصحابة التي قالها المشايخ من أنهم انكسرت بهم السفينة صلوا قعودا في الماء فقد تطرق إليها احتمال أنهم اختاروا الأولى أو كانوا مترائيين ولم يكن ليلا
(وَلَوْ عُدِمَ ثَوْبًا صَلَّى قَاعِدًا مُؤَمِّيًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - انْكَسَرَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ فَخَرَجُوا عُرَاةً فَكَانُوا يُصَلُّونَ جُلُوسًا يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إيمَاءً بِرُؤْسِهِمْ؛ وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ فِي النَّفْلِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ دُونَ السَّتْرِ،
وَكَذَا السَّتْرُ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ وَالْقِيَامُ يَخْتَصُّ بِهَا فَكَانَ أَقْوَى وَكَيْفِيَّةُ الْقُعُودِ أَنْ يَقْعُدَ مَادًّا رِجْلَيْهِ فِي الْقِبْلَةِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ ذَكَرَهُ فِي خَيْرِ مَطْلُوبٍ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَلَوْ عُدِمَ ثَوْبًا إلَى آخِرِهِ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ نَفْسَهُ مِنْ الْحَشِيشِ وَالْكَلَأِ وَالنَّبَاتِ وَعَنْ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيِّ لَوْ وَجَدَ طِينًا يُلَطِّخُ بِهِ عَوْرَتَهُ وَيَبْقَى عَلَيْهِ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهِ كَذَا فِي الدِّرَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِيهِ وَلَوْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ وَيَسْتُرُ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ قَاعِدًا مُؤَمِّيًا إلَى آخِرِهِ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ حُكْمُهُ مِنْ قَوْلِهِ وَخُيِّرَ إنْ طَهُرَ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِهِ. اهـ. يَحْيَى
(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ إلَى آخِرِهِ) وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْعُرَاةُ يُصَلُّونَ وُحْدَانًا قُعُودًا بِالْإِيمَاءِ وَإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً جَازَتْ لِإِحْرَازِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَقَامَ الْإِمَامُ وَسَطَهُمْ وَإِنْ تَقَدَّمَهُمْ لِإِحْرَازِ سُنَّةِ الْجَمَاعَةِ جَازَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مُكْتَسٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً وَيَتَقَدَّمَهُمْ الْإِمَامُ الْمُكْتَسِي وَتَكُونُ الْعُرَاةُ صَفًّا وَاحِدًا إنْ أَمْكَنَ وَصَلَاةُ الْعُرَاةِ فُرَادَى أَفْضَلُ كَالنِّسَاءِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي الْوَجْهُ الثَّانِي هُمَا سَوَاءٌ وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ عَارِيَّة الثَّوْبِ تَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ عُرْيَانًا كَإِبَاحَةِ الْمَاءِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي لُزُومِ شِرَاءِ الثَّوْبِ
بِخِلَافِ الْمَاءِ. اهـ. غَايَةٌ وَفِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ يُصَلِّي الْعُرَاةُ وُحْدَانًا مُتَبَاعِدِينَ فَإِنْ صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ تَوَسَّطَهُمْ الْإِمَامُ وَيُرْسِلُ كُلُّ وَاحِدٍ رِجْلَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ بَيْنَ فَخِذَيْهِ يُومِئُ إيمَاءً وَإِنْ أَوْمَأَ الْقَاعِدُ أَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ الْقَاعِدُ جَازَا هـ سَيِّدٌ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.