فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ: وَخُيِّرَ إنْ طَهُرَ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِهِ) يَعْنِي بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسِتْرِ الْعَوْرَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا قَاعِدًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهُوَ يَلِي الْأَوَّلَ فِي الْفَضْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ سِتْرِ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا عُرْيَانًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَهُوَ دُونَهُمَا فِي الْفَضْلِ وَفِي مُلْتَقَى الْبِحَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى عُرْيَانًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ مُومِئًا بِهِمَا

٢٬٧٥٢

إمَّا قَاعِدًا وَإِمَّا قَائِمًا فَهَذَا نَصٌّ عَلَى جَوَازِ الْإِيمَاءِ قَائِمًا، وَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُخَيَّرُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّابِعُ دُونَ الثَّالِثِ فِي الْفَضْلِ وَإِنْ كَانَ سِتْرُ الْعَوْرَةِ فِيهِ أَكْثَرَ لِلِاخْتِلَافِ فِي صِحَّتِهِ وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ وَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ إلَّا فِي الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ خِطَابَ التَّطْهِيرِ سَقَطَ عَنْهُ لِعَجْزِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ خِطَابُ السِّتْرِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالطَّاهِرِ فِي حَقِّهِ وَلَهُمَا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ السِّتْرُ بِالطَّاهِرِ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ سَقَطَ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ

تعليق

وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَخُيِّرَ إنْ طَهُرَ الْأَقَلُّ أَوْ كَانَ كُلُّهُ نَجِسًا لَكَانَ أَفْوَدَ إذْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ مَذْهَبًا وَخِلَافًا كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الثَّانِي لِيُفْهَمَ مِنْهُ الْأَوَّلُ بِالْأَوْلَى لَكَانَ أَوْلَى وَفِي الْأَسْرَارِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ

٢٬٧٥٣

بِخِلَافٍ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا جِلْدَ مَيْتَةٍ غَيْرَ مَدْبُوغٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتُرَ بِهِ عَوْرَتَهُ وَلَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْبَوْلِ أَوْ الدَّمِ أَوْ نَحْوِهِمَا فِي الثَّوْبِ كُلِّهِ تَزُولُ بِالْمَاءِ وَنَجَاسَةَ الْجِلْدِ لَا يُزِيلُهَا الْمَاءُ فَكَانَتْ أَغْلَظَ.

تعليق

وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ رُبْعُ أَحَدِهِمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرُ أَقَلُّ مِنْ الرُّبْعِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي الَّذِي رُبْعُهُ طَاهِرٌ وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ لِمَا أَنَّ طَهَارَةَ الرُّبْعِ كَطَهَارَةِ الْكُلِّ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ نَجَاسَةَ أَحَدِهِمَا لَوْ كَانَتْ قَدْرَ الرُّبْعِ وَالْآخَرُ أَقَلُّ وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَقَلِّهِمَا وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ

تعليق

وَلِمَا دُونَ الرُّبْعِ حُكْمَ الْعَدَمِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ الرُّبْعِ أَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ لَكِنْ لَا يَبْلُغُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ وَفِي الْآخَرِ قَدْرُ الرُّبْعِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي أَيِّهِمَا شَاءَ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ،

٢٬٧٥٤

وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجَاسَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَتَخَيَّرُ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَحَدُهُمَا رُبْعَ الثَّوْبِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَنْعِ،

٢٬٧٥٥

وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ كَانَ الدَّمُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الثَّوْبِ وَالطَّاهِرُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ سِتْرُ الْعَوْرَةِ بِثَوْبٍ طَاهِرٍ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا إذَا تَحَرَّكَ الطَّرَفُ الْآخَرُ أَوْ لَمْ يَتَحَرَّك. اهـ.

وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمُتَقَدِّمَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ،

٢٬٧٥٦

أَمَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَلَا تَفْصِيلَ، ثُمَّ الْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ وَهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ يَأْخُذُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَإِنْ اخْتَلَفَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا، وَلِهَذَا لَوْ أَنَّ امْرَأَةً لَوْ صَلَّتْ قَائِمَةً يَنْكَشِفُ مِنْ عَوْرَتِهَا مَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَلَوْ صَلَّتْ قَاعِدَةً لَا يَنْكَشِفُ مِنْهَا شَيْءٌ فَإِنَّهَا تُصَلِّي قَاعِدَةً لِمَا أَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ أَهْوَنُ وَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ يُغَطِّي جَسَدَهَا وَرُبْعَ رَأْسِهَا فَتَرَكَتْ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ يُغَطِّي أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ لَا يَضُرُّ وَالسِّتْرُ أَفْضَلُ تَقْلِيلًا لِلِانْكِشَافِ وَلَوْ كَانَ جَرِيحٌ لَوْ سَجَدَ سَالَ جُرْحُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسِلْ فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا مُومِئًا؛

لِأَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ أَهْوَنُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ جَائِزٌ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ وَمَعَ الْحَدَثِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ،

٢٬٧٥٧

فَإِنْ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ، ثُمَّ قَعَدَ وَأَوْمَأَ لِلسُّجُودِ جَازَ لِمَا قُلْنَا وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ

٢٬٧٥٨

وَكَذَا شَيْخٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ قَائِمًا وَيَقْدِرُ عَلَيْهَا قَاعِدًا يُصَلِّي قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي النَّفْلِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ بِحَالٍ وَلَوْ صَلَّى فِي الْفَصْلَيْنِ قَائِمًا مَعَ الْحَدَثِ وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَجُزْ.

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ: فَهَذَا نَصٌّ عَلَى جَوَازِ الْإِيمَاءِ قَائِمًا) وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ قَالَ وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى الزَّاهِدِيِّ أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمُقْتَضَى مَا فِي الْمَنْبَعِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْإِيمَاءِ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَتَبِعَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَفِي الْمِفْتَاحِ أَوْمَأَ الْقَائِمُ أَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ الْقَاعِدُ جَازَ. اهـ.

١٬٠٠٩

قُلْتُ: وَمَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ مَنْعُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَحْرِيفٌ مِنْ النَّاسِخِ وَالْأَصْلِ وَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ كَمَا عَبَّرَ فِي الْبَحْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّهْرِ بَعْدُ كَمَا مَرَّ عَنْ الْهِدَايَةِ تَنَبَّهْ.

١٬٠١٠

وَالْحَاصِلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ صَلَاتِهِ بِهِ قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ثُمَّ عُرْيَانًا قَاعِدًا مُومِئًا ثُمَّ عُرْيَانًا قَاعِدًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ثُمَّ عُرْيَانًا قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ثُمَّ عُرْيَانًا قَائِمًا مُومِئًا وَالْأَفْضَلِيَّةُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ.

(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّابِعُ دُونَ الثَّالِثِ فِي الْفَضْلِ) مُرَادُهُ بِالرَّابِعِ الْإِيمَاءُ قَائِمًا وَبِالثَّالِثِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا عُرْيَانًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَسَمَّاهُ رَابِعًا؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ نَقْلِ عِبَارَةِ مُلْتَقَى الْبِحَارِ زِيَادَةً عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوَّلًا وَلِيُشِيرَ إلَى مَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ نَعَمْ عِبَارَةُ الْمُلْتَقَى تُفِيدُ صُورَةً أُخْرَى غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَهِيَ صَلَاتُهُ عُرْيَانًا قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ مَرْتَبَتَهَا فِي الْفَضِيلَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فَوْقَ الْقِيَامِ عُرْيَانًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛

لِأَنَّ السِّتْرَ فِيهَا أَبْلَغُ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: وَفِي الْأَسْرَارِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ) نَظَرَ فِيهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَرَاجِعْهُ.

(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا جِلْدَ مَيْتَةٍ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي النَّجَاسَةِ الْعَارِضَةِ لَا الْأَصْلِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ السِّتْرُ بِذَلِكَ اتِّفَاقًا كَمَا فِي النَّهْرِ لَكِنْ فِي كَوْنِ نَجَاسَةِ جِلْدَ الْمَيْتَةِ أَصْلِيَّةً نَظَرٌ بَلْ هِيَ عَارِضَةٌ بِالْمَوْتِ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمُتَقَدِّمَ إلَخْ)

١٬٠١١

قَالَ فِي النَّهْرِ: لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِتَحَرُّكِ الطَّرَفِ فِي الْآخَرِ هُنَا إذْ الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنْ يَبْلُغَ رُبْعًا تَحَتَّمَ لُبْسُهُ سَوَاءٌ تَحَرَّكَ أَوْ لَا أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ خُيِّرَ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَا عَلِمْت نَعَمْ الْمُنَاسِبُ حَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَى قَوْلِهِ.

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(وخير) بين الصلاة فيه وهو الأفضل وبين أن يصلي عريانا مومئا قاعدا أو قاعدا أو قائما يركع ويسجد أو يومئ وهذا دونها وظاهر الرواية منعه. (إن طهر أقل من ربعه) كما لو كان كله نجسا وهذا عندهما وحتم الثالث لبسه واستحسنه في الأسرار والخلاف في النجاسة العارضية

٧٣٩

أما الأصلية كجلد الميتة الذي لم يدبغ فلا يستتر به اتفاقا وفي المحيط لو كان الدم في ناحية من الثوب ولو عدم ثوبا صلى قاعدا موميا بركوع وسجود وهو أفضل من القيام بركوع وسجود ..

والطاهر منه بقدر ما يمكنه أن يتزر به لم يجز له أن يصلي إلا فيه لأنه أمكنه الستر بثوب طاهر ولم يفصل فيما إذا تحرك طرفه يتحرك الطرف الآخر أو لا

٧٤٠

قال في البحر: فعلم أن التفصيل حالة الاختيار وأقول لأنه لا أثر لتحرك الطرف الآخر هنا يذكر إذ الظاهر منه أن يبلغ ربعا تحتم لبسه سواء تحرك أو لا أو أقل منه خير إلا عند محمد على ما علمت نعم المناسب حمل الإطلاق على قوله وعلم من كلامه تحتم لبس أقل الثوبين نجاسة حتى لو كانت قدر الربع في ثوب وفي آخر أقل تعين ولو استويا خير والضابط أن من ابتلي بليتين فإن تساويا خير أو اختلفا اختار الأخف.

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَخُيِّرَ إنْ طَهُرَ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِهِ) أَيْ إذَا كَانَ الطَّاهِرُ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا قَاعِدًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهُوَ يَلِي الْأَوَّلَ فِي الْفَضْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا عُرْيَانًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَهُوَ دُونَهُمَا فِي الْفَضْلِ وَفِي مُلْتَقَى الْبِحَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى عُرْيَانًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ مُؤَمِّيًا بِهِمَا

٦٦٤

إمَّا قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا فَهَذَا نَصٌّ عَلَى جَوَازِ الْإِيمَاءِ قَائِمًا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ يَمْنَعُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ

٦٦٥

قَالَ فِي الَّذِي لَا يَجِدُ ثَوْبًا فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ فِي الْقُعُودِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَفِي الْقِيَامِ أَدَاءُ هَذِهِ الْأَرْكَانِ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَلَوْ كَانَ الْإِيمَاءُ جَائِزًا حَالَةَ الْقِيَامِ لَمَا اسْتَقَامَ هَذَا الْكَلَامُ.

٦٦٦

وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَمَنْ تَابَعَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا؛ لِأَنَّ خِطَابَ التَّطَهُّرِ سَقَطَ عَنْهُ لِعَجْزِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ خِطَابُ السَّتْرِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الطَّاهِرِ فِي حَقِّهِ وَلَنَا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ السَّتْرُ بِالطَّاهِرِ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ سَقَطَ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَلَا يُقَالُ فِي الصَّلَاةِ عُرْيَانًا تَرْكُ فُرُوضٍ وَهُوَ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَفِي الصَّلَاةِ فِيهِ تَرْكُ فَرْضٍ وَاحِدٍ وَهُوَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ فَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نَمْنَعُهُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا قَائِمًا وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَقَدْ أَتَى بِبَدَلِهَا وَهُوَ الْإِيمَاءُ فَلَا يَكُونُ تَارِكًا لَهَا لِقِيَامِ الْبَدَلِ مَقَامَ الْأَصْلِ، ثُمَّ الْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ ابْتَلَى بِبَلِيَّتَيْنِ وَهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ يَأْخُذُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَإِنْ اخْتَلَفَا يَخْتَارُ أَهْوَنَهُمَا؛

لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْحَرَامِ لَا تَجُوزُ إلَّا لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ مِثَالُهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُرْحٌ لَوْ سَجَدَ سَالَ جُرْحُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسِلْ فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ أَهْوَنُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ جَائِزٌ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ وَمَعَ الْحَدَثِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ فَإِنْ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ، ثُمَّ قَعَدَ وَأَوْمَأَ لِلسُّجُودِ جَازَ لِمَا قُلْنَا وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ.

٦٦٧

وَكَذَا شَيْخٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ قَائِمًا وَيَقْدِرُ عَلَيْهَا قَاعِدًا يُصَلِّي قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي النَّفْلِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ بِحَالٍ وَلَوْ صَلَّى قَائِمًا مَعَ الْحَدَثِ فِي الْفَصْلَيْنِ وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجَاسَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَتَخَيَّرُ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَحَدُهُمَا رُبْعَ الثَّوْبِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَنْعِ وَلَوْ كَانَ دَمُ أَحَدِهِمَا قَدْرَ الرُّبْعِ وَدَمُ الْآخَرِ أَقَلَّ يُصَلِّي فِي أَقَلِّهِمَا دَمًا وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ؛

لِأَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ الرُّبْعِ أَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ لَكِنْ لَا يَبْلُغُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ وَفِي الْآخَرِ قَدْرُ الرُّبْعِ صَلَّى فِي أَيِّهِمَا شَاءَ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَقَلِّهِمَا نَجَاسَةً وَلَوْ كَانَ رُبْعُ أَحَدِهِمَا طَاهِرًا وَالْآخَرُ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ يُصَلِّي فِي الَّذِي هُوَ رُبْعُهُ طَاهِرٌ وَلَا يَجُوزُ الْعَكْسُ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً لَوْ صَلَّتْ قَائِمَةً يَنْكَشِفُ مِنْ عَوْرَتِهَا قَدْرُ مَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَلَوْ صَلَّتْ قَاعِدَةً لَا يَنْكَشِفُ مِنْهَا شَيْءٌ فَإِنَّهَا تُصَلِّي قَاعِدَةً لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ أَهْوَنُ وَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ يُغَطِّي جَسَدَهَا وَرُبْعَ رَأْسِهَا فَتَرَكَتْ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ يُغَطِّي أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ لَا يَضُرُّهَا تَرْكُهُ؛

لِأَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ وَمَا دُونَهُ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ تَقْلِيلًا لِلِانْكِشَافِ.

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ: إنْ طَهُرَ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِهِ) أَيْ أَوْ كَانَ كُلُّهُ نَجَسًا. اهـ. غَايَةٌ

٥٠٥

قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَلَوْ سَتَرَ عَوْرَتَهُ بِجِلْدِ مَيْتَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ وَصَلَّى مَعَهُ لَا يَجُوزُ

٥٠٦

بِخِلَافِ مَا لَوْ صَلَّى مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْجِلْدِ أَغْلَظُ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَزُولُ بِالْغُسْلِ ثَلَاثًا

٥٠٧

بِخِلَافِ نَجَاسَةِ الثَّوْبِ اهـ قَوْلُهُ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَمَنْ تَابَعَهُ)

٥٠٨

قَالَ فِي الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْأَسْرَارِ وَلَكِنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ اهـ.

(قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا. اهـ.

(قَوْلُهُ: أَنَّ مَنْ ابْتَلَى بِبَلِيَّتَيْنِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ السُّرُوجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ أَنَّ صَوَابَهُ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ بَلِيَّتَيْنِ أَوْ ابْتَلَى بِإِحْدَى بَلِيَّتَيْنِ غَيْرِ عَيْنٍ؛ لِأَنَّ مَنْ ابْتَلَى بِهِمَا لَا يَسْلَمُ مِنْهُمَا فَكَيْفَ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا. اهـ.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَإِنْ قَامَ أَوْ قَعَدَ سَلِسَ بَوْلُهُ وَإِنْ اسْتَلْقَى لَمْ يَسْلُسْ يُصَلِّي قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا مَعَ الْبَوْلِ وَإِنْ اسْتَوَى الْكُلُّ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ لَكِنْ فِيمَا قُلْنَا إحْرَازُ الْأَرْكَانِ وَلِهَذَا يُصَلِّي الْعُرْيَانُ قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ وَلَا يَجُوزُ مُسْتَلْقِيًا وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ الِاسْتِلْقَاءِ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا عِنْدَ الْعُذْرِ وَلَا تُعْتَبَرُ مَعَ الْحَدَثِ فَكَانَ هَذَا أَيْسَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَاعِدَةِ.

اهـ. غَايَةٌ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ

(قَوْلُهُ: فِي الْفَصْلَيْنِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ صَلَّى مَنْ بِهِ جُرْحٌ قَائِمًا مَعَ الْحَدَثِ أَوْ صَلَّى الشَّيْخُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ قَائِمًا بِلَا قِرَاءَةٍ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُمَا. اهـ.

(قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ بِحَالٍ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ صَاحِبَ الْقُنْيَةِ نَقَلَ عَنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ كَانَ بِهِ وَجَعُ السِّنِّ بِحَيْثُ لَا يُطِيقُهُ إلَّا بِإِمْسَاكِ الْمَاءِ أَوْ الدَّوَاءِ فِي فَمِهِ وَضَاقَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَقْتَدِي بِإِمَامٍ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ يُصَلِّي بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَيُعْذَرُ. اهـ. يَحْيَى وَقَدْ ذُكِرَ هَذَا الْفَرْعُ فِي الْغَايَةِ وَالدِّرَايَةِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ. اهـ.

(قَوْلُهُ: وَالسِّتْرُ أَفْضَلُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَا يَضُرُّهَا تَرْكُهُ. اهـ. .

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.