وجهر بها بمسجد
الشروح عليها
(و) كُرِهَ (جَهْرٌ) أَيْ رَفْعُ صَوْتٍ (بِهَا) أَيْ بِالْقِرَاءَةِ (بِمَسْجِدٍ) وَالْأَوْلَى تَأْخِيرُ هَذَا عَنْ قَوْلِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ أَيْ بِالْقِرَاءَةِ) أَيْ الْمَفْهُومَةِ مِنْ السِّيَاقِ وَهَذَا الْحَمْلُ فِي الْمُصَنِّفِ هُوَ الظَّاهِرُ وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ فِيهِ التَّكْرَارَ مَعَ قَوْلِهِ وَأُقِيمَ الْقَارِئُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ مَكْرُوهٌ وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذْهُ عَادَةً فَإِقَامَةُ الْقَارِئِ مَشْرُوطَةٌ بِاِتِّخَاذِ ذَلِكَ عَادَةً وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ هَذَا يُغْنِي عَنْ الْإِقَامَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تُوجِبُ إقَامَةَ الْقَارِئِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ) ش: أَيْ بِالْقِرَاءَةِ
قَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَكَرِهَ مَالِكٌ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَالتَّقْرِيبَ فِيهِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
وَقَالَ بَعْدَهُ: الْمَسْجِدُ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ مَا لَمْ تَضُرَّ بِالصَّلَاةِ،
فَإِذَا أَضَرَّتْ بِهَا مُنِعَتْ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يُعْلَمُ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْعِلْمِ أَعْنِي رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ وُجُودِ مُصَلٍّ يَقَعُ لَهُ التَّشْوِيشُ بِسَبَبِهِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ جَهْرًا أَوْ جَمَاعَةً تَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ لِنَصِّ الْعُلَمَاءِ أَوْ فِعْلِهِمْ، وَهُوَ أَخْذُ الْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ،
وَقَالَ: عِلْمٌ وَرَفْعُ صَوْتٍ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عِلْمٌ فِيهِ رَفْعُ صَوْتٍ، وَفِيهِ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ كَأَخِي السِّرَارِ،
فَإِذَا كَانَ مَجْلِسُ الْعِلْمِ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّبَاعِ فَلَيْسَ فِيهِ رَفْعُ صَوْتٍ فَإِنْ وُجِدَ فِيهِ رَفْعُ صَوْتٍ مُنِعَ، وَأُخْرِجَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(وَجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ وَقِرَاءَةٌ بِتَلْحِينٍ) الْقُرْطُبِيُّ: الْخِلَافُ فِي الْقِرَاءَةِ بِالتَّلْحِينِ هُوَ مَا لَمْ يُغَيِّرْ مَعْنَى الْقُرْآنِ بِكَثْرَةِ التَّرْجِيعَاتِ كَالْقِرَاءَةِ أَمَامَ الْمُلُوكِ بِمِصْرَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ
وَكَذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ الْوُعَّاظِ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كَرِهَ مَالِكٌ التَّطْرِيبَ فِي الْأَذَانِ وَلَمْ يَرَ لِمَنْ يَأْخُذْ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ فِي رَمَضَانَ أُجْرَةً وَلَا أَجْرًا.
قَالَ: وَالْقِرَاءَةُ بِالتَّلْحِينِ سُنَّةٌ وَسَمَاعُهُ يَزِيدُ إيمَانًا بِالْقُرْآنِ وَغِبْطَةً، وَيُكْسِبُ الْقُرْآنَ خَشْيَةً، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ «أَنَّ أَبَا مُوسَى قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ عَلِمْت أَنَّك تَسْمَعُنِي لَحَبَّرْته لَك تَحْبِيرًا» .
وَحَكَى «ابْنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِي قِرَاءَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِرَاءَةَ الْفَتْحِ يَوْمَ الْفَتْحِ قِيلَ: كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ؟ قَالَ: آآآ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» .
عِيَاضٌ: مِنْ إعْجَازِ الْقُرْآنِ أَنَّ قَارِئَهُ لَا يَمَلُّهُ وَسَامِعَهُ لَا يَمُجُّهُ وَسِوَاهُ مِنْ الْكُتُبِ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِيهَا حَتَّى أَحْدَثَ أَصْحَابُهَا أَلْحَانًا وَطُرُقًا يَسْتَجْلِبُونَ بِتِلْكَ اللُّحُونِ تَنْشِيطَهُمْ عَلَى قِرَاءَتِهَا.
وَمِنْ أَحْكَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: اسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ الْقِرَاءَةَ بِالْأَلْحَانِ وَالتَّرْجِيعَ وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَهُوَ جَائِزٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَالْقَلْبُ يَخْشَعُ لِلصَّوْتِ الْحَسَنِ كَمَا يَخْضَعُ لِلْوَجْهِ الْحَسَنِ وَمَا تَتَأَثَّرُ بِهِ الْقُلُوبُ فِي التَّقْوَى فَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْأَجْرِ.
وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ: لِلصَّوْتِ الْحَسَنِ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي النُّفُوسِ فَإِنْ كَانَ الْمَنْطِقُ رَخِيمًا رَقِيقَ الْحَوَاشِي أَوْسَعَ الْأُذُنَ سَمَاعًا وَالنَّفْسَ مَيْلًا وَقَبُولًا،
وَإِنْ كَانَ مُنَغَّمًا انْتَهَى.
وَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ مِنْهُ وَتَرْدِيدِ الْأَنْفَاسِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ هُوَ التَّحْبِيرُ فِي الْكَلَامِ وَالتَّنْغِيمُ فِي الْغِنَاءِ.
وَقَدْ مَاتَ قَوْمٌ مِنْ الْفُقَرَاءِ فِي السَّمَاعِ لِلْحَقِّ وَمَاتَ كَثِيرٌ مِنْ الْبَطَّالِينَ فِي السَّمَاعِ لِشَهْوَةِ الْعِشْقِ.
وَعَرَّفَ عِيَاضٌ بِالشِّبْلِيِّ فَقَالَ: هُوَ شَيْخُ الصُّوفِيَّةِ ذُو الْأَنْبَاءِ الْبَدِيعَةِ وَوَاحِدُ الْمُتَصَوِّفِينَ فِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ عَالِمًا فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ.
قَالَ: سُئِلَ عَنْ السَّمَاعِ فَقَالَ: ظَاهِرُهُ فِتْنَةٌ وَبَاطِنُهُ عِبْرَةٌ فَمَنْ عَرَفَ الْإِشَارَةَ حَلَّ لَهُ اسْتِمَاعُ الْعِبْرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَنْ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى عِلْمِهِ وَدِينِهِ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعٌ بِدُونِهِ.
قَالَ فِي قَوَاعِدِهِ: الطَّرِيقُ فِي صَلَاحِ الْقُلُوبِ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ مِنْ خَارِجٍ فَيَكُونُ بِالْقُرْآنِ وَهَؤُلَاءِ أَفْضَلُ أَهْلِ السَّمَاعِ، وَيَكُونُ بِالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ وَيَكُونُ بِالْحِدَاءِ وَالنَّشِيدِ وَيَكُونُ بِالْغِنَاءِ بِالْآلَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِي سَمَاعِهَا كَالشَّبَّابَاتِ،
فَإِنْ كَانَ السَّامِعُ لِهَذِهِ الْآلَاتِ مُسْتَحِلًّا سَمَاعَ ذَلِكَ فَهُوَ مُحْسِنٌ بِسَمَاعِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأَحْوَالِ وَتَارِكٌ لِلْوَرَعِ لِسَمَاعِهِ مَا اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ سَمَاعِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُحْسِنٌ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْأَحْوَالِ مُسِيءٌ فِي سَمَاعِ مَا هُوَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: كَانَ سَحْنُونَ رَقِيقَ الْقَلْبِ رَاهِبَ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكٍ أَفْقَهُ مِنْهُ.
قَالَ الْقَابِسِيُّ: إنِّي لَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْ خِلَافِ سَحْنُونٍ لِمَالِكٍ مَا لَا أَجِدُ مِنْ خِلَافِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِمَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ: سَحْنُونَ إمَامُ النَّاسِ أَظْهَرُ السُّنَّةَ وَأَخْمَلُ الْبِدْعَةَ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَكَانَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ مَجْلِسَهُ مِنْ الْعِبَادِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْضُرُهُ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: عَرَضْت فَدَعَوْت لَيْلَةَ عُرْسِي جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَمِنْ أَصْحَابِ ابْنِ حَنْبَلٍ قَدِمَ عَلَيْنَا وَكُنَّا نَسْمَعُ مِنْهُ، فَكَأَنَّ أَصْحَابَنَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فِي تَغْبِيرٍ وَخُشُوعٍ، ثُمَّ أَخَذُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ ثُمَّ ابْتَدَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى زَوَايَا الدَّارِ يَصِلُونَ أَحْزَابَهُمْ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: أَصْحَابُ مَنْ هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُعَلِّمُهُمْ فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْت قَطُّ أَقْبَلَ مِنْهُمْ وَمَا صَحِبُوا رَجُلًا إلَّا قَبِلُوهُ.
فَقَالُوا: أَصْحَابُ سَحْنُونٍ.
فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْت أَصْحَابَ الْعُلَمَاءِ عِنْدَنَا بِالْمَشْرِقِ فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْت مِثْلَ هَؤُلَاءِ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَخَرَجَ سَحْنُونَ وَمُوسَى بْنُ الصُّمَادِحِيِّ وَابْنُ رَشِيدٍ إلَى الْمُنَسْتِيرِ وَمَعَهُمْ مَنْ يُغَبِّرُ.
فَقَالَ الرَّاوِي: فَنَظَرْت إلَى سَحْنُونٍ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ سَكَتَ الْفَتَى فَقَالَ سَحْنُونَ: ابْنُ يَحْيَى يَرْتَجِي أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ لَوْ كَانَ مَنْ يَقُولُ لَهُ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَهُ.
قَالَ عِيَاضٌ: كَانَ ابْنُ الصُّمَادِحِيِّ مِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالدِّينِ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَى عَنْهُ سَحْنُونَ وَقَالَ عَنْهُ: مَا جَلَسَ فِي الْجَامِعِ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَحَقُّ بِالْفَتْوَى مِنْ ابْنِ الصُّمَادِحِيِّ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ رَشِيدٍ ثِقَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ رَوَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَكَانَ حَمْدِيسُ يُنْكِرُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ لِلتَّغْبِيرِ قَالَ: وَكَانَ مَيْسَرَةُ صَالِحًا نَاسِكًا وَكَانَ يَسْمَعُ التَّغْبِيرَ وَرُبَّمَا حُرِّكَ مِنْهُ فَيَبْكِي وَيُقِيمُ أَيَّامًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
قَالَ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ مُعَتِّبٍ: إنَّهُ ثِقَةٌ نَبِيلٌ عَالِمٌ بِالْحَدِيثِ صَحِيحُ الْيَقِينِ بِاَللَّهِ وَكَانَ فِيهِ رِقَّةٌ حَضَرَ مَجْلِسَ السَّبْتِ فَقَرَأَ الْقُرَّاءُ وَغَبَّرُوا وَأَخَذُوا فِي تَغْبِيرِ:
دَعْ الدُّنْيَا لِمَنْ جَهِلَ الصَّوَابَا ... فَقَدْ خَسِرَ الْمُحِبُّ لَهَا وَخَابَا يَظَلُّ نَهَارَهُ يَبْكِي بِبَثٍّ ... وَيَطْوِي اللَّيْلَ بِالْأَحْزَانِ ذَابَا فَلَمَّا وَصَلُوا تَحَرَّكَ وَبَكَى ثُمَّ قَرَأَ قَارِئٌ:{يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} .
الْآيَاتِ الثَّلَاثَ.
فَصَاحَ صَيْحَةً مَدِيدَةً، ثُمَّ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ وَحُمِلَ إلَى دَارِهِ وَمَاتَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَكَانَ ابْنُ اللَّبَّادِ يَحْضُرُ مَجْلِسَ السَّبْتِ وَيَقُولُ: هُوَ يَغِيظُ بَنِي عُبَيْدٍ.
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ اللَّبَّادِ كَثِيرَ الِاتِّبَاعِ لِلسُّنَنِ، أَجَلَّ شُيُوخِ وَقْتِهِ، مُفْتِيًا مُجَابَ الدَّعْوَةِ، عَلَيْهِ عَوَّلَ، الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ نَظَرَ إلَى رِجْلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَفْلَجَ وَقَدْ انْتَفَضَتَا فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُمَا عَلَى الصِّرَاطِ فَأَنْتَ الْعَالِمُ بِهِمَا وَالشَّاهِدُ عَلَيْهِمَا إنَّهُمَا مَا مَشَيَا لَكَ فِي مَعْصِيَةٍ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: وَكَانَ ابْنُ التَّبَّانِ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ وَالْفُقَهَاءِ الْمُبَرَّزِينَ ضُرِبَتْ إلَيْهِ أَكْبَادُ الْإِبِلِ مِنْ الْأَمْصَارِ لِعِلْمِهِ بِالذَّبِّ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ.
قَالَ عَنْهُ الْقَابِسِيُّ بَعْدَ مَوْتِهِ: رَحِمَك اللَّهُ لَقَدْ كُنْت تَغَارُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَتَذُبُّ عَنْ الشَّرِيعَةِ.
قَالَ: وَكَانَ يَسْمَعُ التَّغْبِيرَ وَيَرِقُّ لِهَذِهِ الْمَعَانِي وُجِدَ عِنْدَ مُغَبِّرٍ فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ التَّغْبِيرُ بِدْعَةً؟ قَالَ: وَالِاجْتِمَاعُ أَيْضًا عَلَى الْمَسَائِلِ بِدْعَةٌ فَبَلَغَ السَّبَّائِيَّ كَلَامُهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ لَمْ يَزَلْ السَّلَفُ تَخْتَلِفُ أَجْوِبَتُهُمْ فِي هَذَا الْمَنْزَعِ الَّذِي لَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَا أَمَرَ بِهِ وَمُيْقَنٌ لَا يُعَزُّ مُرْتَكِبُهُ، وَرَحِمَ اللَّهُ سَيِّدِي ابْنَ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْقَائِلَ: بِدْعَةُ الضَّلَالَةِ أَنْ تَحْكُمَ عَلَى النَّازِلَةِ بِغَيْرِ مَا حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ، فَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مُبْتَدِعًا بِهَذِهِ النِّسْبَةِ أَعْنِي الْقَائِلَ لَيْلَةُ الزَّمْرِ خَيْرٌ مِنْ لَيْلَةٍ بِالْفُقَرَاءِ.
وَمِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْبَنَّاءِ إذَا جَعَلُوا لِلطَّرِيقِ رُكْنًا وَقَدْ ضَمَّنْت رِسَالَةً بَيَّنْت فِيهَا حُكْمَ الزَّوَايَا وَاَلَّذِينَ يَنْتَابُونَهَا مِنْ الْعَامَّةِ وَالطَّلَبَةِ يَجِبُ عَلَى مَنْ بِهِ رَغْبَةٌ فِي مُدْرَكِ حُكْمِ الشَّرْعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُطَالِعَهَا.
(ص) وَجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ إظْهَارُ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لِأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ بِمَعْنَى إشْهَارِهَا وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا خَوْفَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهَا،
وَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِتَرْكِهَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ الْآنَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ فَيُؤَوَّلُ جَهْرٌ بِإِظْهَارٍ وَإِشْهَارٍ وَمُدَاوَمَةٍ كَمَا أَشَارَ تت.
وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْجَهْرُ بِالسَّجْدَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا مَنْصُوصًا لِغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مُؤَخَّرًا عَنْ قَوْلِهِ وَقِرَاءَةٍ بِتَلْحِينٍ لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِهَا عَائِدًا عَلَى الْقِرَاءَةِ إلَخْ وَفِي حَمْلِ كَلَامِهِ عَلَيْهِ بُعْدٌ مِنْ وُجُوهٍ لَا تَخْفَى وَهُوَ التَّكْرَارُ مَعَ قَوْلِهِ وَأُقِيمَ الْقَارِئُ فِي الْمَسْجِدِ إلَخْ وَمَعَ مَا يَأْتِي لَهُ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ كَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ بِالْقُرْآنِ فَعَلَى جَوَابِ تت فِيهِ تَجَوُّزٌ؛
لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَهْرِ الْإِظْهَارُ وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ مُقَدَّمٌ مِنْ تَأْخِيرٍ.
(قَوْلُهُ وَدَلَّ كَلَامُهُ إلَخْ) لَا دَلَالَةَ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ لَا يُعْتَبَرُ.
(قَوْلُهُ إشْهَارِهَا وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا) لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَتَعَمُّدِهَا بِفَرِيضَةٍ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى
(قَوْلُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْجَهْرُ بِالسَّجْدَةِ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ: فِعْلُهَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ
(قَوْلُهُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى تَرْجِيحِ الضَّمِيرِ لِلْقِرَاءَةِ
(قَوْلُهُ لَا تَخْفَى) إلَى هُنَا انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ
(قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْوُجُوهِ التَّكْرَارُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ وَجْهٌ وَاحِدٌ وَهُوَ التَّكْرَارُ إلَّا أَنَّهُ مُتَعَدِّدٌ فَيُجَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوُجُوهِ مِنْ حَيْثُ تَعَدُّدُ التَّكْرَارِ وَأَرَادَ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ وَيَظْهَرُ وَجْهُ التَّعَدُّدِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الضَّمِيرِ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى مُتَقَدِّمٍ وَتَرْجِيعُهُ لِمُتَأَخِّرٍ خِلَافُ الْأَصْلِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي يُوصَفُ بِأَنَّهُ تَكْرَارٌ مَعَ غَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ الثَّانِي لَا الْأَوَّلُ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَازِمُهُ وَهُوَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ فِيهِ تَجَوُّزٌ) أَيْ: مَجَازُ اسْتِعَارَةٍ شَبَّهَ الْإِشْهَارَ وَالْمُدَاوَمَةَ بِالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ بِجَامِعِ اطِّلَاعِ الْغَيْرِ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ
(قَوْلُهُ وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ) فِيهِ أَنَّ ابْنَ غَازِيٍّ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مُؤَخَّرًا لَأَمْكَنَ وَعَلَى تَقْدِيرِ لَوْ حَمَلَ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ بُعْدٌ مِنْ وُجُوهٍ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَ) كُرِهَ (جَهْرٌ) أَيْ رَفْعُ الصَّوْتِ (بِهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ السِّيَاقِ (بِمَسْجِدٍ) وَالْأَوْلَى تَأْخِيرُ هَذَا عَنْ قَوْلِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
بها بمسجد؛ يعني أنه يكره الجهر؛ أي رفع الصوت بها؛ أي بالقراءة المفهومة من السياق في المسجد: قال ابن غازي: وليس الضمير عائدا على السجدة؛ إذ لم أر من نص على كراهة الجهر بالسجدة في المسجد. انتهى. وليس المراد بالجهر بالقراءة فيه مطلقا، وإنما المراد رفع الصوت بها فيه. ونص أهل العلم على جواز أخذ العلم بالمسجد، وهو مقيد بعدم رفع الصوت، قال إمامنا مالك رضي الله عنه منكرا رفع الصوت بالعلم: علم ورفع صوت، وكانوا يجلسون في مجالس العلم كأخي السرار،
فإذا كان مجلس العلم على سبيل الاتباع فليس فيه رفع صوت،
فإن وجد فيه رفع صوت منع وأخرج من فعل ذلك. قاله في المدخل. وهذا الحمل؛ أعني كون الضمير المؤنث المجرور بالباء عائدا على القراءة هو الظاهر، واستبعده بعضهم بأن فيه التكرار مع قوله وأقيم القارئ، وهو غير صحيح؛ لأن الجهر بالقراءة مكروه في المسجد وإن لم يتخذ عادة، وإقامة القارئ مشروطة باتخاذ ذلك عادة. انتهى.
وفي المدخل: المسجد إنما بني للصلاة، وقراءة القرآن تبع للصلاة، ما لم تضر بالصلاة،
فإذا أضرت منعت، وهذا لا يعلم فيه خلاف بين أحد ممن يقتدى به من أهل العلم، ومثل القراءة الذكر في المسجد مع وجود مصل يقع له التشويش بسببه انتهى. نقله الإمام الحطاب.
وقال الشيخ إبراهيم: وجهر بها؛ أي بالسجدة؛ أي إشهارها والمداومة عليها خوف اعتقاد الجاهل وجوبها إلى أن قال: وأخبرني بعض الفضلاء أن إمام مسجد مكة تركها يوم جمعة، فقام عليه جماعة من العوام، وادعوا بطلان صلاته، ثم قال: انظر التتائي، والنقل في الأبي على مسلم، كما قال خلافا لقول بعضهم: لم أره منصوصا لغيره. انتهى. المراد منه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.