وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ
الشروح عليها
(وَ) الْخَامِسُ (التَّرْتِيبُ) بَيْنَ الْأَعْضَاءِ.
كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ أَدْخَلَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَيْنِ، وَقَطَعَ النَّظِيرَ عَنْ نَظِيرِهِ، وَهَذَا قَرِينَةُ إرَادَةِ التَّرْتِيبِ. وَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَتِّبًا وَقَالَ:«هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» أَيْ بِمِثْلِهِ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ «مَا أُبَالِي إذَا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْت» .
قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا عَنَى بِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى ; لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا فِي الْكِتَابِ وَاحَدٌّ. وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ " أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: أَحَدُنَا يَسْتَعْجِلُ، فَيَغْسِلُ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: لَا، حَتَّى يَكُونَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى " وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " لَا بَأْسَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلَيْكَ قَبْلَ يَدَيْكَ فِي الْوُضُوءِ " فَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ.
وَالْوَاجِبُ التَّرْتِيبُ، لَا عَدَمُ التَّنْكِيسِ،
فَلَوْ وَضَّأَهُ أَرْبَعَةٌ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَلَوْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ أَوْ جَارٍ، يَنْوِي بِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ لَمْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مُرَتَّبًا، مَعَ مَسْحِ رَأْسِهِ فِي مَحَلِّهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْجَارِيَ، كَالرَّاكِدِ، خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ هُنَا.
وَإِنْ نَكَّسَ وُضُوءَهُ لَمْ يُحْتَسَبْ بِمَا غَسَلَهُ قَبْلَ وَجْهِهِ.
وَإِنْ تَوَضَّأَ مُنَكِّسًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ صَحَّ وُضُوءُهُ إذَا كَانَ مُتَقَارِبًا يَحْصُل لَهُ مِنْ كُلِّ وُضُوءٍ: غَسْلُ عُضْوٍ. (وَ) السَّادِسُ (الْمُوَالَاةُ) لِحَدِيثِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَزَادَ " وَالصَّلَاةُ " وَفِي إسْنَادِهِ: بَقِيَّةُ، وَهُوَ اسْمُ رَجُلٍ ثِقَةٍ، رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ.
وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الْمُوَالَاةُ لَأَمَرَهُ بِغَسْلِ اللُّمْعَةِ فَقَطْ. وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْحَدَثُ. فَاشْتُرِطَتْ لَهَا الْمُوَالَاةُ كَالصَّلَاةِ. وَلَمْ يُنْقَلُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ إلَّا مُتَوَالِيًا. وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْغُسْلِ تَرْتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ ; لِأَنَّ الْمَغْسُولَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ وَاحِدٍ
(و) الخامس: (ترتيب) بين أعضاء الوضوء كما ذكر الله تعالى. وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وإسحاق.
وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية بعدم وجوبه، وهو مذهب مالك والثوري وأصحاب الرأي واختاره ابن المنذر، لأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء وعطف بعضها على بعض بواو الجمع وهي لا تقتضي ترتيبا فكيف ما غسل كان ممتثلا.
وروي عن علي انه قال:" ما أبالي إذا تممت وضوئي بأي اعضائي بدأت ".
وعن ابن مسعود انه قال:" لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك فى الوضوء ".
ووجه المذهب: أن في الآية قرينة تدل على الترتيب فانه أدخل ممسوحا بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره، والعرب لا تفعل ذلك إلا لفائدة والفائدة هي: الترتيب.
فان قيل: فائدته استحباب الترتيب. قلنا: الآية انما صيغت لبيان الواجب ولهذا لم يذكر السنن فيها. ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأمورا به. ولأن الحاكين لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم انما ذكروه مرتباً، وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى.
و" توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتباً وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " . أي: بمثله.
وما روي عن علي. قال أحمد: انما عنى به اليسرى قبل اليمنى؛ لأن مخرجهما في الكتاب واحد.
وروى الإمام أحمد بإسناده " أن عليا سُئل فقيل له: أحدنا يستعجل فيغسل شيئاً قبل شيء فقال: لا. حتى يكون كما أمر الله تعالى ".
وما نقل عن ابن مسعود فلا يعرف له أصل.
وأما الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين فلا يجب. حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، لأن الله سبحانه وتعالى ذكر مخرجهما واحداً فقال:{وَأَيْدِيَكُمْ .... وَأَرْجُلَكُمْ}.
وقال في " الإنصاف ": واختار أبو الخطاب في " الانتصار " عدم وجوب الترتيب في نفل الوضوء، ومعناه للقاضي في " الخلاف ". ثم قال: أعلم أن الواجب عند الإمام أحمد والأصحاب: الترتيب، لا عدم التنكيس.
فلو وضأه أربعة في حالة واحدة لم يجزئه.
ولو انغمس في ماء جار ينوي رفع الحدث، فمرت عليه أربع جريات أجزأه أن مسح رأسه، أو قيل بإجزاء الغسل على ما يأتي.
ولو لم يمر عليه إلا جرية واحدة لم يجزئه، وهذا الصحيح من المذهب. انتهى.
قال في " الشرح ": فان نكس وضوءه فبدأ بشيء من أعضائه قبل وجهه لم يحتسب بما غسله قبله،
وان بدأ برجليه وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه،
وان توضأ منكساً أربع مرات صح وضوؤه إذا كان متقاربا يحصل له من كل مرة غسل عضو، ومذهب الشافعي نحو هذا.
ولو غسل أعضاءه دفعة واحدة لم يصح إلا غسل وجهه. انتهى. (و) السادس: (موالاة) .
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب نص عليه في رواية الجماعة وعليه الأصحاب.
قال الزركشي وغيره: وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله في مسح الخفين: فان خلع قبل ذلك أعاد الوضوء. وهو من مفردات المذهب. انتهى.
وعنه: أن الموالاة سنة.
واستدل للأول بقوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} الآية لأن الأول شرط،
والثاني جواب، وإذا وجد الشرط وهو القيام وجب ألا يتآخر عنه جوابه وهو غسل أعضاء الوضوء.
وبما روى خالد بن معدان:" أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلى وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء " . رواه أحمد وأبو داود، وزاد:" والصلاة "،
وفي سنده بقية، وهو ثقه روى له مسلم.
ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة فقط. ولأن الوضوء عبادة يفسدها الحدث. فاشترطت لها الموالاة، كالصلاة.
و" لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم انه توضأ إلا متواليا " . وانما لم تشترط في غسل الجنابة؛ لأن المغسول فيه بمنزلة العضو الواحد.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.