فإن أعطاه لمن يضارب له به فللمضارب من الربح ما وافقه عليه الوصي. وما استدان العبد فهو في رقبته، يفديه سيده، أو يسلمه،
الشروح عليها
قال: فإن أعطاه لمن يضارب له به فللمضارب من الربح ما وافقه عليه الوصي. ش: للوصي أن يدفع المال إلى من يتجر فيه، كما لو أن يتجر فيه بنفسه.
١٩٨٩ - وقد روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه فعل ذلك وله أن يجعل للمدفوع إليه جزءا من الربح، لأن ذلك مما يعد في العرف [مصلحة] و [تصرف] الولي منوط بالمصلحة، والله أعلم. قال: وما استدان العبد فهو في رقبته، يفديه سيده، أو يسلمه، فإن جاوز ما استدان قيمته لم يكن على سيده أكثر من قيمته، إلا أن يكون مأذونا له في التجارة، فيلزم مولاه جميع ما استدان.
ش: للعبد في استدانته ونحوها حالتان: (إحداهما) : أن يكون مأذونا له في التجارة، فهذا ما استدانه كبيع أو قرض ونحوهما (هل يلزم سيده) ؟ وهو المشهور من الروايات واختيار الخرقي، والقاضي، وأبي الخطاب، وغيرهم، لأنه أغرى الناس بمعاملته، بإذنه فيها، أشبه ما لو قال: داينوه.
١٩٩٠ - ولعموم ما روي عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من باع عبدا وله مال، فله ماله وعليه دينه، إلا أن يشترط المبتاع» رواه البيهقي في سننه،
وقال: هذا إن صح فالمراد العبد المأذون له في التجارة. (أو برقبة العبد) ؟ لأنه القابض للمال، المتصرف فيه، أشبه غير المأذون له. (أو بذمة السيد) لإذنه، (ورقبة العبد) لقبضه المال؟ على ثلاث روايات، وبنى أبو العباس الروايتين الأولتين على أن تصرفه مع الإذن هل هو لسيده فيتعلق ما أدانه بذمته كوكيله، أو لنفسه فيتعلق برقبته؟ على روايتين، انتهى.
ومحل الخلاف فيما ثبت ببينة، أو بإقرار السيد،
أما ما أنكره السيد، ولا بينة به، فإنه يتعلق بذمة العبد إن أقر به، وإلا فهو هدر.
وعموم كلام الخرقي وكثير من الأصحاب يقتضي جريان الخلاف [وإن كان في يده مال، ويؤيد إرادة ذلك ما حكاه أبو محمد، بعد حكاية الخلاف] عن مالك، والشافعي رحمهما الله، أنهما قالا: إن كان في يده مال قضي دينه منه، وإلا تعلق بذمته، ومقتضى ذلك أنا نخالفهما في ذلك، ثم إذا قلنا: إنه كالوكيل.
فإن العهدة تتعلق بالموكل الذي هو السيد هنا،
وإن كان له في يد موكله مال، وجعل ابن حمدان محل الخلاف فيما إذا عجز ما في يده عن الدين.
«تنبيهان» : «أحدهما» : حكم ما استدانه أو اقترضه بإذن سيده حكم ما استدانه حيث أذن له في التجارة، قاله في المغني، وقطع في التلخيص والبلغة بلزومه للسيد،
وكذا قال أبو العباس، وهو ظاهر كلام المجد. «الثاني» : قال أبو محمد - وتبعه ابن حمدان -: لا فرق في الذي استدانه بين أن يكون في [الذي] أذن له فيه، أو في الذي لم يأذن له فيه، كأن يأذن له في التجارة في البر مثلا، فيتجر في غيره، إناطة بتغرير السيد، وفيه نظر.
(الحالة الثانية) العبد غير المأذون له، ولتصرفه حالتان أيضا: (إحداهما) : أن يتصرف في عين المال،
إما لنفسه أو للغير، فهذا كالغاصب، أو كالفضولي، على ما هو مقرر في موضعه (الثانية) أن يتصرف في الذمة، فهل يصح تصرفه، إلحاقا له بالمفلس، إذ الحجر عليه لحق غيره وهو السيد، أو لا يصح إلحاقا له بالسفيه، إذ أهليته ناقصة، وإذن السيد مكمل لها؟ فيه قولان، حكاهما أبو محمد، وصاحب التلخيص وجهين، وأبو البركات روايتين، فعلى الأول ما اشتراه أو اقترضه، إن وجد في يده انتزع منه، لتحقق إعساره، قاله أبو محمد وصاحب التلخيص، وغيرهما،
وإن أخذه سيده لم ينتزع منه على المشهور، لأنه وجده في يد مملوكه بحق، أشبه ما لو وجد في يده صيدا ونحو ذلك، واختار صاحب التلخيص جواز الانتزاع منه، معللا بأن الملك واقع للسيد ابتداء،
وإن تلف بيد السيد لم يضمنه، ثم هل يتعلق ثمنه برقبة العبد، أو بذمته، على الخلاف الآتي؟
وكذلك إن تلف بيد العبد، ومقتضى كلام أبي البركات أنه لا ينتزع ولو كان بيد العبد،
وأن الثمن يتعلق بذمته بلا نزاع، ويظهر قوله إن علم البائع أو المقرض بالحال،
أما إذا لم يعلم فيتوجه قول الأكثرين، وعلى الثاني - وهو بطلان التصرف - يرجع مالك العين في عينه حيث وجدها،
فإن تلفت في يد العبد فهل تتعلق قيمتها برقبته كجناياته، وهو المشهور، واختيار الخرقي، وأبي بكر، أو بذمته، يتبع بها إذا عتق، حذارا من تضرر السيد.
١٩٩١ - ولعموم ما روى ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الفقهاء التابعين من أهل المدينة، قال: كانوا يقولون: دين المملوك في ذمته. رواه البيهقي في سننه، أو إن علم رب العين بكونه عبدا فلا شيء له، لأنه المتلف لماله، نص عليها في رواية حنبل، معللا بما تقدم؟ على ثلاث روايات،
وإن تلفت بيد السيد فكذلك، على مقتضى كلام المجد،
وقال أبو محمد، وصاحب التلخيص، وغيرهما: يرجع إن شاء على السيد،
وإن شاء على العبد، ثم إن أبا محمد مال إلى رقبته، ومال صاحب التلخيص وابن حمدان إلى ذمته.
وحيث علق شيء من ذلك برقبة العبد،
فإن سيده يخير بين تسليمه أو فدائه،
فإن سلمه برئ، وإن لم تف قيمته بالحق،
أما إن سلم فبيع، وفضلت من ثمنه فضلة عن أرش جنايته، فهل تكون لسيده - وهو اختيار أبي محمد -، أو للمجني عليه - وهو ظاهر كلام الإمام، على ما قاله القاضي -؟ فيه قولان،
وإن فداه وكذا إن أعتقه فهل يلزمه أرش الجناية، بالغة ما بلغت، أو لا يلزمه إلا الأقل من قيمته، أو أرش جنايته، وهو المشهور؟ على روايتين، والله أعلم. [بيع الكلب]
قَالَ: (وَمَا اسْتَدَانَ الْعَبْدُ، فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ، أَوْ يُسَلِّمُهُ، فَإِنْ جَاوَزَ مَا اسْتَدَانَ قِيمَتَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَيَلْزَمُ مَوْلَاهُ جَمِيعُ مَا اسْتَدَانَ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ: (٣١٤٩) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، فِي اسْتِدَانَةِ الْعَبْدِ، يَعْنِي أَخْذَهُ بِالدَّيْنِ، يُقَالُ: أَدَانَ وَاسْتَدَانَ وَتَدَيَّنَ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
يُؤَنِّبُنِي فِي الدَّيْنِ قَوْمِي وَإِنَّمَا ... تَدَيَّنْتُ فِيمَا سَوْفَ يُكْسِبُهُمْ حَمْدَا وَالْعَبِيدُ قِسْمَانِ، مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، فَمَا لَزِمَهُ مِنْ الدَّيْنِ بِغَيْرِ رِضَا سَيِّدِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقْتَرِضَ، أَوْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ. اخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ، وَأَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَزِمَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ، كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ. وَالثَّانِيَةُ، يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ يَتْبَعُهُ الْغَرِيمُ بِهِ إذَا أَعْتَقَ وَأَيْسَرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
فَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ، كَعِوَضِ الْخُلْعِ مِنْ الْأَمَةِ، وَكَالْحُرِّ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ، أَوْ فِي الِاسْتِدَانَةِ، فَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الدَّيْنِ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ، أَوْ بِرَقَبَتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ، قُضِيَتْ دُيُونُهُ مِنْهُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ، تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ، يُتْبَعُ بِهِ إذَا عَتَقَ وَأَيْسَرَ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَبَتَ بِرِضَى مَنْ لَهُ الدَّيْنُ، أَشْبَهَ غَيْرَ الْمَأْذُونِ لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَقْرَضَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُبَاعُ إذَا طَالَبَ الْغُرَمَاءُ بَيْعَهُ. وَهَذَا مَعْنَاهُ، أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَبَتَ بِرِضَى مَنْ لَهُ الدَّيْنُ، فَيُبَاعُ فِيهِ، كَمَا لَوْ رَهَنَهُ. وَلَنَا، أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَقَدْ أَغْرَى النَّاسَ بِمُعَامَلَتِهِ، وَأَذِنَ فِيهَا، فَصَارَ ضَامِنًا، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُمْ: دَايِنُوهُ، أَوْ أَذِنَ فِي اسْتِدَانَةٍ، تَزِيدُ عَلَى قِيمَتِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّيْنِ الَّذِي لَزِمَهُ فِي التِّجَارَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا، أَوْ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ، مِثْلُ إنْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي الْبُرِّ، فَاتَّجَرَ فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ التَّغْرِيرِ، إذْ يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا.
[الْفَصْل الثَّانِي فِيمَا لَزِمَ الْعَبْد مِنْ الدَّيْنِ مِنْ أُرُوشِ جِنَايَاته أَوْ قِيَمِ مُتْلَفَاته] (٣١٥٠) الْفَصْلُ الثَّانِي، فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ الدَّيْنِ مِنْ أُرُوشِ جِنَايَاتِهِ، أَوْ قِيَمِ مُتْلَفَاتِهِ، فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، عَلَى كُلِّ حَالٍ، مَأْذُونًا، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَإِنَّ السَّيِّدَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ لِلْبَيْعِ وَبَيْنَ فِدَائِهِ،
فَإِنْ سَلَّمَهُ فَبِيعَ، وَكَانَ ثَمَنُهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، فَلَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الْجَانِي، فَلَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ شَيْءٌ،
وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَكْثَرَ، فَالْفَضْلُ لِسَيِّدِهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَرْجِعُ بِالْفَضْلِ. وَلَعَلَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ عِوَضًا عَنْ الْجِنَايَةِ، فَلَمْ يَبْقَ لِسَيِّدِهِ فِيهِ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ مَلَّكَهُ إيَّاهُ عِوَضًا عَنْ الْجِنَايَةِ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
فَإِنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ حُرٌّ، وَالْجَانِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ جِنَايَتِهِ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ، فَكَانَ الْفَضْلُ مِنْ ثَمَنِهِ لِسَيِّدِهِ، كَالرَّهْنِ.
وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ دَفَعَهُ عِوَضًا. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِوَضًا. لَمَلَكَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُبَعْ فِي الْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ لِيُبَاعَ، فَيُؤْخَذَ مِنْهُ عِوَضُ الْجِنَايَةِ، وَيُرَدَّ إلَيْهِ الْبَاقِي، وَلِذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَ دِرْهَمًا، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ سَيِّدِهِ مِنْهُ بِذَلِكَ؛ لِعَجْزِهِ عَنْ أَدَاءِ الدِّرْهَمِ مِنْ غَيْرِ ثَمَنِهِ.
وَإِنْ اخْتَارَ السَّيِّدُ فِدَاءَهُ لَزِمَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ؛ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ إنْ كَانَ أَكْثَرَ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْعَبْدِ الْجَانِي؛ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ قِيمَتُهُ،
وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ، فَلَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ إلَّا هُوَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، بَالِغًا مَا بَلَغَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْغَبَ فِيهِ رَاغِبٌ، فَيَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ،
فَإِذَا مَنَعَ بَيْعَهُ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأَرْشِ؛ لِتَفْوِيتِهِ ذَلِكَ. وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.
[الْفَصْلُ الثَّالِث فِي تَصَرُّفَاتِ الْعَبْد غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ] (٣١٥١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، فِي تَصَرُّفَاتِهِ؛
أَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَلَا شِرَاؤُهُ بِعَيْنِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ الْمَحْجُورِ فِيمَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْمُفْلِسَ. وَلِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَهُوَ كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ وَيَقِفَ عَلَى إجَازَةِ السَّيِّدِ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا شِرَاؤُهُ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ وَاقْتِرَاضُهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ السَّفِيهَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ لِحَقِّ غَيْرِهِ، أَشْبَهَ الْمُفْلِسَ وَالْمَرِيضَ. وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، أَنَّ التَّصَرُّفَ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا، فَلِلْبَائِعِ وَالْمُقْرِضِ أَخْذُ مَالِهِ، إنْ كَانَ بَاقِيًا، سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَوْ السَّيِّدِ،
وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، فَلَهُ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهُ، إنْ كَانَ مِثْلِيًّا،
فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّيِّدِ رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ تَلِفَ فِي يَدِهِ،
وَإِنْ شَاءَ كَانَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ،
وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْعَبْدِ، فَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ. وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، أَوْ ذِمَّتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قُلْنَا: التَّصَرُّفُ صَحِيحٌ.
وَالْمَبِيعُ فِي يَدِ الْعَبْدِ، فَلِلْبَائِعِ فَسْخُ الْبَيْعِ، وَلِلْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فِيمَا أَقْرَضَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ إعْسَارُ الْمُشْتَرِي وَالْمُقْتَرِضِ، فَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ.
وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ قَدْ انْتَزَعَهُ مِنْ يَدِ الْعَبْدِ، مَلَكَهُ بِذَلِكَ، وَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ عَبْدِهِ مَالًا فِي يَدِهِ، بِحَقٍّ، فَهُوَ كَالصَّيْدِ.
فَإِذَا مَلَكَهُ السَّيِّدُ، كَانَ كَهَلَاكِهِ فِي يَدِ الْعَبْدِ، وَلَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ وَالْمُقْرِضُ انْتِزَاعَهُ مِنْ السَّيِّدِ، بِحَالٍ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ، اسْتَقَرَّ ثَمَنُهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ، سَوَاءٌ تَلِفَ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَوْ السَّيِّدِ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا،
وَلَا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ، انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ، وَجَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا يَتَجَزَّأُ،
فَإِذَا زَالَ بَعْضُهُ، زَالَ كُلُّهُ. وَلَنَا، أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ، فَاخْتَصَّ تَصَرُّفُهُ بِمَحَلِّ الْإِذْنِ، كَالْوَكِيلِ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْحَجْرَ لَا يَتَجَزَّأُ. لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي بَيْعِ عَيْنٍ، وَنَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ أُخْرَى، صَحَّ.
وَكَذَلِكَ فِي الشِّرَاءِ، كَالْوَكِيلِ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي ضَمَانٍ، أَوْ كَفَالَةٍ، فَفَعَلَ، صَحَّ. وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ، أَوْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ رَأَى السَّيِّدُ عَبْدَهُ يَتَّجِرُ، فَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَصِرْ بِذَلِكَ مَأْذُونًا لَهُ.
[الْفَصْلُ الرَّابِع فِي تَصَرُّفَاتِ الْعَبْد إنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ] (٣١٥٢) الْفَصْلُ الرَّابِعُ، فِي تَصَرُّفَاتِهِ، إنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، قُبِلَ إقْرَارُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِيمَا زَادَ. وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِالْمَالِ.
فَإِنْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ أَوْ دَيْنٍ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، لَمْ يُقْبَلْ عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ سَيِّدَهُ بَاعَهُ، وَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِجِنَايَتِهِ، اسْتَوَى فِي ذَلِكَ الْمَأْذُونُ لَهُ وَغَيْرُهُ. وَيَنْقَسِمُ ذَلِكَ أَقْسَامًا أَرْبَعَةً؛ أَحَدُهَا، جِنَايَةٌ مُوجِبُهَا الْمَالُ، كَإِتْلَافِهِ، أَوْ جِنَايَةُ خَطَأٍ، أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ، أَوْ جِنَايَةُ عَمْدٍ فِيمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، كَالْجَائِفَةِ، وَنَحْوِهَا، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِالْمَالِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، جِنَايَةٌ مُوجِبُهَا حَدٌّ سِوَى السَّرِقَةِ، أَوْ قِصَاصٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ لَهُ زُفَرُ، وَدَاوُد، وَالْمُزَنِيُّ، وَجَرِيرٌ: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ، فَلَا يُقْبَلُ، كَالْإِقْرَارِ بِجِنَايَةِ الْخَطَإِ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ بِإِقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ، وَجَلَدَ عَبْدًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا نِصْفَ الْحَدِّ.
وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَلِأَنَّ مَا لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ السَّيِّدِ فِيهِ عَلَى الْعَبْدِ، يُقْبَلُ فِيهِ إقْرَارُ الْعَبْدِ، كَالطَّلَاقِ. وَلِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ بِهِ أَخَصُّ، وَهُوَ بِأَلَمِهِ أَمَسُّ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ الزَّوْجَةُ.
وَخُرِّجَ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ جِنَايَةُ الْخَطَإِ؛
فَإِنَّ إقْرَارَ السَّيِّدِ بِهَا مَقْبُولٌ، وَلَا يَتَضَرَّرُ الْعَبْدُ بِهَا. الْقِسْمُ الثَّالِثُ، إقْرَارُهُ بِالسَّرِقَةِ، يُقْبَلُ فِي الْحَدِّ، فَيُقْطَعُ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْمَالِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَيْنُ تَالِفَةً، أَوْ بَاقِيَةً فِي يَدِ السَّيِّدِ، أَوْ فِي يَدِ الْعَبْدِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْطَعَ إذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ مَوْجُودَةٍ فِي يَدِهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مَحْكُومٌ بِهَا لِسَيِّدِهِ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ لِسَيِّدِهِ، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالْمَسْرُوقِ شَرْطٌ فِي الْقَطْعِ، وَهَذِهِ لَا يَمْلِكُ غَيْرُ السَّيِّدِ الْمُطَالَبَةَ بِهَا، وَلِأَنَّ هَذَا شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَلَنَا، خَبَرُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ تَبْلُغُ نِصَابًا، فَوَجَبَ قَطْعُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ حُرٌّ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُرَدَّ الْعَيْنُ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ لِحَقِّ السَّيِّدِ،
وَأَمَّا فِي حَقِّ الْعَبْدِ، فَقَدْ يَثْبُتُ لِلْمُقِرِّ لَهُ، وَلِهَذَا لَوْ عَتَقَ وَعَادَتْ الْعَيْنُ إلَى يَدِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهَا إلَى الْمُقِرِّ لَهُ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ، الْإِقْرَارُ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ. فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ. وَعُمُومُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، إنْ أَقَرَّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا، أَوْ قِصَاصًا، أَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ. يَقْتَضِي قَبُولَ إقْرَارِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ قِصَاصًا، فَقُبِلَ، كَإِقْرَارِهِ بِقَطْعِ الْيَدِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِهِ، كَالْآخَرِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ بِهِ.
فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِهِ، كَالْحَدِّ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا، بِأَنَّ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهُ بِالْقِصَاصِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ مُوَاطَأَةٍ بَيْنَهُمَا، لِيَعْفُوَ عَلَى مَالٍ، فَيَسْتَحِقَّ رَقَبَةَ الْعَبْدِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَحْمِلْ الْعَاقِلَةُ اعْتِرَافًا، فَتَرَكْنَا مُوجِبَ الْقِيَاسِ؛ لِخَبَرِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى مُوجَبِ الْقِيَاسِ. وَيُفَارِقُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْ سَيِّدِهِ،
وَلَوْ بِفَوَاتِ نَفْسِهِ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِقَبُولِ إقْرَارِهِ بِالْقِصَاصِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ، فَلِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْعَفْوُ، وَالِاسْتِيفَاءُ، وَالْعَفْوُ عَلَى مَالٍ،
فَإِنْ عَفَا، تَعَلَّقَ الْأَرْشُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ؛ لِئَلَّا يَتَّخِذَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى الْإِقْرَارِ بِمَالِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.