فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وإذا أوصى لرجل، ثم أوصى بعده إلى آخر، فهما وصيان، إلا أن يقول: قد أخرجت الأول.

٣٬٧٦٤

ش: أما إذا أخرج الأول من الإيصاء إليه فقد انعزل، وصار الثاني هو الوصي وحده،

٣٬٧٦٥

وأما إذا لم يخرجه فهما وصيان، لما تقدم فيما إذا أوصى لبكر بجارية، ثم أوصى بها لبشر، وقد تضمن كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن للموصي عزل الموصى إليه، وهو واضح، لأنه نائب عنه، أشبه وكيله.

٣٬٧٦٦

قال: وإذا كان الوصي خائنا جعل معه أمين.

ش: هذا إحدى الروايات عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - تعالى، جمعا بين نظر الموصي وحفظ المال، (والثانية) لا تصح الوصية إلى فاسق أصلا، وهي اختيار القاضي، وعامة أصحابه، الشريف، وأبي الخطاب في خلافيهما، والشيرازي، وابن عقيل في التذكرة، وابن البنا، لأنه ليس بأهل للشهادة، أشبه المجنون، (والرواية الثالثة) تصح الوصية إليه مطلقا، ولا يفتقر إلى أمين، حكاها أبو الخطاب في خلافه. لأنه أهل للائتمان في الجملة، بدليل جواز إيداعه،

٣٬٧٦٧

فلو طرأ فسقه بعد موت الموصي، فعند أبي محمد أنه على الروايتين في الوصية إليه ابتداء، ثم مختار القاضي [أيضا] وغيره البطلان، وعند أبي البركات أنه يبدل بأمين بلا نزاع، نظرا إلى أن الموصي في الابتداء قد رضيه واختاره، والظاهر أنه إنما فعل ذلك لمعنى رآه فيه،

٣٬٧٦٨

إما لزيادة حفظه، أو إحكام تصرفه، ونحو ذلك، مما يربو على ما فيه من الخيانة،

٣٬٧٦٩

بخلاف ما لو طرأ فسقه،

٣٬٧٧٠

فإن حال الموصي يقتضي أنه إنما رضي بعدل ولا عدل، وعكس ذلك القاضي في روايتيه، فإنه حمل رواية ضم الأمين إليه على ما إذا طرأ الفسق.

٣٬٧٧١

وقال: ولا يختلف المذهب أنه لا يصح إليه ابتداء، فكأنه نظر إلى أن الدوام يغتفر فيه ما لا يغتفر في الابتداء. ولنشر إلى شروط الموصى إليه فنقول: من شرطه أن يكون «عاقلا» بلا نزاع، «مسلما» إن كان الموصي مسلما،

٣٬٧٧٢

وكذلك إن كان كافرا في وجه،

٣٬٧٧٣

وفي آخر: يصح إلى كافر إن كان الموصي كافرا، لكن يشترط عدالة الموصى إليه في دينه عند أبي محمد، وظاهر كلام أبي البركات أنه على الروايتين، «بالغا» في رواية،

٣٬٧٧٤

وفي أخرى - وقال القاضي: إنها قياس المذهب: - لا، وعليها قال أبو البركات: إذا كان مراهقا.

٣٬٧٧٥

وقال أبو محمد: إذا جاوز العشر. «مستور الحال» على المذهب وقد تقدم، ولا تعتبر الذكورية، ولا الحرية، ولا البصر، ولا المعرفة بالتصرف، نعم، إذا كان عاجزا ضم الحاكم إليه أمينا، ويعتبر وجود الشروط عند العقد والموت في وجه،

٣٬٧٧٦

وفي آخر عند الموت فقط، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ ثُمَّ أَوْصَى بَعْدَهُ إلَى آخِرَ] مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى بَعْدَهُ إلَى آخَرَ، فَهُمَا وَصِيَّانِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَخْرَجْت الْأَوَّلَ) مَعْنَى أَوْصَى إلَى رَجُلٍ. أَيْ جَعَلَ لَهُ التَّصَرُّفَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فِيمَا كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، مِنْ قَضَاءِ دُيُونِهِ، وَاقْتِضَائِهَا، وَرَدِّ الْوَدَائِعِ، وَاسْتِرْدَادِهَا، وَتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ، وَالْوِلَايَةِ عَلَى أَوْلَادِهِ الَّذِينَ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَمَنْ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ، وَالنَّظَرُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ بِحِفْظِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِمَا لَهُمْ الْحَظُّ فِيهِ.

٢٣٬٣١٣

فَأَمَّا مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، كَالْعُقَلَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَغَيْرِ أَوْلَادِهِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَسَائِرِ مَنْ عَدَا الْأَوْلَادَ، فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْمُوصِي عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِنَائِبِهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: لِلْجَدِّ وِلَايَةٌ عَلَى ابْنِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَادَةً وَتَعْصِيبًا، فَأَشْبَهَ الْأَبَ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَجْهَانِ؛

أَحَدُهُمَا، أَنَّ لَهَا وِلَايَةً؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، فَأَشْبَهَتْ الْأَبَ. وَلَنَا، أَنَّ الْجَدَّ يُدْلِي بِوَاسِطَةٍ، فَأَشْبَهَ الْأَخَ وَالْعَمَّ وَفَارَقَ الْأَبَ، فَإِنَّهُ يُدْلِي بِنَفْسِهِ، وَيَحْجُبُ الْجَدَّ، وَيُخَالِفُهُ فِي مِيرَاثِهِ وَحَجْبِهِ، فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُهُ بِهِ، وَلَا قِيَاسُهُ عَلَيْهِ.

٢٣٬٣١٤

وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَلِي؛ لِأَنَّهَا قَاصِرَةٌ لَا تَلِي النِّكَاحَ بِحَالٍ، فَلَا تَلِي مَالَ غَيْرِهَا، كَالْعَبْدِ، وَلِأَنَّهَا لَا تَلِي بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ، فَكَذَلِكَ بِالنَّسَبِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى إلَى آخَرَ، فَهُمَا وَصِيَّانِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَخْرَجْت الْأَوَّلَ أَوْ قَدْ عَزَلْته؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِبِشْرٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لَبَكْرٍ. وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ عَزْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَكَانَا وَصِيَّيْنِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى إلَيْهِمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً.

٢٣٬٣١٥

فَأَمَّا إنْ أَخْرَجَ الْأَوَّلَ انْعَزَلَ، وَكَانَ الثَّانِي هُوَ الْوَصِيَّ، كَمَا لَوْ عَزَلَهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ إلَى الثَّانِي.

٢٣٬٣١٦

[فَصْلٌ يُوصِي إلَى رَجُلٍ بِشَيْءِ دُونَ شَيْءٍ] (٤٧٧١) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى رَجُلٍ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ إلَى إنْسَانٍ بِتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ دُونَ غَيْرِهَا، أَوْ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ، أَوْ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ حَسْبُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُ مَا جَعَلَ إلَيْهِ.

٢٣٬٣١٧

وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى إنْسَانٍ بِتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ، وَإِلَى آخَرَ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ، وَإِلَى آخَرَ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا جَعَلَ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.

٢٣٬٣١٨

وَمَتَى أَوْصَى إلَيْهِ بِشَيْءٍ، لَمْ يَصِرْ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

٢٣٬٣١٩

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِيرُ وَصِيًّا فِي كُلِّ مَا يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ تَنْتَقِلُ مِنْ الْأَبِ بِمَوْتِهِ، فَلَا تَتَبَعَّضُ، كَوِلَايَةِ الْجَدِّ. وَلَنَا، أَنَّهُ اسْتَفَادَ التَّصَرُّفَ بِالْإِذْنِ مِنْ جِهَةِ الْآدَمِيِّ، فَكَانَ مَقْصُورًا عَلَى مَا أُذِنَ فِيهِ، كَالْوَكِيلِ، وَوِلَايَةُ الْجَدِّ مَمْنُوعَةٌ. ثُمَّ تِلْكَ وِلَايَةٌ اسْتَفَادَهَا بِقَرَابَتِهِ، وَهِيَ لَا تَتَبَعَّضُ، وَالْإِذْنُ يَتَبَعَّضُ، فَافْتَرَقَا.

٢٣٬٣٢٠

[فَصْل يُوصِيَ إلَى رَجُلَيْنِ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَيَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا] (٤٧٧٢) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى رَجُلَيْنِ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَيَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا، فَيَقُولَ: أَوْصَيْت إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ. لِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا مُنْفَرِدًا، وَهَذَا يَقْتَضِي تَصَرُّفَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ. وَلَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَيْهِمَا لِيَتَصَرَّفَا مُجْتَمِعَيْنِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلَيْهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِنَظَرِهِ وَحْدَهُ.

وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ لَا أَعْلَمُ فِيهِمَا خِلَافًا.

٢٣٬٣٢١

وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَالَ: أَوْصَيْت إلَيْكُمَا فِي كَذَا. فَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.

٢٣٬٣٢٢

وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وَالْوِلَايَةَ لَا تَتَبَعَّضُ، فَمَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادَ بِهَا كَالْأَخَوَيْنِ فِي تَزْوِيجِ أُخْتِهِمَا.

٢٣٬٣٢٣

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ يُسْتَحْسَنُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَيُبِيحُ أَنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ: كَفَنِ الْمَيِّتِ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَإِنْفَاذِ وَصِيَّتِهِ، وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ بِعَيْنِهَا، وَشِرَاءِ مَا لَا بُدَّ لِلصَّغِيرِ مِنْهُ مِنْ الْكُسْوَةِ وَالطَّعَامِ، وَقَبُولِ الْهِبَةِ لَهُ، وَالْخُصُومَةِ عَنْ الْمَيِّتِ فِيمَا يُدَّعَى لَهُ أَوْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ يَشُقُّ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهَا وَيَضُرُّ تَأْخِيرُهَا، فَجَازَ الِانْفِرَادُ بِهَا. وَلَنَا، أَنَّهُ شَرَكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ، فَلَمْ يَكُنْ لَأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ، كَالْوَكِيلَيْنِ. وَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ نَقُولُ بِهِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْوِلَايَةَ إلَيْهِمَا بِاجْتِمَاعِهِمَا، فَلَيْسَتْ مُتَبَعِّضَةً، كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ، أَوْ صَرَّحَ لِلْوَصِيَّيْنِ بِأَنْ لَا يَتَصَرَّفَا إلَّا مُجْتَمِعَيْنِ.

ثُمَّ يَبْطُلُ مَا قَالَهُ بِهَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ،

٢٣٬٣٢٤

وَيَبْطُلُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَة بِهِمَا أَيْضًا،

٢٣٬٣٢٥

وَإِذَا تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُهُمَا، أَقَامَ الْحَاكِمُ أَمِينًا مُقَامَ الْغَائِبِ.

[فَصْلٌ فِي مَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ وَمَنْ لَا تَصِحُّ] (٤٧٧٣) فَصْلٌ: فِي مَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ،

٢٣٬٣٢٦

وَمَنْ لَا تَصِحُّ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى الرَّجُلِ الْعَاقِلِ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْعَدْلِ إجْمَاعًا. وَلَا تَصِحُّ إلَى مَجْنُونٍ، وَلَا طِفْلٍ، وَلَا وَصِيَّةُ مُسْلِمٍ إلَى كَافِرٍ. بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ وَالطِّفْلَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمَا، فَلَا يَلِيَانِ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَالْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عَلَى مُسْلِمٍ. وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَإِسْحَاقُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

وَلَمْ يُجِزْهُ عَطَاءٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ قَاضِيَةً، فَلَا تَكُونُ وَصِيَّةً، كَالْمَجْنُونِ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْصَى إلَى حَفْصَةَ. وَلِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَأَشْبَهَتْ الرَّجُلَ، وَتُخَالِفُ الْقَضَاءَ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ لَهُ الْكَمَالُ فِي الْخِلْقَةِ وَالِاجْتِهَادِ،

٢٣٬٣٢٧

بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ. وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى الْأَعْمَى.

٢٣٬٣٢٨

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى الْوِلَايَةِ. وَهَذَا لَا يُسَلَّمُ لَهُمْ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّوْكِيلُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ، وَالْوِلَايَةِ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ كَالْبَصِيرِ.

٢٣٬٣٢٩

وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ،

٢٣٬٣٣٠

وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ إلَّا بِإِذْنٍ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَلِأَنَّهُ مَوْلًى عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ وَالِيًا، كَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

٢٣٬٣٣١

وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ وَكَالَتِهِ. وَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَاوَزَ الْعَشْرَ.

٢٣٬٣٣٢

وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ مُسْلِمٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِي عَلَى مُسْلِمٍ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَلَا الْعَدَالَةِ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، كَالْمَجْنُونِ وَالْفَاسِقِ.

٢٣٬٣٣٣

وَأَمَّا وَصِيَّةُ الْكَافِرِ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي دِينِهِ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعَدَالَةِ فِي الْمُسْلِمِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ. فَمَعَ الْكُفْرِ أَوْلَى.

٢٣٬٣٣٤

وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِالنَّسَبِ، فَيَلِي الْوَصِيَّةَ، كَالْمُسْلِمِ.

٢٣٬٣٣٥

وَالثَّانِي، لَا تَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، كَفَاسِقِ الْمُسْلِمِينَ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ.

٢٣٬٣٣٦

وَأَمَّا وَصِيَّةُ الْكَافِرِ إلَى الْمُسْلِمِ، فَتَصِحُّ إلَّا أَنْ تَكُونَ تَرِكَتُهُ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا.

٢٣٬٣٣٧

وَأَمَّا الْعَبْدُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَبْدَ نَفْسِهِ أَوْ عَبْدَ غَيْرِهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.

٢٣٬٣٣٨

وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى عَبْدِ نَفْسِهِ، وَلَا تَصِحُّ إلَى عَبْدِ غَيْرِهِ.

٢٣٬٣٣٩

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَصِحُّ إلَى عَبْدِ نَفْسِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي وَرَثَتِهِ رَشِيدٌ.

٢٣٬٣٤٠

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى عَبْدٍ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلِيًّا عَلَى ابْنِهِ بِالنَّسَبِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ الْوَصِيَّةَ، كَالْمَجْنُونِ. وَلَنَا أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِنَابَتُهُ فِي الْحَيَاةِ، فَصَحَّ أَنْ يُوصَى إلَيْهِ كَالْحُرِّ. وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالْمَرْأَةِ. وَالْخِلَافُ فِي الْمَكَاتِبِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ كَالْخِلَافِ فِي الْعَبْدِ الْقِنِّ. وَقَدْ نَصَّ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ إلَى أُمِّ وَلَدِهِ جَائِزَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ حُرَّةً عِنْدَ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ.

٢٣٬٣٤١

وَأَمَّا الْفَاسِقُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ إلَيْهِ لَا تَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ

٢٣٬٣٤٢

قَالَ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا كَانَ مُتَّهَمًا، لَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ.

٢٣٬٣٤٣

وَقَالَ الْخِرَقِيِّ: إذَا كَانَ الْوَصِيُّ خَائِنًا ضُمَّ إلَيْهِ أَمِينٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ، وَيَضُمُّ الْحَاكِمُ إلَيْهِ أَمِينًا.

٢٣٬٣٤٤

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ، وَعَلَى الْحَاكِمِ عَزْلُهُ؛ لِأَنَّهُ بَالِغٌ عَاقِلٌ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، كَالْعَدْلِ، وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْوَصِيَّةِ، فَلَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، كَالْمَجْنُونِ. وَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا.

(٤٧٧٤) فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي الْوَصِيِّ حَالَ الْعَقْدِ وَالْمَوْتِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ،

٢٣٬٣٤٥

وَفِي الْآخَرِ يُعْتَبَرُ حَالَ الْمَوْتِ حَسْبُ، كَالْوَصِيَّةِ لَهُ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَلَنَا، أَنَّهَا شُرُوطٌ لِعَقْدٍ، فَتُعْتَبَرُ حَالَ وُجُودِهِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ.

٢٣٬٣٤٦

فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لَهُ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَ وَارِثًا، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ عَدَمُ الْإِرْثِ، وَخُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ لِلنُّفُوذِ وَاللُّزُومِ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَةَ اللُّزُومِ،

٢٣٬٣٤٧

بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّهَا شُرُوطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَلَا يَنْفَعُ وُجُودُهَا بَعْدَهُ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، لَوْ كَانَتْ الشُّرُوطُ كُلُّهَا مُنْتَفِيَةً، أَوْ بَعْضُهَا حَالَ الْعَقْدِ، ثُمَّ وُجِدَتْ حَالَةَ الْمَوْتِ لَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ.

٢٣٬٣٤٨

[فَصْلٌ قَالَ أَوْصَيْت إلَى زَيْدٍ فَإِنْ مَاتَ فَقَدْ أَوْصَيْت إلَى عَمْرو] (٤٧٧٥) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: أَوْصَيْت إلَى زَيْدٍ،

٢٣٬٣٤٩

فَإِنْ مَاتَ فَقَدْ أَوْصَيْت إلَى عَمْرٍو صَحَّ ذَلِكَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا، إلَّا أَنَّ عَمْرًا وَصِيٌّ بَعْدَ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

٢٣٬٣٥٠

قَالَ فِي جَيْشِ مُؤْتَةَ:«أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» . وَالْوَصِيَّةُ فِي مَعْنَى التَّأْمِيرِ.

٢٣٬٣٥١

وَإِنْ قَالَ: أَوْصَيْت إلَيْك، فَإِذَا كَبِرَ ابْنِي كَانَ وَصِيِّي. صَحَّ؛ لِذَلِكَ،

٢٣٬٣٥٢

فَإِذَا كَبِرَ ابْنُهُ صَارَ وَصِيَّهُ. وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: وَصَّيْت لَك فَانٍ تَابَ ابْنِي عَنْ فِسْقِهِ، أَوْ قَدِمَ مِنْ غَيْبَتِهِ، أَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ اشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ، أَوْ صَالَحَ أُمَّهُ، أَوْ رَشَدَ، فَهُوَ وَصِيِّي. صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، وَيَصِيرُ وَصِيًّا عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الشُّرُوطِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.