فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ١٬٣٩٦مختصر الخرقيالحنابلةج ٥ ص ٥٥٢ج ٥ ص ٥٥٢

ولو طلقها أو مات عنها وهي حامل منه، لم تنقض عدتها إلا بوضع الحمل، أمة كانت أو حرة. والحمل الذي تنقضي به العدة ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، أمة كانت أو حرة.

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: ولو طلقها أو مات عنها وهي حامل منه، لم تنقض عدتها إلا بوضع الحمل، أمة كانت أو حرة. ش: لقول الله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] وهذا إجماع والحمد لله في الطلاق،

٥٬٥٧٧

وفي كل فرقة في الحياة، وكالإجماع فيما بعد الموت.

٢٨١٤ - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه قال - في الحامل المتوفى عنها زوجها -: إنها تعتد بأطول الأجلين. ٢٨١٥ - وهو إحدى الروايتين عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ويحكى عن سحنون من المالكية، لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: ٢٣٤] وهذا عام في كل متوفى عنها، وللجماعة الآية السابقة،

٥٬٥٧٨

فإن العموم فيها أصرح، ثم يرشحه عمل العامة على وفقه.

٢٨١٦ - وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: من شاء لاعنته لأنزلت سورة النساء القصرى، بعد الأربعة أشهر وعشرا. رواه النسائي وأبو داود، وهذا لفظه، يريد بسورة النساء سورة الطلاق، وهذا يدل على أنها متأخرة عن الآية التي في سورة البقرة، فيقضي عليها بالنسخ أو بالتخصيص.

٢٨١٧ - والذي يقطع النزاع ويبين المراد بلا ريب، ما روي «عن سبيعة الأسلمية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي، وهو ممن شهد بدرا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك - رجل من بني عبد الدار - فقال لها: ما لي أراك متجملة، لعلك ترجين النكاح، إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي» .

قال ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أن لا يقربها زوجها حتى تطهر. متفق عليه.

٢٨١٨ - وقد روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه لما بلغه هذا الحديث رجع إلى قول الجماعة، وهذا الذي يظن به. وقول الخرقي: بوضع الحمل، أي كله،

٥٬٥٧٩

فلو كان ولدين أو أكثر فلا بد لانقضاء العدة من وضع الجميع،

٥٬٥٨٠

ولو كان واحدا فلا بد من انفصال جميعه.

٥٬٥٨١

(تنبيه) لم تنشب. أي لم تمكث، وتعلت من نفاسها. أي انقطع دمها وطهرت، قال المنذري: وأصله عندهم السواد، كأنه من العلو أي تتعلى عن حالتها من المرض، والله أعلم.

[الحمل الذي تنقضي به العدة] قال: والحمل الذي تنقضي به العدة ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، أمة كانت أو حرة. ش: كأن تضع ولدا. أو يدا أو رجلا أو نحو ذلك، وقد حكي الإجماع على ذلك، إذ بذلك يعلم أنها حامل، فتدخل تحت قَوْله تَعَالَى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] وسواء كان ما تبين ظاهرا أو خفيا شهدت به القوابل. ومفهوم كلام الخرقي أنها إذا وضعت ما لا يتبين فيه شيء من خلق الإنسان أنها لا تنقضي عدتها به، وهو المشهور عن أحمد، ومختار أبي بكر، والقاضي والشريف وأبي الخطاب في خلافاتهم، وابن عقيل والشيرازي، وأبي محمد وغيرهم، لأنه قد حصل الشك في كونه ولدا، فلم يحكم بانقضاء العدة المتيقنة به، حذارا من دفع اليقين بأمر مشكوك فيه، (ونقل حنبل عن أحمد) أنها تصير بذلك أم ولد، فخرج القاضي وجماعة من ذلك انقضاء العدة به، لأن الظاهر أنه بدء خلق آدمي، أشبه ما لو تصور، وأبى ذلك أبو محمد،

٥٬٥٨٢

وقال: ليس هذا برواية في العدة، إذ أحمد لم يتعرض لها، انتهى. ويؤيد هذا أنه روي عن أحمد في رواية أخرى ما يدل على أنها تصير بذلك أم ولد، ولا تنقضي به العدة، والفرق الاحتياط في الصورتين، ففي الاستيلاد تغليبا للحرية،

٥٬٥٨٣

وفي العدة تغليبا للكمال، ومحل الخلاف فيما إذا ألقت مضغة،

٥٬٥٨٤

أما إن ألقت نطفة، أو دما، أو علقة،

٥٬٥٨٥

فإن العدة لا تنقضي به بحال عند الشيخين وغيرهما، والقاضي في تعليقه جعل الخلاف في العلقة والمضغة، ومحل الخلاف أيضا إذا شهدت القوابل أن المضغة مبدأ خلق آدمي، قاله أبو محمد،

٥٬٥٨٦

فلو لم تشهد بذلك لم يحكم بانقضاء العدة بلا خلاف، ولم يشترط ذلك أبو البركات، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَة طَلَّقَهَا وَهِيَ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ] (٦٣٢٦) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَلَوْ طَلَّقَهَا وَهِيَ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ حَتَّى حَاضَتْ، اسْتَقْبَلَتْ الْعِدَّةَ بِثَلَاثِ حِيَضٍ إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَبِحَيْضَتَيْنِ إنْ كَانَتْ أَمَةً وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَمْ تَحِضْ أَوْ الْبَالِغَ الَّتِي لَمْ تَحِضْ إذَا اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ، فَحَاضَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَلَوْ بِسَاعَةٍ، لَزِمَهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ. فِي قَوْلِ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشُّهُورَ بَدَلٌ عَنْ الْحَيْضِ،

٣١٬٨٧٧

فَإِذَا وُجِدَ الْمُبْدَلُ بَطَلَ حُكْمُ الْبَدَلِ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ.

وَيَلْزَمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ إنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْحَيْضُ.

٣١٬٨٧٨

وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ. فَهَلْ تَعْتَدُّ بِمَا مَضَى مِنْ الطُّهْرِ قَبْلَ الْحَيْضِ قُرْءًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، تَعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ انْتَقَلَتْ مِنْهُ إلَى حَيْضٍ، فَأَشْبَهَ الطُّهْرَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ.

٣١٬٨٧٩

وَالثَّانِي، لَا تَعْتَدُّ بِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الطُّهْرُ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ. وَهَذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَيْضٌ، فَلَمْ يَكُنْ قُرْءًا.

٣١٬٨٨٠

فَأَمَّا إنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ، ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَهَا وَلَوْ بِلَحْظَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى حَدَثَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، كَاَلَّتِي حَاضَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، وَلَا يُمْكِنُ مَنْعُ هَذَا الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَنْعُهُ، لَمْ يَحْصُلْ لِمَنْ لَمْ تَحِضْ الِاعْتِدَادُ بِالشُّهُورِ بِحَالٍ.

٣١٬٨٨١

[فَصْل حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ صَارَتْ مِنْ الْآيِسَاتِ] (٦٣٢٧) فَصْلٌ: وَلَوْ حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ صَارَتْ مِنْ الْآيِسَاتِ، اسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تُلَفَّقُ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إتْمَامُهَا بِالْحَيْضِ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُهَا بِالْأَشْهُرِ.

٣١٬٨٨٢

وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ مِنْ الزَّوْجِ، سَقَطَ حُكْمُ مَا مَضَى وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا رَأَتْهُ مِنْ الدَّمِ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ.

٣١٬٨٨٣

وَلَوْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ، ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ انْقَضَتْ الْحَيْضَةُ الثَّالِثَةُ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الدَّمَ لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا مَعَ رُؤْيَةِ الدَّمِ، وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ.

٣١٬٨٨٤

وَلَوْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ، ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ، بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ فَرَغَتْ مِنْ عِدَّتِهَا، لَمْ تَلْحَقْ بِالزَّوْجِ، وَحَكَمْنَا بِصِحَّةِ الِاعْتِدَادِ، وَكَانَ هَذَا الْوَلَدُ حَادِثًا.

٣١٬٨٨٥

وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِدُونِ ذَلِكَ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الدَّمَ لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُجُودُهُ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ. [فَصْل ارْتَابَتْ الْمُعْتَدَّةُ بِأَنَّ تَرَى أَمَارَاتِ الْحَمْلِ] (٦٣٢٨) فَصْلٌ وَإِذَا ارْتَابَتْ الْمُعْتَدَّةُ، وَمَعْنَاهُ أَنْ تَرَى أَمَارَاتِ الْحَمْلِ مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ نَفْخَةٍ وَنَحْوِهِمَا وَشَكَّتْ هَلْ هُوَ حَمْلٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ تَحْدُثَ بِهَا الرِّيبَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنَّمَا تَبْقَى فِي حُكْمِ الِاعْتِدَادِ حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ،

٣١٬٨٨٦

فَإِنْ بَانَ حَمْلًا، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ،

٣١٬٨٨٧

فَإِنْ زَالَتْ وَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَمْلٍ، تَبَيَّنَّا أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ بِالْقُرُوءِ أَوْ الشُّهُورِ.

٣١٬٨٨٨

فَإِنْ زُوِّجَتْ قَبْلَ زَوَالِ الرِّيبَةِ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا تَزَوَّجَتْ وَهِيَ فِي حُكْمِ الْمُعْتَدَّاتِ فِي الظَّاهِرِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إذَا تَبَيَّنَ عَدَمُ الْحَمْلِ، أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.

الثَّانِي: أَنْ تَظْهَرَ الرِّيبَةُ بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا وَالتَّزَوُّجِ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ ظَاهِرًا، وَالْحَمْلُ مَعَ الرِّيبَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ بِهِ مَا حُكِمَ بِصِحَّتِهِ، لَكِنَّ، لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّنَا شَكَكْنَا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، ثُمَّ نَنْظُرُ؛

٣١٬٨٨٩

فَإِنْ وَضَعَتْ الْوَلَدَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا الثَّانِي وَوَطِئَهَا، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ نَكَحَهَا وَهِيَ حَامِلٌ،

٣١٬٨٩٠

وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِهِ، وَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ. الْحَالُ الثَّالِثُ، ظَهَرَتْ الرِّيبَةُ بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ وَقَبْلَ النِّكَاحِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا، لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ،

٣١٬٨٩١

وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا تَتَزَوَّجُ مَعَ الشَّكِّ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ الرِّيبَةُ فِي الْعِدَّةِ، وَلِأَنَّنَا لَوْ صَحَّحْنَا النِّكَاحَ، لَوَقَعَ مَوْقُوفًا،

٣١٬٨٩٢

وَلَا يَجُوزُ كَوْنُ النِّكَاحِ مَوْقُوفًا، وَلِهَذَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَخَلَّفَتْ امْرَأَتُهُ فِي الشِّرْكِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إسْلَامِ الْأُولَى.

٣١٬٨٩٣

وَالثَّانِي، يَحِلُّ لَهَا النِّكَاحُ وَيَصِحُّ؛ لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَحِلِّ النِّكَاحِ، وَسُقُوطِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى، فَلَا يَجُوزُ زَوَالُ مَا حُكِمَ بِهِ بِالشَّكِّ الطَّارِئِ، وَلِهَذَا لَا يَنْقُضُ الْحَاكِمُ مَا حَكَمَ بِهِ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ وَرُجُوعِ الشُّهُودِ.

٣١٬٨٩٤

[فَصْل طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ لَا بِعَيْنِهَا] فَصْلٌ: وَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ لَا بِعَيْنِهَا، أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ دُونَ غَيْرِهَا، وَتُحْسَبُ عِدَّتُهَا مِنْ حِينِ طَلَّقَ، لَا مِنْ حِينِ الْقُرْعَةِ.

٣١٬٨٩٥

وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا وَأُنْسِيَهَا، فَفِي قَوْلِ أَصْحَابنَا، الْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ.

٣١٬٨٩٦

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجَمِيعُ،

٣١٬٨٩٧

فَإِنْ مَاتَ فَعَلَى الْجَمِيعِ الِاعْتِدَادُ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُطَلَّقَةَ،

٣١٬٨٩٨

وَأَنْ تَكُونَ زَوْجَةً، فَوَجَبَ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، لَكِنَّ ابْتِدَاءَ الْقُرْءِ مِنْ حِينِ طَلَّقَ، وَابْتِدَاءُ عِدَّةِ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا بَعْدَ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ تَكْمِيلُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِ طَلَّقَهُنَّ.

٣١٬٨٩٩

وَإِنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا وَأُنْسِيَهُنَّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً.

[مَسْأَلَة طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَهِيَ حَامِلٌ] (٦٣٣٣) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَلَوْ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، أَمَةً كَانَتْ أَوْ حُرَّةً أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْحَامِلَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ حَمْلِهَا.

٣١٬٩٢١

وَكَذَلِكَ كُلُّ مُفَارِقَةٍ فِي الْحَيَاةِ. وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا، أَجَلُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا، إلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ، أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ. وَقَالَهُ أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ لَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ سُبَيْعَةَ، وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ أَنْ تَنْكِحَ فِي دَمِهَا.

وَيُحْكَى عَنْ حَمَّادٍ وَإِسْحَاقَ أَنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي حَتَّى تَطْهُرَ.

وَأَبَى سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَالُوا: لَوْ وَضَعَتْ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ وَفَاةِ زَوْجهَا، حَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَلَكِنْ، لَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا وَتَغْتَسِلَ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ:«قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَوْ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا؟ قَالَ هِيَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَلِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا» وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَوْ لَاعَنْتُهُ: إنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى: {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ الْأَخِيرَةُ، فَتُقَدَّمُ عَلَى مَا خَالَفَهَا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَيُخَصُّ بِهَا عُمُومُهَا.

وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ، «أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاك مُتَجَمِّلَةً، لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ؟ إنَّك وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْك أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي، بِأَنِّي قَدْ حَلَلْت حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، فَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي» .

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قَدْ جَاءَ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى، كُلُّهَا ثَابِتَةٌ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ.

وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ حَامِلٌ، فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ كَالْمُطَلَّقَةِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ، وَوَضْعُهُ أَدَلُّ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ، وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي بَقَاءِ الْعِدَّةِ بِبَقَاءِ الْحَمْلِ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ، كَمَا فِي حَقِّ الْمُطَلَّقَةِ.

٣١٬٩٢٢

[فَصْلٌ كَانَ الْحَمْلُ وَاحِدًا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ] (٦٣٣٤) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْحَمْلُ وَاحِدًا، انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ، وَانْفِصَالِ جَمِيعِهِ،

٣١٬٩٢٣

وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُهُ، فَهِيَ فِي عِدَّتِهَا حَتَّى يَنْفَصِلَ بَاقِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ وَاضِعَةً لِحَمْلِهَا مَا لَمْ يَخْرُجَ كُلُّهُ.

٣١٬٩٢٤

وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا بِوَضْعِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ هُوَ الْجَمِيعُ. هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَبَا قِلَابَةَ وَعِكْرِمَةَ، فَإِنَّهُمَا قَالَا: تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْأَوَّلِ، وَلَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تَضَعَ الْآخَرَ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا وَضَعَتْ أَحَدَهُمَا، فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا. قِيلَ لَهُ: فَتَتَزَوَّجُ؟ قَالَ لَا. قَالَ قَتَادَةُ خُصِمَ الْعَبْدُ. .

وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَقَوْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْمَعْنَى فَإِنَّ الْعِدَّةَ شُرِعَتْ لِمَعْرِفَةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ،

٣١٬٩٢٥

فَإِذَا عُلِمَ وُجُودُ الْحَمْلِ، فَقَدْ تُيُقِّنَ وُجُودُ الْمُوجِبِ لِلْعِدَّةِ، وَانْتَفَتْ الْبَرَاءَةُ الْمُوجِبَةُ لِانْقِضَائِهَا، وَلِأَنَّهَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْأَوَّلِ، لَأُبِيحَ لَهَا النِّكَاحُ، كَمَا لَوْ وَضَعَتْ الْآخَرَ.

٣١٬٩٢٦

فَإِنْ وَضَعَتْ وَلَدًا، وَشَكَّتْ فِي وُجُودِ ثَانٍ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ، وَتَتَيَقَّنَ أَنَّهَا لَمْ يَبْقَ مَعَهَا حَمْلٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.

[مَسْأَلَة الْحَمْلُ الَّذِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ] (٦٣٣٥) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَالْحَمْلُ الَّذِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَلْقَتْ بَعْدَ فُرْقَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا، لَمْ يَخْلُ مِنْ خَمْسَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ تَضَعَ مَا بَانَ فِيهِ خَلْقُ الْآدَمِيِّ، مِنْ الرَّأْسِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَهَذَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمْ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمَرْأَةِ تَنْقَضِي بِالسَّقْطِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ وَلَدٌ، وَمِمَّنْ نَحْفَظُ عَنْهُ ذَلِكَ: الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَشُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إذَا نُكِّسَ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ؟

يَعْنِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ. فَقَالَ: إذَا نُكِّسَ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَلَكِنْ إذَا تَبَيَّنَ خَلْقُهُ هَذَا أَدَلُّ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا بَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْآدَمِيِّ، عُلِمَ أَنَّهُ حَمْلٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى:{وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} . الْحَالُ الثَّانِي، أَلْقَتْ نُطْفَةً أَوْ دَمًا، لَا تَدْرِي هَلْ هُوَ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْآدَمِيُّ أَوْ لَا؟ فَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ وَلَدٌ، لَا بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا بِالْبَيِّنَةِ.

الْحَالُ الثَّالِثُ أَلْقَتْ مُضْغَةً لَمْ تَبِنْ فِيهَا الْخِلْقَةُ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ، أَنَّ فِيهِ صُورَةً خَفِيَّةً، بَانَ بِهَا أَنَّهَا خِلْقَةُ آدَمِيٍّ، فَهَذَا فِي حُكْمِ الْحَالِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ وَلَدٌ. الْحَالُ الرَّابِعُ، إذَا أَلْقَتْ مُضْغَةً لَا صُورَةَ فِيهَا، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، فَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ أَنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي بِهِ، وَلَكِنْ تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي كَوْنِهِ وَلَدًا، فَلَمْ يُحْكَمْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ الْمُتَيَقَّنَةِ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْأَمَةِ الْوَالِدَةِ لَهُ مَعَ الشَّكِّ فِي رِقِّهَا، فَيَثْبُتُ كَوْنُهَا أُمَّ وَلَدٍ احْتِيَاطًا، وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ احْتِيَاطًا.

وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْعِدَّةَ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابنَا: عَلَى هَذَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ خِلْقَةُ آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَصَوَّرَ. .

٣١٬٩٢٧

وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرِوَايَةٍ فِي الْعِدَّةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا. الْحَالُ الْخَامِسُ، أَنْ تَضَعَ مُضْغَةً لَا صُورَةَ فِيهَا، وَلَمْ تَشْهَدْ الْقَوَابِلُ بِأَنَّهَا مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، فَهَذَا لَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةٌ، وَلَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ وَلَدًا بِبَيِّنَةٍ وَلَا مُشَاهَدَةٍ، فَأَشْبَهَ الْعَلَقَةَ، فَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِ مَا قَبْلَ الْمُضْغَةِ بِحَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ نُطْفَةً أَوْ عَلَقَةً، وَسَوَاءٌ قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ أَوْ لَمْ يُقَلْ.

نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: أَمَّا إذَا كَانَ عَلَقَةً، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، إنَّمَا هِيَ دَمٌ، لَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةٌ، وَلَا تَعْتِقُ بِهِ أَمَةٌ. وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي هَذَا، إلَّا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا عُلِمَ أَنَّهَا حَمْلٌ، انْقَضَتْ بِهِ الْعِدَّةُ، وَفِيهِ الْغُرَّةُ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.

وَأَقَلُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مِنْ الْحَمْلِ، أَنْ تَضَعَهُ بَعْدَ ثَمَانِينَ يَوْمًا مُنْذُ أَمْكَنَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:" إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ لَيُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَيَكُونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثَمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ". وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِمَا دُونِ الْمُضْغَةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ،

٣١٬٩٢٨

فَأَمَّا مَا بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَلَيْسَ فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ مُنَكَّسٌ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ. [فَصْلٌ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ] (٦٣٣٦) فَصْلٌ: وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، أَنَّهُ رُفِعَ إلَى عُمَرَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهَمَّ عُمُرُ بِرَجْمِهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} فَحَوْلَانِ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، لَا رَجْمَ عَلَيْهَا.

فَخَلَّى عُمَرُ سَبِيلَهَا، وَوَلَدَتْ مَرَّةً أُخْرَى لِذَلِكَ الْحَدِّ وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ ذَلِكَ. قَالَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ: فَقُلْت لِعِكْرِمَةَ إنَّا بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيًّا قَالَ هَذَا. فَقَالَ عِكْرِمَةُ لَا، مَا قَالَ هَذَا إلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فِي " الْمَعَارِفِ " أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَغَيْرِهِمْ.

[مَسْأَلَة أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْلِ أَرْبَعُ سِنِينَ] (٦٣٣٧) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، فَلَمْ تَنْكِحْ حَتَّى أَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ طَلَاقِهِ أَوْ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، لَحِقَهُ الْوَلَدُ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْلِ أَرْبَعُ سِنِينَ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أَقْصَى مُدَّتِهِ سَنَتَانِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِمَا رَوَتْ جَمِيلَةُ بِنْتُ سَعْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ لَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ عَلَى السَّنَتَيْنِ فِي الْحَمْلِ، وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يُعْلَمُ بِتَوْقِيفٍ أَوْ اتِّفَاقٍ، وَلَا تَوْقِيفَ هَاهُنَا وَلَا اتِّفَاقَ، إنَّمَا هُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ،

٣١٬٩٢٩

فَإِنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، وَهَرِمَ بْنَ حَيَّانَ حَمَلَتْ أُمُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهِ سَنَتَيْنِ،

٣١٬٩٣٠

وَقَالَ اللَّيْثُ أَقْصَاهُ ثَلَاثُ سِنِينَ. حَمَلَتْ مَوْلَاةٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ.

٣١٬٩٣١

وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ: خَمْسُ سِنِينَ. وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَدْ تَحْمِلُ الْمَرْأَةُ سِتَّ سِنِينَ وَسَبْعَ سِنِينَ.

٣١٬٩٣٢

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَيْسَ لِأَقْصَاهُ وَقْتٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ، يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ الْحَمْلُ لِأَرْبَعِ سِنِينَ، فَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قُلْت لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: حَدِيثُ جَمِيلَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ: لَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ عَلَى السَّنَتَيْنِ فِي الْحَمْلِ. قَالَ مَالِكٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَنْ يَقُولُ هَذَا؟ هَذِهِ جَارَتُنَا امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ تَحْمِلُ أَرْبَعَ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ.

٣١٬٩٣٣

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَقِيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ.

٣١٬٩٣٤

وَقَالَ أَحْمَدُ نِسَاءُ بَنِي عَجْلَانَ يَحْمِلْنَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَامْرَأَةُ عَجْلَانَ حَمَلَتْ ثَلَاثَ بُطُونٍ، كُلَّ دَفْعَةٍ أَرْبَعَ سِنِينَ. وَبَقِيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ. وَهَكَذَا إبْرَاهِيمُ بْنُ نَجِيحٍ الْعُقَيْلِيُّ، حَكَى ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ وَإِذَا تَقَرَّرَ وُجُودُهُ، وَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ، وَلَا يُزَادَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَا وُجِدَ، وَلِأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ لِامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّهُ غَايَةُ الْحَمْلِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا إذَا ثَبَتَ هَذَا،

٣١٬٩٣٥

فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَلَدَتْ لِأَرْبَعِ سِنِينَ فَمَا دُونَ، مِنْ يَوْمِ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ، وَلَمْ تَكُنْ تَزَوَّجَتْ، وَلَا وُطِئَتْ، وَلَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْقُرُوءِ، وَلَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ،

٣١٬٩٣٦

فَإِنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِالزَّوْجِ، وَعِدَّتُهَا مُنْقَضِيَةٌ بِهِ.

٣١٬٩٣٧

[فَصْلٌ أَتَتْ بِالْوَلَدِ لِأَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ مَاتَ أَوْ بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاقِ أَوْ فَسْخٍ] (٦٣٣٨) فَصْلٌ: وَإِنْ أَتَتْ بِالْوَلَدِ لِأَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ مَاتَ، أَوْ بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لَمْ يَلْحَقْهُ وَلَدُهَا؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ زَوَالِ النِّكَاحِ، وَالْبَيْنُونَةِ مِنْهُ، وَكَوْنِهَا قَدْ صَارَتْ مِنْهُ أَجْنَبِيَّةً، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْأَجْنَبِيَّاتِ. وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا مِنْهُ بِوَضْعِهِ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَهَا.

٣١٬٩٣٨

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَلْ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي بِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ وَلَدٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بَعْدَ نِكَاحِهِ، بِأَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ، أَوْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ،

٣١٬٩٣٩

وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ، كَالْوَلَدِ الْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الَّذِي أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ يَقِينًا.

ثُمَّ نَاقَضُوا قَوْلَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي، وَلِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ حِينِ بَانَتْ مِنْ الْأَوَّلِ، فَالْوَلَدُ مُنْتَفٍ عَنْهُمَا، وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَهَذَا أَصَحُّ؛

٣١٬٩٤٠

فَإِنَّ احْتِمَالَ كَوْنِهِ مِنْهُ، لَمْ يَكْفِ فِي إثْبَاتِ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ، فَلَأَنْ لَا يَكْفِيَ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَمَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِمَا سَلَّمُوهُ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الَّذِي أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَصَابَهَا قَبْلَ نِكَاحِهَا بِشُبْهَةٍ، أَوْ بِنِكَاحٍ غَيْرِ هَذَا النِّكَاحِ الَّذِي أَتَتْ بِالْوَلَدِ فِيهِ، فَاسْتَوَيَا.

٣١٬٩٤١

وَأَمَّا الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ فَإِنَّا نَفَيْنَا الْوَلَدَ عَنْ الزَّوْجِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَنَفَيْنَا حُكْمَهُ فِي كَوْنِهِ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا، حَتَّى أَوْجَبْنَا الْحَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا وَقَاذِفِ وَلَدِهَا، وَانْقِضَاءُ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا دُونَهُ، فَثَبَتَتْ.

٣١٬٩٤٢

[فَصْل أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ بَعْدِ انْقِضَائِهَا] (٦٣٣٩) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ بَعْدِ انْقِضَائِهَا، لَمْ يَلْحَقْ نَسَبُهُ بِالزَّوْجِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ سُرَيْجٍ،

٣١٬٩٤٣

وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَلْحَقُ بِهِ، مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، أَوْ يَبْلُغْ أَرْبَعَ سِنِينَ. وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ قَوْلَهُ: إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ طَلَاقِهِ أَوْ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ لَحِقَهُ الْوَلَدُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَلَدٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، وَلَا مَنْ يُسَاوِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ. وَلَنَا أَنَّهَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِقَضَاءِ عِدَّتِهَا، وَحِلِّ النِّكَاحِ لَهَا بِمُدَّةِ الْحَمْلِ، فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِوَضْعِ حَمَلِهَا لِمُدَّةِ الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِمْكَانُ مَعَ بَقَاءِ النِّكَاحِ أَوْ آثَارِهِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ.

٣١٬٩٤٤

وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ أَرْبَعِ سِنِينَ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ تَدَّعِي الْإِيَاسَ، تَبَيَّنَّا كَذِبَهَا،

٣١٬٩٤٥

فَإِنَّ مَنْ تَحْمِلُ لَيْسَتْ بِآيِسَةٍ،

٣١٬٩٤٦

وَإِنْ كَانَتْ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، أَوْ مُتَوَفَّى عَنْهَا، لَحِقَهُ وَلَدُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهَا مَا يُنَافِي كَوْنَهَا حَامِلًا.

٣١٬٩٤٧

[فَصْلٌ مَاتَ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ عَنْ زَوْجَتِهِ فَأَتَتْ بِوَلَدِ] (٦٣٤٠) فَصْلٌ: وَإِذَا مَاتَ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ عَنْ زَوْجَتِهِ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ، وَتَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ مَاتَ وَبِهَا حَمْلٌ ظَاهِرٌ، اعْتَدَّتْ عَنْهُ بِالْوَضْعِ،

٣١٬٩٤٨

وَإِنْ ظَهَرَ الْحَمْلُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ تَعْتَدَّ بِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّبِيِّ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَفِيهِ بُعْدٌ. وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ، وَدَخَلَ بِهَا، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِوَضْعِهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ تَعْتَدُّ بِهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} .

وَلَنَا أَنَّ هَذَا حَمْلٌ مَنْفِيٌّ عَنْهُ يَقِينًا، فَلَمْ تَعْتَدَّ بِوَضْعِهِ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْآيَةُ وَارِدَةٌ فِي الْمُطَلَّقَاتِ، ثُمَّ هِيَ مَخْصُوصَةٌ بِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا،

٣١٬٩٤٩

فَإِنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ مِنْ الْوَطْءِ الَّذِي عَلِقَتْ بِهِ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْوَلَدُ مُلْحَقًا بِغَيْرِ الصَّغِيرِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ كَانَ مِنْ زِنًا لَا يَلْحَقُ بِأَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ مِنْ كُلِّ وَطْءٍ،

٣١٬٩٥٠

فَإِذَا وَضَعَتْهُ اعْتَدَّتْ مِنْ الصَّبِيِّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ؛ لِأَنَّ الْعِدَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ لَا يَتَدَاخَلَانِ.

٣١٬٩٥١

وَإِنْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ فِي الْحَيَاةِ بَعْدَ الدُّخُولِ، كَزَوْجَةِ كَبِيرٍ دَخَلَ بِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بَعْدَ وَضْعِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ.

٣١٬٩٥٢

وَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَ الْخَصِيُّ الْمَجْبُوبُ امْرَأَتَهُ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ، وَتَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الْوَطْءِ، ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الطَّلَاقِ، أَوْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهَرَ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِنْزَالُ، بِأَنْ يَحُكَّ مَوْضِعَ ذَكَرِهِ بِفَرْجِهَا فَيُنْزِلَ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَلْحَقُ بِهِ؛ الْوَلَدُ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ.

٣١٬٩٥٣

وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ عَشْرَ سِنِينَ.

٣١٬٩٥٤

وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ، أَوْ تَزَوَّجَ الْمَشْرِقِيُّ بِالْمَغْرِبِيَّةِ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا بِمُدَّةِ الْحَمْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.