فلو شهدا بقصاص فقتل ثم رجعا وقالا تعمدنا لزمهما القصاص
الشروح عليها
(فَلَوْ) (شَهِدَا) عَلَى آخَرَ (بِقِصَاصٍ) أَيْ مُوجِبِهِ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ بِرِدَّةٍ أَوْ سَرِقَةٍ (فَقُتِلَ) أَوْ قُطِعَ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ بِشَهَادَتِهِمَا (ثُمَّ رَجَعَا) عَنْهَا، وَمِثْلُهُمَا الْمُزَكِّيَانِ وَالْقَاضِي (وَقَالَا تَعَمَّدْنَا) الْكَذِبَ فِيهَا وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهَا أَوْ قَالَ كُلٌّ تَعَمَّدْت الْكَذِبَ أَوْ زَادَ وَلَا أَعْلَمُ حَالَ صَاحِبِي (لَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ) فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ لِتَسَبُّبِهِمَا إلَى إهْلَاكِهِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَمُوجِبُهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الرُّجُوعِ وَالتَّعَمُّدِ مَعَ الْعِلْمِ لَا الْكَذِبِ،
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ تَيَقَّنَّا كَذِبَهُمَا بِأَنْ شَاهَدْنَا الْمَشْهُودَ بِقَتْلِهِ حَيًّا فَلَا قِصَاصَ لِجَوَازِ عَدَمِ تَعَمُّدِهِمَا،
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا تَعَمَّدْت أَنَا وَصَاحِبِي وَقَالَ الْآخَرُ أَخْطَأْت أَوْ أَخْطَأْنَا أَوْ تَعَمَّدْت وَأَخْطَأَ صَاحِبِي قُتِلَ الْأَوَّلُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الْمُقِرُّ بِمُوجِبِ الْقَوَدِ وَحْدَهُ،
فَإِنْ قَالَا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِقَوْلِنَا قُبِلَا إنْ أَمْكَنَ صِدْقُهُمَا لِقُرْبِ عَهْدِهِمَا بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشْئِهِمَا بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: أَوْ قَالَا لَمْ نَعْلَمْ قَبُولَ شَهَادَتِنَا لِوُجُودِ أَمْرٍ فِينَا يَقْتَضِي رَدَّهَا، وَالْحَاكِمُ قَصَّرَ فِي اخْتِبَارِنَا فَتَجِبُ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ فِي مَالِهِمْ إنْ لَمْ تُصَدِّقْهُمْ الْعَاقِلَةُ
(قَوْلُهُ: وَمُوجِبُهُ) أَيْ الْقَوَدِ
(قَوْلُهُ: لَا الْكَذِبِ) أَيْ لَيْسَ مُوجِبُهُ الْكَذِبَ
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَوْ تَيَقَّنَّا كَذِبَهُمَا إلَخْ) يُتَأَمَّلُ مَوْقِعُ هَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّهُ تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ الرُّجُوعُ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِتَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَبِالْعِلْمِ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِهِمَا،
فَإِنْ تَحَقَّقَ هَذَا الشَّرْطُ وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلَا أَثَرَ لِلْمُشَاهَدَةِ الْمَذْكُورَةِ،
وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ لَمْ يَجِبْ،
وَإِنْ انْتَفَتْ الْمُشَاهَدَةُ الْمَذْكُورَةُ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَعْتَرِفَا بِالتَّعَمُّدِ وَشَاهَدْنَا الْمَشْهُودَ بِقَتْلِهِ حَيًّا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ وَعَدَمِ التَّعَمُّدِ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ مُسَاعِدَةِ الْعِبَارَةِ عَلَيْهِ قح
(قَوْلُهُ: فَلَا قِصَاصَ) وَعَلَى الْقَاتِلِ دِيَةُ عَمْدٍ فِي مَالِهِ كَمَا يَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ إلَخْ
(قَوْلُهُ: قُتِلَ الْأَوَّلُ) أَيْ مَنْ قَالَ تَعَمَّدْت أَنَا وَصَاحِبِي
(قَوْلُهُ: فِي مَالِهِمْ) أَيْ الشُّهُودِ
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ تُصْدِقْهُمْ) أَيْ فَإِنْ صَدَقَتْهُمْ فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ
(قَوْلُهُ: لَا الْكَذِبِ) أَيْ وَحْدَهُ قَوْلُهُ: بِعِلْمِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِانْقِطَاعٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(فَلَوْ شَهِدَا) عَلَى آخَرَ (بِقِصَاصٍ) أَيْ مُوجِبِهِ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ بِرِدَّةٍ أَوْ سَرِقَةٍ (فَقُتِلَ) أَوْ قُطِعَ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ بِشَهَادَتِهِمَا (ثُمَّ رَجَعَا) عَنْهَا وَمِثْلُهُمَا الْمُزَكِّيَانِ وَالْقَاضِي (وَقَالَا تَعَمَّدْنَا الْكَذِبَ) فِيهَا وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهَا أَوْ قَالَ كُلٌّ تَعَمَّدْت أَوْ زَادَ وَلَا أَعْلَمُ حَالَ صَاحِبِي (لَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ) فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ لِتَسَبُّبِهِمَا إلَى إهْلَاكِهِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا وَمُوجِبُهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الرُّجُوعِ وَالتَّعَمُّدِ مَعَ الْعِلْمِ لَا الْكَذِبُ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شُوهِدَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ حَيًّا لَمْ يُقْتَلَا لِاحْتِمَالِ غَلَطِهِمَا
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا تَعَمَّدْت أَنَا وَصَاحِبِي وَقَالَ الْآخَرُ أَخْطَأْت أَوْ أَخْطَأْنَا أَوْ تَعَمَّدْت وَأَخْطَأَ صَاحِبِي قُتِلَ الْأَوَّلُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الْمُقِرُّ بِمُوجِبِ الْقَوَدِ وَحْدَهُ فَإِنْ قَالَا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهَا قُبِلَ إنْ أَمْكَنَ لِنَحْوِ قُرْبِ إسْلَامِهِمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ أَوْ قَالَا لَمْ نَعْلَمْ قَبُولَ شَهَادَتِنَا لِمُقْتَضٍ لِرَدِّهَا فِينَا، وَإِنَّمَا الْحَاكِمُ قَصَّرَ لِقَبُولِهَا وَوَجَبَتْ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ فِي مَالِهِمْ إنْ لَمْ تُصَدِّقْهُمْ الْعَاقِلَةُ (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِمَا وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يَقْتُلُ بِشَهَادَتِنَا وَإِنْ كَانَا عَالَمَيْنِ عَدْلَيْنِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُمَا مَعَ عَدَمِ ذِكْرِهِ قَدْ يُعْذَرَانِ فَاحْتِيطَ لِلْقَوَدِ بِاشْتِرَاطِ ذِكْرِهِمَا لِذَلِكَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُ الْمَتْنِ فَلَوْ شَهِدَا) أَيْ رَجُلَانِ عِنْدَ قَاضٍ مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِرِدَّةٍ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى بِقِصَاصٍ
(قَوْلُ الْمَتْنِ فَقُتِلَ) أَيْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: فِيهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ
(قَوْلُهُ بِهَا) أَيْ بِشَهَادَتِنَا
(قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ كُلٌّ: تَعَمَّدْت) أَيْ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ
(قَوْلُ الْمَتْنِ لَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ) وَخَرَجَ بِالشَّاهِدِ الرَّاوِي كَمَا لَوْ أَشْكَلَتْ قَضِيَّةٌ عَلَى حَاكِمٍ فَرَوَى لَهُ فِيهَا إنْسَانٌ خَبَرًا فَقَتَلَ الْحَاكِمُ بِهِ شَخْصًا ثُمَّ رَجَعَ الرَّاوِي وَقَالَ تَعَمَّدْت الْكَذِبَ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَقِيَاسُهُ مَا لَوْ اسْتَفْتَى الْقَاضِي شَخْصًا فَأَفْتَاهُ بِالْقَتْلِ ثُمَّ رَجَعَ مُغْنِي وَنِهَايَةٌ قَالَ ع ش قَوْلُهُ: فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ أَيْ وَلَا دِيَةَ،
وَكَذَا لَا قِصَاصَ عَلَى الْقَاضِي حَيْثُ كَانَ أَهْلًا لِلْأَخْذِ مِنْ الْحَدِيثِ بِأَنْ كَانَ مُجْتَهِدًا وَإِلَّا اُقْتُصَّ مِنْهُ وَقَوْلُهُ فَأَفْتَاهُ إلَخْ أَيْ،
وَلَوْ قَالَ تَعَمَّدْت الْكَذِبَ وَعَلِمْت أَنَّهُ يُقْتَلُ بِإِفْتَائِي وَقَوْلُهُ ثُمَّ رَجَعَ أَيْ الْمُفْتِي اهـ.
(قَوْلُهُ وَمُوجِبُهُ) أَيْ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمَا
(قَوْلُهُ وَالتَّعَمُّدِ مَعَ الْعِلْمِ) أَيْ الِاعْتِرَافِ بِهِ مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: لَا الْكَذِبُ) أَيْ وَحْدَهُ رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شُوهِدَ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ مَوْقِعُ هَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّهُ تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ الرُّجُوعُ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِتَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَبِالْعِلْمِ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِهِمَا فَإِنْ تَحَقَّقَ هَذَا الشَّرْطُ وَجَبَ الْقِصَاصُ وَلَا أَثَرَ لِلْمُشَاهَدَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ لَمْ يَجِبْ،
وَإِنْ انْتَفَتْ الْمُشَاهَدَةُ الْمَذْكُورَةُ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَعْتَرِفَا بِالتَّعَمُّدِ وَشَاهَدْنَا الْمَشْهُودَ بِقَتْلِهِ حَيًّا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ وَعَدَمِ التَّعَمُّدِ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ مُسَاعِدَةِ الْعِبَارَةِ عَلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ سم عَلَى حَجّ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ: لَمْ يُقْتَلَا) وَعَلَى الْقَاتِلِ دِيَةُ عَمْدٍ فِي مَالِهِ كَمَا يَأْتِي فِي شَرْحِ،
وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ إلَخْ ع ش
(قَوْلُهُ: قُتِلَ الْأَوَّلُ) أَيْ مَنْ قَالَ تَعَمَّدْت أَنَا وَصَاحِبِي ع ش
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَا إلَخْ) وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَأْتِي هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي عَنْ الْبُلْقِينِيِّ نَظِيرُ قَوْلِهِ السَّابِقِ،
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا تَعَمَّدْت إلَخْ
(قَوْلُهُ: قُبِلَ إنْ أَمْكَنَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَا مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِمَا ذَلِكَ لِقُرْبِ عَهْدِهِمَا بِالْإِسْلَامِ أَوْ بُعْدِهِمَا عَنْ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ بَلْ دِيَةُ شِبْهِ عَمْدٍ وَإِنْ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ فَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِهِمَا، كَمَنْ رَمَى سَهْمًا إلَى شَخْصٍ وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ قَصَدَهُ وَلَكِنْ قَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَبْلُغُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: إنْ أَمْكَنَ) أَيْ صِدْقُهُمَا نِهَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْبُلْقِينِيُّ إلَخْ) بَحْثُ تَقْيِيدِ مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِمَا إذَا كَانَ حَالُهُمَا مَعْلُومًا وَإِلَّا فَلَا الْتِفَاتَ إلَى قَوْلِهِمَا ذَلِكَ وَهُوَ بَحْثٌ فِي غَايَةِ الِاتِّجَاهِ سم وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُغْنِي بَدَلَ قَوْلِ الشَّارِحِ لِمُقْتَضٍ إلَخْ لِظُهُورِ أُمُورٍ فِينَا تَقْتَضِي رَدَّهَا إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَوَجَبَتْ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ قُبِلَ
(قَوْلُهُ: فِي مَالِهِمْ) أَيْ الشُّهُودِ ع ش
(قَوْلُهُ إنْ لَمْ تُصَدِّقْهُمْ الْعَاقِلَةُ) فَإِنْ صَدَّقَتْهُمْ فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ع ش
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ) أَيْ فِي لُزُومِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمَا
(قَوْلُ الْمَتْنِ لَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ) قَالَ فِي الْعُبَابِ
بِخِلَافِ رَاوِي حَدِيثٍ لِلْقَاضِي فِي حُكْمٍ قَدْ تَوَقَّفَ فِيهِ فَحَكَمَ بِمُقْتَضَاهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ رِوَايَتِهِ اهـ وَمِثْلُ الرَّاوِي الْمَذْكُورِ فِيمَا يَظْهَرُ الْمُفْتِي إذَا أَفْتَى بِالْقَتْلِ ثُمَّ رَجَعَ م ر
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شُوهِدَ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ مَوْقِعُ هَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّهُ تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ الرُّجُوعُ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِتَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَبِالْعِلْمِ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِهِمَا فَإِنْ تَحَقَّقَ هَذَا الشَّرْطُ وَجَبَ الْقِصَاصُ وَلَا أَثَرَ لِلْمُشَاهَدَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ لَمْ يَجِبْ وَإِنْ انْتَفَتْ الْمُشَاهَدَةُ الْمَذْكُورَةُ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُمَا أَنَّهُمَا إنْ لَمْ يَعْتَرِفَا بِالتَّعَمُّدِ وَشَاهَدْنَا الْمَشْهُودَ بِقَتْلِهِ حَيًّا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ وَعَدَمِ التَّعَمُّدِ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ مُسَاعَدَةِ الْعِبَارَةِ عَلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: لَمْ يُقْتَلَا) أَيْ بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الَّذِي قُتِلَ
(قَوْلُهُ: قَالَ الْبُلْقِينِيُّ أَوْ قَالَا لَمْ نَعْلَمْ إلَخْ) بَحَثَ تَقْيِيدَ مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِمَا إذَا كَانَ حَالُهُمَا مَعْلُومًا وَإِلَّا فَلَا الْتِفَاتَ إلَى قَوْلِهِمَا ذَلِكَ وَهُوَ بَحْثٌ فِي غَايَةِ الِاتِّجَاهِ.
(فَلَوْ شَهِدَا) أَيْ رَجُلَانِ عَلَى شَخْصٍ عِنْدَ قَاضٍ (بِقِصَاصٍ) أَيْ بِمُوجِبِهِ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ، أَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِرِدَّةٍ أَوْ سَرِقَةٍ (فَقُتِلَ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، أَوْ قُطِعَ بَعْدَ حُكْمِ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا (ثُمَّ رَجَعَا) عَنْهَا (وَقَالَا تَعَمَّدْنَا) الْكَذِبَ فِيهَا وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُقْطَعُ بِشَهَادَتِنَا (لَزِمَهُمَا) حِينَئِذٍ (الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُمَا تَسَبَّبَا فِي إهْلَاكِهِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَأَشْبَهَ ذَلِكَ الْإِكْرَاهَ الْحِسِّيَّ. قَالَ الْإِمَامُ: بَلْ أَبْلَغُ مِنْ الْإِكْرَاهِ، لِأَنَّ الْمُكْرَهَ قَدْ يُؤْثِرُ هَلَاكَ نَفْسِهِ عَلَى سَفْكِ دَمٍ مُحَرَّمٍ، وَالْقَاضِي لَا مَحِيصَ لَهُ عَنْ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهَا.
أَمَّا إذَا قَالَا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَا مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِمَا ذَلِكَ لِقُرْبِ عَهْدِهِمَا بِالْإِسْلَامِ، أَوْ بُعْدِهِمَا عَنْ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ بَلْ دِيَةُ شِبْهِ عَمْدٍ كَمَا ذَكَرَاهُ فِي بَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَكَذَا لَوْ قَالَا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا لِظُهُورِ أُمُورٍ فِينَا تَقْتَضِي رَدَّهَا، وَلَكِنَّ الْحَاكِمَ قَصَّرَ فَتَجِبُ دِيَةُ شِبْهِ عَمْدٍ. قَالَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ. اهـ.
وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ فَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِهِمَا كَمَنْ رَمَى سَهْمًا إلَى شَخْصٍ وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ قَصَدَهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَبْلُغُهُ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ يَرِدُ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ: تَعَمَّدْنَا مَا لَوْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا تَعَمَّدْتُ وَلَا أَعْلَمُ حَالَ صَاحِبِي،
وَكَذَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى تَعَمَّدْتُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمَا الْقِصَاصُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمَا هُوَ رُجُوعُهُمَا مَعَ اعْتِرَافِهِمَا بِالتَّعَمُّدِ لَا كَذِبُهُمَا حَتَّى لَوْ تَيَقَّنَّا كَذِبَهُمَا بِأَنْ شَاهَدْنَا الْمَشْهُودَ بِقَتْلِهِ حَيًّا فَلَا قِصَاصَ لِجَوَازِ أَنَّهُمَا لَمْ يَتَعَمَّدَا وَلَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ،
فَإِنْ قَالَ تَعَمَّدْتُ أَنَا وَصَاحِبِي فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَإِلَّا فَلَا. ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ قَوْلَهُ
(فَلَوْ شَهِدَا) عَلَى رَجُلٍ (بِقِصَاصٍ) أَيْ بِمُوجِبِهِ (فَقُتِلَ) بِأَنْ حَكَمَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا (ثُمَّ رَجَعَا) عَنْهَا (وَقَالَا تَعَمَّدْنَا الْكَذِبَ) فِيهَا (لَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الْوَلِيُّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا) فِيهَا أَيْ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا وَعَلَى الْوَلِيِّ الْقِصَاصُ وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا بَعْدُ تَعَمَّدْنَا وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا،
فَإِنْ قَالَا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهَا فَإِنْ كَانَا مِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِهِمَا أَوْ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ فَشِبْهُ عَمْدٍ،
قَوْلُهُ: (عَلَى رَجُلٍ) وَهُوَ أَوْلَى مِنْ شَخْصٍ لِإِطْلَاقِ الْقِصَاصِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِقِصَاصٍ) وَيُسَمَّى قَوَدًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُودُونَ الْجَانِيَ بِحَبْلٍ وَنَحْوِهِ لِمَحَلِّ قَتْلِهِ، وَالْقِصَاصُ مِنْ الْقَصِّ وَهُوَ الْقَطْعُ وَمِنْهُ الْمِقَصُّ أَوْ مِنْ قَصَّ الْأَثَرَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَا تَعَمَّدْنَا) فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا أَخْطَأَ صَاحِبِي، أَوْ أَخْطَأْت أَوْ أَخْطَأْنَا أَوْ قَالَا أَخْطَأْنَا، فَلَا قَوَدَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا اُقْتُصَّ مِنْهُ قَالَ تَعَمَّدْت وَتَعَمَّدَ صَاحِبِي وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (بِعِلْمِهِ) أَيْ حَالَةَ الْقَتْلِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلِمْنَا إلَخْ) جَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ قَيْدًا وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ مَا بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يُخَصَّ بِمَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَالَا) وَكَذَا لَوْ سَكَتَا فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ بِالْأَوْلَى خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ. نَعَمْ لَوْ قَالَا ظَهَرَ لَنَا مَا يَقْتَضِي رَدَّ الشَّهَادَةِ فَالْقَاضِي هُوَ الْمُقَصِّرُ وَعَلَيْهِمَا دِيَةُ الْعَمْدِ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هُنَا لِأَجْلِ بَيَانِ السَّبَبِ وَإِلَّا فَسَتَأْتِي فِي رُجُوعِ الشَّاهِدِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى، وَمَعَهَا رُجُوعُ الْمُزَكِّي وَرُجُوعُ الْقَاضِي اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ شَهِدَا بِقِصَاصٍ إلَخْ) . قَالَ الزَّرْكَشِيُّ
أَمَّا لَوْ تَوَقَّفَ الْحَاكِمُ فِي الْحَادِثَةِ فَرَوَى لَهُ فِيهَا عَدْلٌ خَبَرًا فَقَتَلَهُ ثُمَّ رَجَعَ الرَّاوِي وَقَالَ تَعَمَّدْت الْكَذِبَ فَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيّ يَنْبَغِي وُجُوبُ الْقَوَدِ كَالشَّاهِدِ،
وَقَالَ الْقَفَّالُ وَالْإِمَامُ بِالْمَنْعِ فَإِنَّ الْخَبَرَ لَا يَخْتَصُّ بِالْوَاقِعَةِ حَكَى ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ قُبَيْلَ الدِّيَاتِ،
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ) قَالَ الْإِمَامُ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ الْإِكْرَاهِ فَإِنَّ الْمُكْرَهَ قَدْ يَحْتَرِزُ وَيُؤَثِّرُ هَلَاكَ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي مَحِيصٌ عَنْ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ رُجُوعُهُمَا مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالتَّعَمُّدِ لَا كَذِبُهُمَا حَتَّى لَوْ شَاهَدْنَا الْمَشْهُودَ بِقَتْلِهِ حَيًّا، فَلَا قِصَاصَ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ التَّعَمُّدِ
قَوْلُهُ: (أَيْ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّهُمَا لَمْ يُلْجِئَا الْوَلِيَّ لِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حِسًّا وَلَا شَرْعًا فَصَارَ قَوْلُهُمَا شَرْطًا مَحْضًا كَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْقَتْلِ،
قال: (فلو شهدا بقصاص فقتل ثم رجعا وقالا: تعمدنا .. لزمهما القصاص) ؛ لما روى البخاري تعليقًا، والشافعي والبيهقي [١٠/ ٢٥١] مسندًا: أن رجلين شهدا عند علي رضي الله عنه على رجل بسرقة فقطعه، ثم رجعا عن شهادتهما فقال:(لو أعلم أنكما تعمدتما .. لقطعت أيديكما).
ولأنه سبب يفضي إلى الهلاك غالبًا في شخص معين فأوجب القصاص كالإكراه الحسي، بل جعله الإمام أبلغ من الإكراه؛ لأن المكره قد يؤثر هلاك نفسه على سفك دم محرم، والقاضي لا محيص له عن الحكم بشهادتهما،
وكذلك لو شهدا على طرف أو شهدا بردة أو بسرقة فقطع ثم رجعا عن الشهادة،
فإن سرى .. فعليهم القصاص في النفس.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.