وهي صاع من غالب قوت بلده وحرم تأخيرها عن يومه.
الشروح عليها
وهي صاع من غالب قوت بلده وحرم تأخيرها عن يومه. وهي أي زكاة الفطر صاع وهو أربعة أمداد والمد رطل وثلث وقدره جماعة بحفنة بكفين معتدلين عن كل واحد من غالب قوت بلده أي بلد المؤدى عنه.
فلا تجزئ من غير غالب قوته أو قوت مؤد أو بلده لتشوف النفوس لذلك ومن ثم وجب صرفها لفقراء بلده مؤدى عنه فإن لم يعرف كأبق ففيه آراء: منها: إخراجها حالا ومنها: أنها لا تجب إلا إذا عاد
وفي قول: لا شيء.
فرع لا تجزئ قيمة ولا معيب ولا مسوس ومبلول أي إلا إن جف وعاد لصلاحية الادخار والاقتيات ولا اعتبار لاقتياتهم المبلول إلا أن فقدوا غيره فيجوز.
وحرم تأخيرها عن يومه أي العبد بلا عذر كغيبة مال أو مستحق.
ويجب القضاء فورا لعصيانه.
ويجوز تعجيلها من أول رمضان.
ويسن أن لا تؤخر عن صلاة العيد بل يكره ذلك نعم يسن تأخيرها لانتظار نحو قريب أو جار ما لم تغرب الشمس.
(قوله: وهي الخ) المناسب وهو، بضمير المذكر العائد على ما يخرجه الذي هو أقرب مذكور.
(وقوله: صاع) أي نبوي.
ومعياره موجود، وهو قد حان بالكيل المصري، وينبغي أن يزيد شيئا يسير الاحتمال اشتماله على طين أو تبن أو نحو ذلك.
وقد ذكر القفال الشاشي في محاسن الشريعة معنى لطيفا في إيجاب الصاع، وهو أن الناس تمتنع غالبا من الكسب في العيد وثلاثة أيام بعده، ولا يجد الفقير من يستعمله فيها، لأنها أيام سرور وراحة عقب الصوم.
والذي يتحصل من الصاع عند جعله خبزا ثمانية أرطال من الخبر، فإنه خمسة أرطال وثلث - كما سيأتي - ويضاف إليه نحو الثلث من الماء، فيكفي المجموع الفقير في أربعة الأيام، كل يوم رطلان.
وفي هذه الحكمة نظر، لأن الصاع لا يختص به شخص واحد، بل يجب دفعه للأصناف الثمانية.
اللهم إلا أن يقال إنه نظر لقول من يجوز دفعها الواحد، ولأن ما ذكره - من كونه يضاف إليه نحو الثلث من الماء - لا يظهر في نحو التمر واللبن.
اللهم إلا أن يجاب بأن ذلك بالنظر للغالب.
(قوله: وهو) أي صاع.
(قوله: والمد رطل وثلث) أي بغدادي، وهو عند الرافعي: مائة وثلاثون درهما، وعند النووي: مائة وثمانية وعشرون وأربعة أسباع درهم.
والأصل في ذلك: الكيل.
وإنما قدر بالوزن استظهارا، وهذا فيما شأنه الكيل، ومنه اللبن.
أما ما لا يكال أصلا - كالأقط والجبن إذا كان قطعا كبارا - فمعياره الوزن لا غير - كما في الربا -
(قوله: وقدره) أي المد.
(وقوله: بحفنه) بفتح الحاء، وسكون الفاء -
قال في المصباح: وهي ملء الكفين والجمع حفنات.
مثل سجدة وسجدات.
اه.
(وقوله: بكفين الخ) متعلق بمحذوف صفة لحفنة - أي حفنة كائنة بكفي رجل معتدلين - فلا يعتبر صغرهما جدا، ولا كبرهما كذلك.
(قوله: عن كل واحد) متعلق بمحذوف صفة لصاع، أي صاع واجب عن كل واحد.
وذكر هذا - مع أن قوله المار عمن تلزمه نفقته يغني عنه - ليفيد تخصيص الصاع بواحد، ولا يجزئ عن أكثر من واحد.
(قوله: من غالب قوت بلده) متعلق بمحذوف صفة لصاع أيضا.
والمراد بالغالب: غالب قوت السنة، لا غالب قوت وقت الوجوب، فأهل الأرياف الذين يقتاتون الذرة في غالب السنة، والقمح ليلة العيد - مثلا - يجب عليهم الذرة.
وأهل مصر يجب عليهم القمح،
فإن غلب في بعض البلد جنس،
وفي بعضها جنس آخر، أجزأ أدناهما في ذلك الوقت.
(قوله: أي بلد المؤدى عنه) أي نفسه أو ممونه، ومحل اعتبار بلده: إن كان قوته مجزئا،
فإن لم يكن مجزئا اعتبر أقرب المحال إليه، ويدفع زكاته لأهله،
فإن كان بقربه محلان متساويان قربا، تخير بينهما.
(قوله: فلا تجزئ) أي الزكاة.
(قوله: من غير غالب قوته) أي بلد المودى عنه، وهذا محترز قوله غالب.
وفي بعض النسخ: من غالب قوته - بحذف لفظ غير - وعليه، يكون محترز بلده، ويكون ضمير قوته عائدا على المؤدى عنه، وهذا هو الموافق لعبارة فتح الجواد، وشرح الروض.
ونص الأولى: فلا تجزئ من غالب قوته أو قوت مؤد أو بلده.
اه.
ونص الثانية مع الأصل فالواجب غالب قوت بلد المؤدى عنه لا غالب قوت المؤدى عنه، أو المؤدي، أو بلده، كثمن المبيع.
اه.
(قوله: أو قوت مؤد) معطوف على لفظ غير على النسخ التي بأيدينا وعلى قوته على ما في بعض النسخ، والمعنى على الأول: ولا تجزئ من قوت المؤدي - بكسر الدال -.
والمعنى على الثاني: ولا تجزئ من غالب قوت المؤدي - بكسرها أيضا -.
(وقوله: أو بلده) أي المؤدي، وهذا ما قبله محترز الضمير في قوت بلده العائد على المؤدى عنه.
(قوله: لتشوف النفوس) أي نفوس المستحقين، وهو علة لوجوب كون الصاع من غالب قوت بلد المؤدى عنه، وعدم إجزاء غيره، أي وإنما وجب ما ذكر ولم يجزئ غيره، لتشوف نفوس المستحقين - أي انتظارها، وتطلعها لذلك - أي غالب قوت ما ذكر، لا لغيره.
(قوله: ومن ثم) أي ومن أجل تشوف النفوس لذلك.
(قوله: وجب صرفها لفقراء بلد مؤدى عنه) أي إذا اختلف بلد المؤدى عنه - بفتح الدال - وبلد المؤدي - بكسرها - بأن كان الرقيق أو الزوجة مثلا ببلد، والسيد أو الزوج ببلد آخر، صرفت من غالب قوت بلد الرقيق أو الزوجة على مستحقي بلديهما، لا بلد السيد أو الزوج، لتشوف نفوسهم لذلك.
قال ع ش: وهل يجب عليه التوكيل في زمن - بحيث يصل الخبر إلى الوكيل فيه قبل مجئ وقت الوجوب - أم لا؟ فيه نظر.
والأقرب: الثاني.
اه.
(قوله: فإن لم يعرف) أي المؤدى عنه: أي بلده.
وهذا مقابل لمحذوف قيد لقوله وجب صرفها إلخ، وهو أن عرف.
(قوله: كآبق) أي لم يعلم محله الذي هو فيه،
أما إذا علم تعين قولا واحدا - كما تقدم -.
ودخل تحت الكاف: منقطع الخبر - الذي لم يدر محله - من قريب أو زوجة.
(قوله: ففيه آراء) أي ففي وجوب صرف فطرته أقوال.
(واعلم) أنه في المنهاج أجرى الآراء المذكورة فيمن انقطع خبره، وشارحنا أجراها فيمن لم يعرف محله.
والظاهر أنهما متلازمان، فلا خلف بين العبارتين، وذلك لأنه يلزم من عدم معرفة محله انقطاع خبره، وبالعكس.
(قوله: منها) أي من تلك الآراء، وهذا هو المعتمد.
(قوله: إخراجها حالا) أي ليلة العيد ويومه.
قال في التحفة: واستشكل وجوبها حالا بأنها تجب لفقراء بلد المؤدى عنه، وذلك متعذر.
وتردد الأسنوي وغيره بين استثنائها، أي من اعتبار فقراء بلد المؤدى عنه وإخراجها في آخر بلد عهد وصوله إليه، لأن الأصل بقاؤها فيها وإعطاؤها للقاضي، لأن له نقلها وتفرقتها، أي ما لم يفوض قبضها لغيره.
والذي يتجه في ذلك أنه يدفع البر للقاضي ليخرجه في أي محال ولايته شاء، وتعين البر لإجزائه هنا على كل تقدير، لما يأتي أنه يجزئ عن غيره، وغيره لا يجزئ عنه،
فإن تحقق خروجه - أي المؤدي عنه - عن محل ولاية القاضي فالإمام.
فإن تحقق خروجه عن محل ولايته أيضا بأن تعدد المتغلبون ولم ينفذ في كل قطر إلا أمر المتغلب فيه - فالذي يظهر أنه يتعين الاستثناء للضرورة حينئذ.
اه.
بتصرف.
(قوله: منها) أي الآراء.
(وقوله: لا تجب إلا إذا عاد) أي المؤدي عنه إلى بلد المؤدي - كزكاة المال الغائب - وأجاب صاحب الرأي الأول بأن التأخير إنما جوز هناك للنماء، وهو غير معتبر في زكاة الفطر.
(قوله: وفي قول إلخ) المناسب لما قبله أن يقول: ومنها أنه الخ.
(قوله: لا شئ) أي يجب مدة غيابه، لأن الأصل براءة الذمة.
نعم، يلزمه إذا عاد الإخراج لما مضى - كذا قبل - تفريعا على الثالث، وفيه نظر، لأنه يلزمه عليه اتحاده مع الثاني، إلا أن يقال ظاهر كلامهم - بل صريحه - أنها على الثاني وجبت.
وإنما جاز له التأخير إلى عوده رفقا به لاحتمال موته، فعليه - لو أخرجها عنه في غيبته أجزأه لو عاد،
وأما على الثالث: فلا يخاطب بالوجوب أصلا، ما دام غائبا، فلا يجزئ الإخراج حينئذ.
فإن عاد خوطب بالوجوب الآن - للحال،
ولما مضى - وحينئذ فالفرق بين القولين ظاهر.
اه.
تحفة.
(قوله: لا تجزئ قيمة) أي لصاع الفطرة بالاتفاق عندنا، فيتعين إخراج الصاع من الحب أو غيره من القوت الغالب.
(قوله: ولا معيب) أي ولا يجزئ إخراج صاع معيب - بنحو غش، أو سوس - أو قدم غير طعمه أو لونه أو ريحه، فيتعين إخراج صاع سليم من العيب.
(قوله: ومسوس) بكسر الواو المشددة، وهو معطوف على معيب، من عطف الخاص على العام.
وعبارة التحفة: ومعيب ومنه مسوس.
اه.
(قوله: ومبلول) أي ولا يجزئ حب مبلول بماء أو غيره.
(قوله: أي إلا إن جف) أي المبلول ولا حاجة لذكر أي التفسيرية
(قوله: وعاد) أي بعد جفافه.
(وقوله: لصلاحية الادخار) الإضافة للبيان، أي صلاحية هي الادخار والاقتيات،
فلو لم يعد لذلك لا يجزئ إخراجه.
(قوله: ولا اعتبار لاقتياتهم المبلول) مثله غيره من كل معيب.
(وقوله: إلا إن فقدوا غيره فيجوز) الذي في التحفة والنهاية والمغنى: أنه إذا لم يوجد في البلد قوت مجزئ، أخرج المجزئ من غالب قوت أقرب البلاد إليه.
وعبارة التحفة: والذي يوافق كلامهم أنه يلزمه إخراج السليم من غالب قوت أقرب المحال إليهم، وقد صرحوا بأن ما لا يجزئ لا فرق بين أن يقتاتوه،
وأن لا، ولا نظر إلى ما هو من جنس ما يقتات وغيره كالمخيض، لأن قيام مانع الإجزاء به صيره كأنه من غير الجنس.
اه.
وكتب سم: قوله إخراج السليم: لو فقد السليم من الدنيا، فهل يخرج من الموجود، أو ينتظر وجود السليم، أو يخرج القيمة؟ فيه نظر.
والثاني قريب.
اه.
وقال ع ش: توقف فيه - أي في كلام سم - شيخنا،
وقال: الأقرب الثالث، أخذا مما تقدم فيما لو فقد الواجب من أسنان الزكاة من أنه يخرج القيمة، ولا يكلف الصعود عنه، ولا النزول مع الجيران.
اه.
(قوله: وحرم تأخيرها) أي الفطرة، أي إخراجها.
وذلك لأن القصد إغناء المستحقين في يوم العيد، لكونه يوم سرور.
(قوله: بلا عذر) فإن وجد لم يحرم التأخير.
قال ع ش: ليس من العذر هنا انتظار الأحوج.
(قوله: كغيبة مال الخ) تمثيل للعذر، وظاهر كلامه أنه لا فرق في غيبة ماله بين أن تكون لمرحلتين أو دونها.
وعبارة التحفة:(تنبيه) ظاهر قولهم هنا كغيبة مال: أن غيبته مطلقا لا تمنع وجوبها، وفيه نظر - كإفتاء بعضهم أنها تمنعه مطلقا، أخذا مما في المجموع أن زكاة الفطر إذا عجز عنها وقت الوجوب لا تثبت في الذمة.
والذي يتجه في ذلك تفصيل يجتمع به أطراف كلامهم، وهو أن الغيبة إن كانت لدون مرحلتين لزمته، لأنه حينئذ كالحاضر، لكن لا يلزمه الاقتراض، بل له التأخير إلى حضور المال.
وعلى هذا يحمل قولهم كغيبة مال أو لمرحلتين،
فإن قلنا بما رجحه جمع متأخرون - أنه يمنع أخذ الزكاة، لأنه غني - كان كالقسم الأول، أو بما عليه الشيخان - أنه كالمعدوم فيأخذها - لم تلزمه الفطرة، لأنه وقت وجوبها فقير معدم، ولا نظر لقدرته على الاقتراض لمشقته - كما صرحوا به.
اه.
(قوله: أو مستحق) معطوف على مال، أي وكغيبة مستحق.
(قوله: ويجب القضاء فورا) أي فيما إذا أخرها بلا عذر.
(وقوله: لعصيانه) أي بتأخيرها.
قال في التحفة: ومنه يؤخذ أنه لو لم يعص به - لنحو نسيان - لا يلزمه الفور، - وهو ظاهر - كنظائره.
اه.
قال سم: نعم، إن انحصر المستحقون وطالبوه وجب الفور.
كما لو طولب الموسر بالدين الحال.
اه.
(قوله: ويجوز تعجيلها من أول رمضان) أي لأن السبب الأول - وهو جزء من رمضان - غير معين، فجاز تعجيلها من أوله.
(قوله: ويسن أن لا تؤخر) أي الفطرة - أي إخراجها - عن صلاة العيد، فالسنة إخراجها قبل صلاة العيد للاتباع.
وهذا جري على الغالب من فعل الصلاة أول النهار،
فإن أخرت استحب الأداء أول النهار.
(قوله: بل يكره ذلك) أي تأخيرها عن صلاة العيد.
قال في التحفة: للخلاف القوي في الحرمة حينئذ.
وقد صرحوا بأن الخلاف في الوجوب يقتضي كراهة الترك، فهو في الحرمة يقتضي كراهة الفعل.
اهـ
(قوله: نعم، يسن الخ) استدراك على كراهة التأخير.
(والحاصل) أن للفطرة خمسة أوقات: وقت جواز، ووقت وجوب، ووقت فضيلة، ووقت كراهة، ووقت حرمة.
فوقت الجواز أول الشهر.
ووقت الوجوب إذا غربت الشمس.
ووقت فضيلة قبل الخروج إلى الصلاة.
ووقت كراهة إذا أخرها عن صلاة العيد - إلا لعذر من انتظار قريب، أو أحوج - ووقت حرمة إذا أخرها عن يوم العيد - بلا عذر -
(وقوله: لانتظار نحو قريب أو جار) دخل تحت نحو الصديق، والصالح، والأحوج.
(قوله: ما لم تغرب الشمس) أي يسن تأخيرها مدة عدم إخراج وقتها، وهو بغروب الشمس.
فإن خرج وقتها أثم بذلك.
وفي سم ما نصه: عبارة الناشري لو أخر الأداء إلى قريب الغروب - بحيث يتضيق الوقت - فالقياس أنه يأثم بذلك.
لأنه لم يحصل الإغناء عن الطلب في ذلك اليوم، إلا أن يؤخرها لانتظار قريب أو جار، فقياس الزكاة أنه لا يأثم ما لم يخرج الوقت.
اه.
(تتمة) من وجد بعض الواجب عليه قدم نفسه، لخبر الشيخين: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول.
وخبر مسلم: إبدأ بنفسك فتصدق عليها،
فإن فضل شئ فلأهلك، فإن فضل شئ فلذي قرابتك.
ثم زوجته - لأن نفقتها آكد - ثم ولده الصغير - لأنه أعجز ونفقته منصوصة مجمع عليها - ثم الأب وإن علا - لشرفه - ثم الأم كذلك - لولادتها - ثم الولد الكبير الفقير، ثم الأرقاء.
وفي ع ش ما نصه
(فرع) خادم الزوجة - حيث وجبت فطرتها - يكون في أي مرتبة ينبغي أن يكون بعد الزوجة، وقبل سائر من عداها، حتى ولده الصغير وما بعده، لأنها وجبت بسبب الزوجية المقدمة على سائر من عداها.
اه.
والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في أداء الزكاة أي في بيان حكم الأداء من كونه فوريا أو لا، والمراد بالأداء: دفع الزكاة لمستحقيها.
وبالزكاة: زكاة المال - كما قيد به في المنهج وغيره - لأن غالب ما يأتي في هذا الفصل من الأحكام يتعلق بها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.