ويصح رهن بإيجاب وقبول من أهل تبرع ولو عارية,
الشروح عليها
ويصح رهن بإيجاب وقبول من أهل تبرع ولو عارية, كان ضامنا على الأوجه للحاجة: كألق متاعك في البحر وعلي ضمانه.
وقال البغوي: لو ادعى المالك القرض والآخذ الوديعة: صدق الآخذ لأن الأصل: عدم الضمان خلافا للأنوار.
ويصح رهن وهو جعل عين يجوز بيعها وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه فلا يصح رهن وقف
وأم ولد.
بإيجاب وقبول كرهنت وأرتهنت
ويشترط ما مر في البيع من اتصال اللفظين وتوافقهما معنى ويأتي هنا خلاف المعاطاة من أهل تبرع فلا يرهن ولي أبا كان أو جدا أو وصيا أو حاكما مال صبي ومجنون كما لا يرتهن لهما إلا لضرورة أو غبطة ظاهرة فيجوز له الرهن والارتهان كأن يرهن على ما يقترض لحاجة المؤنة ليوفي مما ينتظر من الغلة أو حلول الدين وكأن يرتهن على ما يقرضه أو يبيعه مؤجلا لضرورة نهب أو نحوه للزوم الارتهان حينئذ.
ولو كان العين المرهونة جزءا مشاعا أو عارية وإن لم يصرح بلفظها كأن قال له مالكها: ارهنها بدينك لحصول التوثق بها.
ويصح إعارة النقد لذلك على الأوجه وإن منعنا إعارته لغير ذلك فيصح رهن معار بإذن مالك بشرط معرفته المرتهن وجنس الدين وقدره نعم في الجواهر لو قال له ارهن عبدي بما شئت: صح أن يرهنه بأكثر من قيمته.
انتهى.
(قوله: كان ضامنا على الأوجه)
في شرح البهجة ما نصه: (فرع) لو قال: أقرض هذا مائة وأنا ضامن لها، فأقرضه المائة، أو بعضها، لزمه الضمان.
قاله الماوردي.
قال الزركشي: ولعله أراد به ما أرادوه بقوله: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، لكن ذاك جوز للحاجة.
اه.
وما قاله الماوردي هنا - من صحة الضمان - مفرع على القديم.
وقال في باب الضمان بعدم صحته - وهو الجديد -، وصححه الناظم كالشخين.
اه.
(قوله: كألق متاعك في البحر وعلي ضمانه) أي فيكون الآخر ضامنا له إذا ألقي وتلف، لكن يشترط في الضمان أن يقول له ذلك عند الإشراف على الغرق أو القرب منه.
ولم يختص نفع الإلقاء بالملقي - كما صرح بذلك في متن المنهاج،
في باب الديات - وعبارته مع التحفة هناك: ولو قال لغيره: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، أو على أني ضامن له، فألقاه وتلف، ضمنه المستدعى - وإن لم تحصل النجاة - لأنه التماس لغرض صحيح بعوض، فلزمه.
ولو اقتصر على قوله ألق متاعك، ولم يقل وعلي ضمانه، أو على أني ضامن، فلا يضمنه - على المذهب - لعدم الالتزام.
وإنما يضمن ملتمس لخوف غرق،
فلو قال في الأمن ألقه وعلي ضمانه: لم يضمنه، إذ لا غرض.
ولم يختص نفع الإلقاء بالملقي بأن اختص بالملتمس، أو به بالمالك، أو بغيرهما، أو بالمالك وأجنبي، أو بالملتمس وأجنبي، أو عم الثلاثة -
بخلاف ما لو اختص بالمالك وحده، بأن أشرفت سفينة وبها متاعه على الغرق، فقال له من بالشط أو سفينة أخرى: ألق متاعك وعلي ضمانه، فلا يضمنه، لأنه وقع لحظ نفسه، فكيف يستحق به عوضا؟ اه.
بحذف.
(قوله: لو ادعى المالك إلخ) يعني لو اختلف الدافع والآخذ في المال الذي أخذه وقد تلف، فقال الدافع إنه قرض فعليك الضمان،
وقال الآخذ إنه وديعة فليس علي شئ، فإنه يصدق الآخذ، لأن الأصل عدم الضمان
(وقوله: خلافا للأنوار) أي في قوله إن المصدق المالك.
(قوله: ويصح رهن) شروع في القسم الثاني من الترجمة (واعلم) أن الوثائق بالحقوق ثلاثة: شهادة، ورهن، وضمان.
فالأولى لخوف الجحد، والآخران لخوف الإفلاس.
وأن أركان الرهن أربعة: عاقد، ومرهون، ومرهون به، وصيغة.
وقد اشتمل تعريف الرهن المذكور عليها كلها (فقوله: وهو جعل) يشير للعاقد وللصيغة.
(وقوله: عين) يشير للمرهون.
(وقوله: بدين) يشير للمرهون به.
(قوله: وهو) أي الرهن شرعا.
أما لغة: فهو الثبوت.
وقوله جعل عين: مصدر مضاف لمفعوله بعد حذف الفاعل، تقديره جعل المالك - أو من قام مقامه - عينا.
وخرج بها: الدين، فلا يصح رهنه،
ولو ممن هو عليه، لأنه غير مقدور على تسليمه.
وخرج أيضا: المنفعة، فلا يصح رهنها، لأن المنفعة تتلف، فلا يحصل بها استيثاق.
(وقوله: يجوز بيعها) أي يصح.
وخرج به ما لا يصح بيعها - كوقف ومكاتب، وأم ولد -
(وقوله: وثيقة بدين) أي ولو منفعة.
وخرج بالدين: العين، فلا يصح الرهن على العين - مضمونة كانت: كالمغصوبة والمستعارة، أو غير مضمونة: كمال القراض والمودع - وذلك لأنه تعالى ذكر الرهن في المداينة، فلا يثبت في غيرها، ولأنها لا تستوفى من ثمن المرهون، وذلك مخالف لغرض الرهن عند البيع.
(وقوله: يستوفى منها) أي يستوفي ذلك الدين من العين - أي من ثمنها - وهذا ليس من التعريف، بل بيان لفائدته.
ومن - في قوله منها - للابتداء، لا للتبعيض، لأنه يقتضي اشتراط أن تكون قيمة العين المرهونة زائدة على الدين، مع أنه لا يشترط.
(وقوله: عند تعذر وفائه) متعلق بيستوفى، وهو ليس بقيد.
والضمير - في وفائه - عائد على جنس الدين، الصادق ببعضه.
- كذا في البجيرمي -.
(قوله: فلا يصح رهن وقف وأم ولد) أي لأنه لا يجوز بيعهما.
(قوله: بإيجاب وقبول) متعلق بيصح، وهو بيان للصيغة - التي هي أحد أركان الرهن السابقة -.
ومثل الإيجاب: الاستيجاب - كارهني.
(قوله: كرهنت) هذا هو الإيجاب.
(وقوله: وارتهنت) هذا هو القبول.
(قوله: ويشترط ما مر في البيع) وذلك لأنه عقد مالي، مثل البيع.
(قوله: من اتصال اللفظين) بيان لما مر.
والمراد باتصالهما: عدم تخلل كلام أجنبي أو سكوت طويل بينهما.
والمراد باللفظين: الإيجاب، والقبول - وهما جزآ الصيغة.
ومما مر أيضا في البيع: عدم التعليق، وعدم التأقيت.
(قوله: وتوافقهما معنى) أو ومن التوافق بين اللفظين في المعنى،
فلو اختلفا فيه - كأن قال رهنتك هذا بألف فقبل بخمسمائة، أو قال رهنتك هذين فقيل أحدهما - لم يصح.
وفي ع ش ما يخالفه، وعبارته: قوله: كنظيره في البيع - يفيد أنه لو قال رهنتك هذين فقبل أحدهما: لم يصح العقد - نظير ما مر في القرض -.
وقد يفرق بأن هذا تبرع محض، فلا يضر فيه عدم موافقة القبول للإيجاب - كالهبة - وقياسه أيضا أنه لو قال رهنتك هذا بألف فقبل بخمسمائة: الصحة.
اه.
بحذف.
(قوله: ويأتي هنا) أي في الرهن.
(وقوله: خلاف المعاطاة) أي الخلاف في جواز البيع بالمعاطاة، فأجازها بعضهم هنا ومنعها آخرون.
قال في المغني: وصورة المعاطاة هنا - كما ذكره المتولي - أن يقول أقرضني عشرة لأعطيك ثوبي هذا رهنا، فيعطي العشرة، ويقبضه الثوب.
اه.
(قوله: من أهل تبرع) متعلق بمحذوف صفة لما قبله، أي إيجاب وقبول صادرين من أهل تبرع، أو متعلق بيصح، أي يصح رهن من أهل تبرع - وهذا بيان للركن الثاني، وهو العاقد، موجبا كان أو قابلا -.
والمراد بأهلية التبرع: أهلية التبرع المطلق، وهي تستلزم الرشد والاختيار - كما تقدم في القرض - فيخرج الصبي، والمجنون، والمحجور عليه بالسفه، والمكره.
(قوله: فلا يرهن ولي) مفرع على المفهوم، وإنما لم يصح رهنه لأنه يحبسه من غير عوض، وهو لا يصح.
(قوله: أو جدا) أي عند فقد الأب.
(وقوله: أو وصيا) أي عمن تأخر موته منهما.
(وقوله: أو حاكما) أي عند فقد الثلاثة.
اه.
بجيرمي.
(قوله: مال صبي ومجنون) أي أو سفيه،
ولو قال: مال محجوره لكان أولى.
(قوله: كما لا يرتهن لهما) أي لا يجوز رهن الولي مال موليه - كما أنه لا يجوز له ارتهانه - وذلك لأنه في حالة الاختيار لا يصح أن يبيع مال موليه إلا بحال مقبوض، ولا يقرض إلا القاضي - كما مر -
(قوله: إلا لضرورة إلخ) استثناء من عدم جواز الرهن والارتهان، فهو مرتبط بما قبل التنظير وما بعده.
(قوله: أو غبطة ظاهرة) احترز بذلك عما لو اشترى متاعا بمائة مؤجلة، وهو يساوي مائة حالة،
فإن الغبطة في هذه الصورة موجودة، لكنها لا تظهر لكل أحد.
عزيزي، وعبارة الشوبري: أو غبطة ظاهرة، سيأتي في شركة أن الغبطة: مال له وقع - أي قدر - لا يتسامح أي لا يتساهل به.
فانظر ما مفاد قوله ظاهرة؟ ويجاب بأن معنى قوله ظاهرة: أي محققة للولي.
اه بجيرمي.
(قوله: فيجوز له) أي للولي، وهو تفريع على الاستثناء.
(قوله: كأن يرهن إلخ) مثل للرهن والارتهان للضرورة، ولم يمثل لهما للغبطة.
فمثال الرهن لها: أن يرهن ما يساوي مائة على ثمن ما اشتراه بمائة نسيئة، وهو يساوي مائتين.
ومثال الارتهان لها: أن يرتهن على ما يبيعه نسيئة بمائتين، وهو يساوي مائة.
قال في فتح الجواد: وشرط صحة بيعه نسيئة - مع ما ذكر من غبطة وارتهان - أمانة مشتر، وغناء ووفاء الرهن بالثمن، وقصر الأجل،
وكذا إشهاد عند جماعة - وهو متجه مدركا، لكن الجمهور على أنه لا بطلان بتركه.
اه.
(قوله: ما يقترض) بالبناء للفاعل، العائد محذوف
ويصح بالبناء للمجهول، وعليه لا حذف وقوله لحاجة المؤنة الإضافة للبيان والمراد الحاجة الشديدة ليلائم قوله إلا لضرورة، وبهذا يندفع ما يقال الحاجة أعم من الضرورة، فإنها تشمل التفكه وثياب الزينة مثلا.
اه.
بجيرمي بالمعنى.
(قوله: ليوفي) أي ما يقترض، فهو بالبناء للمجهول.
ويصح بالبناء للفاعل، ومفعوله محذوف، أي ليوفي المقترض ما اقترضه.
(وقوله: مما ينتظر) أي يترقب.
وهو أيضا بالبناء للمجهول، ويصح بالبناء للفاعل، والعائد محذوف.
(وقوله: من الغلة أو حلول الدين) بيان لما.
(قوله: وكأن يرتهن) معطوف على كأن يرهن.
(وقوله: على ما يقرضه) أي من مال محجوره.
(وقوله: أو يبيعه) معطوف على يقرضه.
أي أو يرتهن على ما يبيعه من مال محجوره.
ويشترط أيضا: كون المشتري أمينا - إلى آخر ما مر آنفا -
(قوله: لضرورة نهب) متعلق بيقرضه ويبيعه.
(وقوله: أو نحو) أي نحو النهب، كالسرقة.
(قوله: للزوم الارتهان حينئذ) أي حين إذا أقرض أو باع مال الصبي لضرورة النهب أو غيره.
ولا يظهر هذا التعليل لما قبله، لأن ما قبله تمثيل لجواز الارتهان للضرورة، فينحل المعنى بجواز الارتهان على ما يقرضه أو يبيعه مؤجلا لضرورة، للزوم الارتهان حينئذ، ولا يخفى ما فيه.
وعبارة المنهاج: فلا يرهن الولي مال الصبي والمجنون، ولا يرتهن لهما، إلا لضرورة، أو غبطة ظاهرة.
قال في التحفة: فيلزمه الارتهان بالثمن، وهي ظاهرة.
ولو أخر الشارح قوله: فيجوز له الرهن والارتهان - عن المثال الثاني، ثم أضرب وقال: بل يلزمه الارتهان حينئذ - لكان أولى.
ثم إنه سيأتي للشارح - في فصل الحجر - تقييد لزوم الإرتهان: بما إذا لم يكن المشتري موسرا.
ونص عبارته هناك: وله بيع ماله نسيئة لمصلحة، وعليه ارتهان بالثمن رهنا وافيا إن لم يكن المشتري موسرا.
انتهت.
(قوله: ولو كانت العين إلخ) غاية لمقدر، وهي للتعميم.
والمعنى يصح الرهن بعين، ولو كانت جزءا مشاعا بين الراهن وغيره - كأن كان يملك ربع دار مشاعا: أي ليس معينا فرهنه، فإنه يصح، وقبضه يكون بقبض الجميع - كما في البيع - فيكون بالتخلية في غير المنقول، وبالنقل في المنقول.
ويجوز رهنه على الشريك، وعلى غيره، ولا يحتاج لإذن الشريك إلا في المنقول،
فإن لم يأذن ورضي المرتهن كونه بيده: جاز، وناب عنه في القبض، وإلا أقام الحاكم عدلا يكون في يده لهما.
ولو اقتسما فخرج المرهون لشريكه: لزمه قيمته رهنا، لأنه حصل له بدله.
(قوله: أو عارية) أي ولو كانت ضمنية، كارهن عبدك عني على ديني ففعل، فإنه كما لو قبضه ورهنه.
اه.
تحفة ونهاية.
قال ع ش: يشير بهذا إلى أنه لا يشترط كون المرهون ملكا للراهن، بل يصح،
ولو معارا.
اه.
(واعلم) أن عقد العارية بعد الرهن في قول: إنه عارية - أي باق على حكمها -
وفي قول: إنه ضمان دين في رقبة ذلك الشئ، لأن الانتفاع إنما يحصل بإهلاك العين ببيعها في الدين، فهو مناف لوضع العارية، وهذا القول هو الأظهر - كما في المنهاج.
(قوله: وإن لم يصرح بلفظها) أي العارية، أي فلا يشترط أن يقول للمالك أعرني هذه لأرهنها، أو يقول هو للراهن: أعرتك هذه لترهنها.
(قوله: كأن قال إلخ) تمثيل لعدم التصريح بلفظ العارية.
(وقوله: له) أي للراهن.
(وقوله: مالكها) أي العارية.
(قوله: لحصول التوثيق بها) أي بالعارية.
وهو علة لجواز كون العين المرهونة عارية، أي وإنما جاز رهن العارية لحصول التوثق الذي هو المقصود من الرهن بها.
(قوله: ويصح إعارة النقد لذلك) أي للرهن.
قال ع ش: ثم بعد حلول الدين - إن وفى المالك: فظاهر،
وإن لم يوف: بيعت الدراهم بجنس حق المرتهن إن لم تكن من جنسه،
فإن كانت من جنسه جعلها له عوضا عن دينه بصيغة تدل على نقل الملك.
اه.
(قوله: وإن منعنا إعارته) أي النقد.
(وقوله: لغير ذلك) أي الرهن، كإعارته للنفقة، أو ليصرفه في مشترى عين.
(قوله: فيصح رهن معار إلخ) تفريع على أو عارية.
(وقوله: بإذن مالك) أي في الرهن،
فلو لم يأذن المالك فيه لا يصح رهنه.
(قوله: بشرط معرفته) أي المالك.
(وقوله: المرتهن) مفعول المصدر، ومعرفته تكون بعينه أو اسمه ونسبه - لا بوصفه فقط - كما هو ظاهر.
(وقوله: وجنس الدين) أي وبشرط معرفته جنس الدين، كذهب، وفضة.
(وقوله: وقدره) أي كعشرة، ومائة.
ولا بد من معرفته صفته أيضا - كحلول، وتأجيل، وصحة، وتكسير - وذلك لاختلاف الأغراض بذلك.
(قوله: نعم، في الجواهر) تقييد لاشتراط معرفته جنس الدين وقدره، فكأنه قال: محل اشتراط ما ذكر: ما لم يفوض الأمر إلى خيرة المدين، وإلا لم يشترط ذلك.
(وقوله: صح أن يرهنه بأكثر من قيمته)
قال في التحفة: ويؤيده ما يأتي في العارية من صحة انتفع به بما شئت.
لكن قال سم: سيأتي في العارية أن المعتمد في انتفع به بما شئت، إنه يتقيد بالمعتاد في مثله، فقياسه أنه يتقيد هنا بما يعتاد رهن مثله عليه.
اه.
وفرق ع ش: بأن الانتفاع في المعار بغير المعتاد يعود منه ضرر على المالك،
بخلاف الرهن بأكثر من قيمته لا يعود ضرر عليه، إذ غايته أن يباع في الدين، وما زاد على ثمنه باق في ذمة المستعير.
اه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.