وتؤدّى في مصرٍ في مواضع
Its commentaries
(قَوْلُهُ وَتُؤَدَّى فِي مِصْرٍ فِي مَوَاضِعَ) أَيْ يَصِحُّ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ بِمَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِي الِاجْتِمَاعِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ حَرَجًا بَيِّنًا، وَهُوَ مَدْفُوعٌ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُ إقَامَتِهَا فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فِي مَسْجِدَيْنِ وَأَكْثَرَ وَبِهِ نَأْخُذُ لِإِطْلَاقِ: لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ شَرْطُ الْمِصْرِ فَقَطْ،
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْأَصَحُّ الْجَوَازُ مُطْلَقًا خُصُوصًا إذَا كَانَ مِصْرًا كَبِيرًا كَمِصْرِ فَإِنَّ فِي إلْزَامِ اتِّحَادِ الْمَوْضِعِ حَرَجًا بَيِّنًا لِاسْتِدْعَائِهِ تَطْوِيلَ الْمَسَافَةِ عَلَى الْأَكْثَرِ وَذَكَرَ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى جَوَازِ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ جَوَازُهَا فِي مَوْضِعَيْنِ،
وَلَا يَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ اهـ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَمَا فِي الْقُنْيَةِ
وَلَمَا اُبْتُلِيَ أَهْلُ مَرْوَ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَتَيْنِ بِهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِمَا فَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ،
وَمَنْ تَابَعَهُمَا بَاطِلَتَانِ إنْ وَقَعَتَا مَعًا وَإِلَّا فَجُمُعَةُ الْمَسْبُوقِينَ بَاطِلَةٌ أُمِرَ أَئِمَّتُهُمْ بِأَدَاءِ الْأَرْبَعِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتْمًا احْتِيَاطًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نِيَّتِهَا وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَنْوِيَ آخِرَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَقُولَ نَوَيْت آخِرَ ظُهْرٍ أَدْرَكْت وَقْتَهُ، وَلَمْ أُصَلِّهِ بَعْدُ؛ لِأَنَّ ظُهْرَ يَوْمِهِ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِآخِرِ الْوَقْتِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ فَقِيلَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ فِي الْأَرْبَعِ
وَقِيلَ فِي الْأُولَيَيْنِ كَالظُّهْرِ، وَهُوَ اخْتِيَارِيٌّ،
وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنْ يُحَكِّمَ فِيهَا رَأْيَهُ وَاخْتَلَفُوا أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي الْأَرْبَعِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ بِمُرُورِ الْعَصْرِ حَسَبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي نِيَّتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَبْقِ الْجُمُعَةِ بِمَاذَا يُعْتَبَرُ إذَا اجْتَمَعَا فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فَقِيلَ: بِالشُّرُوعِ
وَقِيلَ: بِالْفَرَاغِ وَقِيلَ بِهِمَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اهـ.
مَبْنِيٌّ كُلُّهُ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْمُخَالِفِ لِلْمَذْهَبِ فَلَيْسَ الِاحْتِيَاطُ فِي فِعْلِهَا؛ لِأَنَّهُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ هُوَ الْإِطْلَاقُ
وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَمْنَعُ التَّعَدُّدَ مِنْ أَنَّهَا سُمِّيَتْ جُمُعَةً لِاسْتِدْعَائِهَا الْجَمَاعَاتِ فَهِيَ جَامِعَةٌ لَهَا فَلَا يُفِيدُهُ؛ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ مَعَ التَّعَدُّدِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ جِرْبَاشَ فِي النُّجْعَةِ فِي تَعْدَادِ الْجُمُعَةِ لَا يُقَالُ: إنَّ الْقَوْلَ بِالِاجْتِمَاعِ الْمُطْلَقِ قَوْلٌ بِالِاحْتِيَاطِ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ فِي مِثْلِهِ لِيَخْرُجَ بِهِ الْمُكَلَّفُ عَنْ عُهْدَةِ مَا كُلِّفَ بِهِ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الِاجْتِمَاعِ، وَوُجُودُ الْأَخَصِّ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْأَعَمِّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَلِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ هُوَ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ عَدَمِ جَوَازِ التَّعَدُّدِ بَلْ قَضِيَّةُ الضَّرُورَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} وَقَالَ تَعَالَى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} اهـ بِلَفْظِهِ مَعَ مَا لَزِمَ مِنْ فِعْلِهَا فِي زَمَانِنَا مِنْ الْمَفْسَدَةِ الْعَظِيمَةِ، وَهُوَ اعْتِقَادُ الْجَهَلَةِ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ لِمَا يُشَاهِدُونَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَيَظُنُّونَ أَنَّهَا الْفَرْضُ،
وَأَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَيَتَكَاسَلُونَ عَنْ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي تَرْكِهَا وَعَلَى تَقْدِيرِ فِعْلِهَا مِمَّنْ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ مِنْهَا فَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ فِي بَيْتِهِ خِفْيَةً خَوْفًا مِنْ مَفْسَدَةِ فِعْلِهَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
(قَوْلُهُ مَبْنِيٌّ كُلُّهُ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِاحْتِيَاطَ أَيْ الْخُرُوجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهَا إذَا تَعَدَّدَتْ وَفِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ حِينَئِذٍ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ والتمرتاشي وَصَاحِبُ الْمُخْتَارِ وَجَعَلَهُ الْعَتَّابِيُّ الْأَظْهَرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَقْدِسِيَّ فِي نُورِ الشَّمْعَةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ قَوْلَ الْبَدَائِعِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الْجَوَازِ فِي أَكْثَرِ مَوْضِعَيْنِ
قَالَ فِي النَّهْرِ، وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي التَّكْمِلَةِ لِلرَّازِيِّ وَبِهِ نَأْخُذُ انْتَهَى فَقَدْ حَصَلَ الشَّكُّ إذَا كَثُرَ التَّعَدُّدُ مَعَ خِلَافِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِيمَنْ يَقْضِي صَلَاةَ عُمُرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنْهَا: لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ وَذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ أَحْسَنُ إذَا كَانَ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمُجْتَهِدِينَ وَيَكْفِينَا خِلَافُ مَنْ مَرَّ وَنَقَلَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ عَنْ الْمُحِيطِ كُلُّ مَوْضِعٍ وَقَعَ الشَّكُّ فِي كَوْنِهِ مِصْرًا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا بِنِيَّةِ الظُّهْرِ احْتِيَاطًا حَتَّى أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَقَعْ الْجُمُعَةُ مَوْقِعَهَا يَخْرُجُونَ عَنْ عُهْدَةِ فَرْضِ الْوَقْتِ بِأَدَاءِ الظُّهْرِ
وَمِثْلُهُ فِي الْكَافِي، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْقُنْيَةِ وَذَكَرَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا نَقَلُوهُ وَتَدَاوَلُوهُ قَالَ: وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَأَكْثَرُ مَشَايِخِ بُخَارَى عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ بَعْدَمَا صَلَّى أَرْبَعًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ نَقَلَ لِيَخْرُجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ وَاسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ وَيَقْرَءُونَ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِهَا وَذَكَرَ عَنْ الْفَتْحِ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا يَنْوِيَ بِهَا آخِرَ فَرْضٍ أَدْرَكْت وَقْتَهُ، وَلَمْ أُؤَدِّهِ إنْ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِهِ مِصْرًا أَوْ تَعَدَّدَتْ الْجُمُعَةُ وَذُكِرَ مِثْلُهُ عَنْ الْمُحَقِّقِ ابْنِ جِرْبَاشَ قَالَ: ثُمَّ قَالَ وَفَائِدَتُهُ الْخُرُوجُ عَنْ الْخِلَافِ الْمُتَوَهَّمِ أَوْ الْمُحَقَّقِ،
وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ التَّعْدَادُ فَهِيَ نَفْعٌ بِلَا ضَرَرٍ،
ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُوهِمُ الدَّلَالَةَ عَلَى عَدَمِ فِعْلِهَا وَدَفَعَهُ بِأَحْسَنِ وَجْهٍ وَذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِي نَدْبِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ التَّعَدُّدِ خُرُوجًا عَنْ الْخِلَافِ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْبَاقَانِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ لَكِنْ بَقِيَ الْكَلَامُ فِي تَحْقِيقِ أَنَّهُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ قَالَ الْمَقْدِسِيَّ ذَكَرَ ابْنُ الشِّحْنَةِ عَنْ جَدِّهِ التَّصْرِيحَ بِالنَّدْبِ وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ
أَمَّا عِنْدَ قِيَامِ الشَّكِّ وَالِاشْتِبَاهِ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الْأَرْبَعِ وَنَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ الْهُمَامِ مَا يُفِيدُهُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهَا هَلْ تُجْزِي عَنْ السُّنَّةِ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَ قِيَامِ الشَّكِّ لَا وَعِنْدَ عَدَمِهِ نَعَمْ وَيُؤَيِّدُ التَّفْصِيلَ تَعْبِيرُ التُّمُرْتَاشِيِّ بِلَا بَدْءٍ وَكَلَامُ الْقُنْيَةِ الْمَذْكُورُ اهـ.
وَتَمَامُ تَحْقِيقِ الْمَقَامِ فِي رِسَالَةِ الْمَقْدِسِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ ذَكَرَ شَذْرَةً مِنْهَا فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَفْعِ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ عَدَمِ طَلَبِ فِعْلِهَا نَعَمْ إنْ أَدَّى إلَى مَفْسَدَةٍ لَا يُفْعَلُ لَكِنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ عَدَمِهَا؛ وَلِذَا قَالَ الْمَقْدِسِيَّ نَحْنُ لَا نَأْمُرُ بِذَلِكَ أَمْثَالَ هَذِهِ الْعَوَامّ بَلْ نَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَوَاصَّ، وَلَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ هُوَ الْعَمَلُ إلَخْ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ،
وَفِي بَعْضِهَا؛ لِأَنَّ بِدُونِ وَاوِ الْعَطْفِ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ لَا يُقَالُ وَقَوْلُهُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ إلَخْ لَيْسَ جَوَابَهُ بَلْ هُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ لِيُخْرِجَ.
[شُرُوط صِحَّة الْجُمُعَة]
(وتؤدى) الجمعة (في مصر في مواضع) منه رواه محمد عن الإمام، وهو الصحيح،
وفي باب الإمامة من (فتح القدير) وعليه الفتوى، دفعًا للحرج اللازم من إلزام الاجتماع في موضع واحد خصوصًا إذا كان مصرًا كبيرًا كمصرنا، وخص الثاني الجواز بموضعين وجعله في (البدائع) ظاهر الرواية. قال: وعليه الاعتماد وما عن محمد من إطلاق الجواز في ثلاث مواضع فمحمول على موضع الحاجة والضرورة، انتهى.
وفي (الحاوي القدسي) وعليه الفتوى وفي (التكملة) للرازي، وعن محمد عدم الجواز في أكثر من موضعين وبه نأخذ ويبنى على الخلاف صلاة الأربع بعد الجمعة بنية آخر ظهر عليه.
قال الزاهدي: لما ابتلي أهل مرو بإقامة الجمعتين بها أمر أئمتهم بأداء الظهر بعد الجمعة حتمًا احتياطًا، ثم اختلفوا في النية، والأحسن أن ينوي آخر ظهر عليه والأحوط أن يقول: نويت آخر ظهر أدركت وقته ولم أصله بعد، ثم اختلفوا فقيل: يقرأ في الكل،
وقيل: في الأوليين، والمختار عندي أن يحكم فيها برأيه واختلفوا/ في مراعاة الترتيب في الأربع بعد الجمعة حسب اختلافهم في النية،
وفي السبق بماذا يعتبر؟ فقيل: بالشروع،
وقيل: بالفراغ، والأول أصح، انتهى.
وكل هذا مبني على عدم جواز التعدد، وقد علمت أن الراجح جوازه مطلقًا.
قال ابن وهبان: وفي حفظي عن بعض كتب الأصحاب أنه يصليها قبل الجمعة لئلا يكون ظانًا أن جمعة هذا الجمع غير صحيحة، ورده في (عقد الفرائد) بأنه غير سديد إذ التقديم المذكور ليس إلا لهذا الظن فقد وقع فيما منه فر،
ولو سلم فبسعيه للجمعة يبطل ظهره عند الإمام وعندهما بالشروع، فلا يقع الإحتياط به لفساد ظهره فتعين التأخير، ثم نقل عن (التاترخانية) . اختلف المشايخ في القرى الكبيرة إذا لم والسلطان، أو نائبه يعان بالحكم والقضاء فيها إلى أن قال: يصلي الأربع بنية الظهر في بيته أو في المسجد أولاً، ثم يسعى ويشرع في الجمعة فإن كانت جائزة كانت نفلاً وإلا فهي الفرض.
أما البلاد فلا يشك في الجواز وإلا تعاد الفريضة، بل يصلي الجمعة ثم سنتها ثم ركعتين، وهذا هو الصحيح المختار, وعن الهندواني قول الناس يصلي أربعًا بنية أقرب صلاة علي ليس له أصل في الروايات، ولا شك في جواز الجمعة في البلاد والقصبات، انتهى. وأقول هذا إنما ينفي تحتم صلاة الأربع،
أما ندبها على القول بجواز التعدد خروجًا عن الخلاف فلا ينبغي أن يتردد فيه، وعليه يحمل ما في (الفتح) ،
وكذا لو تعددت الجمعة وشك أن جمعته سابقة أو لا وينبغي أن يصلي ما قلنا، يعني: أربعًا بنية آخر فرض أدركت وقته ولم أؤده بعد.
فائدة: قال في (عقد الفرائد) : قضاة زماننا يحكمون بصحة الجمعة عند تجديده في موضع بأن يعلق الواقف عتق عبده بصحة الجمعة في هذا الموضع، وبعد إقامتها فيه بالشروط ويدعي لمعلق عتقه عليه بأنه علق عتقه على صحة الجمعة في هذا الموضع. وقد صحت ووقع العتق فيحكم بعتقه فيتضمن الحكم بصحة الجمعة، ويدخل ما لم يأت من الجمع تبعًا، انتهى.
وفي دخول ما لم يأت نظر فتدبره
(وَتُؤَدَّى فِي مِصْرٍ فِي مَوَاضِعَ) أَيْ تُؤَدَّى الْجُمُعَةُ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِي الِاجْتِمَاعِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ حَرَجًا بَيِّنًا، وَهُوَ مَدْفُوعٌ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ عَظِيمٌ كَدِجْلَةَ
وَعَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ جِسْرٌ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِرَفْعِ الْجِسْرِ فَإِنْ أُدِّيَتْ فِي مَوْضِعَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَالْجُمُعَةُ لِلْأَوَّلِينَ تَحْرِيمَةً
وَقِيلَ: فَرَاغًا وَقِيلَ فِيهِمَا جَمِيعًا،
وَقِيلَ تَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَا تَجُوزُ فِي أَكْثَرَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ عَظِيمٌ كَدِجْلَةَ
وَعَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ جِسْرٌ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِرَفْعِ الْجِسْرِ فِي بَغْدَادَ وَقْتَ الصَّلَاةِ لِتَكُونَ كَمِصْرَيْنِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ إلَخْ) قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةُ زَيْنُ الدِّينِ قَاسِمٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ مَا نَصُّهُ
قَالَ فِي الْمِصْرِ: وَلَا تَجُوزُ بِمَوْضِعَيْنِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ يَعْقُوبَ تَجُوزُ بِمَوْضِعَيْنِ مِنْهُ فَقَطْ، ثُمَّ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ كَبِيرٌ فَاصِلٌ وَجَوَّزَهَا مُحَمَّدٌ فِي مَوَاضِعَ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا مَشَى فِي الْكَنْزِ وَزَادَ فِي الزَّيْلَعِيِّ كَثِيرَةً وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ بَاطِلَةٌ أَتَى بِهَا مِنْ عِنْدِهِ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الرِّوَايَةِ بَلْ كُلُّ مَنْ
قَالَ فِي مَوَاضِعَ أَرَادَ ثَلَاثَةً وَكُلُّ مَنْ قَالَ مَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرَ أَرَادَ ثَلَاثَةً فَقَطْ بَيَانُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَثَلَاثَةٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَجَازَ أَبُو يُوسُفَ فِي مَوْضِعَيْنِ دُونَ ثَلَاثَةٍ إذَا كَانَ الْمِصْرُ لَهُ جَانِبَانِ،
وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَثَلَاثَةٍ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ عَنْ النَّاسِ إذَا كَانَتْ الْبَلْدَةُ كَبِيرَةً فَإِنَّهُ يَشُقُّ عَلَى كُلِّ جَانِبٍ الْمَسِيرُ إلَى جَانِبٍ آخَرَ وَصَارَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ تَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ إلَّا إذَا كَانَ مِصْرًا لَهُ جَانِبَانِ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ فَيَصِيرُ فِي حُكْمِ مِصْرَيْنِ كَبَغْدَادَ وَبَيَانُ الثَّانِي أَنَّهُ
قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرَ وَلَفْظُ الْكَرْخِيِّ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَوْضِعِ وَالْمَوْضِعَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَهُ بِأَكْثَرَ ثَلَاثَةٌ، وَقَطَعَ الْقُدُورِيُّ الِاحْتِمَالَاتِ فَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ تَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَثَلَاثَةٍ اسْتِحْسَانًا وَلَا تَجُوزُ فِيمَا زَادَ لِلِاكْتِفَاءِ بِالصَّلَاةِ فِي طَرَفَيْ الْمِصْرِ وَوَسَطِهِ
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْكَرْخِيِّ وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَقَالَ إنَّ الْمِصْرَ إذَا عَظُمَ وَبَعُدَ أَطْرَافُهُ شَقَّ عَلَى أَهْلِهِ الْمَسِيرُ مِنْ طَرَفٍ إلَى طَرَفٍ آخَرَ فَجَوَّزَهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ اهـ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَأَجَازَهُ مُطْلَقًا وَقَوْلُهُ فِي الدُّرَرِ وَأَطْلَقَ خِلَافَ الرِّوَايَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَ فِي الصَّحِيحِ فَاخْتَارَ الطَّحْطَاوِيُّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ قَوْلَ مُحَمَّدٍ اهـ قَوْلُهُ لَا تَجُوزُ فِي أَكْثَرَ إلَخْ)
قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَبِهِ نَأْخُذُ،
وَلَوْ حَصَلَتْ فِي الْمَسْجِدَيْنِ مَعًا كَانَتْ صَلَاتُهُمْ جَمِيعًا فَاسِدَةً وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعِيدُوا الْجُمُعَةَ مَعًا إنْ كَانَتْ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ،
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ صَلَّوْا الظُّهْرَ أَرْبَعًا هَكَذَا ذَكَرَ الطَّحْطَاوِيُّ هُنَا وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرَ
وَأَمَّا صَلَاةُ الْعِيدِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْهُمَا فَجَائِزٌ إجْمَاعًا. اهـ. وَفِيهِ وَلَوْ نَزَلَ بِأَهْلِ مِصْرٍ نَازِلَةٌ وَخَرَجُوا مِنْ الْمِصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَصَلَّى بِهِمْ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ إنْ كَانُوا فِي فِنَاءِ الْمِصْرِ صَحَّ،
وَإِنْ كَانُوا بَعِيدًا لَا وَكَذَا صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ. اهـ. .
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.