Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

باب ما لا يقضى فيه باليمين مع الشاهد وما يقضى

الأمShafi'imasa’il 25214 to 25631

  1. 7/267/26

    يَوْمًا وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ تِسْعَةً وَخَمْسِينَ فِي يَوْمٍ طَعَامَ سِتِّينَ أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِتُّونَ دِرْهَمًا لِسِتِّينَ رَجُلًا أَيَجْزِيهِ أَنْ يُؤَدِّيَ السِّتِّينَ إلَى وَاحِدٍ، أَوْ إلَى تِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ قَالَ لَا، وَالْفَرْضُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقَّهُ قُلْنَا فَقَدْ، أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِسِتِّينَ مِسْكِينًا طَعَامًا فَزَعَمْت أَنَّهُ إنْ أَعْطَاهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَجْزَأَ عَنْهُ أَرَأَيْت لَوْ قَالَ لَك قَائِلٌ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} أَتَقُولُ إنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُشْهِدَ لِلطَّالِبِ بِحَقِّهِ فَشَرَطَ عَدَدَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ وَالشَّهَادَةَ، أَوْ إنَّمَا أَرَادَ الشَّهَادَةَ قَالَ أَرَادَ عَدَدَ الشُّهُودِ وَشَهَادَةَ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ اثْنَانِ.

  2. قُلْت، وَلَوْ شَهِدَ لَهُ بِحَقِّهِ وَاحِدٌ الْيَوْمَ،

  3. ثُمَّ شَهِدَ لَهُ غَدًا أَيَجْزِيهِ مِنْ شَاهِدَيْنِ؟ قَالَ لَا؛ لِأَنَّ هَذَا وَاحِدٌ وَهَذِهِ شَهَادَةٌ وَاحِدَةٌ قُلْنَا فَالْمِسْكِينُ إذَا رَدَدْت عَلَيْهِ الطَّعَامَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا لَا سِتِّينَ قُلْنَا فَقَدْ سَمَّى سِتِّينَ مِسْكِينًا فَجَعَلْت طَعَامَهُمْ لِوَاحِدٍ وَقُلْت إذَا جَاءَ بِالطَّعَامِ أَجْزَأَهُ وَسَمَّى شَاهِدَيْنِ فَجَاءَ شَاهِدٌ مِنْهُمَا مَرَّتَيْنِ فَقُلْت لَا يُجْزِئُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟

  4. فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ إلَى مَا قُلْنَا فِي هَذَا وَفِي أَنْ لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ إلَّا مُؤْمِنَةٌ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ} إلَى قَوْلِهِ {أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَبَيَّنَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ كُلَّ زَوْجٍ يُلَاعِنُ زَوْجَتَهُ؛

  5. لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ الزَّوْجَيْنِ مُطْلَقَيْنِ لَمْ يَخُصَّ أَحَدًا مِنْ الْأَزْوَاجِ دُونَ غَيْرِهِ وَلَمْ تَدُلَّ سُنَّةٌ وَلَا أَثَرٌ وَلَا إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَا أُرِيدَ بِهَذِهِ الْآيَةِ بَعْضُ الْأَزْوَاجِ دُونَ بَعْضٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إنْ الْتَعَنَ الزَّوْجُ وَلَمْ تَلْتَعِنْ الْمَرْأَةُ حُدَّتْ إذَا أَبَتْ أَنْ تَلْتَعِنَ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ} فَقَدْ أَخْبَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْعَذَابَ كَانَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تَدْرَأَهُ بِاللِّعَانِ وَهَذَا ظَاهِرُ حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

  6. (قَالَ) : فَخَالَفَنَا فِي هَذَا بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ لَا يُلَاعِنُ إلَّا حُرَّانِ مُسْلِمَانِ لَيْسَ مِنْهُمَا مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ فَقُلْت لَهُ: وَكَيْفَ خَالَفْت ظَاهِرَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ رَوَيْنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ» فَقُلْت لَهُ: إنْ كَانَتْ رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مِمَّا يَثْبُتُ فَقَدْ رَوَى لَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ، وَالْقَسَامَةَ وَعَدَدَ أَحْكَامٍ غَيْرِ قَلِيلَةٍ فَقُلْنَا بِهَا وَخَالَفْت وَزَعَمْت أَنْ لَا تَثْبُتَ رِوَايَتُهُ فَكَيْفَ تَحْتَجُّ مَرَّةً بِرِوَايَتِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَتَدَعُهَا لِضَعْفِهِ مَرَّةً؟

  7. إمَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا كَمَا قُلْت فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَحْتَجَّ بِهِ فِي شَيْءٍ.

  8. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا فَاتَّبَعَ مَا رَوَاهُ مِمَّا قُلْنَا بِهِ وَخَالَفْته.

  9. وَقُلْت لَهُ أَنْتَ أَيْضًا قَدْ خَالَفْت مَا رَوَيْت عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْت إنْ كَانَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ عَامًّا عَلَى الْأَزْوَاجِ،

  10. ثُمَّ ذَكَرَ عَمْرٌو «أَرْبَعَة لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ» فَكَانَ يَلْزَمُك أَنْ تُخْرِجَ الْأَرْبَعَةَ مِنْ اللِّعَانِ،

  11. ثُمَّ تَقُولَ يُلَاعِنُ غَيْرُ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ «أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ بَيْنَ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ فَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَمْرٍو لَا يُلَاعِنُ الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ.

  12. قَالَ أَجَلْ وَلَكِنَّا قُلْنَا بِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَمَّاهُ شَهَادَةً.

  13. فَقُلْت لَهُ إنَّمَا مَعْنَاهَا مَعْنَى الْيَمِينِ وَلَكِنَّ لِسَانَ الْعَرَبِ وَاسِعٌ.

  14. قَالَ وَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْت أَرَأَيْت لَوْ كَانَتْ شَهَادَةً أَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ؟ قَالَ: لَا قُلْت: أَفَتَكُونُ شَهَادَتُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ إلَّا كَشَهَادَتِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: لَا.

  15. قُلْت: أَفَيَحْلِفُ الشَّاهِدُ؟ قَالَ: لَا قُلْت فَهَذَا كُلُّهُ فِي اللِّعَانِ.

  16. قُلْت أَفَرَأَيْت لَوْ قَامَتْ مَقَامَ الشَّهَادَةِ أَلَا تَحُدَّ الْمَرْأَةَ؟ قَالَ: بَلَى قُلْت أَرَأَيْت لَوْ كَانَتْ شَهَادَةً أَتَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي حَدٍّ؟ قَالَ لَا قُلْت،

  17. وَلَوْ جَازَتْ كَانَتْ شَهَادَتُهَا نِصْفَ شَهَادَةٍ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَالْتَعَنَتْ ثَمَانِ مَرَّاتٍ، قَالَ نَعَمْ قُلْت

  18. 7/277/27

    أَفَتَبَيَّنَ لَك أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ قَالَ مَا هِيَ بِشَهَادَةٍ قُلْت وَلِمَ قُلْت هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى مَعْنَى الشَّهَادَاتِ مَرَّةً وَأَبَيْتهَا أُخْرَى فَإِذَا قُلْت هِيَ شَهَادَةٌ فَلِمَ لَا تُلَاعِنُ بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ وَشَهَادَتُهُمَا عِنْدَك جَائِزَةٌ كَانَ هَذَا يَلْزَمُك وَكَيْفَ لَاعَنْت بَيْنَ الْفَاسِقَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا شَهَادَةَ؟

  19. لَهُمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا تَابَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا.

  20. فَقُلْت لَهُ، وَلَوْ قَالَا قَدْ تُبْنَا أَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا دُونَ اخْتِبَارِهِمَا فِي مُدَّةٍ تَطُولُ قَالَ لَا: قُلْت أَفَرَأَيْت الْعَبْدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ الْعَدْلَيْنِ الْأَمِينَيْنِ إذَا أَبَيْت اللِّعَانَ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ عُبُودِيَّةٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا لَوْ عَتَقَا مِنْ سَاعَتِهِمَا أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا قَالَ نَعَمْ قُلْت أَهُمَا أَقْرَبُ إلَى جَوَازِ الشَّهَادَةِ؛

  21. لِأَنَّك لَا تَخْتَبِرُهُمَا يَكْفِيك أَنَّهُمَا الْخِبْرَةُ لَهُمَا فِي الْعُبُودِيَّةِ أَمْ الْفَاسِقَانِ اللَّذَانِ لَا تُجِيزُ شَهَادَتَهُمَا؟ حَتَّى تَخْتَبِرَهُمَا؟ قَالَ، بَلْ هُمَا قُلْت فَلِمَ أَبَيْت اللِّعَانَ بَيْنَهُمَا وَهُمَا أَقْرَبُ مِنْ الْعَدْلِ إذَا تَحَوَّلَتْ حَالُهُمَا وَلَاعَنْت بَيْنَ الْفَاسِقَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَبْعَدُ مِنْ الْعَدْلِ وَلِمَ أَبَيْت اللَّعَّانَ بَيْنَ الذِّمِّيَّيْنِ وَأَنْتَ تُجِيزُ شَهَادَتَهُمَا فِي الْحَالِ الَّتِي يَقْذِفُ فِيهَا الزَّوْجُ؟

  22. وَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت أَعْمَيَيْنِ بِحَقَّيْنِ خُلِقَا كَذَلِكَ يَقْذِفُ الْمَرْأَةَ وَفِي الأعميين عِلَّتَانِ إحْدَاهُمَا لَا يَرَيَانِ الزِّنَا، وَالْأُخْرَى أَنَّك لَا تُجِيزُ شَهَادَتَهُمَا بِحَالٍ أَبَدًا وَلَا يَتَحَوَّلَانِ عِنْدَك أَنْ تَجُوزَ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَبَدًا كَيْفَ لَاعَنْت بَيْنَهُمَا وَفِيهِمَا مَا وَصَفْت مِنْ الْقَاذِفِ الَّذِي لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَفِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ الْقَاذِفَ لَا يَرَى زِنَا امْرَأَتِهِ؟

  23. قَالَ فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ قُلْنَا فَهَذِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْك وَاَلَّذِي أَبَيْت قَبُولَهُ مِنَّا أَنَّ اللِّعَانَ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَذْفِهِ الْمُحْصَنَاتِ {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - إِلا الَّذِينَ تَابُوا} .

  24. وَقُلْنَا إذَا تَابَ الْقَاذِفُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يَقُولُ زَعَمَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنَّ شَهَادَةَ الْقَاذِفِ لَا تَجُوزُ. لَأَشْهَدُ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِأَبِي بَكْرَةَ تُبْ تُقْبَلْ شَهَادَتُك، أَوْ إنْ تُبْت قُبِلَتْ شَهَادَتُك قَالَ وَسَمِعْت سُفْيَانَ يُحَدِّثُ بِهِ هَكَذَا مِرَارًا،

  25. ثُمَّ سَمِعْته يَقُولُ شَكَكْت فِيهِ قَالَ سُفْيَانُ أَشْهَدُ لَأَخْبَرَنِي،

  26. ثُمَّ سَمَّى رَجُلًا فَذَهَبَ عَلَى حِفْظِ اسْمِهِ فَسَأَلْت فَقَالَ لِي عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَكَانَ سُفْيَانُ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَغَيْرُهُ يَرْوِيه عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ قَالَ سُفْيَانُ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ فَلَمَّا قُمْت سَأَلْت فَقَالَ لِي عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ وَحَضَرَ الْمَجْلِسَ مَعِي هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قُلْت لِسُفْيَانَ أَشَكَكْت حِينَ أَخْبَرَك أَنَّهُ سَعِيدٌ؟

  27. قَالَ لَا هُوَ كَمَا قَالَ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ دَخَلَنِي الشَّكُّ.

  28. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا جَلَدَ الثَّلَاثَةَ اسْتَتَابَهُمْ فَرَجَعَ اثْنَانِ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا وَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ أَنْ يَرْجِعَ فَرَدَّ شَهَادَتَهُ.

  29. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَأَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ فِي الْقَاذِفِ إذَا تَابَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَالَ وَكُلُّنَا نَقُولُهُ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ أَبَدًا قُلْت أَفَرَأَيْت الْقَاذِفَ إذَا لَمْ يُحَدَّ حَدًّا تَامًّا أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذَا تَابَ؟

  30. قَالَ نَعَمْ قُلْت لَهُ وَلَا أَعْلَمُك إلَّا دَخَلَ عَلَيْك خِلَافُ الْقُرْآنِ مِنْ مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِجَلْدِهِ وَأَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ فَزَعَمْت أَنَّهُ إنْ لَمْ يُجْلَدْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ قَالَ فَإِنَّهُ عِنْدِي إنَّمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ إذَا جُلِدَ قُلْت أَفَتَجِدُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ أَمْ فِي خَبَرٍ ثَابِتٍ؟

  31. قَالَ أَمَّا فِي خَبَرٍ فَلَا،

  32. وَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} قُلْت أَفَبِالْقَذْفِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ

  33. 7/287/28

    {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} أَمْ بِالْجَلْدِ؟ قَالَ بِالْجَلْدِ قَالَ بِالْجَلْدِ عِنْدِي قُلْت وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَك، وَالْجَلْدُ إنَّمَا وَجَبَ بِالْقَذْفِ.

  34. ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ أَرَأَيْت لَوْ عَارَضَك مُعَارِضٌ بِمِثْلِ حُجَّتِك فَقَالَ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي الْقَاتِلِ خَطَأً {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} فَتَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ لِلَّهِ وَالدِّيَةُ لِأَهْلِ الْمَقْتُولِ وَلَا يَجِبُ الَّذِي لِلْآدَمِيِّينَ وَهُوَ الدِّيَةُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الَّذِي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا قُلْت لَا يَجِبُ أَنْ تُرَدَّ الشَّهَادَةُ وَرَدَّهَا عَنْ الْآدَمِيِّينَ حَتَّى يُؤْخَذَ الْحَدُّ الَّذِي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا تَقُولُ لَهُ؟

  35. قَالَ أَقُولُ لَيْسَ هَذَا كَمَا قُلْت:

  36. وَإِذَا، أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَعَلَا عَلَى آدَمِيٍّ شَيْئَيْنِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا لِلْآدَمِيِّينَ أَخَذَ مِنْهُ، وَكَانَ الْآخَرُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ، أَوْ يُؤَدِّيَهُ فَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ وَلَمْ يُؤَدِّهِ لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ عَنْهُ حَقَّ الْآدَمِيِّينَ الَّذِي، أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ قُلْت لَهُ فَلِمَ زَعَمْت أَنَّ الْقَاذِفَ إذَا لَمْ يُجْلَدْ الْحَدَّ وَجُلِدَ بَعْضَهُ فَلَمْ يَتِمَّ بَعْضُهُ أَنَّ شَهَادَتَهُ مَقْبُولَةٌ، وَقَدْ، أَوْجَبَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي ذَلِكَ الْحَدَّ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ؟

  37. فَمَا عَلِمْته رَدَّ حَرْفًا إلَّا أَنْ قَالَ هَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا.

  38. فَقُلْت لَهُ هَذَا الَّذِي عِبْت عَلَى غَيْرِك أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِنْ سَبَقُوهُ إلَى الْعِلْمِ وَكَانُوا عِنْدَهُ ثِقَةً مَأْمُونِينَ فَقُلْت لَا نَقْبَلُ إلَّا مَا جَاءَ فِيهِ كِتَابٌ، أَوْ سُنَّةٌ، أَوْ أَثَرٌ، أَوْ أَمْرٌ أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ،

  39. ثُمَّ قُلْت فِيمَا أَرَى خِلَافَ ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَقُلْت لَهُ إذْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} فَكَيْفَ جَازَ لَك، أَوْ لِأَحَدٍ إنْ تَكَلَّفَ مِنْ الْعِلْمِ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَا أَقْبَلُ شَهَادَةَ الْقَاذِفِ وَإِنْ تَابَ وَمِنْ قَوْلِك وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك أَبَدًا وَلَا أُعْطِيك دِرْهَمًا وَلَا آتِي مَنْزِلَ فُلَانٍ وَلَا أَعْتِقُ عَبْدِي فُلَانًا وَلَا أُطَلِّقُ امْرَأَتِي فُلَانَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَاقِعٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَلَامِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ.

  40. فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَقَعُ عَلَى الْقَاذِفِ إلَّا عَلَى أَنْ يَطْرَحَ عَنْهُ اسْمَ الْفِسْقِ فَقَطْ؟ فَقَالَ قَالَهُ شُرَيْحٌ فَقُلْنَا فَعُمَرُ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ مِنْ شُرَيْحٍ وَأَهْلُ دَارِ السُّنَّةِ وَحَرَمِ اللَّهِ أَوْلَى أَنْ يَكُونُوا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّه وَبِلِسَانِ الْعَرَبِ؛

  41. لِأَنَّهُ بِلِسَانِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ قَالَ فَقَوْلُ أَبِي بَكْرَةَ اسْتَشْهِدُوا غَيْرِي فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ فَسَّقُونِي فَقُلْت لَهُ قَلَّمَا رَأَيْتُك تَحْتَجُّ بِشَيْءٍ إلَّا وَهُوَ عَلَيْك قَالَ وَمَا ذَاكَ؟ قُلْت احْتَجَجْت بِقَوْلِ أَبِي بَكْرَةَ اسْتَشْهِدُوا غَيْرِي فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ فَسَقَوْنِي فَإِنْ زَعَمْت أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ تَابَ فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُزِيلُوا عَنْهُ الِاسْمَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُزَالَ عَنْهُ إذَا تَابَ اسْمُ الْفِسْقِ وَلَا تُجِيزُ شَهَادَتَهُ وَقَوْلُ أَبِي بَكْرَةَ إنْ كَانَ قَالَهُ أَنَّهُمْ لَمْ يُزِيلُوا عَنْهُ الِاسْمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ الِاسْمَ مَعَ تَرْكِهِمْ قَبُولَ شَهَادَتِهِ قَالَ فَهَكَذَا احْتَجَّ أَصْحَابُنَا قُلْت أَفَتَقْبَلُ عَمَّنْ هُوَ أَشَدُّ تَقَدُّمًا فِي الدَّرَكِ وَالسِّنِّ، وَالْفَضْلِ مِنْ صَاحِبِك أَنْ تَحْتَجَّ بِمَا إذَا كَشَفَ كَانَ عَلَيْك وَبِمَا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ خِلَافُهُ؟

  42. قَالَ لَا قُلْت فَصَاحِبُك أَوْلَى أَنْ يَرُدَّ هَذَا عَلَيْهِ وَقُلْت لَهُ أَتَقْبَلُ شَهَادَةَ مَنْ تَابَ مِنْ كُفْرٍ وَمَنْ تَابَ مِنْ قَتْلٍ وَمَنْ تَابَ مِنْ خَمْرٍ وَمِنْ زِنَا؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت، وَالْقَاذِفُ شَرٌّ أَمْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ، بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ أَعْظَمُ ذَنْبًا مِنْهُ قُلْت فَلِمَ قَبِلْت مِنْ التَّائِبِ مِنْ الْأَعْظَمِ وَأَبَيْت الْقَبُولَ مِنْ التَّائِبِ مِمَّا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ؟

  43. وَقُلْت وَقُلْنَا لَا يَحِلُّ نِكَاحُ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِحَالٍ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَّا وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ لِمَنْ يَجِدُ طَوْلًا لِحُرَّةٍ وَلَا إنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ حَتَّى يَخَافَ الْعَنَتَ فَتَحِلُّ حِينَئِذٍ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ يَحِلُّ نِكَاحُ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَنِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ فِي الْأَمَةِ فَقُلْت لَهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} فَحَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ جُمْلَةً وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ثُمَّ قَالَ {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}

  44. 7/297/29

    فَأَحَلَّ صِنْفًا وَاحِدًا مِنْ الْمُشْرِكَاتِ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ الْمَنْكُوحَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.

  45. وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ حُرَّةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ الْمُسْلِمُونَ فِي أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} هُنَّ الْحَرَائِرُ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} قَرَأَ الرَّبِيعُ إلَى قَوْلِهِ {لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} فَدَلَّ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا} أَنَّهُ إنَّمَا أَبَاحَ نِكَاحَ الْإِمَاءِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ.

  46. أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَجِدَ طَوْلًا، وَالْآخَرُ أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ وَفِي هَذَا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ نِكَاحَ أَمَةٍ غَيْرِ مُؤْمِنَةٍ فَقُلْت لِبَعْضِ مَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ: قَدْ قُلْنَا مَا حَكَيْت بِمَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ وَظَاهِرِهِ فَهَلْ قَالَ مَا قُلْت أَنْتَ مِنْ إبَاحَةِ نِكَاحِ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَجْمَعَ لَك عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَتُقَلِّدُهُمْ وَتَقُولُ هُمْ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا قَالُوا إنْ احْتَمَلَتْهُ الْآيَتَانِ؟

  47. قَالَ: لَا قُلْنَا فَلِمَ خَالَفْت فِيهِ ظَاهِرَ الْكِتَابِ؟ قَالَ إذَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحَرَائِرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يُحَرِّمْ الْإِمَاءَ قُلْنَا وَلِمَ لَا تُحَرِّمُ الْإِمَاءَ مِنْهُمْ بِجُمْلَةِ تَحْرِيمِ الْمُشْرِكَاتِ وَبِأَنَّهُ خَصَّ الْإِمَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا وَيَخَافُ الْعَنَتَ؟

  48. قَالَ لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ الْمُشْرِكَاتِ جُمْلَةً،

  49. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهُنَّ مُحْصَنَاتِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ كَالدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ مَا حُرِّمَ فَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت لَوْ عَارَضَك جَاهِلٌ بِمِثْلِ مَا قُلْت فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} قَرَأَ الرَّبِيعُ إلَى قَوْلِهِ {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى {إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} فَلَمَّا أَبَاحَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ مَا حُرِّمَ جُمْلَةً أَيَكُونُ لِي إبَاحَةُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ فِيهِ مَنْسُوخًا، وَالْإِبَاحَةُ قَائِمَةً؟

  50. قَالَ لَا قُلْنَا وَتَقُولُ لَهُ التَّحْرِيمُ بِحَالِهِ، وَالْإِبَاحَةُ عَلَى الشَّرْطِ فَمَتَى لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ فَلَا تَحِلُّ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا فَهَذَا مِثْلُ الَّذِي قُلْنَا فِي إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقُلْت لَهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَنْ حُرِّمَ {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أَفَرَأَيْت لَوْ قَالَ قَائِلٌ إنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ بِنْتَ الْمَرْأَةِ بِالدُّخُولِ،

  51. وَكَذَلِكَ الْأُمُّ، وَقَدْ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ قُلْنَا وَلِمَ؟ أَلِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْأُمَّ مُبْهَمَةً وَالشَّرْطُ فِي الرَّبِيبَةِ فَأُحَرِّمُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَأُحِلُّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ خَاصَّةً وَلَا أَجْعَلُ مَا أُبِيحَ وَحْدَهُ مَحَلًّا لِغَيْرِهِ.

  52. قَالَ: نَعَمْ قُلْنَا فَهَكَذَا قُلْنَا فِي إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْإِمَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ وَقُلْنَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْوُضُوءَ فَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَيَكُونُ لَنَا إذَا دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ يُجْزِئُ مِنْ الْوُضُوءِ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْبُرْقُعِ، وَالْقُفَّازَيْنِ، وَالْعِمَامَةِ؟

  53. قَالَ لَا قُلْنَا وَلِمَ؟ أَتَعُمُّ الْجُمْلَةَ عَلَى مَا فَرَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتَخُصُّ مَا خَصَّتْ السُّنَّةُ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا فَهَذَا كُلُّهُ حُجَّةٌ عَلَيْك وَقُلْنَا أَرَأَيْت حِينَ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُشْرِكَاتِ جُمْلَةً،

  54. ثُمَّ اسْتَثْنَى نِكَاحَ الْحَرَائِرِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُلْت يَحِلُّ نِكَاحُ الْإِمَاءِ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ لِلتَّحْرِيمِ جُمْلَةً وَإِبَاحَتُهُ حَرَائِرَهُنَّ تَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ إمَائِهِنَّ؟

  55. فَإِنْ قَالَ لَك قَائِلٌ نَعَمْ وَحَرَائِرُ وَإِمَاءُ الْمُشْرِكَاتِ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ؟ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ قُلْنَا وَلِمَ؟ قَالَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَيَاتِ بِشَرْطِ أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قُلْنَا وَلَا يَكُنْ مِنْ غَيْرِهِنَّ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا وَهُوَ يَشْرِطُ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَكُنَّ إمَاءً، وَالْأَمَةُ غَيْرُ الْحُرَّةِ كَمَا الْكِتَابِيَّةُ غَيْرُ الْمُشْرِكَةِ؟

  56. الَّتِي لَيْسَتْ بِكِتَابِيَّةٍ وَهَذَا كُلُّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي إمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يَلْزَمُهُ فِيهِ أَنْ لَا يَحِلَّ نِكَاحُهُنَّ إلَّا بِشَرْطِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنَّمَا أَبَاحَهُ بِأَنْ لَا يَجِدَ طَوْلًا وَيَخَافُ الْعَنَتَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

  57. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} الْآيَةَ وَقَالَ {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} فَقُلْنَا بِهَذِهِ الْآيَاتِ إنَّ التَّحْرِيمَ فِي غَيْرِ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ وَمَا خَصَّتْهُ سُنَّةٌ بِهَذِهِ الْآيَاتِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّكَاحِ وَلَا يُحَرِّمُ

  58. 7/307/30

    الْحَلَالُ الْحَرَامَ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَاكَ أُمَّ امْرَأَتِهِ عَاصِيًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا قَبَّلَ أُمَّ امْرَأَتِهِ، أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا شَهْوَةً حُرِّمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَحُرِّمَتْ هِيَ عَلَيْهِ؛

  59. لِأَنَّهَا أُمُّ امْرَأَتِهِ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَتَهُ قَبَّلَتْ ابْنَهُ بِشَهْوَةٍ حُرِّمَتْ عَلَى زَوْجِهَا فَقُلْنَا لَهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّكَاحِ فَهَلْ عِنْدَك سُنَّةٌ بِأَنَّ الْحَرَامَ يُحَرِّمُ الْحَلَالَ؟ قَالَ لَا قُلْت فَأَنْتَ تَذْكُرُ شَيْئًا ضَعِيفًا لَا يَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ لَوْ قَالَهُ مَنْ رَوَيْته عَنْهُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ قُرْآنٌ وَقَالَ هَذَا مَوْجُودٌ فَإِنَّ مَا حَرَّمَهُ الْحَلَالُ فَالْحَرَامُ لَهُ أَشَدُّ تَحْرِيمًا قُلْنَا أَرَأَيْت لَوْ عَارَضَك مُعَارِضٌ بِمِثْلِ حُجَّتِك فَقَالَ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي الَّتِي طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَالِثَةً مِنْ الطَّلَاقِ {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} فَإِنْ نَكَحَتْ وَالنِّكَاحُ الْعُقْدَةُ حَلَّتْ لِزَوْجِهَا الَّذِي طَلَّقَهَا؟.

  60. قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا تَحِلُّ حَتَّى يُجَامِعَهَا الزَّوْجُ الَّذِي يَنْكِحُهَا قُلْنَا فَقَالَ لَك فَإِنَّ النِّكَاحَ يَكُونُ وَهِيَ لَا تَحِلُّ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يُحِلُّهَا فَإِنْ كَانَتْ السُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ جِمَاعَ الزَّوْجِ يُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا الَّذِي فَارَقَهَا فَالْمَعْنَى إنَّمَا هُوَ فِي أَنْ يُجَامِعَهَا غَيْرُ زَوْجِهَا الَّذِي فَارَقَهَا فَإِذَا جَامَعَهَا رَجُلٌ بِزِنَا حَلَّتْ،

  61. وَكَذَلِكَ إنْ جَامَعَهَا بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ حَلَّتْ قَالَ لَا وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ زَوْجًا قُلْنَا فَإِنْ قَالَ لَك قَائِلٌ: أَوَلَيْسَ قَدْ كَانَ التَّزْوِيجُ مَوْجُودًا وَهِيَ لَا تَحِلُّ؟ فَإِنَّمَا حَلَّتْ بِالْجِمَاعِ فَلَا يَضُرُّك مِنْ أَيْنَ كَانَ الْجِمَاعُ قَالَ لَا حَتَّى يَجْتَمِعَ الشَّرْطَانِ مَعًا فَيَكُونُ جِمَاعُ نِكَاحٍ صَحِيحٍ قُلْنَا وَلَا يُحِلُّهَا الْجِمَاعُ الْحَرَامُ قِيَاسًا عَلَى الْجِمَاعِ الْحَلَالِ؟

  62. قَالَ: لَا قُلْت وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَأَصَابَهَا سَيِّدُهَا؟ قَالَ لَا قُلْنَا فَهَذَا جِمَاعٌ حَلَالٌ قَالَ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَلَيْسَ بِزَوْجٍ لَا تَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ حَتَّى يَجْتَمِعَ أَنْ يَكُونَ زَوْجًا وَيُجَامِعُهَا الزَّوْجُ قُلْنَا فَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ بِالْحَلَالِ فَقَالَ {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} وَقَالَ {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} فَمِنْ أَيْنَ زَعَمْت أَنَّ حُكْمَ الْحَلَالِ حُكْمُ الْحَرَامِ وَأَبَيْت ذَلِكَ فِي الْمَرْأَةِ يُفَارِقُهَا زَوْجُهَا، وَالْأَمَةُ يُفَارِقُهَا زَوْجُهَا فَيُصِيبُهَا سَيِّدُهَا؟

  63. وَقُلْت لَهُ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وَقَالَ {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} فَإِنْ قَالَ لَك قَائِلٌ فَلَمَّا كَانَ حُكْمُ الزَّوْجَةِ إذَا طَلُقَتْ ثَلَاثًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ مِنْ امْرَأَةٍ يُصِيبُهَا بِفُجُورٍ أَفَتَكُونُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ؛

  64. لِأَنَّ الْكَلَامَ بِالطَّلَاقِ إذَا حَرَّمَ الْحَلَالَ كَانَ لِلْحَرَامِ أَشَدَّ تَحْرِيمًا؟ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ قُلْنَا وَلَيْسَ حُكْمُ الْحَلَالِ حُكْمَ الْحَرَامِ؟ قَالَ: لَا، قُلْنَا فَلِمَ زَعَمْت أَنَّهُ حُكْمُهُ فِيمَا وَصَفْت؟ قَالَ فَإِنَّ صَاحِبَنَا قَالَ أَقُولُ ذَلِكَ قِيَاسًا قُلْنَا فَأَيْنَ الْقِيَاسُ؟ قَالَ الْكَلَامُ مُحَرَّمٌ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا تَكَلَّمَ حُرِّمَتْ الصَّلَاةُ قُلْنَا وَهَذَا أَيْضًا فَإِذَا تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الصَّلَاةُ أَنْ يَعُودَ فِيهَا، أَوْ حُرِّمَتْ صَلَاةُ غَيْرِهَا بِكَلَامِهِ فِيهَا؟

  65. قَالَ لَا وَلَكِنَّهُ أَفْسَدَهَا وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا قُلْنَا فَلَوْ قَاسَ هَذَا الْقِيَاسَ غَيْرُ صَاحِبِك أَيُّ شَيْءٍ كُنْت تَقُولُ لَهُ؟ لَعَلَّك كُنْت تَقُولُ لَهُ مَا يَحِلُّ لَك تَكَلُّمٌ فِي الْفِقْهِ هَذَا رَجُلٌ قِيلَ لَهُ اسْتَأْنِفْ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجْزِي عَنْك إذَا تَكَلَّمْت فِيهَا.

  66. وَذَلِكَ رَجُلٌ جَامَعَ امْرَأَةً فَقُلْت لَهُ حُرِّمَتْ عَلَيْك أُخْرَى غَيْرُهَا أَبَدًا فَكَانَ يَلْزَمُك أَنْ تَزْعُمَ أَنَّ صَلَاةَ غَيْرِهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَبَدًا وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ قُلْته فَأَيُّهُمَا تُحَرِّمُ عَلَيْهِ؟، أَوْ تَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَبَدًا كَمَا زَعَمْت أَنَّ امْرَأَتَهُ إذَا نَظَرَ إلَى فَرْجِ أُمِّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أَبَدًا؟

  67. قَالَ لَا أَقُولُ هَذَا وَلَا تُشْبِهُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَتَانِ تَحْرُمَانِ لَوْ شَبَّهْتهمَا بِالصَّلَاةِ قُلْت لَهُ يَعُودُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الِامْرَأَتَيْنِ فَيَنْكِحُهَا بِنِكَاحٍ حَلَالٍ وَقُلْت لَهُ لَا تَعُدْ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ قُلْنَا فَلَوْ زَعَمْت قِسْته بِهِ وَهُوَ أَبْعَدُ الْأُمُورِ مِنْهُ قَالَ شَيْءٌ كَانَ قَاسَهُ صَاحِبُنَا قُلْنَا أَفَحَمِدْت قِيَاسَهُ؟

  68. قَالَ لَا مَا صَنَعَ شَيْئًا وَقَالَ فَإِنَّ صَاحِبَنَا قَالَ فَالْمَاءُ حَلَالٌ فَإِذَا خَالَطَهُ الْحَرَامُ نَجَّسَهُ

  69. 7/317/31

    قُلْنَا وَهَذَا أَيْضًا مِثْلُ الَّذِي زَعَمْت أَنَّك لَمَّا تَبَيَّنَ لَك عَلِمْت أَنَّ صَاحِبَك لَمْ يَصْنَعْ فِيهِ شَيْئًا قَالَ فَكَيْفَ؟ قُلْت أَتَجِدُ الْحَرَامَ فِي الْمَاءِ مُخْتَلِطًا فَالْحَلَالُ مِنْهُ لَا يَتَمَيَّزُ أَبَدًا؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت أَفَتَجِدُ بَدَنَ الَّتِي زَنَى بِهَا مُخْتَلِطًا بِبَدَنِ ابْنَتِهَا لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ؟

  70. قَالَ لَا، قُلْت وَتَجِدُ الْمَاءَ لَا يَحِلُّ أَبَدًا إذَا خَالَطَهُ الْحَرَامُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَتَجِدُ الرَّجُلَ إذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَهَا، أَوْ هِيَ حَلَالٌ لَهُ وَحَرَامٌ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا؟ قَالَ، بَلْ هِيَ حَلَالٌ لَهُ قُلْت فَهُمَا حَلَالٌ لِغَيْرِهِ قَالَ نَعَمْ قُلْت أَفَتَرَاهُ قِيَاسًا عَلَى الْمَاءِ؟

  71. قَالَ لَا قُلْت أَفَمَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّ خَطَأَك فِي هَذَا لَيْسَ يَسِيرًا إذَا كَانَ يَعْصِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي امْرَأَةٍ فَزَنَى بِهَا فَإِذَا نَكَحَهَا حَلَّتْ لَهُ بِالنِّكَاحِ وَإِنْ أَرَادَ نِكَاحَ ابْنَتِهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ فَتَحِلُّ لَهُ الَّتِي زَنَى بِهَا وَعَصَى اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا،

  72. وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الْأَزْوَاجِ وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا الَّتِي لَمْ يَعْصِ اللَّهَ تَعَالَى فِي أَمْرِهَا وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ امْرَأَتِهِ وَهَذِهِ عِنْدَك لَيْسَتْ بِامْرَأَتِهِ قَالَ فَإِنَّهُ يُقَالُ مَلْعُونٌ مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا قُلْت وَمَا أَدْرِي لَعَلَّ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَلَمْ يَرَ فَرْجَ ابْنَتِهَا مَلْعُونٌ، وَقَدْ أَوْعَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الزِّنَا النَّارَ وَلَعَلَّهُ مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى شَيْئًا مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: مَلْعُونٌ مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ أُخْتَيْنِ قَالَ لَا قُلْت فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّهُ إنْ زَنَى بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ إلَى قَوْلِنَا وَعَابَ قَوْلَ أَصْحَابِهِ فِي هَذَا.

  73. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَجَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الرِّجَالَ قَوَّامِينَ عَلَى النِّسَاءِ وَالطَّلَاقَ إلَيْهِمْ فَزَعَمُوا هُمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا شَاءَتْ كَانَ الطَّلَاقُ إلَيْهَا فَإِذَا كَرِهَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا قَبَّلَتْ ابْنَهُ وَقَالَتْ قَبَّلْته بِشَهْوَةٍ فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ فَجَعَلُوا الْأَمْرَ إلَيْهَا وَقُلْنَا نَحْنُ وَهُمْ وَجَمِيعُ النَّاسِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ عَلِمْته مَنْ طَلَّقَ غَيْرَ امْرَأَتِهِ، أَوْ آلَى مِنْهَا، أَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمْهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَلَمْ يَلْزَمْهُ ظِهَارٌ وَلَا إيلَاءٌ قَالَ فَقُلْنَا إذَا اخْتَلَعَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا،

  74. ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي عِدَّتِهَا لَمْ يَلْزَمْهَا الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ بِامْرَأَةٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَصْلِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ لَا يُخَالِفُهُ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا اخْتَلَعَتْ مِنْهُ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْخُلْعِ فِي الْعِدَّةِ لَزِمَهَا الطَّلَاقُ وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمْ يَلْزَمْهَا الطَّلَاقُ فَقُلْت لَهُ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} إلَى آخَرِ الْآيَتَيْنِ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} .

  75. وَقُلْنَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} وَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْعِدَّةَ عَلَى الزَّوْجَةِ فِي الْوَفَاةِ فَقَالَ {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} فَمَا تَقُولُ فِي الْمُخْتَلِعَةِ إنْ آلَى مِنْهَا فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ الْخُلْعِ، أَوْ تَظَاهَرَ هَلْ يَلْزَمُهُ الْإِيلَاءُ، أَوْ الظِّهَارُ؟

  76. قَالَ لَا قُلْت فَإِنْ مَاتَ هَلْ تَرِثُهُ، أَوْ مَاتَتْ هَلْ يَرِثُهَا فِي الْعِدَّةِ؟ قَالَ لَا قُلْت وَلِمَ وَهِيَ تَعْتَدُّ مِنْهُ؟ قَالَ لَا وَإِنْ اعْتَدَّتْ فَهِيَ غَيْرُ زَوْجَةٍ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ هَذَا فِي الْأَزْوَاجِ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ} الْآيَةَ،

  77. وَإِذَا رَمَى الْمُخْتَلِعَةَ فِي الْعِدَّةِ أَيُلَاعِنُهَا قَالَ لَا قُلْت: أَفَبِالْقُرْآنِ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُ إلَّا زَوْجَةٌ وَهَذِهِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا وَعِنْدَك غَيْرُ زَوْجَةٍ،

  78. ثُمَّ زَعَمْت أَنَّ الطَّلَاقَ يَلْزَمُهَا وَأَنْتَ تَقُولُ إنَّ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ؟ قَالَ رَوَيْنَا قَوْلَنَا هَذَا بِحَدِيثٍ شَامِيٍّ قُلْنَا أَفَيَكُونُ مِثْلُهُ مِمَّا يَثْبُتُ؟ قَالَ لَا قُلْنَا فَلَا تَحْتَجُّ بِهِ قَالَ فَقَالَ ذَلِكَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ قُلْنَا فَهُمَا إذَا قَالَا وَإِنْ لَمْ يُخَالِفْهُمَا غَيْرُهُمَا حُجَّةٌ؟

  79. قَالَ لَا قُلْنَا فَهَلْ يَحْتَجُّ بِهِمَا عَلَى قَوْلِنَا وَهُوَ يُوَافِقُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ وَلَعَلَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ فَيُلْزِمَانِهِ الْإِيلَاءَ وَالظِّهَارَ وَيَجْعَلَانِ بَيْنَهُمَا الْمِيرَاثَ؟ قَالَ فَهَلْ قَالَ أَحَدٌ بِقَوْلِك؟ قُلْنَا الْكِتَابُ كَافٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا قَالَا لَا يَلْحَقُ الْمُخْتَلِعَةَ الطَّلَاقُ فِي الْعِدَّةِ؛

  80. لِأَنَّهُ طَلَّقَ مَا لَا يَمْلِكُ قُلْت لَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا إلَّا قَوْلُ

  81. 7/327/32

    ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ كِلَيْهِمَا أَكَانَ لَك خِلَافُهُ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِك إلَّا بِأَنْ يَقُولَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافَهُ قَالَ لَا قُلْت فَالْقُرْآنُ مَعَ قَوْلِهِمَا، وَقَدْ خَالَفْتهمَا وَخَالَفْت فِي قَوْلِك عَدَدَ آيٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فَأَيْنَ؟

  82. قُلْت إنْ زَعَمْت أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي الْأَزْوَاجِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ الْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ وَاللِّعَانُ وَأَنْ يَكُونَ لَهُنَّ الْمِيرَاثُ وَمِنْهُنَّ الْمِيرَاثُ وَأَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ يَلْزَمُهَا وَاحِدٌ مِنْ هَذَا فَمَا يَلْزَمُك إذَا قُلْت يَلْزَمُهَا الطَّلَاقُ وَالطَّلَاقُ لَا يَلْزَمُ إلَّا زَوْجَةً أَنَّك خَالَفْت حُكْمَ اللَّهِ فِي إلْزَامِهَا الطَّلَاقَ، أَوْ فِي تَرْكِك إلْزَامَهَا الْإِيلَاءَ وَالظِّهَارَ وَاللِّعَانَ، وَالْمِيرَاثَ لَهَا، وَالْمِيرَاثَ مِنْهَا.

  83. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَمَا رَدَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ قَالَ: قَالَ بِهَا أَصْحَابُنَا فَقُلْت لَهُ أَتَجْعَلُ قَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً حُجَّةً وَلَيْسَ يَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَةِ قَوْلِهِ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ وَتَجْعَلُهُ أُخْرَى حُجَّةً وَأَنْتَ تَقُولُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يُخَالِفُهُ كَمَا قُلْت إذَا أَرْخَى سِتْرًا وَجَبَ الْمَهْرُ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ وَإِغْلَاقُ الْبَابِ وَإِرْخَاءُ السِّتْرِ لَيْسَ بِالْمَسِيسِ،

  84. ثُمَّ تَتْرُكُ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَعَهُمَا خَمْسُ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ فِي الْعِدَّةِ لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَمَعَهُمَا الْقِيَاسُ، وَالْمَعْقُولُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَتْرُكُ قَوْلَ عُمَرَ فِي الصَّيْدِ أَنَّهُ قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَقَوْلُ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ حِينَ حَكَمَا عَلَى رَجُلَيْنِ، أَوْطَئَا ظَبْيًا بِشَاةٍ، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِمَا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فَزَعَمْت أَنَّهُ يُجْزِي بِدَرَاهِمَ وَيَقُولَانِ فِي الظَّبْيِ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ وَاَللَّهُ يَقُولُ {مِثْلُ} وَأَنْتَ تَقُولُ جَزَاءَانِ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} وَقَالَ {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} فَقَرَأَ إلَى {الْمُحْسِنِينَ} فَقَالَ عَامَّةُ مَنْ لَقِيت مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتْعَةُ هِيَ لِلَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا قَطُّ وَلَمْ يُفْرَضْ لَهَا مَهْرٌ فَطَلُقَتْ وَلِلْمُطَلَّقَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا الْمَفْرُوضِ لَهَا بِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ عَلَى الْمُطَلَّقَاتِ لَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً دُونَ الْأُخْرَى بِدَلَالَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَثَرَ.

  85. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إلَّا الَّتِي فُرِضَ لَهَا صَدَاقٌ وَلَمْ يُدْخَلْ بِهَا فَحَسْبُهَا نِصْفُ الْمَهْرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأَحْسِبُ ابْنَ عُمَرَ اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ الَّتِي تُتْبَعُ لِلَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا وَلَمْ يُفْرَضْ لَهَا؛

  86. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ بَعْدَهَا {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} الْآيَةَ فَرَأْيُ الْقُرْآنِ كَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهَا مُخْرَجَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْمُطَلَّقَاتِ وَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ أَنْ تَكُونَ الْمُطَلَّقَةُ تَأْخُذُ بِمَا اسْتَمْتَعَ بِهِ مِنْهَا زَوْجُهَا عِنْدَ طَلَاقِهَا شَيْئًا فَلَمَّا كَانَتْ الْمَدْخُولُ بِهَا تَأْخُذُ شَيْئًا وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا لَمْ يُفْرَضْ لَهَا كَانَتْ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا، وَقَدْ فَرَضَ لَهَا تَأْخُذُ بِحُكْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نِصْفَ الْمَهْرِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ الْمُتْعَةِ وَلَمْ يَسْتَمْتِعْ بِهَا فَرَأَى حُكْمَهَا مُخَالِفًا حُكْمَ الْمُطَلَّقَاتِ بِالْقُرْآنِ وَخَالَفَ حَالُهَا حَالَهُنَّ فَذَكَرْت مَا وَصَفْت مِنْ هَذَا لِبَعْضِ مَنْ يُخَالِفُنَا وَقُلْنَا لَهُ أَنْتَ تَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَعْنَى الْكِتَابِ إذَا احْتَمَلَهُ، وَالْكِتَابُ مُحْتَمِلٌ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَفِيهِ كَالدَّلِيلِ عَلَى قَوْلِهِ فَكَيْفَ خَالَفْته،

  87. ثُمَّ لَمْ تَزْعُمْ بِالْآيَةِ أَنَّ الْمُطَلَّقَاتِ سَوَاءٌ فِي الْمُتْعَةِ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} لَمْ يَخُصَّ مُطَلَّقَةً دُونَ مُطَلَّقَةٍ قَالَ اسْتَدْلَلْنَا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ فَهُوَ عَلَى الْمُتَّقِينَ وَغَيْرِهِمْ وَلَا يُخَصُّ بِهِ الْمُتَّقُونَ.

  88. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قُلْنَا فَقَدْ

  89. 7/337/33

    زَعَمْت أَنَّ الْمُتْعَةَ مُتْعَتَانِ مُتْعَةٌ يُجْبِرُ عَلَيْهَا السُّلْطَانُ وَهِيَ مُتْعَةُ الْمَرْأَةِ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا الزَّوْجُ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَطَلَّقَهَا وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ مَا كَانَ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ حَقٌّ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْآيَتَيْنِ خَاصَّةً؟

  90. فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ إحْدَاهُمَا عَامَّةٌ، وَالْأُخْرَى خَاصَّةٌ؟

  91. فَإِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ لِمَ لَمْ يَكُنْ حَقًّا عَلَى غَيْرِهِمْ؟ هَلْ مَعَك بِهَذَا دَلَالَةُ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ أَثَرٍ، أَوْ إجْمَاعٍ؟ فَمَا عَلِمْته رَدَّ أَكْثَرَ مِمَّا وَصَفْت فِي أَنْ قَالَ هَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى

  92. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُشْرِكِينَ {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} الْآيَةَ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} وَأَهْوَاءَهُمْ يَحْتَمِلُ سَبِيلَهُمْ فِي أَحْكَامِهِمْ وَيَحْتَمِلُ مَا يَهْوُونَ وَأَيُّهُمَا كَانَ فَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ وَأُمِرَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحُكْمُ اللَّهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَأَعْلَمَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ أَنَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ حُكْمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّهُ لَا يُجِيزُ بَيْنَهُمْ إلَّا شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَقَوْلِهِ {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بَيْنَهُمْ فَقُلْنَا وَلِمَ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} وَذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَنْتَ لَا تُخَالِفُنَا فِي أَنَّهُمْ مِنْ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ الْعُدُولِ لَا مِنْ غَيْرِهِمْ فَكَيْفَ أَجَزْت غَيْرَ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ؟

  93. قَالَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} فَقُلْت لَهُ فَقَدْ قِيلَ: مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ وَالتَّنْزِيلُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ} وَالصَّلَاةُ الْمُؤَقَّتَةُ لِلْمُسْلِمِينَ وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} وَإِنَّمَا الْقَرَابَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْعَرَبِ، أَوْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ لَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ} فَإِنَّمَا يَتَأَثَّمُ مِنْ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ لِلْمُسْلِمِينَ الْمُسْلِمُونَ لَا أَهْلُ الذِّمَّةِ قَالَ فَإِنَّا نَقُولُ هِيَ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ قُلْت لَهُ فَأَنْتَ تَتْرُكُ مَا تَأَوَّلْت قَالَ وَأَيْنَ قُلْت أَفَتُجِيزُ شَهَادَةَ غَيْرِ أَهْلِ دِينِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ لَا قُلْت وَلِمَ وَهُمْ غَيْرُ أَهْلِ دِينِنَا هَلْ تَجِدُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، أَوْ فِي خَبَرٍ يَلْزَمُ مِثْلُهُ أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ جَائِزَةٌ وَشَهَادَةَ غَيْرِهِمْ غَيْرُ جَائِزَةٍ، أَوْ رَأَيْت لَوْ قَالَ لَك قَائِلٌ أَرَاك قَدْ خَصَّصْت بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ دُونَ بَعْضٍ فَأُجِيزُ شَهَادَةَ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛

  94. لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا بِمَا وَجَدُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ وَلَمْ يُبَدِّلُوا كِتَابًا كَانَ فِي أَيْدِيهمْ وَأَرُدُّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَنَا أَنَّهُمْ بَدَّلُوا كِتَابَهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَفِيهِمْ قَوْمٌ لَا يَكْذِبُونَ قُلْنَا وَفِي أَهْلِ الْأَوْثَانِ قَوْمٌ لَا يَكْذِبُونَ قَالَ فَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى أَنْ لَا يُجِيزُوا شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ قُلْنَا الَّذِينَ تَحْتَجُّ بِإِجْمَاعِهِمْ مَعَك مِنْ أَصْحَابِنَا لَمْ يَرُدُّوا شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ إلَّا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، وَالْآيَةُ مَعَهَا وَبِذَلِكَ رَدُّوا شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنْ كَانُوا أَخْطَئُوا فَلَا نَحْتَجُّ بِإِجْمَاعِ الْمُخْطِئِينَ مَعَك وَإِنْ كَانُوا أَصَابُوا فَاتَّبِعْهُمْ فَقَدْ اتَّبَعُوا الْقُرْآنَ فَلَمْ يُجِيزُوا شَهَادَةَ مَنْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ قَالَ فَإِنَّ شُرَيْحًا أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقُلْت لَهُ وَخَالَفَ شُرَيْحًا غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ السُّنَّةِ، وَالْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ، فَأَبَوْا إجَازَةَ شَهَادَتِهِمْ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا وَأَنْتَ تُخَالِفُ شُرَيْحًا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ كِتَابٌ بِرَأْيِك قَالَ إنِّي لَأَفْعَلُ قُلْت وَلِمَ قَالَ؛

  95. لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُنِي قَوْلُهُ قُلْت فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْك قَوْلُهُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ كِتَابٌ فَقَوْلُهُ فِيمَا فِيهِ خِلَافُ الْكِتَابِ أَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَك قَالَ فَإِذَا لَمْ أُجِزْ شَهَادَتَهُمْ أَضْرَرْت بِهِمْ قُلْت أَنْتَ لَمْ تَضُرَّ بِهِمْ لَهُمْ حُكَّامٌ وَلَمْ يَزَالُوا يَسْأَلُونَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَلَا نَمْنَعُهُمْ مِنْ حُكَّامِهِمْ، وَإِذَا

  96. 7/347/34

    حَكَمْنَا لَمْ نَحْكُمْ إلَّا بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ إجَازَةِ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِينَ.

  97. وَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت عَبِيدًا أَهْلَ فَضْلٍ وَمُرُوءَةٍ وَأَمَانَةٍ يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ قَالَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ قُلْت لَا يَخْلِطُهُمْ غَيْرُهُمْ فِي أَرْضِ رَجُلٍ، أَوْ ضَيْعَتِهِ فِيهِمْ قَتْلٌ وَطَلَاقٌ وَحُقُوقٌ وَغَيْرُهَا وَمَتَى رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ بَطَلَتْ دِمَاؤُهُمْ وَحُقُوقُهُمْ قَالَ فَأَنَا لَمْ أُبْطِلْهَا وَإِنَّمَا أَمَرْت بِإِجَازَةِ شَهَادَةِ الْأَحْرَارِ الْعُدُولِ الْمُسْلِمِينَ قُلْت وَهَكَذَا أَعْرَابٌ كَثِيرٌ فِي مَوْضِعٍ لَا يُعْرَفُ عَدْلُهُمْ وَهَكَذَا أَهْلُ سِجْنٍ لَا يُعْرَفُ عَدْلُهُمْ وَلَا يُخْلَطُ هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ أَحَدٌ يَعْدِلُ أَتَبْطُلُ الدِّمَاءُ، وَالْأَمْوَالُ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَهُمْ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ؟

  98. قَالَ نَعَمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ شَرَطَ اللَّهُ قُلْنَا وَلَا أَهْلُ الذِّمَّةِ مِمَّنْ شَرَطَ اللَّهُ؟، بَلْ هُمْ أَبْعَدُ مِمَّنْ شَرَطَ اللَّهُ مِنْ عَبِيدٍ عُدُولٍ لَوْ أُعْتِقُوا جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ مِنْ غَدٍ،

  99. وَلَوْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ حَتَّى نَخْتَبِرَ إسْلَامَهُ وَقُلْت لَهُ إذَا احْتَجَجْت بِ {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أَفَتُجِيزُهَا عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ حَيْثُ ذَكَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ لَا؛ لِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ قُلْنَا أَفَتُنْسَخُ فِيمَا نَزَلَتْ فِيهِ وَتَثْبُت فِي غَيْرِهِ؟

  100. لَوْ قَالَ هَذَا غَيْرُك كُنْت شَبِيهًا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ جَوَابِهِ إلَى شَتْمِهِ قَالَ مَا قُلْنَا فِيهَا إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوهُ وَأَرَدْنَا الرِّفْقَ بِهِمْ قُلْنَا الرِّفْقُ بِالْعَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ الْعُدُولِ، وَالْأَحْرَارِ مِنْ الْأَعْرَابِ وَأَهْلِ السِّجْنِ كَانَ أَوْلَى بِك وَأَلْزَمَ لَك مِنْ الرِّفْقِ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَمْ تَرْفُقْ بِهِمْ؛

  101. لِأَنَّ شَرْطَ اللَّهِ فِي الشُّهُودِ غَيْرُهُمْ وَغَيْرَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَيْفَ جَاوَزْت شَرْطَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ لِلرِّفْقِ بِهِمْ وَلَمْ تُجَاوِزْهُ فِي الْمُسْلِمِينَ لِلرِّفْقِ بِهِمْ وَقُلْت أَيْضًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى إذَا تَحَاكَمُوا إلَيْنَا، وَقَدْ زَنَى مِنْهُ ثَيِّبٌ رَجَمْنَاهُ.

  102. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ إلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقَالَ أَرْجُمُهُمَا إذَا زَنَيَا؛

  103. لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَرْجُمُهُمَا إذَا زَنَيَا وَقَالُوا جَمِيعًا فِي الْجُمْلَةِ نَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ فَقُلْت لِبَعْضِهِمْ أَرَأَيْت إذَا أَرْبَوْا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَالرِّبَا عِنْدَهُمْ حَلَالٌ؟ قَالَ أَرُدُّ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ عِنْدَنَا قُلْت وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا عِنْدَهُمْ مِنْ إحْلَالِهِ؟

  104. قَالَ لَا قُلْت أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَى مَجُوسِيٌّ مِنْهُمْ بَيْنَ يَدَيْك غَنَمًا بِأَلْفٍ،

  105. ثُمَّ وَقَذَهَا كُلَّهَا لِيَبِيعَهَا فَبَاعَ بَعْضَهَا مَوْقُوذًا بِرِبْحٍ وَبَقِيَ بَعْضُهَا فَحَرَقَهَا عَلَيْهِ مُسْلِمٌ، أَوْ مَجُوسِيٌّ فَقَالَ هَذَا مَالِي وَهَذِهِ ذَكَاتُهُ عِنْدِي وَحَلَالٌ فِي دِينِي، وَقَدْ نَقَدْت ثَمَنَهُ بَيْنَ يَدَيْك وَبِعْت بَعْضَهُ بِرِبْحٍ، وَالْبَاقِي كُنْت بَائِعَهُ بِرِبْحٍ،

  106. ثُمَّ حَرَقَهُ هَذَا؟ قَالَ فَلَيْسَ لَك عَلَيْهِ شَيْءٌ قُلْت فَإِنْ قَالَ لَكَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ حَرَامٌ، قُلْتُ:

  107. فَإِنْ قَالَ لَكَ: حَرَامٌ عِنْدَكَ أَوْ عِنْدِي؟ قَالَ: أَقُولُ لَهُ: عِنْدِي، قُلْتُ: فَقَالَ: هُوَ حَلَالٌ عِنْدِي، قَالَ:

  108. وَإِنْ كَانَ حَلَالًا عِنْدَك فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدِي عَلَيَّ وَمَا كَانَ حَرَامًا عَلَيَّ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْك قُلْت فَإِنْ قَالَ فَأَنْتَ تُقِرُّنِي عَلَى أَنْ آكُلَهُ، أَوْ أَبِيعَهُ وَأَنَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَتَأْخُذُ مِنِّي عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ قَالَ فَإِنْ أَقْرَرْتُك عَلَيْهِ فَإِقْرَارُك عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ لَك عَلَى أَنْ أَصِيرَ لَك شَرِيكًا بِأَنْ أَحْكُمَ لَك بِهِ قُلْت فَمَا تَقُولُ إنْ قَتَلَ لَهُ خِنْزِيرًا، أَوْ أَهْرَاقَ لَهُ خَمْرًا؟

  109. قَالَ يَضْمَنُ ثَمَنَهُ قُلْت وَلِمَ قَالَ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُ قُلْت أَحَرَامٌ عَلَيْك أَمْ غَيْرُ حَرَامٍ؟ قَالَ، بَلْ حَرَامٌ قُلْت أَفَتَقْضِي لَهُ بِقِيمَةِ الْحَرَامِ مَا فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّبَا وَثَمَنِ الْمَيْتَةِ لِلْمَيْتَةِ كَانَتْ أَوْلَى أَنْ يُقْضَى لَهُ بِثَمَنِهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا أُهُبًا قَدْ يَسْلُخُهَا فَيَدْبُغُهَا فَتَحِلُّ لَهُ وَلَيْسَ فِي الْخِنْزِيرِ عِنْدَك مَا يَحِلُّ

  110. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قُلْت لَهُ مَا تَقُولُ فِي مُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ سَلَخَ جُلُودَ مَيْتَةٍ لِيَدْبُغَهَا فَحَرَقَ تِلْكَ الْجُلُودَ عَلَيْهِ قَبْلَ الدِّبَاغِ مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ؟ قَالَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قُلْت وَلِمَ، وَقَدْ تُدْبَغُ فَتَصِيرُ تَسْوَى مَالًا كَثِيرًا وَيَحِلُّ بَيْعُهَا قَالَ؛

  111. لِأَنَّهَا حُرِقَتْ فِي وَقْتٍ فَلَمَّا أُتْلِفَتْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَيْسَتْ فِيهِ حَلَالًا لَمْ أَضْمَنْهَا قُلْت، وَالْخِنْزِيرُ شَرٌّ، أَوْ هَذِهِ؟ قَالَ، بَلْ الْخِنْزِيرُ قُلْت فَظُلْمُ الْمُسْلِمِ، وَالْمُعَاهِدِ أَعْظَمُ أَمْ ظُلْمِ الْمُعَاهِدِ وَحْدَهُ؟ قَالَ، بَلْ ظُلْمُ الْمُسْلِمِ، وَالْمُعَاهِدِ مَعًا قُلْت:

  112. 7/357/35

    فَلَا فَمَا أَسْمَعُك إلَّا ظَلَمْت الْمُسْلِمَ، وَالْمُعَاهِدَ، أَوْ أَحَدَهُمَا حِينَ لَمْ تَقْضِ لِلْمُسْلِمِ بِثَمَنِ الْأُهُبِ، وَقَدْ تَصِيرُ حَلَالًا وَهِيَ السَّاعَةَ لَهُ مَالٌ لَوْ غَصَبَهُ إيَّاهَا إنْسَانٌ لَمْ تَحِلَّ لَهُ، وَكَانَ عَلَيْك رَدُّهَا إلَيْهِ وَظَلَمْت الْمُعَاهِدَ حِينَ لَمْ تَضْمَنْ ثَمَنَ أُهُبِهِ وَثَمَنَ مَيْتَتِهِ، أَوْ ظَلَمْته حِينَ أَعْطَيْته ثَمَنَ الْحَرَامِ مِنْ الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلِهَذَا كِتَابٌ طَوِيلٌ هَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْهُ وَفِيمَا كَتَبْنَا بَيَانٌ مِمَّا لَمْ نَكْتُبْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

  113. (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} قَرَأَ الرَّبِيعُ الْآيَةَ فَقُلْنَا بِمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إذَا وُجِدَ الْفُقَرَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ وَالرِّقَابُ، وَالْغَارِمُ وَابْنُ السَّبِيلِ أُعْطُوا مِنْهَا كُلُّهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ صِنْفًا مِنْهُمْ وَيُحْرِمُهَا صِنْفًا يَجِدُهُمْ؛

  114. لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَابِتٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا صِنْفًا وَاحِدًا وَيَمْنَعَ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ فَقِيلَ لَهُ: عَمَّنْ أَخَذْت هَذَا؟ فَذَكَرَ بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ لَا أَحْفَظُهُ قَالَ فَقَالَ إنْ وَضَعَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ يَجِدُ الْأَصْنَافَ أَجْزَأَهُ قُلْنَا فَلَوْ كَانَ قَوْلُ هَذَا الَّذِي حَكَيْت عَنْهُ هَذَا مِمَّا يَلْزَمُ لَمْ يَكُنْ لَك فِيهِ حُجَّةٌ؛

  115. لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فَإِنْ وَضَعَهَا، وَالْأَصْنَافُ مَوْجُودُونَ أَجْزَأَهُ وَإِنَّمَا قَالَ النَّاسُ إذَا لَمْ يُوجَدْ صِنْفٌ مِنْهَا رَدَّ حِصَّتَهُ عَلَى مَنْ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا نَجِدُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهِ مِمَّنْ ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَعَهُ،

  116. فَأَمَّا، وَالْأَصْنَافُ مَوْجُودَةٌ فَمَنَعَ بَعْضُهُمْ مَالَهُ لَا يَجُوزُ،

  117. وَلَوْ جَازَ هَذَا جَازَ أَنْ يَأْخُذَهُ كُلَّهُ فَيَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِهِمْ مَعَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَطُّ يَلْزَمُ قَوْلُهُ،

  118. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا كِتَابُ اللَّهِ وَكَيْفَ تَحْتَجُّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُنَّةٍ وَلَا أَمْرٍ مُجْتَمَعٍ عَلَيْهِ وَلَا أَمْرٍ بَيِّنٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقَدْ تَرَكْنَا مِنْ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ خَالَفَ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ أَكْثَرَ مِمَّا كَتَبْنَا اكْتِفَاءً بِبَعْضِ مَا كَتَبْنَا وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى التَّوْفِيقَ، وَالْعِصْمَةَ، وَقَدْ بَيَّنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَمْ يَحْتَجُّوا فِي إبْطَالِ الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ بِشَيْءٍ زَعَمُوا أَنَّهُ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ إلَّا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ خَالَفُوا الْقُرْآنَ بِلَا حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُوا قَالُوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَأْخُذَ مَا آتَانَا وَنَنْتَهِيَ عَمَّا نَهَانَا وَلَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ ذَلِكَ وَبَيَّنَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا ظَاهِرَ الْقُرْآنِ وَمَعَهُ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَيْضًا، فَأَيُّ جَهْلٍ أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ يَحْتَجُّونَ بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ لَا يَرَوْنَهُ حُجَّةً لِغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؟ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.