فَصْلٌ:
بداية المجتهدComparativemasa’il 6947 to 6966
-
3/1953/195
; وَإِذْ قَدْ قُلْنَا إِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ، أَوْ يُمْسِكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُمْسِكَ الْمُشْتَرِي سِلْعَتَهُ وَيُعْطِيَهُ الْبَائِعُ قِيمَةَ الْعَيْبِ، فَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ يُجِيزُونَ ذَلِكَ، إِلَّا ابْنَ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ; لِأَنَّهُ خِيَارٌ فِي مَالٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِسْقَاطُهُ بِعِوَضٍ كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ.
-
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَهَذَا غَلَطٌ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُشْتَرِي، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ (أَعْنِي: أَنْ يَرُدَّ وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ، وَلَهُ أَنْ يُعَاوِضَ عَلَى تَرْكِهِ) ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ خِيَارِ الشُّفْعَةِ فَإِنَّهُ شَاهِدٌ لَنَا، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا تَرْكَهُ إِلَى عِوَضٍ يَأْخُذُهُ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ.
-
وَفِي هَذَا الْبَابِ فَرْعَانِ مَشْهُورَانِ مِنْ قِبَلِ التَّبْعِيضِ: ;
-
أَحَدُهُمَا: هَلْ إِذَا اشْتَرَى الْمُشْتَرِي أَنْوَاعًا مِنَ الْمَبِيعَاتِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَوَجَدَ أَحَدَهَا مَعِيبًا، فَهَلْ يَرْجِعُ بِالْجَمِيعِ، أَوْ بِالَّذِي وَجَدَ فِيهِ الْعَيْبَ؟
-
فَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ، أَوْ يُمْسِكَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمَّى مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ مِنَ الْقِيمَةِ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ يَرُدُّ الْمَبِيعَ بِعَيْنِهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ.
-
وَقَالَ قَوْمٌ: يَرُدُّ الْمَعِيبَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ بِالتَّقْدِيرِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُ.
-
وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَانِ مَعًا.
-
وَفَرَّقَ مَالِكٌ، فَقَالَ: يُنْظَرُ فِي الْمَعِيبِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ وَالْمَقْصُودَ بِالشِّرَاءِ رَدَّ الْجَمِيعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهَ الصَّفْقَةِ رَدَّهُ بِقِيمَتِهِ.
-
وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ تَفْرِيقًا آخَرَ،
-
وَقَالَ: إِنْ وُجِدَ الْعَيْبُ قَبْلَ الْقَبْضِ رَدَّ الْجَمِيعَ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ رَدَّ الْمَعِيبَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ. فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
-
3/1963/196
فَحُجَّةُ مَنْ مَنَعَ التَّبْعِيضَ فِي الرَّدِّ: أَنَّ الْمَرْدُودَ يَرْجِعُ فِيهِ بِقِيمَةٍ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهَا الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَبْقَى إِنَّمَا يَبْقَى بِقِيمَةٍ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهَا. وَيُمْكِنُ أَنَّهُ لَوْ بُعِّضَتِ السِّلْعَةُ لَمْ يَشْتَرِ الْبَعْضَ بِالْقِيمَةِ الَّتِي أُقِيمَ بِهَا.
-
وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ رَأَى الرَّدَّ فِي الْبَعْضِ الْمَعِيبِ وَلَا بُدَّ: فَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، فَأُقِيمَ فِيهِ التَّقْوِيمُ وَالتَّقْدِيرُ مَقَامَ الرِّضَا قِيَاسًا عَلَى أَنَّ مَا فَاتَ فِي الْبَيْعِ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْقِيمَةُ.
-
وَأَمَّا تَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ مَا هُوَ وَجْهُ الصَّفْقَةِ، أَوْ غَيْرُ وَجْهِهَا؟ فَاسْتِحْسَانٌ مِنْهُ; لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَعِيبَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا فِي الْمَبِيعِ فَلَيْسَ كَبِيرَ ضَرَرٍ فِي أَنْ لَا يُوَافِقَ الثَّمَنَ الَّذِي أُقِيمَ بِهِ إرَادَة الْمُشْتَرِي أَوِ الْبَائِعُ.
-
وَأَمَّا عِنْدَمَا يَكُونُ مَقْصُودًا، أَوْ جُلَّ الْمَبِيعِ فَيَعْظُمُ الضَّرَرُ فِي ذَلِكَ.
-
وَاخْتُلِفَ عَنْهُ هَلْ يُعْتَبَرُ تَأْثِيرُ الْعَيْبِ فِي قِيمَةِ الْجَمِيعِ أَوْ فِي قِيمَةِ الْمَعِيبِ خَاصَّةً؟
-
وَأَمَّا تَفْرِيقُ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ أَنْ يَقْبِضَ أَوْ لَا يَقْبِضَ، فَإِنَّ الْقَبْضَ عِنْدَهُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ تَمَامِ الْبَيْعِ، مَا لَمْ يُقْبَضِ الْمَبِيعُ فَضَمَانُهُ عِنْدَهُ مِنَ الْبَائِعِ، وَحُكْمُ الِاسْتِحْقَاقِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. ;
-
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي رَجُلَيْنِ يَبْتَاعَانِ شَيْئًا وَاحِدًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَجِدَانِ بِهِ عَيْبًا فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا الرُّجُوعَ، وَيَأْبَى الْآخَرُ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لِمَنْ أَرَادَ الرَّدَّ أَنْ يَرُدَّ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ،
-
وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ.
-
فَمَنْ أَوْجَبَ الرَّدَّ شَبَّهَهُ بِالصَّفْقَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْنِ; لِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهَا عَاقِدَانِ;
-
وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهُ شَبَّهَهُ بِالصَّفْقَةِ الْوَاحِدَةِ إِذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي فِيهَا تَبْعِيضَ رَدِّ الْمَبِيعِ بِالْعَيْبِ.