الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ
بداية المجتهدComparativemasa’il 7118 to 7148
الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ
-
وَإِذَا اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى الْبَيْعِ وَاخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَلَمْ تَكُنْ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ: فَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ بِالْجُمْلَةِ، وَمُخْتَلِفُونَ فِي التَّفْصِيلِ (أَعْنِي: فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ بِالْأَيْمَانِ وَالتَّفَاسُخِ) .
-
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٌ: إِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ مَا لَمْ تَفُتْ عَيْنُ السِّلْعَةِ، فَإِنْ فَاتَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَشْهَبُ صَاحِبُ مَالِكٍ: يَتَحَالَفَانِ فِي كُلِّ وَقْتٍ.
-
وَأَمَّا مَالِكٌ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ:
-
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَ الْقَبْضِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
-
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ; وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالثَّانِيَةُ رِوَايَةُ أَشْهَبَ، وَالْفَوْتُ عِنْدَهُ يَكُونُ بِتَغْيِيرِ الْأَسْوَاقِ، وَبِزِيَادَةِ الْمَبِيعِ، وَنُقْصَانِهِ.
-
وَقَالَ دَاوُدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ زُفَرُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّفَاسُخُ عِنْدَهُمْ وَالتَّحَالُفُ.
-
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوِ الْمَثْمُونِ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّحَالُفُ، وَالتَّفَاسُخُ، وَإِنَّمَا صَارَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ إِلَى الْقَوْلِ عَلَى الْجُمْلَةِ بِالتَّحَالُفِ، وَالتَّفَاسُخِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي عَدَدِ الثَّمَنِ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا بَيِّعَيْنِ تَبَايَعَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، أَوْ يَتَرَادَّانِ» .
-
فَمَنْ حَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى وُجُوبِ التَّفَاسُخِ، وَعُمُومِهِ قَالَ: يَتَحَالَفَانِ فِي كُلِّ حَالٍ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ.
-
3/2083/208
وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَتَسَاوَى فِيهَا دَعْوَى الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي قَالَ: إِذَا قَبَضَ السِّلْعَةَ، أَوْ فَاتَتْ فَقَدْ صَارَ الْقَبْضُ شَاهِدًا لِلْمُشْتَرِي، وَشُبْهَةً لِصِدْقِهِ، وَالْيَمِينُ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى أَقْوَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ شُبْهَةً، وَهَذَا هُوَ أَصْلُ مَالِكٍ فِي الْأَيْمَانِ;
-
وَلِذَلِكَ يُوجِبُ فِي مَوَاضِعَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَفِي مَوَاضِعَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَجِبِ الْيَمِينُ بِالنَّصِّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِي الْأَكْثَرِ أَقْوَى شُبْهَةً، فَإِذَا كَانَ الْمُدَّعِي فِي مَوَاطِنَ أَقْوَى شُبْهَةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ فِي حَيِّزِهِ.
-
وَأَمَّا مَنْ رَأَى الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّ الْبَائِعَ مُقِرٌّ لِلْمُشْتَرِي بِالشِّرَاءِ، وَمُدَّعٍ عَلَيْهِ عَدَدًا مَا فِي الثَّمَنِ.
-
وَأَمَّا دَاوُدُ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فَرَدُّوا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ;
-
وَلِذَلِكَ لَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَإِنَّمَا خَرَّجَهُ مَالِكٌ.
-
وَعَنْ مَالِكٍ: إِذَا نَكَلَ الْمُتَبَايِعَانِ عَنِ الْأَيْمَانِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْفَسْخُ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ.
-
وَكَذَلِكَ مَنْ يَبْدَأُ بِالْيَمِينِ؟ فِي الْمَذْهَبِ فِيهِ خِلَافٌ، فَالْأَشْهَرُ الْبَائِعُ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ، وَهَلْ إِذَا وَقَعَ التَّفَاسُخُ يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَخْتَارَ قَوْلَ صَاحِبِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ.
-
الْجُزْءُ الْخَامِسُ الْأَحْكَامُ الْعَامَّةُ لِلْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنَ النَّظَرِ الْمُشْتَرَكِ فِي الْبُيُوعِ (وَهُوَ النَّظَرُ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إِذَا وَقَعَ) : فَنَقُولُ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْبُيُوعَ الْفَاسِدَةَ إِذَا وَقَعَتْ وَلَمْ تَفُتْ بِإِحْدَاثِ عَقْدٍ فِيهَا أَوْ نَمَاءٍ، أَوْ نُقْصَانٍ، أَوْ حَوَالَةِ سُوقٍ أَنَّ حُكْمَهَا الرَّدُّ (أَعْنِي: أَنْ يَرُدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، وَالْمُشْتَرِي الْمَثْمُونَ) .
-
وَاخْتَلَفُوا إِذَا قُبِضَتْ وَتُصُرِّفَ فِيهَا بِعِتْقٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ رَهْنٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ: هَلْ ذَلِكَ فَوْتٌ يُوجِبُ الْقِيمَةَ، كَذَلِكَ إِذَا نَمَتْ أَوْ نَقَصَتْ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَوْتًا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ الرَّدُّ،
-
وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ ذَلِكَ فَوْتٌ يُوجِبُ الْقِيمَةَ إِلَّا مَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي الرِّبَا أَنَّهُ لَيْسَ بِفَوْتٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
-
وَالْبُيُوعُ الْفَاسِدَةُ عِنْدَ مَالِكٍ تَنْقَسِمُ إِلَى مُحَرَّمَةٍ، وَإِلَى مَكْرُوهَةٍ: فَأَمَّا الْمُحَرَّمَةُ: فَإِنَّهَا إِذَا فَاتَتْ مَضَتْ بِالْقِيمَةِ.
-
وَأَمَّا الْمَكْرُوهَةُ: فَإِنَّهَا إِذَا فَاتَتْ صَحَّتْ عِنْدَهُ، وَرُبَّمَا صَحَّ عِنْدَهُ بَعْضُ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ بِالْقَبْضِ لِخِفَّةِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ.
-
فَالشَّافِعِيَّةُ تُشَبِّهُ الْمَبِيعَ الْفَاسِدَ لِمَكَانِ الرِّبَا، وَالْغَرَرَ بِالْفَاسِدِ لِمَكَانِ تَحْرِيمِ عَيْنِهِ; كَبَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِيهِ فَوْتٌ.
-
وَمَالِكٌ يَرَى أَنَّ النَّهْيَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ إِنَّمَا هُوَ لِمَكَانِ عَدَمِ الْعَدْلِ فِيهَا (أَعْنِي: بُيُوعَ الرِّبَا وَالْغَرَرِ) ، فَإِذَا فَاتَتِ السِّلْعَةُ فَالْعَدْلُ فِيهَا هُوَ الرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ; لِأَنَّهُ قَدْ تُقْبَضُ السِّلْعَةُ وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا، وَتُرَدُّ وَهِيَ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ;
-
وَلِذَلِكَ يَرَى مَالِكٌ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ فَوْتًا فِي الْمَبِيعِ الْفَاسِدِ.
-
وَمَالِكٌ يَرَى فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ أَنَّهُ إِذَا فَاتَ وَكَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُسْلِفَ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ مَا لَمْ تَكُنْ أَزْيَدَ مِنَ الثَّمَنِ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ رَفَعَ لَهُ فِي الثَّمَنِ لِمَكَانِ السَّلَفِ، فَلَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يَرُدَّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي أَسْلَفَ الْبَائِعَ فَقَدْ حَطَّ الْبَائِعُ عَنْهُ مِنَ الثَّمَنِ لِمَكَانِ السَّلَفِ، فَإِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي الْقِيمَةُ رَدَّهَا مَا لَمْ تَكُنْ أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ;
-
3/2093/209
لِأَنَّ هَذِهِ الْبُيُوعَ إِنَّمَا وَقَعَ الْمَنْعُ فِيهَا لِمَكَانِ مَا جُعِلَ فِيهَا مِنَ الْعِوَضِ مُقَابِلَ السَّلَفِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعٌ لِعَوْنِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَمَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَفْقَهُ مِنَ الْجَمِيعِ.
-
وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَرَكَ الشَّرْطَ قَبْلَ الْقَبْضِ (أَعْنِي: شَرْطَ السَّلَفِ) : هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ: الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ.
-
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ: الْبَيْعُ غَيْرُ مَفْسُوخٍ إِلَّا ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ: الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
-
وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ النَّهْيَ يَتَضَمَّنُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ، فَإِذَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ فَاسِدًا لَمْ يُصَحِّحْهُ بَعْدُ رَفْعُ الشَّرْطِ الَّذِي مِنْ قِبَلِهِ وَقَعَ الْفَسَادُ، كَمَا أَنَّ رَفْعَ السَّبَبِ الْمُفْسِدِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ بَعْدَ فَسَادِ الشَّيْءِ لَيْسَ يَقْتَضِي عَوْدَةَ الشَّيْءِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْفَسَادِ مِنَ الْوُجُودِ فَاعْلَمْهُ.
-
وَرُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ الْبَرْمَكِيَّ سَأَلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيَّ، فَقَالَ لَهُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ السَّلَفِ، وَالْبَيْعِ، وَبَيْنَ رَجُلٍ بَاعَ غُلَامًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَزِقِّ خَمْرٍ، فَلَمَّا انْعَقَدَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا قَالَ: أَنَا أَدَعُ الزِّقَّ، وَهَذَا الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِإِجْمَاعٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ السَّلَفِ كَذَلِكَ، فَجَاوَبَ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابٍ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ.
-
وَإِذْ قَدِ انْقَضَى الْقَوْلُ فِي أُصُولِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَأُصُولِ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ، وَفِي أُصُولِ أَحْكَامِ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ، وَأُصُولِ الْأَحْكَامِ الْفَاسِدَةِ الْمُشْتَرَكَةِ الْعَامَّةِ لِجَمِيعِ الْبُيُوعِ، أَوْ لِكَثِيرٍ مِنْهَا فَلْنَصِرْ إِلَى مَا يَخُصُّ وَاحِدًا وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ أَرْبَعَةِ الْأَجْنَاسِ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَذْكُرَ مِنْهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى الْأُصُولِ.