Oaths
Food, oaths and vows
These are the main texts as they are, not a comparison.To compare: the disputed masa’il of this chapter
In the four schools’ base texts
-
(قَالَ) وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ إنْ بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ أَوَانَ نُزُولِ الْعِتْقِ الْمُتَعَلِّقِ بِالشَّرْطِ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَبَعْدَ الْبَيْعِ هُوَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ فَلَا يَعْتِقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ فَاسِدًا فَيَعْتِقُ؛ لِأَنَّ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ؛
-
لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْبَيْعِ فَحِينَئِذٍ يَزُولُ مِلْكُهُ بِنَفْسِ الْبَيْعِ فَلَا يَعْتِقُ.
-
وَلَوْ قَالَ إذَا دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ فَدَخَلَ الدَّارَ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ يَقُولُ يَعْتِقُ وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ،
-
وَكَذَلِكَ مَذْهَبُهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ قَدْ صَحَّ فِي الْمِلْكِ فَيَنْزِلُ الْعِتْقُ مِنْ جِهَتِهِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا يُعْتَبَرُ قِيَامُ مِلْكِهِ فِي الْمَحَلِّ عِنْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ قِيَامُ الْأَهْلِيَّةِ فِي الْمَوْلَى حَتَّى لَوْ جُنَّ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ عَتَقَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ إنَّمَا يَصِلُ إلَى الْمَحَلِّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ مِلْكِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِيَعْتِقَ مِنْ جِهَتِهِ وَالْأَهْلِيَّةُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِصِحَّةِ التَّكَلُّمِ وَتَكَلُّمُهُ عِنْدَ التَّعْلِيقِ لَا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَيَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنَجِّزِ لِلْعِتْقِ بِذَلِكَ الْكَلَامِ الَّذِي صَحَّ مِنْهُ،
-
فَإِنْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ هَذَا فَدَخَلَ الدَّارَ لَمْ يَعْتِقْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ انْحِلَالِ الْيَمِينِ نُزُولُ الْجَزَاءِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ بَعْدَ الْبَيْعِ حَتَّى اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ عَتَقَ عِنْدَنَا لِبَقَاءِ الْيَمِينِ بِزَوَالٍ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الشَّرْطِ فِي مِلْكِهِ وَلَا يَعْتِقُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِبُطْلَانِ الْيَمِينِ بِزَوَالِ الْمِلْكِ فَإِنَّ الْيَمِينَ كَمَا لَا يَنْعَقِدُ عِنْدَهُ إلَّا فِي الْمِلْكِ لَا يَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ.
-
فَإِنْ قَالَ إذَا دَخَلْتَ هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ فَدَخَلَ إحْدَاهُمَا ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ الْأُخْرَى عَتَقَ لِوُجُودِ الْمِلْكِ عِنْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ قِيَامَ الْمِلْكِ عِنْدَ وُجُودِ نَفْسِ الشَّرْطِ كَمَا يَعْتَبِرُهُ عِنْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الطَّلَاقِ،
-
فَإِنْ دَخَلَ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْبَيْعِ ثُمَّ بَاعَهُ فَدَخَلَ الْأُخْرَى لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ تَمَّ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَأَوَانُ نُزُولِ الْجَزَاءِ مَا بَعْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ.
-
وَلَوْ قَالَ لَهُ إذَا دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ إذَا كَلَّمْتَ فُلَانًا فَبَاعَهُ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَكَلَّمَ فُلَانًا لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الْعِتْقِ الْكَلَامَ وَعَلَّقَ ذَلِكَ الْيَمِينَ بِدُخُولِ الدَّارِ
-
وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنَجِّزِ فَيَصِيرُ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ إذَا كَلَّمَتْ فُلَانًا وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مِلْكِهِ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ فَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ وَإِنْ كَلَّمَ فُلَانًا فِي مِلْكِهِ
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ هُنَاكَ عَقَدَ الْيَمِينَ فِي الْحَالِ وَجَعَلَ دُخُولَ الدَّارَيْنِ شَرْطًا لِلْعِتْقِ وَقَدْ وُجِدَ الْمِلْكُ عِنْدَ التَّعْلِيقِ وَعِنْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ فَلِهَذَا يَعْتِقُ.
-
وَلَوْ قَالَ إذَا دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَبَاعَهُ فَدَخَلَ الدَّارَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ لَمْ يَعْتِقْ إنْ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّدْبِيرَ بِدُخُولِ الدَّارِ فَيَصِيرُ كَالْمُنَجِّزِ لَهُ عِنْدَ الدُّخُولِ وَالتَّدْبِيرُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ أَوْ مُضَافًا إلَى الْمِلْكِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ لَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا فَلَا يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ.
-
وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْتَ دَارَ فُلَانٍ فَأَنْتَ حُرٌّ فَشَهِدَ فُلَانٌ وَآخَرُ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَصَاحِبُ الدَّارِ فِي شَهَادَتِهِ عَلَى فِعْلِ الْعَبْدِ كَغَيْرِهِ فَيَثْبُتُ الشَّرْطُ بِشَهَادَتِهِمَا.
-
وَلَوْ قَالَ إنْ كَلَّمْتَ فُلَانًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَشَهِدَ فُلَانٌ وَآخَرُ أَنَّهُ قَدْ كَلَّمَهُ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ كَلَامَ فُلَانٍ قَوْلُهُ بِاللِّسَانِ وَالْإِنْسَانُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَلَمْ يَبْقَ عَلَى الشَّرْطِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَبِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ لَا يَثْبُتُ الشَّرْطُ،
-
فَإِنْ شَهِدَ ابْنَا فُلَانٍ أَنَّهُ قَدْ كَلَّمَ أَبَاهُمَا،
-
فَإِنْ جَحَدَ الْأَبُ ذَلِكَ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَبِيهِمَا بِالْكَلَامِ وَعَلَى الْمَوْلَى بِوُجُودِ الشَّرْطِ،
-
وَإِنْ كَانَ أَبُوهُمَا يَدَّعِي ذَلِكَ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ لِأَبِيهِمَا وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْتَبِرُ الْمَنْفَعَةَ لِلتُّهْمَةِ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْتَبِرُ الدَّعْوَةَ وَالْإِنْكَارَ؛
-
لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ لِأَبِيهِمَا وَيُظْهِرَانِ صِدْقَهُ فِيمَا يَدَّعِي وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ.
-
وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِعِتْقِ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ لَا يَدْخُلُ دَارًا ثُمَّ اشْتَرَى نَصِيبَ الْآخَرِ فَدَخَلَ الدَّارَ عَتَقَ النِّصْفُ الْأَوَّلُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَهُ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ لِوُجُودِ الْمِلْكِ وَقْتَ التَّعْلِيقِ فَيَصِيرُ كَالْمُنَجِّزِ لِلْعِتْقِ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ،
-
وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ يَسْعَى الْعَبْدُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ وَعِنْدَهُمَا يَعْتِقُ كُلُّهُ فَهَذَا مِثْلُهُ.
-
(قَالَ) وَلَوْ كَانَ بَاعَ النِّصْفَ الْأَوَّلَ ثُمَّ اشْتَرَى نِصْفَ شَرِيكِهِ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ التَّعْلِيقُ وَهُوَ النِّصْفُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَكُنْ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا فِي النِّصْفِ الَّذِي اُسْتُحْدِثَ الْمِلْكُ فِيهِ بَعْدَ التَّعْلِيقِ فَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَبَيْنَ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ مِنْ مَيِّتٍ أَوْ أُسْطُوَانَةٍ أَوْ حِمَارٍ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ أَوْ قَالَ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا عَتَقَ عَبْدُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ،
-
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَعْتِقُ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُ؛ لِأَنَّهُ مَا عَيَّنَ عَبْدَهُ فِي كَلَامِهِ بَلْ رَدَّدَ الْكَلَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ عَبْدُهُ إلَّا بِنِيَّةٍ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ وَلِأَنَّهُ لَمَّا ضَمَّ إلَيْهِ مَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْعِتْقُ صَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ كَأَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ أَوَّلًا وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَعْتِقْ بِدُونِ النِّيَّةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى يَقُولُ وَصَفَ أَحَدَهُمَا بِالْحُرِّيَّةِ وَالْعَبْدُ مَحَلٌّ لِهَذَا الْوَصْفِ دُونَ الْأُسْطُوَانَةِ وَالْحِمَارِ فَيَتَعَيَّنُ لِذَلِكَ وَيَلْغُوَا ضَمُّ الْأُسْطُوَانَةِ إلَيْهِ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ كُلُّهَا لِلْحَيِّ وَلِأَنَّ كَلَامَهُ إيجَابٌ لِلْعِتْقِ فَيَتَعَيَّنُ لَهُ الْمَحَلُّ الَّذِي يَصْلُحُ بِإِيجَابِ الْعِتْقِ فِيهِ وَهُوَ الْحَيُّ دُونَ الْمَيِّتِ وَالْأُسْطُوَانَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ كَلَامَ الْعَاقِلِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ
-
بِخِلَافِ عَبْدِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ مَحَلٌّ بِأَنْ يُوصَفَ بِالْعِتْقِ وَمَحَلُّ الْإِيجَابِ الْعِتْقُ أَيْضًا، وَلَكِنْ يَصِيرُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ فَلِهَذَا لَا يَتَعَيَّنُ عَبْدُهُ هُنَاكَ، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَأُسْطُوَانَةٍ وَقَالَ أَحَدُهُمَا حُرٌّ عَتَقَ عَبْدُهُ؛
-
لِأَنَّ كَلَامَهُ إيجَابٌ لِلْحُرِّيَّةِ،
-
وَلَوْ قَالَ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا لَمْ يَعْتِقْ عَبْدُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ بِإِيجَابٍ لِلْحُرِّيَّةِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ هَذَا حُرٌّ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ الْأَصْلِ بَابًا مِنْ كِتَابِ الْوَلَاءِ، وَشَرْحُ ذَلِكَ يَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ.
-
انْتَهَى شَرْحُ كِتَابِ الْعَتَاقِ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ، أَمْلَاهُ الْمُسْتَقْبِلُ لِلْمِحَنِ بِالْإِعْتَاقِ الْمَحْصُورِ فِي طَرَفٍ مِنْ الْآفَاقِ حَامِدًا لِلْمُهَيْمِنِ الرَّزَّاقِ وَمُرْتَجِيًا إلَى لِقَائِهِ الْعَزِيزِ بِالْأَشْوَاقِ وَمُصَلِّيًا عَلَى حَبِيبِ الْخَلَّاقِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ الصَّحْبِ وَالرِّفَاقِ.
-
(قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ السَّلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْيَمِينُ فِي اللُّغَةِ الْقُوَّةُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} ، وَقَالَ الْقَائِلُ:
-
رَأَيْت عَرَابَةَ الْأَوْسِيِّ يَسْمُو ... إلَى الْخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ
-
إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ
-
فَمَا يُسْتَعْمَلُ بِالْعُهُودِ وَالتَّوْثِيقِ وَالْقُوَّةِ يُسَمَّى يَمِينًا،
-
وَقِيلَ: الْيَمِينُ الْجَارِحَةُ فَلَمَّا كَانَتْ يُسْتَعْمَلُ بَذْلُهَا فِي الْعُهُودِ سُمِّيَ مَا يُؤَكَّدُ بِهِ الْعَقْدُ بِاسْمِهَا، وَهِيَ نَوْعَانِ نَوْعٌ يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَهُوَ مَا يُقْصَدُ بِهِ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ، وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ قَسَمًا إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَخُصُّونَ ذَلِكَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَفِي الشَّرْعِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْيَمِينِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ بِذَاتِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ هَتْكُ حُرْمَةِ اسْمِهِ بِحَالٍ.
-
وَالنَّوْعُ الْآخَرُ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ، وَهُوَ يَمِينٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْيَمِينِ، وَهُوَ الْمَنْعُ وَالْإِيجَابُ، وَلَكِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّعْظِيمِ
-
ثُمَّ بَدَأَ الْكِتَابَ بِبَيَانِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ وَهَذَا اللَّفْظُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُرْوَى عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَمْ يَرِدْ عَدَدُ الْأَيْمَانِ،
-
فَإِنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَنْقَسِمُ فِي أَحْكَامِهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: يَمِينٌ يُكَفَّرُ، وَيَمِينٌ لَا يُكَفَّرُ، وَيَمِينٌ يَرْجُوا أَنْ لَا يُؤَاخِذَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا صَاحِبَهَا،
-
فَأَمَّا الَّذِي يُكَفَّرُ فَهُوَ يَمِينٌ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِإِيجَادِ فِعْلٍ، أَوْ نَفْيِ فِعْلٍ، وَهَذَا عَقْدٌ مَشْرُوعٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي بَيْعَةِ نُصْرَةِ الْحَقِّ وَفِي الْمَظَالِمِ وَالْخُصُومَاتِ، وَهِيَ فِي وُجُوبِ الْحِفْظِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ مِنْهَا يَجِبُ إتْمَامُ الْبَرِّ فِيهَا، وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى أَمْرِ طَاعَةٍ أُمِرَ بِهِ، أَوْ الِامْتِنَاعُ عَنْ مَعْصِيَةٍ، وَذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْهِ قَبْلَ الْيَمِينِ وَبِالْيَمِينِ يَزْدَادُ وَكَادَةً
-
وَنَوْعٌ لَا يَجُوزُ حِفْظُهَا وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَرْكِ طَاعَةٍ أَوْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . وَنَوْعٌ يَتَخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْحِنْثِ، وَالْحِنْثُ خَيْرٌ مِنْ الْبَرِّ فَيُنْدَبُ فِيهِ إلَى الْحِنْثِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ» .
-
وَأَدْنَى دَرَجَاتِ الْأَمْرِ النَّدْبُ، وَنَوْعٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْبَرُّ وَالْحِنْثُ فِي الْإِبَاحَةِ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَحِفْظُ الْيَمِينِ أَوْلَى بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} . وَحِفْظُ الْيَمِينِ يَكُونُ بِالْبَرِّ بَعْدَ وُجُودِهَا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ حِفْظُ الْبَرِّ،
-
وَمَنْ حَنِثَ فِي هَذَا الْيَمِينِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى {: فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} . وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِعْتَاقِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى حَرْفِ أَوْ؛ وَلِأَنَّ الْبِدَايَةَ بِالْأَخَفِّ وَالْخَتْمَ بِالْأَغْلَظِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُرَتَّبَةً كَانَتْ الْبِدَايَةُ بِالْأَغْلَظِ.
-
وَاَلَّتِي لَا تُكَفَّرُ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَهِيَ الْمَعْقُودَةُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمَاضِي أَوْ الْحَالِ كَاذِبَةً يَتَعَمَّدُ صَاحِبُهَا ذَلِكَ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ، وَهَذِهِ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، وَالْكَبِيرَةُ ضِدُّ الْمَشْرُوعِ وَلَكِنْ سَمَّاهُ يَمِينًا مَجَازًا؛ لِأَنَّ ارْتِكَابَ هَذِهِ الْكَبِيرَةِ لِاسْتِعْمَالِ صُورَةِ الْيَمِينِ كَمَا سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْعَ الْحُرِّ بَيْعًا مَجَازًا؛
-
لِأَنَّ ارْتِكَابَ تِلْكَ الْكَبِيرَةِ لِاسْتِعْمَالِ صُورَةِ الْبَيْعِ،
-
ثُمَّ لَا يَنْعَقِدُ هَذَا الْيَمِينُ فِيمَا هُوَ حُكْمُهُ فِي الدُّنْيَا عِنْدَنَا، وَلَكِنَّهَا تُوجِبُ التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَنْعَقِدُ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ فَمِنْ أَصْلِهِ مَحَلُّ الْيَمِينِ نَفْسُ الْخَبَرِ، وَشَرْطُ انْعِقَادِهَا الْقَصْدُ الصَّحِيحُ، وَعِنْدَنَا مَحَلُّ الْيَمِينِ خَبَرٌ فِيهِ رَجَاءُ الصِّدْقِ؛
-
لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ مُوجِبَةً لِلْبَرِّ،
-
ثُمَّ الْكَفَّارَةُ خَلْفٌ عَنْهُ عِنْدَ فَوْتِ الْبَرِّ، فَالْخَبَرُ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الصِّدْقُ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْيَمِينِ، وَالْعَقْدُ لَا يَنْعَقِدُ بِدُونِ مَحَلِّهِ، وَحُجَّتُهُ قَوْله تَعَالَى {لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} . فَاَللَّهُ أَثْبَتَ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْيَمِينِ الْمَكْسُوبَةِ وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛
-
لِأَنَّهَا بِالْقَلْبِ مَقْصُودَةٌ، ثُمَّ فَسَّرَ هَذِهِ الْمُؤَاخَذَةَ بِالْكَفَّارَةِ فِي قَوْلِهِ {بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ} . مَعْنَاهُ بِمَا قَصَدْتُمْ، وَالْعَقْدُ هُوَ الْقَصْدُ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ النِّيَّةُ عَقِيدَةً، وَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ مَوْصُولَةً بِالْيَمِينِ بِقَوْلِهِ {: فَكَفَّارَتُهُ} ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلْوَصْلِ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ {: ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ} وَالْكَفَّارَةُ بِنَفْسِ الْحَلِفِ إنَّمَا تَجِبُ بِالْغَمُوسِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} الِامْتِنَاعُ مِنْ الْحَلِفِ فَإِنَّ بَعْدَ الْحَلِفِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ حِفْظُ الْبَرِّ وَحِفْظُ الْيَمِينِ يُذْكَرُ لِمَعْنَى الِامْتِنَاعِ. قَالَ الْقَائِلُ
-
قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ...
-
وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بُرَّتْ
-
؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ خَالَفَ فِعْلَهُ فِي يَمِينٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَقْصُودٍ فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا فِي الْمَعْقُودَةِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَقْرَبُ مَا يَقِيسُونَ عَلَيْهِ إذَا حَلَفَ لَيَمَسَّنَّ السَّمَاءَ، أَوْ لَيُحَوِّلَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا؛ وَهَذَا لِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فِي الْمَعْقُودَةِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِمَعْنَى الْحَظْرِ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ كَفَّارَةً أَيْ سَاتِرَةً، وَهَذَا الْحَظْرُ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِشْهَادُ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَاذِبًا، وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي الْغَمُوسِ؛
-
وَلِأَنَّ الْغَمُوسَ إنَّمَا يُخَالِفُ الْمَعْقُودَةَ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي تَوَهُّمِ الْبَرِّ، وَالْبَرُّ مَانِعٌ مِنْ الْكَفَّارَةِ، وَانْعِدَامُ مَا يَمْنَعُ الْكَفَّارَةَ يُحَقِّقُ مَعْنَى الْكَفَّارَةِ فِيهَا، وَلِأَنَّ فِي أَحَدِ نَوْعَيْ الْيَمِينِ وَهُوَ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ يُسَوَّى بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ فِي مُوجِبِهِ، فَكَذَلِكَ فِي النَّوْعِ الْآخَرِ.
-
(وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} الْآيَةَ، فَقَدْ بَيَّنَ جَزَاءَ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ بِالْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ،
-
فَلَوْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ فِيهَا وَاجِبَةً لَكَانَ الْأَوْلَى بَيَانَهَا؛ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَوْ وَجَبَتْ إنَّمَا تَجِبُ لَرَفْعِ هَذَا الْوَعِيدِ الْمَنْصُوصِ، وَذَلِكَ لَا يَقُولَ بِهِ أَحَدٌ. قَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «خَمْسٌ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِنَّ، وَذَكَرَ مِنْهَا الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَقَالَ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعُ» أَيْ خَالِيَةً مِنْ أَهْلِهَا، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: كُنَّا نَعُدُّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ مِنْ الْأَيْمَانِ الَّتِي لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهَا غَيْرُ مَعْقُودَةٍ؛
-
لِأَنَّ عَقْدَ الْيَمِينِ لِلْحَظْرِ أَوْ الْإِيجَابِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الْمَاضِي، وَالْخَبَرُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَوَهُّمُ الصِّدْقِ وَالْعَقْدُ لَا يَنْعَقِدُ بِدُونِ مَحَلِّهِ كَالْبَيْعِ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى مَا لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِخُلُوِّهِ عَنْ مُوجِبِ الْبَيْعِ، وَهُوَ تَمْلِيكُ الْمَالِ؛ وَلِأَنَّهُ قَارَنَهَا مَا يُحِلُّهَا وَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهَا يَرْفَعُهَا فَإِذَا قَارَنَهَا مَنَعَ انْعِقَادَهَا كَالرِّدَّةِ وَالرَّضَاعِ فِي النِّكَاحِ
-
بِخِلَافِ مَسِّ السَّمَاءِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُقَارِنْهَا مَا يَحِلُّهَا؛ لِأَنَّهَا عُقِدَتْ عَلَى فِعْلٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَمَا يَحِلُّهَا انْعِدَامُ الْفِعْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلِهَذَا تَتَوَقَّتُ تِلْكَ الْيَمِينُ بِالتَّوْقِيتِ؛ وَلِأَنَّ الْغَمُوسَ مَحْظُورٌ مَحْضٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ كَالزِّنَا وَالرِّدَّةِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَشْرُوعَاتِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ وَسَبَبُهَا مُبَاحٌ مَحْضٌ، وَعُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ كَالْمَحْدُودِ وَسَبَبُهَا مَحْظُورٌ مَحْضٌ، وَكَفَّارَاتٌ وَهِيَ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَا تَجِبُ الْأَجْزَاءُ تُشْبِهُ الْعُقُوبَةَ،
-
وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُفْتَى بِهَا فَلَا تَتَأَدَّى إلَّا بِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ، وَتَتَأَدَّى بِمَا هُوَ مَحْضُ الْعِبَادَةِ كَالصَّوْمِ تُشْبِهُ الْعِبَادَاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَذَلِكَ الْمَعْقُودَةُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ تَعْظِيمِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْيَمِينِ مُبَاحٌ وَبِاعْتِبَارِ هَتْكِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ
-
بِالْحِنْثِ مَحْظُورٌ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ فَأَمَّا الْغَمُوسُ مَحْظُورٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ بِدُونِ الِاسْتِشْهَادِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَحْظُورٌ مَحْضٌ فَمَعَ الِاسْتِشْهَادِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ،
-
ثُمَّ الْكَفَّارَةُ تَجِبُ خَلَفًا عَنْ الْبَرِّ الْوَاجِبِ بِالْيَمِينِ، وَلِهَذَا يَجِبُ فِي الْمَعْقُودَةِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَعْدَ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّ قَبْلَ الْحِنْثِ مَا هُوَ الْأَصْلُ قَائِمٌ فَإِذَا حَنِثَ فَقَدْ فَاتَ الْأَصْلُ، فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِيَكُونَ خَلَفًا، وَيَصِيرَ بِاعْتِبَارِهَا كَأَنَّهُ عَلَى بَرَّةٍ.
-
وَهَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي خَبَرٍ فِيهِ تَوَهُّمُ الصِّدْقِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْأَصْلِ،
-
ثُمَّ الْكَفَّارَةُ خَلَفٌ عَنْهُ، وَفِي مَسِّ السَّمَاءِ هَكَذَا؛ لِأَنَّ السَّمَاءَ عَيْنٌ مَمْسُوسَةٌ فَلِتَصَوُّرِ الْبَرِّ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ،
-
ثُمَّ لِفَوَاتِهِ بِالْعَجْزِ مِنْ حَيْثُ الْعَادَةُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْحَالِ خَلَفًا عَنْ الْبَرِّ،
-
فَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا تَصَوُّرَ لِلْبَرِّ فَلَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِمَا هُوَ الْأَصْلُ،
-
فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُوجِبًا لِلْخَلَفِ؛ وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ خَلَفًا بَلْ يَكُونُ وَاجِبًا ابْتِدَاءً،
-
وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْكَفَّارَةِ وَاجِبَةً بِالْيَمِينِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ كَبِيرَةً بَلْ تَكُونُ سَبَبَ الْتِزَامِ الْقُرْبَةِ، وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} إذَا حَلَفْتُمْ وَحَنِثْتُمْ،
-
وَمِنْ أَسْبَابِ الْوُجُوبِ مَا هُوَ مُضْمَرٌ فِي الْكِتَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} فَأَفْطَرَ {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ،
-
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ {بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ} وَالْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا الْمَعْقُودَةَ،
-
وَكَذَلِكَ بِالتَّخْفِيفِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ عَقَدْتُهُ فَانْعَقَدَتْ، كَمَا يُقَالُ كَسَرْته فَانْكَسَرَ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الِانْعِقَادُ فِيمَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحَلُّ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ قَالَ الْقَائِلُ: وَلِقَلْبِ الْمُحِبُّ حَلٌّ وَعَقْدٌ،
-
وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْمَاضِي أَوْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ {: بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} الْمُؤَاخَذَةُ بِالْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ دَارَ الْجَزَاءِ فِي الْحَقِيقَةِ الْآخِرَةُ،
-
فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا قَدْ يُؤَاخِذُ الْمُطِيعَ ابْتِدَاءً، وَيُنْعِمُ عَلَى الْعَاصِي اسْتِدْرَاجًا، وَالْمُؤَاخَذَةُ الْمُطْلَقَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَبِفَصْلِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ يُسْتَدَلُّ عَلَى مَا قُلْنَا، فَإِنَّهُ إذَا أُضِيفَ إلَى الْمَاضِي يَكُونُ تَحْقِيقًا لِلْكَذِبِ،
-
وَلَا يَكُونُ يَمِينًا، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ فِي الْكِتَابِ، وَيَقُولُ: أَمْرُ الْغَمُوسِ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَالْبَأْسُ فِيهِ شَدِيدٌ. مَعْنَاهُ أَنَّ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمَأْثَمِ فِيهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالْكَفَّارَةِ.
-
وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ يَمِينُ اللَّغْوِ فَنَفْيُ الْمُؤَاخَذَةِ بِهَا مَنْصُوصٌ فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صُورَتِهَا فَعِنْدَنَا صُورَتُهَا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمَاضِي أَوْ فِي الْحَالِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ حَقٌّ،
-
ثُمَّ ظَهَرَ خِلَافُهُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ فِي كَلَامِهِ لَا وَاَللَّهِ بَلَى وَاَللَّهِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّ عِنْدَهُ اللَّغْوَ
-
مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فِي الْمَاضِي كَانَ أَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْيَمِينُ اللَّغْوُ يَمِينُ الْغَضَبِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ: قَوْلُ الرَّجُلِ لَا وَاَللَّهِ بَلَى وَاَللَّهِ» وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا فِيمَا يَكُونُ خَبَرًا عَنْ الْمَاضِي فَإِنَّ اللَّغْوَ مَا يَكُونُ خَالِيًا عَنْ الْفَائِدَةِ، وَالْخَبَرُ الْمَاضِي خَالٍ مِنْ فَائِدَةِ الْيَمِينِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا فَكَانَ لَغْوًا،
-
فَأَمَّا الْخَبَرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَدَمُ الْقَصْدِ لَا يَعْدَمُ فَائِدَةَ الْيَمِينِ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِأَنَّ الْهَزْلَ وَالْجَدَّ فِي الْيَمِينِ سَوَاءٌ «، وَلَمَّا أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَاسْتَحْلَفُوهُ أَنْ لَا يَنْصُرَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفِ لَهُمْ بِعُهُودِهِمْ، وَنَحْنُ نَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ» .
-
وَالْمُكْرَهُ غَيْرُ قَاصِدٍ، وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ بِهِ، فَدَلَّ أَنَّ عَدَمَ الْقَصْدِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَتَأْوِيلُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» رُفِعَ الْأَثِمُ.
-
وَمِنْ السَّلَفِ مَنْ قَالَ: اللَّغْوُ هُوَ الْيَمِينُ الْمُكَفَّرَةُ وَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ الْيَمِينَ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ عَلَى اللَّغْوِ، وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَمِينُ اللَّغْوِ الْيَمِينُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا كَفَّارَةَ فِيهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ مُحْبَطَةٌ بِالْكَفَّارَةِ أَيْ لَا مُؤَاخَذَةَ فِيهَا بَعْدَ الْكَفَّارَةِ، وَهَذَا أَيْضًا فَاسِدٌ فَإِنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ مَعْصِيَةً لَا يَمْنَعُ عَقْدَ الْيَمِينِ عَلَيْهِ،
-
وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ كَالظِّهَارِ، فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ،
-
ثُمَّ كَانَ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْعَوْدِ، وَهَذَا النَّوْعُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لَا يَتَحَقَّقُ اللَّغْوُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ عَدَمَ الْقَصْدِ لَا يَمْنَعَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ (فَإِنْ قِيلَ) فَمَا مَعْنَى تَعْلِيقُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَفْيَ الْمُؤَاخَذَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الرَّجَاءِ بِقَوْلِهِ: نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا صَاحِبَهَا، وَعَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْيَمِينِ اللَّغْوِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَمَا عُرِفَ بِالنَّصِّ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ.
-
(قُلْنَا) : نَعَمْ وَلَكِنَّ صُورَةَ تِلْكَ الْيَمِينِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَإِنَّمَا عَلَّقَ بِالرَّجَاءِ نَفْيَ الْمُؤَاخَذَةِ فِي اللَّغْوِ بِالصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالنَّصِّ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهَذَا اللَّفْظِ التَّعْلِيقُ بِالرَّجَاءِ، إنَّمَا أَرَادَ بِهِ التَّعْظِيمَ وَالتَّبَرُّكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا مَرَّ بِالْمَقَابِرِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دِيَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ.»
-
وَمَا ذُكِرَ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَعْنَى الشَّكِّ فَإِنَّهُ كَانَ مُتَيَقِّنًا بِالْمَوْتِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {: إنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} وَلَكِنْ مَعْنَى ذِكْرُ الِاسْتِثْنَاءِ
-
مَا ذَكَرْنَا.
-
وَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا، وَلَمْ يُوَقِّتْ لِذَلِكَ وَقْتًا فَهُوَ عَلَى يَمِينِهِ حَتَّى يَهْلِكَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ حِينَئِذٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: مُؤَبَّدَةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى بِأَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا أَبَدًا، أَوْ يَقُولَ: لَا أَفْعَلُ مُطْلَقًا وَالْمُطْلَقُ فِيمَا يَتَأَبَّدُ يَقْتَضِي التَّأْيِيدَ كَالْبَيْعِ، وَمُؤَقَّتَةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى بِأَنْ يَقُولَ: لَا أَفْعَلُ كَذَا الْيَوْمَ، فَيَتَوَقَّتُ الْيَمِينُ بِذَلِكَ الْوَقْتِ؛
-
لِأَنَّ مُوجِبَهُ الْحَظْرُ أَوْ الْإِيجَابُ، وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ فَيَتَوَقَّتُ بِتَوْقِيتِهِ، وَمُؤَبَّدٌ لَفْظًا مُؤَقَّتٌ مَعْنًى كَيَمِينِ الْفَوْرِ إذَا قَالَ: تَعَالَ تَغَدَّ مَعِي. فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَتَغَدَّى يَتَوَقَّتُ يَمِينُهُ بِذَلِكَ الْغَدَاءِ الْمَدْعُوِّ إلَيْهِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْيَمِينِ سَبَقَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَمْ يُسْبَقْ بِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِهِ حِينَ دُعِيَا إلَى نُصْرَةِ إنْسَانٍ، فَحَلَفَا أَنْ لَا يَنْصُرَاهُ،
-
ثُمَّ نَصَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْنَثَا وَبَنَاهُ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَقْصُودِ الْحَالِفِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الشَّرْعِ أَنْ يَبْتَنِيَ الْكَلَامُ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ مَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} ، وَالْمُرَادُ الْإِمْكَانُ وَالْإِقْدَارُ لِاسْتِحَالَةِ الْأَمْرِ بِالشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ الْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْبَرِّ فِي الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ، وَإِنَّمَا يَفُوتُ الْبَرُّ بِهَلَاكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، أَوْ بِمَوْتِ الْحَالِفِ،
-
وَأَمَّا فِي الْيَمِينِ الْمُؤَقَّتَةِ فَفَوْتُ الْبَرِّ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ مَعَ بَقَاءِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَمَعَ بَقَاءِ الْحَالِفِ،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَالِفُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ مُضِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ،
-
وَإِذَا هَلَكَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى نُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَإِذَا قَالَ: وَرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا أَفْعَلُ كَذَا، أَوْ وَغَضَبِ اللَّهِ، وَسَخَطِ اللَّهِ، وَعَذَابِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ وَرِضَاهُ وَعِلْمِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا. وَالْحَاصِلُ أَنْ نَقُولَ الْيَمِينُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَذَلِكَ يَبْتَنِي عَلَى حُرُوفِ الْقَسَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا أَوَّلًا فَنَقُولُ: حُرُوفُ الْقَسَمِ الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ، أَمَّا الْبَاءُ فَهِيَ لِلْإِلْصَاقِ فِي الْأَصْلِ، وَهِيَ بَدَلٌ عَنْ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ فَمَعْنَى قَوْلِهِ بِاَللَّهِ أَيْ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ.
-
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ} ، أَوْ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ} ؛ وَلِهَذَا يَصِحُّ اقْتِرَانُهَا بِالْكِتَابَةِ فَيَقُولُ الْقَائِلُ: بِهِ وَبِك ثُمَّ الْوَاوُ تُسْتَعَارُ لِلْقَسَمِ بِمَعْنَى الْبَاءِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُشَابَهَةِ صُورَةً وَمَعْنًى، أَمَّا صُورَةً؛ فَلِأَنَّ مَخْرَجَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ،
-
وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ، وَفِي الْعَطْفِ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إظْهَارُ الْفِعْلِ مَعَ حَرْفِ الْوَاوِ بِأَنْ يَقُولَ: أَحْلِفُ وَاَللَّهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ لِتَوْسِعَةِ صِلَاتِ الِاسْمِ لَا لِمَعْنَى الْإِلْصَاقِ،
-
فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ مَعَ إظْهَارِ الْفِعْلِ يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِلْصَاقِ، وَلِهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ حَرْفُ الْوَاوِ مَعَ الْكِنَايَةِ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ مَعَ التَّصْرِيحِ
-
بِالِاسْمِ سَوَاءٌ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ، فَيَقُولُ: وَأَبِيكَ وَأَبِي،
-
ثُمَّ التَّاءُ تُسْتَعَارُ لِمَعْنَى الْوَاوِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُشَابَهَةِ، فَإِنَّهُمَا مِنْ حُرُوفِ الزَّوَائِدِ تَسْتَعْمِلُ الْعَرَبُ إحْدَاهُمَا بِمَعْنَى الْأُخْرَى كَقَوْلِهِمْ تُرَاثُ وَوَارِثُ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةَ لِتَوْسِعَةِ صِلَةِ الْقَسَمِ بِاَللَّهِ خَاصَّةً، وَلِهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ ذِكْرُ التَّاءِ إلَّا مَعَ التَّصْرِيحِ بِاَللَّهِ حَتَّى لَا يُقَالَ: بِالرَّحْمَنِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ بِاَللَّهِ خَاصَّةً.
-
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} {وتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} ،
-
ثُمَّ الْحَلِفُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَمِينٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْجَوَابِ،
-
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ كُلُّ اسْمٍ لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ فَهُوَ يَمِينٌ، وَمَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَالْحَكِيمِ وَالْعَالِمِ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ فَهُوَ يَمِينٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ لَا يَكُون يَمِينًا، وَكَانَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ وَالرَّحْمَنِ: إنْ أَرَادَ بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ يَمِينٌ،
-
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ سُورَةَ الرَّحْمَنِ لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ حَلِفٌ بِالْقُرْآنِ.
-
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَالْقُرْآنِ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، وَمُطْلَقُ الْكَلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُفِيدُ دُونَ مَا لَا يُفِيدُ، وَذَلِكَ فِي أَنْ يُجْعَلَ يَمِينًا، وَيَسْتَوِي إنْ قَالَ: وَاَللَّهِ أَوْ بِاَللَّهِ أَوْ تَاللَّهِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: اللَّهِ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ حَذْفَ بَعْضِ الْحُرُوفُ لِلْإِيجَازِ، قَالَ الْقَائِلُ:
-
قُلْت لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَافْ ... لَا تَحْسَبَنَّ أَنِّي نَسِيتُ الْإِلْحَافْ
-
أَيْ وَقَفْت إلَّا أَنَّ عِنْدَ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ عِنْدَ حَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ يُذْكَرُ مَنْصُوبًا بِانْتِزَاعِ حَرْفِ الْخَافِضِ مِنْهُ، وَعِنْدَ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يُذْكَرُ مَخْفُوضًا؛ لِتَكُونَ كَسْرَةُ الْهَاءِ دَلِيلًا عَلَى مَحْذُوفِهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ بِاَللَّهِ،
-
فَإِنَّ الْبَاءَ وَاللَّامَ يَتَقَارَبَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {آمَنْتُمْ لَهُ} أَيْ آمَنْتُمْ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: دَخَلَ آدَم الْجَنَّةَ فَلِلَّهِ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ حَتَّى خَرَجَ، وَذَكَرَ الْقَفَّالُ فِي تَفْسِيرِهِ إذَا قَالَ لَهُ، وَعَنَى بِهِ الْيَمِينَ يَكُونُ يَمِينًا، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ الْقَائِلِ
-
لِهَنِّكِ مِنْ عَبْسِيَّةٍ لِوَسِيمَةٍ ... عَلَى هَنَوَاتِ كَاذِبٍ مَنْ يَقُولُهَا
-
مَعْنَاهُ لِلَّهِ إنَّكَ.
-
وَلَوْ قَالَ: وَأَيْمُ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَمَعْنَاهُ أَيْمُنُ فَهُوَ جَمْعُ الْيَمِينِ، وَهَذَا مَذْهَبُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ،
-
وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: مَعْنَاهُ وَاَللَّهِ وَأَيْمُ صِلَتِهِ كَقَوْلِهِمْ صَهٍ وَمَهْ، وَمَا شَاكَلَهُ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَعَمْرُو اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ بِاعْتِبَارِ النَّصِّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: لَعَمْرُكَ} ، وَالْعَمْرُو هُوَ الْبَقَاءُ، وَالْبَقَاءُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ الْبَاقِي،
-
وَأَمَّا الْحَلِفُ بِالصِّفَاتِ فَالْعِرَاقِيُّونَ مِنْ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُونَ: الْحَلِفُ بِصِفَاتِ الذَّاتِ كَالْقُدْرَةِ وَالْعَظَمَةِ وَالْعِزَّةِ
-
وَالْجَلَالِ وَالْكِبْرِيَاءِ يَمِينٌ، وَالْحَلِفُ بِصِفَاتِ الْفِعْلِ كَالرَّحْمَةِ وَالْغَضَبِ لَا يَكُونُ يَمِينًا،
-
وَلَوْ قَالُوا: صِفَاتُ الذَّاتِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِضِدِّهِ كَالْقُدْرَةِ، وَصِفَاتُ الْفِعْلِ مَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِضِدِّهِ، يُقَالُ: رُحِمَ فُلَانٌ، وَلَمْ يُرْحَمْ فُلَانٌ، وَغَضِبَ عَلَى فُلَانٍ، وَرَضِيَ عَنْ فُلَانٍ. قَالُوا: وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ فِي قَوْلِهِ وَعَلِمَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا؛
-
لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ بِضِدِّ الْعِلْمِ، وَلَكِنَّهُمْ تَرَكُوا هَذَا الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يُذْكَرُ بِمَعْنَى الْمَعْلُومِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا عِلْمَكَ فِينَا أَيْ مَعْلُومَكَ، وَيُقَالُ: عِلْمُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيْ مَعْلُومُهُ، وَالْمَعْلُومُ غَيْرُ اللَّهِ.
-
(فَإِنْ قِيلَ) : وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا: اُنْظُرْ إلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ الْمَقْدُورُ،
-
ثُمَّ قَوْلُهُ وَقُدْرَةِ اللَّهِ يَمِينٌ. (قُلْنَا) : مَعْنَى قَوْلِهِ اُنْظُرْ إلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ إلَى أَثَرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ بِحَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامُهُ،
-
فَإِنَّ الْقُدْرَةَ لَا تُعَايَنُ وَلَكِنَّ هَذَا الطَّرِيقَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَنَا فَإِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ بِهَذَا الْفَرْقِ الْإِشَارَةَ إلَى مَذْهَبِهِمْ أَنَّ صِفَاتِ الْفِعْلِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى،
-
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ فَلَا يَسْتَقِيمُ الْفَرْقُ بَيْنَ صِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الْفِعْلِ فِي حُكْمِ الْيَمِينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّلُ فَيَقُولُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْجَنَّةُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ،
-
وَإِذَا كَانَتْ الرَّحْمَةُ بِمَعْنَى الْجَنَّةِ، فَالسُّخْطُ وَالْغَضَبُ بِمَعْنَى النَّارِ، فَيَكُونُ حَلِفًا بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا غَيْرُ مَرَضِيٍّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ وَالْغَضَبَ عِنْدَنَا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَصَحُّ أَنْ يَقُولَ الْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَمَا تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ يَكُونُ يَمِينًا، وَمَا لَمْ يُتَعَارَفْ، الْحَلِفُ بِهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا، وَالْحَلِفُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ مُتَعَارَفٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ، وَبِرَحْمَتِهِ وَبِغَضَبِهِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ، فَلِهَذَا لَمْ يُجْعَلْ قَوْلُهُ: وَعِلْمِ اللَّهِ يَمِينًا، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي قَوْلِهِ: وَأَمَانَةِ اللَّهِ: أَنَّهُ يَمِينٌ ثُمَّ سُئِلَ عَنْ مَعْنَاهُ، فَقَالَ لَا أَدْرِي فَكَأَنَّهُ قَالَ: وُجِدَ الْعَرَبُ يَحْلِفُونَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ عَادَةً فَجَعَلَهُ يَمِينًا.
-
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ: وَأَمَانَةِ اللَّهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ وَلَكِنْ أَمَرَ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا وَهِيَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَجْهُ رِوَايَةِ الْأَصْلِ أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْإِشَارَةُ إلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ عَلَى الْخُصُوصِ أَنَّهُ أَمَانَةُ اللَّهِ، وَالْحَلِفُ بِهِ مُتَعَارَفٌ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ الصِّفَةَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ الْأَمِينِ فَإِنْ قَالَ، وَوَجْهِ اللَّهِ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَمِينٌ؛
-
لِأَنَّ الْوَجْهَ يُذْكَرُ بِمَعْنَى الذَّاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} . قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ هُوَ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَكُونُ يَمِينًا. قَالَ أَبُو شُجَاعٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حِكَايَتِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هُوَ مِنْ أَيْمَانِ السَّفَلَةِ يَعْنِي الْجَهَلَةَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَهُ بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ يَمِينًا.
-
وَإِنْ قَالَ وَحَقِّ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ
-
فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الطَّاعَاتُ، كَمَا فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي «قَوْلِهِ لِمُعَاذٍ: أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» .
-
وَالْحَلِفُ بِالطَّاعَاتِ لَا يَكُونُ يَمِينًا. وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ مَعْنَى وَحَقِّ اللَّهِ وَاَللَّهِ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} ،
-
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَالْحَقِّ لَا أَفْعَلُ كَذَا أَنَّهُ يَمِينٌ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ} ،
-
وَلَوْ قَالَ حَقًّا لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ التَّنْكِيرَ فِي لَفْظِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ اسْمَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ تَحْقِيقَ الْوَعْدِ مَعْنَاهُ أَفْعَلُ هَذَا لَا مَحَالَةَ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَقَدْ بَيَّنَّا فِي بَابِ الْإِيلَاءِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ أَلْفَاظَ الْقَسَمِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَمَا فِيهِ اخْتِلَافٌ، كَقَوْلِهِمْ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ.
-
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا، وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُمَا يَمِينَانِ،
-
وَإِنْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ هُوَ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَلَامَيْنِ تَامٌّ بِذِكْرِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَفِي الثَّانِي الْكَلَامُ وَاحِدٌ حِينَ ذَكَرَ الشَّرْطَ مَرَّةً وَاحِدَةً،
-
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمَاضِي بِهَذَا اللَّفْظِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ، كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: يَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْكُفْرَ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ، وَالتَّعْلِيقُ بِالْمَوْجُودِ تَنْجِيزٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هُوَ كَافِرٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ اعْتِبَارًا لِلْمَاضِي بِالْمُسْتَقْبَلِ، فَفِي الْمُسْتَقْبَلِ هَذَا اللَّفْظُ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَفِي الْمَاضِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْغَمُوسِ أَيْضًا.
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا يَعْرِفُ أَنَّهُ يَمِينٌ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِهِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ،
-
وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا وَعِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِالْحَلِفِ يَصِيرُ كَافِرًا فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَعِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِهِ فَقَدْ صَارَ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ،
-
وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ تَحْرِيمُ الْحَلَالِ فَإِنَّهُ يَمِينٌ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا فِي النِّسَاءِ وَالْجَوَارِي؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ قَلْبُ الشَّرِيعَةِ، وَالْيَمِينُ عَقْدٌ شَرْعِيٌّ، فَكَيْفَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظٍ هُوَ قَلْبُ الشَّرِيعَةِ؟ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَعْظِيمُ الْمَقْسَمِ بِهِ،
-
وَلَا مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ لَا يَثْبُتُ - عَيْنُ مَا عُلِّقَ بِهِ مِنْ الْجَزَاءِ، أَوْ الْيَمِينُ يَتَنَوَّعُ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ.
-
(وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} قِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ الْعَسَلَ عَلَى نَفْسِهِ،
-
وَقِيلَ: حَرَّمَ مَارِيَةَ عَلَى
-
نَفْسِهِ فَيُعْمَلُ بِهِمَا أَوْ لِمَا ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إلَى الْجَوَارِي يَكُونُ يَمِينًا، فَكَذَلِكَ التَّحْرِيمُ الْمُضَافُ إلَى سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ، فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَا يَثْبُتُ مَا عَلَقَ بِهِ مِنْ التَّحْرِيم، فَكَذَلِكَ فِي الْجَوَارِي،
-
ثُمَّ مَعْنَى الْيَمِينِ فِي هَذَا اللَّفْظِ يَتَحَقَّقُ بِالْقَصْدِ إلَى الْمَنْعِ أَوْ إلَى الْإِيجَابِ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ،
-
وَإِذَا جَعَلَ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ عَلَامَةَ فِعْلِهِ عَرَفْنَا أَنَّهُ قَصَدَ مَنْعَ نَفْسِهِ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ يَمِينًا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ: هُوَ كَافِرٌ إنْ فَعَلَ كَذَا كَانَ يَمِينًا؛
-
لِأَنَّ حُرْمَةَ الْكُفْرِ حُرْمَةٌ تَامَّةٌ مُصْمَتَةٌ كَهَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا جَعَلَ فِعْلَهُ عَلَامَةً لِذَلِكَ كَانَ يَمِينًا،
-
فَأَمَّا إذَا قَالَ: هُوَ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ أَوْ يَسْتَحِلُّهَا أَوْ الدَّمَ أَوْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ إنْ فَعَلَ كَذَا، فَهَذَا لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ بِحُرْمَةٍ تَامَّةٍ مُصْمَتَةٍ، حَتَّى أَنَّهُ يَنْكَشِفُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ،
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: هُوَ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ إنْ فَعَلَ كَذَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ وَالْعَجْزِ، فَلَمْ يَكُنْ مَعْنَى الْيَمِينِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،
-
وَلَوْ أُلْحِقَ بِهِ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الْأَوْصَافِ لَكَانَ قِيَاسًا،
-
وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي هَذَا الْبَابِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بِحَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّ الْحَلِفَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعُرْفَ مُعْتَبَرٌ فِي الْيَمِينِ،
-
وَلَوْ قَالَ: عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ أَوْ غَضَبُ اللَّهِ أَوْ أَمَانَةُ اللَّهِ، أَوْ عَذَّبَهُ اللَّهُ بِالنَّارِ، أَوْ حَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ إنْ فَعَلَ كَذَا فَشَيْءٌ مِنْ هَذَا لَا يَكُونُ يَمِينًا، إنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ} ؛
-
وَلِأَنَّ الْحَلِفَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ.
-
وَسُئِلَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَمَّنْ يَقُولُ: وَسُلْطَانِ اللَّهِ لَا يَفْعَلُ كَذَا فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا هَذَا، مَنْ حَلَفَ بِهَذَا فَقَدْ أَشَارَ إلَى عَدَمِ الْعُرْفِ،
-
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْجَوَابِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ بِالسُّلْطَانِ الْقُدْرَةَ فَهُوَ يَمِينٌ، كَقَوْلِهِ: وَقُدْرَةِ اللَّهِ،
-
وَلَوْ جَعَلَ عَلَيْهِ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً أَوْ صَوْمًا أَوْ صَلَاةً أَوْ صَدَقَةً، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ طَاعَةٌ إنْ فَعَلَ كَذَا فَفَعَلَ لَزِمَهُ ذَلِكَ الَّذِي جَعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَجِبْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فِيهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَنَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: إنْ عَلَّقَ النَّذْرَ بِشَرْطٍ يُرِيدُ كَوْنَهُ، كَقَوْلِهِ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، أَوْ رَدَّ غَائِبِي لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِالْكَفَّارَةِ،
-
وَإِنْ عَلَّقَ بِشَرْطٍ لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ كَدُخُولِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ، يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْكَفَّارَةِ وَبَيْنَ عَيْنِ مَا الْتَزَمَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْجَدِيدِ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ فِي الْقَدِيمِ: يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ
-
كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجَعَ إلَى التَّخْيِيرِ أَيْضًا،
-
فَإِنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ خَالِدٍ التِّرْمِذِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا فَلَمَّا دَخَلْتُ الْكُوفَةَ قَرَأْتُ كِتَابَ النُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ: قِفْ فَإِنَّ مِنْ رَأْيِي أَنْ أَرْجِعَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ مِنْ الْحَجِّ إذَا أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْ تُوُفِّيَ، فَأَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ: يَتَخَيَّرُ وَبِهَذَا كَانَ يُفْتِي إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَهُوَ اخْتِيَارِيٌّ أَيْضًا لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى فِي زَمَانِنَا، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ بِالْكَفَّارَةِ،
-
وَمِنْ مَذْهَبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِالْكَفَّارَةِ، حَتَّى كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَا أَعْرِفُ فِي النَّذْرِ إلَّا الْوَفَاءَ،
-
وَأَمَّا وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا وَسَمَّى فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا سَمَّى، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا وَلَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» .
-
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ عَلَّقَ بِالشَّرْطِ مَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ فِي الذِّمَّةِ، فَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ يَصِيرُ كَالْمُنَجَّزِ،
-
وَلَوْ نُجِّزَ النَّذْرُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ بِالْكَفَّارَةِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ يُجْعَلُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ، فَهَذَا مِثْلُهُ، وَتَحْقِيقُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ لَا يُوجَدُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ دُخُولَ الدَّارِ عَلَامَةَ الْتِزَامِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَفِي الِالْتِزَامِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَكُون مُمْتَنِعًا مِنْ الْتِزَامِ الْقُرْبَةِ.
-
تَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ لِمَعْنَى الْحَظْرِ؛ لِأَنَّهَا سِتَارَةٌ لِلذَّنْبِ، وَمَعْنَى الْحَظْرِ لَا يُوجَدُ هُنَا، وَفِي الْقَوْلِ بِالْخِيَارِ لَهُ تَخْيِيرٌ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي جِنْسِ وَاحِدٍ، حَتَّى إذَا قَالَ: إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَعَلَيَّ طَعَامُ أَلْفُ مِسْكِينٍ،
-
فَمَنْ يَقُولُ بِالْخِيَارِ يُخَيِّرُهُ بَيْنَ إطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، وَبَيْنَ إطْعَامِ أَلْفِ مِسْكِينٍ،
-
وَكَذَا الْعِتْقُ وَالْكِسْوَةُ، وَإِنْ قَالَ الْمُعْسِرُ: إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَعَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ، يُخَيِّرُهُ بَيْنَ صَوْمِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ غَيْرُ مُفِيدٍ شَرْعًا،
-
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَوَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ قَوْلُهُ: «النَّذْرُ يَمِينٌ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» ، فَيُحْمَلُ هَذَا النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ، وَمَا رَوَوْهُ عَلَى النَّذْرِ الْمُرْسَلِ أَوْ الْمُعَلَّقِ بِمَا يُرِيدُ كَوْنَهُ لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ كَلَامَهُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى النَّذْرِ وَالْيَمِينِ جَمِيعًا، أَمَّا مَعْنَى النَّذْرِ فَظَاهِرٌ،
-
وَأَمَّا مَعْنَى الْيَمِينِ؛ فَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِيَمِينِهِ هَذَا مَنْعَ نَفْسِهِ عَنْ إيجَادِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ الْتِزَامِ هَذِهِ الطَّاعَاتِ بِالنَّذْرِ مَخَافَةَ أَنْ لَا يَفِيَ بِهَا، فَيَلْحَقَهُ الْوَعِيدُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ {: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا
-
مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} إلَى قَوْلِهِ {: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} ،
-
فَإِذَا جَعَلَ دُخُولَ الدَّارِ عَلَامَةَ الْتِزَامِ مَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْتِزَامِهِ، يَكُونُ يَمِينًا،
-
وَكَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ يُسَمَّى يَمِينًا.
-
يُقَالُ: حَلَفَ بِالنَّذْرِ فَلِوُجُودِ اسْمِ الْيَمِينِ، وَمَعْنَاهَا قُلْنَا يَخْرُجُ بِالْكَفَّارَةِ، وَلِوُجُودِ مَعْنَى النَّذْرِ قُلْنَا: يَخْرُجُ عَنْهُ بِعَيْنِ مَا الْتَزَمَهُ
-
بِخِلَافِ النَّذْرِ الْمُرْسَلِ، فَاسْمُ الْيَمِينِ وَمَعْنَاهَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهِ،
-
وَكَذَلِكَ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ يُرِيدُ كَوْنَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْيَمِينَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهِ، وَهُوَ الْقَصْدُ إلَى الْمَنْعِ بَلْ قَصْدُهُ إظْهَارُ الرَّغْبَةِ فِيمَا جَعَلَهُ شَرْطًا، يُقَرِّرُ هَذَا أَنَّ مَعْنَى الْحَظْرِ يَتَحَقَّقُ هُنَا؛ لِأَنَّ الِالْتِزَامَ بِالنَّذْرِ قِرْبَةٌ بِشَرْطِ أَنْ يَفِيَ بِمَا وَعَدَ،
-
فَأَمَّا بِدُونِ الْوَفَاءِ يَكُونُ مَعْصِيَةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} الْآيَةَ،
-
وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ هَلْ يَفِي بِهَذَا أَوْ لَا يَفِي فَيَكُونُ مُتَرَدِّدًا دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْكَفَّارَة،
-
(فَإِنْ قِيلَ) : هَذَا فِي النَّذْرِ الْمُرْسَلِ مَوْجُودٌ. (قُلْنَا) : نَعَمْ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ اسْمِ الْيَمِينِ لِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهَا تُسَمَّى كَفَّارَةَ الْيَمِينِ، وَاسْمُ الْيَمِينِ لَا يُوجَدُ فِي النَّذْرِ الْمُرْسَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ يَمِينٌ يَتَوَقَّفُ مُوجِبُهَا عَلَى تَنْفِيذٍ مِنْ جِهَتِهِ فَيَخْرُجُ عَنْهَا بِالْكَفَّارَةِ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى
-
بِخِلَافِ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ مُوجِبُهَا عَلَى تَنْفِيذٍ مِنْ جِهَتِهِ، بَلْ بِوُجُودِ الشَّرْطِ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ،
-
وَلَوْ شُرِعَتْ الْكَفَّارَةُ فِيهَا كَانَتْ لِرَفْعِ مَا وَقَعَ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ هُنَا،
-
وَلَوْ شُرِعَتْ الْكَفَّارَةُ كَانَتْ مَشْرُوعَةً خَلَفًا عَنْ الْبِرِّ لِيَصِيرَ كَأَنَّهُ تَمَّ عَلَى بَرِّهِ، وَذَلِكَ مَشْرُوعٌ، فَإِنَّهُ لَوْ تَمَّ عَلَى بِرِّهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ جَائِزٌ كَالْعَبْدِ إذَا أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ، وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا فَهَذَا مِثْلُهُ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى إنْ فَعَلَ كَذَا فَفَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ مَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ شَرْعًا، وَالْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ شَرْعًا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عَيْنُ مَا الْتَزَمَهُ وَهُوَ الْمَشْيُ، فَلَأَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ أَوْلَى وَهُوَ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛
-
وَلِأَنَّهُ فِي عُرْفِ النَّاسِ يُذْكَرُ هَذَا اللَّفْظَ بِمَعْنَى الْتِزَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَفِي النُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ، فَجَعَلْنَا هَذَا عِبَارَةً عَنْ الْتِزَامِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكَلَامِ اسْتِعْمَالُ النَّاسِ لِإِظْهَارِ مَا فِي بَاطِنِهِمْ،
-
فَإِذَا صَارَ اللَّفْظُ فِي شَيْءٍ مُسْتَعْمَلًا مَجَازًا يُجْعَلُ كَالْحَقِيقَةِ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ،
-
ثُمَّ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْحَجِّ
-
وَالْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُمَا النُّسُكَانِ الْمُتَعَلِّقَانِ بِالْبَيْتِ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى أَدَائِهِمَا إلَّا بِالْإِحْرَامِ، وَإِلَّا بِالذَّهَابِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ،
-
ثُمَّ يَتَخَيَّرُ إنْ شَاءَ مَشَى،
-
وَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وَأَرَاقَ دَمًا لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ «إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ أُخْتِكَ، مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ وَلْتُرِقْ دَمًا» ؛ وَلِأَنَّ النُّسُكَ بِصِفَةِ الْمَشْيِ يَكُونُ إثْمٌ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بَعْدَمَا كُفَّ بَصَرُهُ كَانَ يَقُولُ: لَا أَتَأَسَّفُ عَلَى شَيْءٍ كَتَأَسُّفِي عَلَى أَنْ أَحُجَّ مَاشِيًا،
-
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ الْمُشَاةَ فَقَالَ {: يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} ،
-
فَإِذَا رَكِبَ فَقَدْ أَدْخَلَ فِيهِ نَقْصًا، وَنَقَائِصُ النُّسُكِ تُجْبَرُ بِالدَّمِ،
-
وَإِنْ اخْتَارَ الْمَشْيَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْجَوَابِ أَنَّهُ يَمْشِي مِنْ بَيْتِهِ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَمَا سِوَاهُ فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمَنَاسِكِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ ثَمَانِ فُصُولٍ فِي ثَلَاثٍ يَلْزَمُ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ الْكَعْبَةِ أَوْ مَكَّةَ، وَفِي ثَلَاثٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ إذَا نَذَرَ الذَّهَابَ إلَى مَكَّةَ، أَوْ السَّفَرَ إلَى مَكَّةَ، أَوْ الرُّكُوبَ وَفِي فَصْلَيْنِ خِلَافٌ، وَهُوَ مَا إذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْحَرَمِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
-
كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَأْخُذُ فِيهِمَا بِالْقِيَاسِ، وَهُمَا بِالِاسْتِحْسَانِ.
-
وَلَوْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَهُوَ يَنْوِي مَسْجِدًا مِنْ الْمَسَاجِدِ سِوَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ يَلْزَمهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ، فَالْمَسَاجِدُ كُلُّهَا بُيُوتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا تَجَرَّدَتْ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَصَارَتْ مُعَدَّةٌ لِإِقَامَةِ الطَّاعَةِ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَإِذَا عُمِلَتْ نِيَّتُهُ صَارَ الْمَنْوِيُّ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ، وَسَائِرُ الْمَسَاجِدِ يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ،
-
فَلَا يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِ الْمَشْيِ إلَيْهَا شَيْءٌ، وَمَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدَنَا
-
بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالْإِحْرَامِ، وَالْمُلْتَزِمُ بِالْإِحْرَامِ يَلْزَمُهُ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ الْمُخْتَصُّ أَدَاؤُهُمَا بِالْإِحْرَامِ، وَهُوَ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ،
-
وَإِذَا قَالَ: أَنَا أُحْرِمُ إنْ فَعَلْتُ كَذَا، أَوْ أَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أَهْدِي أَوْ أَمْشِي إلَى الْبَيْتِ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَعُدَّ مِنْ نَفْسِهِ عُدَّةً وَلَا يُوجِبُ شَيْئًا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ وَعْدٌ فَإِنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، وَالْوَعْدُ فِيهِ غَيْرُ مُلْزِمٍ، وَإِنَّمَا يُنْدَبُ إلَى الْوَفَاءِ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ أَرَادَ الْإِيجَابُ لَزِمَهُ مَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ،
-
فَإِنَّ الْفِعْلَ الَّذِي يَفْعَلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ وَاجِبٍ فَإِذَا أَرَادَ الْإِيجَابَ فَقَدْ خَصَّ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ بِنِيَّتِهِ، وَتَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِيجَابِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ عِنْدَ وُجُودُ الشَّرْطِ مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ الْوُجُوبُ دُونَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ
-
وَعَدَمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِهِ عِدَةٌ؛ وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالشَّكِّ لَا يَثْبُتُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ مَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ الْإِيجَابَ، وَمُطْلَقُ الْكَلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُتَعَارَفِ، وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ دَلِيلُ الْإِيجَابِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ فِي الْمَنَاسِكِ.
-
وَإِذَا حَلَفَ أَنْ يُهْدِيَ مَالًا يَمْلِكُهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ» ، وَمُرَادُهُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ هَذِهِ الشَّاةَ، وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ،
-
فَأَمَّا إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَهْدِيَنَّ هَذِهِ الشَّاةَ يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْيَمِينِ خَبَرٌ فِيهِ رَجَاءُ الصِّدْقِ، وَذَلِكَ بِكَوْنِ الْفِعْلِ مُمْكِنًا، وَمَحِلُّ النَّذْرِ فِعْلٌ وَهُوَ قُرْبَةٌ، وَإِهْدَاءُ شَاةِ الْغَيْرِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْيَمِينَ فَحِينَئِذٍ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ فِي النَّذْرِ مَعْنَى الْيَمِينِ حَتَّى ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَوْ أَضَافَ النَّذْرَ إلَى مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ وَعَنَى بِهِ الْيَمِينَ بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ أَنْ أَقْتُلَ فُلَانًا، كَانَ يَمِينًا، وَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ؛
-
لِقَوْلِهِ: «النَّذْرُ يَمِينٌ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» ،
-
وَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ وَلَدِي، أَوْ أَذْبَحَ وَلَدِي لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ ذَبْحُ شَاةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَكِنَّهُ إنْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الْهَدْيِ، فَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ، وَفِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ إمَّا أَنْ يَذْبَحَهَا فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ.
-
وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ نَذْرٌ بِإِرَاقَةِ دَمٍ مَحْقُونٍ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَبِي أَوْ أُمِّي؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي سَمَّاهُ مَعْصِيَةً وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ ذَبْحَ مَا يَمْلِكُ ذَبْحَهُ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ ذَبْحُهُ كَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ،
-
وَلَوْ نَذَرَ ذَبْحَ مَا يَحِلُّ ذَبْحُهُ، وَلَكِنْ لَا يَمْلِكُ ذَبْحَهُ كَشَاةِ الْغَيْرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ،
-
فَإِذَا نَذَرَ ذَبْحَ مَا لَا يَحِلُّ ذَبْحُهُ وَلَا يَمْلِكُ ذَبْحَهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا رُوِيَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: أَرَى عَلَيْك مِائَةُ بَدَنَةٍ،
-
ثُمَّ قَالَ: ائْتِ ذَلِكَ الشَّيْخَ فَاسْأَلْهُ، وَأَشَارَ إلَى مَسْرُوقٍ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أَرَى عَلَيْكَ شَاةً فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَقَالَ: وَأَنَا أَرَى عَلَيْك ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَوْجَبَ فِيهِ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَوْجَبَ فِيهِ بَدَنَةً أَوْ مِائَةَ بَدَنَةٍ.
-
وَسَأَلَتْ امْرَأَةٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَتْ إنِّي جَعَلْتُ وَلَدِي نَحِيرًا. فَقَالَ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ. فَقَالَتْ: أَتَأْمُرُنِي بِقَتْلِ وَلَدِي، فَقَالَ: نَهَى اللَّهُ عَنْ قَتْلِ الْوَلَدِ،
-
وَإِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ نَذَرَ إنْ تَمَّ لَهُ عَشَرَةُ بَنِينَ أَنْ يَذْبَحَ عَاشِرَهُمْ، فَتَمَّ لَهُ ذَلِكَ بِعَبْدِ اللَّهِ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَقْرَع بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَشْرٍ مِنْ
-
الْإِبِلِ، فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَمَا زَالَ يَزِيدُ عَشْرًا عَشْرًا، وَالْقُرْعَةُ تَخْرُجُ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَتْ الْإِبِلُ مِائَةً، فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَنَحَرَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَرَى عَلَيْك مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَالصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَخْرُج بِهِ، فَاسْتَدْلَلْنَا بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ؛
-
لِأَنَّ مِنْ الْإِجْمَاعِ أَنْ يَشْتَهِرَ قَوْلُ بَعْضُ الْكِبَارِ مِنْهُمْ،
-
وَلَا يَظْهَرَ خِلَافُ ذَلِكَ،
-
وَلَا شَكَّ أَنَّ رُجُوعَ ابْنِ عَبَّاسٍ إلَى قَوْلِ مَسْرُوقٍ قَدْ اُشْتُهِرَ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ أَحَدٍ خِلَافُ ذَلِكَ، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ مَرْوَانَ أَخْطَأَ الْفُتْيَا لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ شَاذٌّ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ،
-
فَإِنَّ قَوْلَ مَرْوَانَ لَا يُعَارِضُ قَوْلَ الصَّحَابَةِ، مَعَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، وَلَكِنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ مِنْ فُقَهَائِهِمْ فِيمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ، يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِحَمْلِ قَوْلِهِ إلَّا عَلَى السَّمَاعِ مِمَّنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ،
-
ثُمَّ أَخَذْنَا بِفَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٍ فِي إيجَابِ الشَّاةِ لَهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
-
فَإِنَّ مَنْ أَوْجَبَ بَدَنَةً أَوْ أَكْثَرَ فَقَدْ أَوْجَبَ الزِّيَادَةَ؛ أَوْ لِأَنَّ مَنْ أَوْجَبَ الشَّاةَ فَإِنَّمَا أَوْجَبَهَا اسْتِدْلَالًا بِقِصَّةِ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وَمَنْ أَوْجَبَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، فَإِنَّمَا أَوْجَبَهَا اسْتِدْلَالًا بِفِعْلِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالْأَخْذُ بِفِعْلِ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِفِعْلِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَال الْفِقْهِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ،
-
فَإِنَّ الشَّاةَ مَحَلٌّ لِوُجُوبِ ذَبْحِهَا بِإِيجَابِ ذَبْحٍ مُضَافٍ إلَى الْوَلَدِ، فَكَانَ إضَافَةُ النَّذْرِ بِالذَّبْحِ إلَى الْوَلَدِ بِهَذَا الطَّرِيقِ كَالْإِضَافَةِ إلَى الشَّاةِ، فَيَكُونُ مَلْزَمَةً.
-
وَبَيَانُهُ أَنَّ الْخَلِيلَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - أُمِرَ بِذَبْحِ الْوَلَدِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ وَلَدَهُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُ {: إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} أَيْ أُمِرْتُ بِذَبْحِك، بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَهُ قَالَ فِي الْجَوَابِ {: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} ؛
-
وَلِأَنَّهُمَا اعْتَقَدَا الْأَمْرَ بِذَبْحِ الْوَلَدِ حَيْثُ اشْتَغَلَا بِهِ فَأُقِرَّا عَلَيْهِ، وَتَقْرِيرُ الرُّسُلِ عَلَى الْخَطَأِ لَا يَجُوزُ، خُصُوصًا فِيمَا لَا يَحِلُّ الْعَمَلُ فِيهِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ مِنْ إرَاقَةِ دَمِ نَبِيٍّ،
-
ثُمَّ وَجَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ ذَبْحُ الشَّاةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ} {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} أَيْ حَقَقْتَ، وَإِنَّمَا حُقِّقَ ذَبْحُ الشَّاةِ،
-
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا سَمَّاهُ مُصَدِّقًا رُؤْيَاهُ قَبْلَ ذَبْحِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، مَعْنَاهُ وَفَدَيْنَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إبْرَاهِيمُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ قَبْلَ ذَبْحِ الشَّاةِ إنَّمَا أَتَى بِمُقَدَّمَاتِ ذَبْحِ الْوَلَدِ مِنْ تَلِّهِ لِلْجَبِينِ وَإِمْرَارِهِ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ، وَبِهِ لَمْ يَحْصُلْ الِامْتِثَالُ؛
-
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذَبْحٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الِامْتِثَالُ بِهِ لَمْ تَكُنْ الشَّاةُ فِدَاءً،
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: وُجُوبُ الشَّاةِ بِأَمْرٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ أَمْرٍ آخَرَ بِالرَّأْيِ غَيْرُ مُمَكَّنٍ؛ وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ فِدَاءً. وَاَللَّهُ تَعَالَى سَمَّى الشَّاةَ فِدَاءً
-
عَلَى أَنَّهُ دَفَعَ مَكْرُوهَ الذَّبْحِ عَنْ الْوَلَدِ بِالشَّاةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ وُجُوبُ الشَّاةِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ،
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: وَجَبَ عَلَيْهِ ذَبْحُ الْوَلَدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِمُقَدِّمَاتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الشَّاةُ فِدَاءً عَنْ وَلَدٍ وَجَبَ ذَبْحُهُ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي النَّذْرِ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ ذَبْحَ الْوَلَدِ حَتَّى جُعِلَتْ الشَّاةُ فِدَاءً، إذْ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا تَأَدَّى بِالْفِدَاءِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ فِي يَدِهِ؛
-
وَلِأَنَّ الْوَلَدَ كَانَ مَعْصُومًا عَنْ الذَّبْحِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ الْعِصْمَةُ حِسًّا عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ الشَّفْرَةَ كَانَتْ تَنْبُو وَتَنْفُلُ وَلَا تَقْطَعُ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَعْصُومًا عَنْ الذَّبْحِ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ وَاجِبَ الذَّبْحِ مُنَافَاةٌ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَا وَجَبَ ذَبْحُ الْوَلَدِ بَلْ أُضِيفَ الْإِيجَابُ إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَنْحَلَّ الْوُجُوبُ بِالشَّاةِ.
-
وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ الِابْتِلَاءُ فِي حَقِّ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالِاسْتِسْلَامِ وَإِظْهَارِ الطَّاعَةِ فِيمَا لَا يَضْطَلِعُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ، وَلِلْوَلَدِ بِالِانْقِيَادِ وَالصَّبْرِ عَلَى مُجَاهَدَةِ بَذْلِ الرُّوحِ إلَى مُكَاشَفَةِ الْحَالِ؛ وَلِيَكُونَ لَهُ ثَوَابُ أَنْ يَكُونَ قُرْبَانَا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» وَمَا ذُبِحَا بَلْ أُضِيفَ إلَيْهِمَا،
-
ثُمَّ فُدِيَا بِالْقِرَابَيْنِ، وَلَا يُقَالُ: قَدْ وَجَبَ ذَبْحُ الْوَلَدِ،
-
ثُمَّ تَحَوُّلَ وُجُوبُ ذَبْحِ الْوَلَدِ إلَى الشَّاةِ بِانْتِسَاخِ الْمَحَلِّيَّةِ فَتَكُونُ الشَّاةُ وَاجِبَةً بِذَلِكَ الْأَمْرِ كَالدَّيْنِ يُحَالُ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ، فَيَفْرُغُ الْمَحَلُّ الْأَوَّلُ مِنْهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ فِيهِ، فَيَكُونُ وَاجِبًا فِي الْمَحَلِّ الثَّانِي بِذَلِكَ السَّبَبِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْمَحَلِّ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ صَلَاحِيَّةِ الْمَحَلِّ لَهُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ تَحَوَّلَ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ يَبْقَى الْمَحَلُّ الْأَوَّلُ صَالِحًا لِمِثْلِهِ كَالدَّيْنِ إذَا حُوِّلَ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ، وَلَمْ يَبْقَ الْوَلَدُ مَحَلًّا صَالِحًا لِذَبْحٍ هُوَ قُرْبَانٌ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا،
-
وَأَنَّ الْوُجُوبَ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْإِيجَابِ حَلَّ بِالشَّاةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَلَدِ فِي قَبُولِ حُكْمِ الْوُجُوبِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ فِدَاءً. نَظِيرُهُ مِنْ الْحَيَاةِ أَنْ يَرْمِيَ إلَى إنْسَانٍ فَيَفْدِيَهُ غَيْرُهُ بِنَفْسِهِ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ لِيَنْفُذَ السَّهْمُ فِيهِ، لَا أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَيْهِ بَعْدَ مَا وَصَلَ إلَى الْمَحَلِّ، وَيَقُولُ لِغَيْرِهِ: فَدَتْك نَفْسٌ عَنْ الْمَكَارِهِ.
-
وَالْمُرَادُ هَذَا وَمِنْ الشَّرْعِيَّاتِ الْخُفِّ مُقَدَّمٌ عَلَى الرِّجْلِ فِي قَبُولِ حُكْمِ الْحَدَثِ، لَا أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى الْخُفِّ مَا حَلَّ بِالرِّجْلِ مِنْ الْحَدَثِ،
-
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ وَجَبَ ذَبْحُ الْوَلَدِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْفِدَاءُ لَا لِعَيْنِهِ، وَلِهَذَا صَارَ مُحَقِّقًا رُؤْيَاهُ بِالْفِدَاءِ وَفِي مِثْلِ هَذَا إيجَابُ الْأَصْلِ فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ يَكُونُ إيجَابًا لِلْفِدَاءِ، كَالشَّيْخِ الْفَانِي إذَا نَذَرَ الصَّوْمَ يَلْزَمُهُ الْفِدَاءُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الصَّوْمِ عَلَيْهِ شَرْعًا لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْفِدَاءُ لَا لِعَيْنِهِ، فَإِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ الْخَلِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ نَذَرَ الذَّبْحَ لِأَوَّلِ وَلَدٍ يُولَدُ لَهُ،
-
ثُمَّ نَسِيَ ذَلِكَ فَذُكِّرَ فِي الْمَنَامِ،
-
فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَهُوَ نَصٌّ؛ لِأَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا تَلْزَمُنَا مَا لَمْ يَظْهَرْ نَاسِخُهُ
-
خُصُوصًا شَرِيعَةُ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَ {اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} .
-
فَأَمَّا إذَا نَذَرَ بِذَبْحِ عَبْدِهِ فَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذَ فِيهِ بِالِاسْتِحْسَانِ أَيْضًا، وَقَالَ أَيْضًا: يَلْزَمُهُ ذَبْحُ الشَّاةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ كَسْبُهُ وَمِلْكُهُ،
-
فَإِذَا صَحَّ إضَافَةُ النَّذْرِ إلَى الْوَلَدِ لِكَوْنِهِ كَسْبًا لَهُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ فَلَأَنْ يَصِحَّ إضَافَتُهُ إلَى كَسْبِهِ، وَهُوَ مِلْكُهُ أَوْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذَ بِالْقِيَاسِ فَقَالَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ جَعْلَ الشَّاةِ فِدَاءً عَنْ الْوَلَدِ لِكَرَامَةِ الْوَلَدِ، وَالْعَبْدُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْكَرَامَةِ لَيْسَ بِنَظِيرِ الْوَلَدِ،
-
وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي هَذَا الْبَابِ.
-
وَإِنْ نَذَرَ ذَبْحَ ابْنَ ابْنِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ ابْنَ الِابْنِ لَيْسَ نَظِيرَ الِابْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،
-
وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ: يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مُضَافٌ إلَيْهِ بِالْبُنُوَّةِ كَالِابْنِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْكَرَامَةِ كَالِابْنِ فِي حَقِّهِ.
-
وَإِنْ أَضَافَ النَّذْرَ إلَى أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْجَوَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا، وَهُمَا كَالْأَجَانِبِ فِي حَقِّهِ فِي حُكْمِ النَّذْرِ بِالذَّبْحِ، وَفِي الْهَارُونِيَّاتِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَبْحُ الشَّاةِ، وَكَأَنَّهُ اُعْتُبِرَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ بِالطَّرَفِ الْآخَرَ،
-
ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ فِي الْمَنَاسِكِ بَيْنَ النَّذْرِ بِالْهَدْيِ وَالْبَدَنَةِ وَالْجَزُورِ.
-
وَإِذَا حَلَفَ بِالنَّذْرِ، فَإِنْ نَوَى شَيْئًا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَعَلَيْهِ مَا نَوَى؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ، فَيَكُونُ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «النَّذْرُ يَمِينٌ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ؛
-
وَلِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِحَقِّ اللَّهِ وَالْحَلِفُ فِي مِثْلِهِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ سَاتِرَةً لِلذَّنْبِ،
-
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ بِالنَّذْرِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تَلْتَزِمُ بِالنَّذْرِ، وَالْكَفَّارَةُ خَلَفٌ عَنْ الْبِرِّ الْوَاجِبِ بِالْيَمِينِ، أَوْ الْوَفَاءِ الْوَاجِبِ بِالنَّذْرِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْمَعْصِيَةِ. وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - دَخَلَ عَلَى الشَّعْبِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛
-
لِأَنَّ الْمَنْذُورَ مَعْصِيَةٌ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَلَيْسَ أَنَّ الظِّهَارَ مَعْصِيَةٌ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْكَفَّارَةِ فِيهِ فَتَحَيَّرَ الشَّعْبِيُّ وَقَالَ أَنْتَ مِنْ الْآرَائِيِّينَ، وَفِي الْكِتَابِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَلِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» وَإِذَا حَلَفَ بِالنَّذْرِ، وَهُوَ يَنْوِي صِيَامًا وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إذَا حَنِثَ؛
-
لِأَنَّ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مُعْتَبَرٌ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَأَدْنَى مَا أَوْجَبَ اللَّهُ مِنْ الصِّيَامِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا نَوَى صَدَقَةً وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَعَلَيْهِ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ الْحِنْطَةِ اعْتِبَارًا لِمَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ
-
إطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْفُصُولَ فِي الْمَنَاسِكِ.
-
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ فَيَقُولُ: وَأَبِيك وَأَبِي فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْ الْحَلِفِ بِجَدٍّ مِنْ جُدُودِهِ،
-
وَمِنْ الْحَلِفِ بِالطَّوَاغِيتِ وَفِي الْبَابِ حَدِيثَانِ: (أَحَدُهُمَا) حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «تَبِعَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ، وَأَنَا أَحْلِفُ بِأَبِي فَقَالَ: لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ، فَمَا حَلَفْت بَعْدَ ذَلِكَ لَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ تَعَالَ أُفَاخِرْك فَلْيَقُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» .
-
وَإِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ، وَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ مَوْصُولًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ وَالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَتَغَيَّرُ بِذِكْرِهِ حُكْمُ الْكَلَامُ، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {: سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا} وَلَمْ يَصْبِرْ، وَلَمْ يُعَاتِبْهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْوَعْدُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - كَالْعَهْدِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اسْتَثْنَى فَلَهُ ثَنَيَاهُ» .
-
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ وَمَرْفُوعًا: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ اسْتَثْنَى، وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ» ، إلَّا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُجَوِّزُ الِاسْتِثْنَاءَ،
-
وَإِنْ كَانَ مَفْصُولًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ} ، يَعْنِي إذَا نَسِيتَ الِاسْتِثْنَاءَ مَوْصُولًا فَاسْتَثْنِ مَفْصُولًا، وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ حُكْمَ الزَّوْجِ الثَّانِي بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثَةِ،
-
وَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمَفْصُولُ صَحِيحًا لَكَانَ الْمُطَلِّقُ يَسْتَثْنِي إذَا نَدِمَ،
-
وَلَا حَاجَةَ إلَى الْمُحَلِّلِ، وَفِي تَصْحِيحِ الِاسْتِثْنَاءِ مَفْصُولًا إخْرَاجُ الْعُقُودِ كُلِّهَا مِنْ الْبُيُوعِ، وَالْأَنْكِحَةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُلْزَمَةً. (قَالَ) : وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حِينَ عَاتَبَهُ الْخَلِيفَةُ فَقَالَ أَبَلَغَ مِنْ قَدْرِكَ أَنْ تُخَالِفَ جَدِّي؟
-
قَالَ: فَفِيمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمَفْصُولِ. قَالَ: إنَّمَا خَالَفْته مُرَاعَاةً لِعُهُودِكَ،
-
فَإِذَا جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمَفْصُولُ فَبَارَكَ اللَّهُ فِي عُهُودِكَ إذَنْ، فَإِنَّهُمْ يُبَايِعُونَك وَيَحْلِفُونَ،
-
ثُمَّ يَخْرُجُونَ فَيَسْتَثْنُونَ فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِمْ لُزُومُ طَاعَتِك، فَنَدِمَ الْخَلِيفَةُ وَقَالَ: اُسْتُرْ هَذَا عَلَيَّ. وَتَأْوِيلُ قَوْله تَعَالَى {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ} ، أَيْ إذَا لَمْ تَذْكُرْ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي أَوَّلِ كَلَامِك فَاذْكُرْهُ فِي آخَرِ كَلَامُك مَوْصُولًا بِكَلَامِكَ،
-
ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ مُبْطِلٌ لِلْكَلَامِ، وَمَخْرَجٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ بِمَعْنَى الشَّرْطَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ
-
أَيْمَانِ الْجَامِعِ.
-
وَإِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَحَنِثَ فِيهَا فَعَلَيْهِ أَيُّ الْكَفَّارَاتِ شَاءَ، إنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً،
-
وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ،
-
وَإِنْ شَاءَ كَسَا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ؛ لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ بِأَوْ فَهُوَ بِالْخِيَارِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ عِنْدَنَا، وَهُوَ بِالْخِيَارِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ شَاءَ تَابَعَ،
-
وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مُطْلَقٌ فِي قَوْله تَعَالَى {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} وَلَكِنَّا نَشْتَرِطُ صِفَةَ التَّتَابُعِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَقَدْ وَرَدَ هُنَاكَ حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ» .
-
وَالثَّانِي قَوْلُهُ: «أَدُّوا مِنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» ،
-
ثُمَّ لَمْ يَحْمِلْ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ حَتَّى أَوْجَبْنَا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ الْعَبْدِ الْكَافِرِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ هُنَاكَ فِي السَّبَبِ،
-
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ فَالتَّقْيِيدُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ حُكْمِ الْإِطْلَاقِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرَ بِنَاءً عَلَى أَصْلنَا أَنْ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَهُنَا الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَبَيْنَ التَّتَابُعِ وَالتَّفْرِيقِ مُنَافَاةٌ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ،
-
وَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ صِفَةِ التَّتَابُعِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ لَا يَبْقَى مُطْلَقًا.
-
(قَالَ) : وَيَجُوزُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مِنْ الرِّقَابِ مَا يُجْزِي فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الرَّقَبَةِ مِثْلُ الْحُكْمِ فِي تِلْكَ الرَّقَبَةِ، سَوَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الظِّهَارِ.
-
رَجُلٌ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ، فَذَلِكَ لَا يُجْزِي عَنْهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -،
-
فَأَمَّا عِنْدَهُمَا الْعِتْقُ لَا يَتَجَزَّأُ، وَيَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِالْعِتْقِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْعِتْقُ يَتَجَزَّأُ وَالْوَاجِبُ هُوَ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ، أَوْ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتُهُمْ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الرَّقَبَةِ لَيْسَ بِرَقَبَةٍ،
-
وَلَوْ جَوَّزْنَا هَذَا كَانَ نَوْعًا رَابِعًا فِيمَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِثْبَاتُ مِثْلِهِ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ أَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ بُرٍّ وَنِصْفَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِي الطَّعَامِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ، وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ لِمَعْنَى حُصُولِ كِفَايَةِ الْمِسْكِينِ بِهِ فِي يَوْمِهِ، وَفِي ذَلِكَ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ الْأَدَاءِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ وَمِنْ نَوْعَيْنِ، وَهُنَا الرَّقَبَةُ فِي التَّحْرِيرِ وَعَشَرَةُ مَسَاكِينَ فِي الْإِطْعَامِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ جَوَّزْنَا النِّصْفَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ إخْلَالًا بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
-
وَإِنْ حَنِثَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، وَأَخَّرَ الصَّوْمَ حَتَّى أَيْسَرَ لَمْ يُجْزِهِ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، إذَا صَامَ الْمُكَفِّرُ يَوْمَيْنِ ثُمَّ وَجَدَ فِي الْيَوْمِ
-
الثَّالِثِ مَا يُطْعِمُ أَوْ يَكْسُوهُ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ، فَيَسْقُطُ بِهِ حُكْمُ الْبَدَلِ كَالْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ إذَا حَاضَتْ، وَالْمُتَيَمِّمِ إذَا أَبْصَرَ الْمَاءَ قَبْلَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ عَدَمَ الْوُجُودِ بِقَوْلِهِ {: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَيْسَ لِتَصْحِيحِ الصَّوْمِ،
-
فَإِنَّ أَصْلَ الصَّوْمِ صَحِيحٌ مِنْ الْوَاجِدِ لِلْمَالِ، وَلَكِنَّهُ شُرِطَ لِيَكُونَ الصَّوْمُ كَفَّارَةً يَسْقُطُ بِهِ الْوَاجِبُ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَالْفَرَاغِ مِنْهُ،
-
فَإِذَا انْعَدَمَ هَذَا الشَّرْطُ لَمْ يَكُنْ الصَّوْمُ كَفَّارَةً لَهُ وَلِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ فِي قَوْلٍ مِثْلَ قَوْلِنَا، وَقَوْلٍ آخَرَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الْوُجُوبِ فِي الْيَسَارِ وَالْعُسْرَةِ، وَمَا وَجَبَ عِنْدَ ذَلِكَ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ،
-
وَلَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ حَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَاعْتَبَرَهُ بِالْحُدُودِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَ الْوُجُوبِ بِالتَّنَصُّفِ بِالرِّقِّ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالْيَمِينِ الْكَفَّارَةُ لَا مَا يُكَفَّرُ بِهِ، كَالْوَاجِبِ بِالْحَدَثِ الطَّهَارَةُ دُونَ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ مِنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، بَلْ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِهِ فِي الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ عِنْدَ الْأَدَاءِ، وَوُجُوبُ الْحَدِّ بِاعْتِبَارِ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمُنْعِمِ بِالْجِنَايَةِ وَالنِّعْمَةُ تَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ ارْتِكَابِ الْجِنَايَةِ لَا بَعْدَهُ، مَعَ أَنَّ الْحُدُودَ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ،
-
فَإِذَا وَجَبَ بِصِفَةِ النُّقْصَانِ لَا يَتَكَامَلُ بِالْحُرِّيَّةِ الطَّارِئَةِ مِنْ بَعْدُ، وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّوْمُ مَا لَمْ يَكُنْ مُعْسِرًا مِنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ بِالصَّوْمِ عَنْ ضَرُورَةٍ مَحْضَةٍ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ مُوسِرًا فِي إحْدَى الْحَالَيْنِ؛
-
وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُوسِرًا عِنْدَ الْحِنْثِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ، فَهُوَ بِالتَّأْخِيرِ إلَى أَنْ يُعْسِرَ مُفَرِّطٌ فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ بِاعْتِبَارِ تَفْرِيطِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: كَمَا أَنَّ هَذِهِ كَفَّارَةُ ضَرُورَةٍ فَالتَّيَمُّمُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ،
-
ثُمَّ كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ وَقْتُ الْأَدَاءِ لَا وَقْتُ الْوُجُوبِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الضَّرُورَةَ بِاعْتِبَارِ حَاجَتِهِ إلَى إسْقَاطِ الْوَاجِبِ عَنْ ذِمَّتِهِ وَذَلِكَ لِلْأَدَاءِ.
-
وَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا شِرَاءً فَاسِدًا فَقَبَضَهُ وَأَعْتَقَهُ عَنْ يَمِينِهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْعَبْدَ بِالْقَبْضِ، وَإِعْتَاقُهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ نَافِذٌ، وَنِيَّةُ التَّكْفِيرِ بِهِ صَحِيحٌ لِكَوْنِهِ مُتَصَرِّفًا فِيمَا يَمْلِكُ.
-
وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَاتُ أَيْمَانٍ مُتَفَرِّقَةٌ فَأَعْتَقَ رِقَابًا بِعَدَدِهِنَّ،
-
وَلَا يَنْوِي لِكُلِّ يَمِينٍ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا، أَوْ نَوَى فِي كُلِّ رَقَبَةٍ عَنْهُنَّ أَجْزَتْهُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي بَابِ الظِّهَارِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ عَنْ إحْدَاهُنَّ، وَأَطْعَمَ عَنْ الْأُخْرَى، وَكَسَا عَنْ الثَّالِثَةِ، كَانَ كُلُّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ يَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي كُلِّهَا سَوَاءً، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الظِّهَارِ أَنَّ إعْتَاقَ الْجَنِينِ لَا يُجْزِي عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ
-
كَانَ مَوْجُودًا لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْإِجْزَاءِ، فَكَذَلِكَ الْيَمِينُ وَكَفَّارَةُ الْمَمْلُوكِ بِالصَّوْمِ مَا لَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّهُ أَعْسَرُ مِنْ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مَلَكَ،
-
وَلَا يُجْزِي أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ مَوْلَاهُ أَوْ يُطْعِمَ، وَيَكْسُوَ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْلِكَهُ حَتَّى يَتَسَرَّى بِإِذْنِ مَوْلَاهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْحُرِّ إذَا أَمَرَ إنْسَانًا أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَمْلِكَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ هُوَ مُتَمَلِّكًا بِأَنْ يَكُونَ الْمِسْكِينُ قَابِضًا لَهُ أَوَّلًا،
-
ثُمَّ لِنَفْسِهِ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ الْمُنَافِيَ فِيهِ مَوْجُودٌ، وَبَيْنَ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ مَالًا وَالْمَمْلُوكِيَّة مَالًا مُغَايِرَةً عَلَى سَبِيلِ الْمُنَافَاةِ، وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقِنِّ، وَالْمُسْتَسْعَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ.
-
وَإِنْ صَامَ الْمُعْسِرُ يَوْمَيْنِ ثُمَّ وَجَدَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مَا يُعْتِقُ، فَعَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ لِانْعِدَامِ شَرْطِ جَوَازِ الْبَدَلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُتِمَّ صَوْمَ يَوْمِهِ،
-
وَإِنْ أَفْطَرَ فَلَا قَضَاءَ إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهَذَا وَالصَّوْمُ الْمَظْنُونُ سَوَاءٌ.
-
ذِمِّيٌّ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ،
-
ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ،
-
فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْيَمِينِ الْحَظْرُ أَوْ الْإِيجَابُ، وَالذِّمِّيُّ مِنْ أَهْلِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} فَقَدْ جَعَلَ لِلْكَافِرِينَ يَمِينًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ فِي الْمَظَالِمِ وَالْخُصُومَاتِ بِاَللَّهِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَمِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَإِذَا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْحِنْثِ إنْ حَنِثَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ كَفَّرَ بِالْمَالِ؛
-
لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ، وَنَظِيرُهُ الْعَبْدُ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالتَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ،
-
وَإِنْ حَنِثَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَالَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ أَهْلٌ لِلْكَفَّارَةِ،
-
وَأَنَّ فِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ، فَيَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ، وَعَلَى الْمُسْلِمِ بِطَرِيقِ الطُّهْرَةِ كَالْحُدُودِ، فَإِنَّهَا كَفَّارَاتٌ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا ثُمَّ تُقَامُ عَلَى الْمُسْلِمِ التَّائِبِ تَطَهُّرًا وَعَلَى الْكَافِرِ عُقُوبَةً» .
-
(وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمُنْقِرِيُّ حَيْثُ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي حَلَفْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ قَالَ: نَذَرْتَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَدَمَ الْإِسْلَامُ مَا كَانَ فِي الشِّرْكِ» ؛
-
وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِاعْتِبَارِ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِنْثِ، وَمَا فِيهِ مِنْ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ هَتَكَ حُرْمَةَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِإِصْرَارِهِ عَلَى الشِّرْكِ بِأَبْلَغِ الْجِهَاتِ
-
وَعَقْدُ الْيَمِينِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَظْرِ وَالْإِيجَابِ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ} . وَالِاسْتِحْلَافُ فِي الْمَظَالِمِ وَالْخُصُومَاتِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ مَقْصُودِهَا، وَهُوَ النُّكُولُ أَوْ الْإِقْرَارُ وَانْعِقَادُ يَمِينِهِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛
-
لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا مُجِيزًا،
-
فَأَمَّا هَذِهِ الْيَمِينِ مُوجِبُهَا الْبِرُّ لِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَبَعْدَ الْحِنْثُ مُوجِبُهَا الْكَفَّارَةُ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ كَاسْمِهَا سِتَارَةٌ لِلذَّنْبِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} ، وَمَعْنَى الْعُقُوبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ صُورَةً فَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَالْحُكْمُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْعِبَادَةُ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُقَامَ عَلَيْهِ كُرْهًا، وَأَنَّهَا تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ الَّذِي هُوَ مَحْضُ الْعِبَادَةِ،
-
وَلَا تَتَأَدَّى إلَّا بِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ، وَالْمَقْصُودُ بِهَا التَّطَهُّرُ كَمَا بَيَّنَّا
-
بِخِلَافِ الْحُدُودِ فَإِنَّهَا تُقَامُ خِزْيًا وَعَذَابًا وَنَكَالًا، وَمَعْنَى التَّكْفِيرِ بِهَا إذَا جَاءَ تَائِبًا مُسْتَسْلِمًا مُؤْثِرًا عُقُوبَةَ الدُّنْيَا عَلَى عُقُوبَةِ الْآخِرَةِ، كَمَا فَعَلَهُ مَاعِزٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَلِهَذَا يَسْتَقِيمُ إقَامَتُهَا عَلَى الْكَافِرِ بِطَرِيقِ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ.
-
رَجُلٌ أَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِهِ يَنْوِي ذَلِكَ بِقَلْبِهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بِالْعِتْقِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَيَتَأَدَّى بِهِ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ، فَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتُ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ فِيهَا لِمَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ»
-
(قَالَ) : وَلَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بَعْدَ الْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَجُوزُ بِالْمَالِ دُونَ الصَّوْمِ،
-
وَإِنْ كَانَ يَمِينُهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلَهُ فِي جَوَازِ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَجْهَانِ، احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} . وَحَرْفُ الْفَاءِ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ الْوَصْلِ فَيَقْتَضِي جَوَازَ أَدَاءِ الْكَفَّارَةِ مَوْصُولًا بِعَقْدِ الْيَمِينِ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «فَلْيُكَفِّرْ، ثُمَّ لِيَأْتِ بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ، وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يُفِيدَ الْجَوَازَ؛
-
وَلِأَنَّ السَّبَبَ لِلْكَفَّارَةِ الْيَمِينُ، فَإِنَّهَا تُضَافُ إلَى الْيَمِينِ، وَالْوَاجِبَاتُ تُضَافُ إلَى أَسْبَابِهَا حَقِيقَةً،
-
وَمَنْ قَالَ عَلَى يَمِينٍ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْتِزَامَ السَّبَبِ يَكُونُ كِنَايَةً عَنْ الْوَاجِبِ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ فَالسَّبَبُ هُنَاكَ الْيَمِينُ دُونَ الشَّرْطِ، حَتَّى يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ الْيَمِينِ دُونَ شُهُودِ الشَّرْطِ، فَكَذَلِكَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ أَدَاءُ الْحَقِّ الْمَالِيِّ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ قَبْلَ الْوُجُوبِ جَائِزٌ كَأَدَاءِ الزَّكَاةِ بَعْدَ كَمَالِ النِّصَابِ قَبْلَ الْحَوْلِ،
-
وَأَمَّا الْبَدَنِيُّ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ تَقَرُّرِ
-
الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ بِالصَّوْمِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ قَبْلَ تَقَرُّرِ الْوُجُوبِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ كَفَّارَةٌ مَالِيَّةٌ تَوَقَّفَ وُجُوبُهَا عَلَى مَعْنًى، فَيَجُوزُ أَدَاؤُهَا قَبْلَهُ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ فِي الْآدَمِيِّ وَالصَّيْدِ إذَا جَرَحَ مُسْلِمًا،
-
ثُمَّ كَفَّرَ بِالْمَالِ قَبْلَ زَهُوقِ الرُّوحِ، أَوْ جَرَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا ثُمَّ كَفَّرَ قَبْلَ مَوْتِهِ يَجُوزُ بِالْمَالِ بِالِاتِّفَاقِ.
-
(وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَحْمُولٌ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا، وَهَذَا لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَمْرَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ حَقِيقَةً،
-
وَلَا وُجُوبَ قَبْلَ الْحِنْثِ بِالِاتِّفَاقِ، وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ: فَلْيُكَفِّرْ أَمْرٌ بِمُطْلَقِ التَّكْفِيرِ،
-
وَلَا يَجُوزُ مُطْلَقُ التَّكْفِيرِ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ، أَمَّا قَبْلَ الْحِنْثِ يَجُوزُ عِنْدَهُ بِالْمَالِ دُونَ الصَّوْمِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ مَا يُكَفَّرُ بِهِ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ، وَالتَّخْصِيصُ فِي الْمَلْفُوظِ الَّذِي لَهُ عُمُومٌ دُونَ مَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مُجَرَّدَ الْيَمِينِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ؛
-
لِأَنَّ أَدْنَى حَدِّ السَّبَبِ أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا إلَى الشَّيْءِ طَرِيقًا لَهُ، وَالْيَمِينُ مَانِعَةٌ مِنْ الْحِنْثِ مُحَرِّمَةٌ لَهُ فَكَيْفَ تَكُونُ مُوجِبَةً لِمَا يَجِبُ بَعْدَ الْحِنْثِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّوْمَ وَالْإِحْرَامَ لَمَّا كَانَ مَانِعًا مِمَّا يَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ ارْتِكَابُ الْمَحْظُورِ لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِهِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ
-
بِخِلَافِ الْجَرْحِ، فَإِنَّهُ طَرِيقٌ يُفْضِي إلَى زُهُوقِ الرُّوحِ، وَبِخِلَافِ كَمَالِ النِّصَابِ، فَإِنَّهُ تَحَقُّقُ الْغِنَى الْمُؤَدِّي إلَى النَّمَاءِ الَّذِي بِهِ يَكُونُ الْمَالُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ؛ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الْيَمِينِ،
-
فَإِنَّ بِالْحِنْثِ الْيَمِينُ يَرْتَفِعُ، وَمَا يَكُونُ سَبَبًا لِلشَّيْءِ فَالْوُجُوبُ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَقَرُّرِهِ لَا عَلَى ارْتِفَاعِهِ.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْيُمْنَ لَيْسَتْ بِسَبَبِ التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ حَتَّى يَجُوزُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَبَعْدَ وُجُوبِ السَّبَبِ الْأَدَاءُ جَائِزٌ مَالِيًّا كَانَ أَوْ بَدَنِيًّا، أَلَا تَرَى أَنَّ صَوْمَ الْمُسَافِرِ فِي رَمَضَانَ يَجُوزُ لِوُجُودِ السَّبَبِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْأَدَاءُ مُتَأَخِّرًا إلَى أَنْ يُدْرِكَ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَإِضَافَةُ الْكَفَّارَةِ إلَى الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِحِنْثٍ بَعْدَ الْيَمِينِ، كَمَا تُضَافُ الْكَفَّارَةُ إلَى الصَّوْمِ، وَالْإِحْرَامُ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْيَمِينَ سَبَبٌ، فَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا تَجِبُ خَلَفًا عَنْ الْبِرِّ الْوَاجِبِ لِيَصِيرَ عِنْدَ أَدَائِهَا كَأَنَّهُ تَمَّ عَلَى بَرِّهِ،
-
وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْخَلَفِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْوَاجِبِ، وَقَبْلَ الْحِنْثِ مَا هُوَ الْأَصْلُ بَاقٍ وَهُوَ الْبِرُّ،
-
فَلَا تَكُونُ الْكَفَّارَةُ خَلَفًا كَمَا لَا يَكُونُ التَّيَمُّمُ طَهَارَةً مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ، يُقَرِّرُهُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَوْبَةٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ {: تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ} ، وَالتَّوْبَةُ قَبْلَ الذَّنْبِ لَا تَكُونُ، وَهُوَ فِي عَقْدِ الْيَمِينِ مُعَظِّمٌ حُرْمَةَ
-
اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا الذَّنْبُ فِي هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالتَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ قَبْلَ الْحَدَثِ
-
بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، فَإِنَّهُ جَزَاءُ جِنَايَتِهِ، وَجِنَايَتُهُ فِي الْجَرْحِ إذْ لَا صُنْعَ لَهُ فِي زُهُوقِ الرُّوحِ، وَبِخِلَافِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ شُكْرُ النِّعْمَةِ، وَالنِّعْمَةُ الْمَالُ دُونَ مُضِيِّ الْحَوْلِ، فَكَانَ حَوْلَانُ، الْحَوْلِ تَأْجِيلًا فِيهِ، وَالتَّأْجِيلُ لَا يَنْفِي الْوُجُوبَ، فَكَيْفَ يَنْفِي تَقَرُّرَ السَّبَبِ؟
-
(قَالَ) : وَإِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا عِنْدَ الْمَوْتِ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ عَتَقَ عَنْ ثُلُثِهِ، وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُبَاشِرُهُ الْمَرِيضُ مِنْ الْعِتْقِ كَالْمُضَافِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ،
-
وَلَوْ أَوْصَى بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الزَّكَاةِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ، فَقَدْ لَزِمَهُ السِّعَايَةُ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ، وَكَانَ هَذَا عِتْقًا بِعِوَضٍ فَلَا يُجْزِيهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ عَلَى مَالٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِمَالٍ لَا يَتَمَحَّضُ قُرْبَةً، وَالْكَفَّارَةُ لَا تَتَأَدَّى إلَّا بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ،
-
فَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِ عَنْ كَفَّارَتِهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْعِتْقِ وَقَعَ غَيْرَ مُجْزِئٍ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَالْإِبْرَاءُ عَنْ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ إسْقَاطٌ لِلدَّيْنِ،
-
وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْكَفَّارَاتِ؛ فَلِهَذَا لَا يُجْزِيهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
(قَالَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: بَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِمَوْلًى لَهُ أَرَقًا وَفِي رِوَايَةٍ (١) بَرَقًا: إنِّي أَحْلِفُ عَلَى قَوْمٍ أَنْ لَا أُعْطِيَهُمْ،
-
ثُمَّ يَبْدُوَ لِي فَأُعْطِيَهُمْ،
-
فَإِذَا أَنَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَطْعِمْ عَنِّي عَشَرَةَ مَسَاكِينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا
-
بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ الْمُتَشَفِّعَةُ: أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ {: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَدْ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَانَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَتَأْوِيلُ تِلْكَ الْآيَةِ أَنَّهُ يُجَازِفُ فِي الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ الْبَرِّ وَالْحِنْثِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ إذَا رَأَى الْحِنْثَ خَيْرًا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يُحَمِّلَنَا،
-
ثُمَّ رَجَعَ قَوْمٌ عِنْدَهُ بِخَمْسِ ذَوْدٍ، وَقَالُوا: حَمَلَنَا عَلَيْهَا. فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ نَسِيَ يَمِينَهُ فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ. قَالَ: إنِّي أَحْلِفُ ثُمَّ أَرَى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ فَأَتَحَلَّلُ يَمِينِي، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ أَوَانَ التَّكْفِيرِ مَا بَعْدَ الْحِنْثِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، وَأَنَّ
-
مَا رُوِيَ فَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، مَحْمُولٌ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ،
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ثُمَّ يَأْتِ بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ؛ لِأَنَّ ثُمَّ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْوَاوِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا} ، أَيْ وَكَانَ {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ} ، أَيْ وَاَللَّهُ شَهِيدٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالتَّكْفِيرِ جَائِزٌ.
-
بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ: أَنَّهُ لَا تَوْكِيلَ فِي الْعِبَادَةِ أَصْلًا لِظَاهِرِ قَوْلِهِ {: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى} ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمَقْصُودُ فِيمَا هُوَ مَالِيُّ الِابْتِدَاءِ بِإِخْرَاجِ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِ عَنْ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالنَّائِبِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْوَظِيفَةَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَذُكِرَ بَعْدَهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ، وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ مِثْلُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ دَقِيقَ الْحِنْطَةِ وَسَوِيقَهَا بِمَنْزِلَةِ الْحِنْطَةِ؛
-
لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ لِلْفَقِيرِ بِهِمَا مَعَ سُقُوطِ مُؤْنَةِ الطَّحْنِ عَنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ طَعَامَ الْإِبَاحَةِ تَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَكْلَتَانِ مُشْبِعَتَانِ، سَوَاءٌ كَانَ خُبْزُ الْبُرِّ مَعَ الطَّعَامِ أَوْ بِغَيْرِ إدَامٍ،
-
وَإِنْ أَعْطَى قِيمَةَ الطَّعَامِ يَجُوزُ، فَكَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ غَدَّاهُمْ وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ الْعَشَاءِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَاحِدٌ، وَقَدْ أَتَى مِنْ كُلِّ وَظِيفَةٍ بِنِصْفِهِ،
-
وَإِنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ، وَفِيهِمْ صَبِيٌّ فُطِمَ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يُجْزِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي كَمَالَ الْوَظِيفَةِ كَمَا يَسْتَوْفِيهِ الْبَالِغُ، وَعَلَيْهِ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ مَكَانَهُ،
-
فَإِنْ أَعْطَى عَشَرَةَ مَسَاكِينَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِمْ مُدًّا مُدًّا،
-
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ اسْتَقْبَلَ الطَّعَامَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِإِيصَالِ وَظِيفَةٍ كَامِلَةٍ إلَى كُلِّ مِسْكِينٍ، وَذَلِكَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ وَذَكَرَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ عَشَرَةُ مَسَاكِينَ فِي كَفَّارَةِ يَمِينِهِ، فَغَدَّى الْوَصِيُّ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ،
-
ثُمَّ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يُعَشِّيَهُمْ، فَعَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ؛ لِأَنَّ الْوَظِيفَةَ فِي طَعَامِ الْإِبَاحَةِ الْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ،
-
فَلَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ إلَّا بِاتِّصَالِ وَظِيفَةٍ كَامِلَةٍ إلَى كُلِّ مِسْكِينٍ،
-
وَلَا يَكُونُ الْوَصِيُّ ضَامِنًا لِمَا أَطْعَمَ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا صَنَعَ كَانَ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِهِ، وَكَانَ بَقَاؤُهُمْ إلَى أَنْ يُعَشِّيَهُمْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ،
-
وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِأَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ عَشَرَةُ مَسَاكِينَ غَدَاءً وَعَشَاءً، وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَفَّارَةَ فَغَدَّى الْوَصِيُّ عَشَرَةً فَمَاتُوا فَإِنَّهُ يُعَشِّي عَشَرَةً أُخْرَى، وَيَكْفِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى بِهِ أَكْلَتَانِ فَقَطْ دُونَ إسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ بِهِمَا، وَقَدْ وُجِدَ
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا فِي بَابِ الظِّهَارِ أَنَّ الْمِسْكِينَ الْوَاحِدَ فِي الْأَيَّامِ الْمُتَفَرِّقَةِ كَالْمَسَاكِينِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ تَفْرِيقِ الدَّفَعَاتِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ، فَكَذَلِكَ فِي الْيَمِينِ.
-
وَبَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ إطْعَامَ فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ
-
فِي الْكَفَّارَةِ يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَنْذُورِ وَالْكَفَّارَةِ فَقَالَ: إذَا نَذَرَ إطْعَامَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ فَلَهُ أَنْ يُطْعِمَ فُقَرَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، إنَّمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ فِي الْكَفَّارَةِ فُقَرَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ اعْتِبَارًا لِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ بِالزَّكَاةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ الْكَفَّارَةِ إلَى مَنْ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ.
-
وَلَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ، وَكَسَا خَمْسَةَ مَسَاكِينَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ الطَّعَامِ، إنْ كَانَ الطَّعَامُ أَرْخَصَ مِنْ الْكِسْوَةِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الْكِسْوَةُ أَرْخَصَ مِنْ الطَّعَامِ لَمْ يُجْزِئْ مَا لَا يُجْزِئُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ،
-
فَلَوْ جَوَّزْنَا إطْعَامَ خَمْسَةِ مَسَاكِينَ وَكِسْوَةَ خَمْسَةِ مَسَاكِينَ كَانَ نَوْعًا رَابِعًا، فَيَكُونُ زِيَادَةً عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أَدَّى إلَى كُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ وَنِصْفَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَاحِدٌ، وَهُوَ سَدُّ الْجَوْعَةِ،
-
فَلَا يَصِيرُ نَوْعًا رَابِعًا،
-
فَأَمَّا الْمَقْصُودُ مِنْ الْكِسْوَةِ غَيْرُ الْمَقْصُودِ مِنْ الطَّعَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ تُجْزِئُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ،
-
وَلَوْ جَوَّزْنَا النِّصْفَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ نَوْعًا رَابِعًا،
-
ثُمَّ مُرَادُهُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا أَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ بِطَرِيقِ الْإِبَاحَةِ وَالتَّمْكِينِ دُونَ التَّمْلِيكِ،
-
فَإِنَّ التَّمْلِيكَ فَوْقَ التَّمْكِينِ،
-
وَإِذَا كَانَ الطَّعَامُ أَرْخَصَ مِنْ الْكِسْوَةِ أَمْكَنَ إكْمَالُ التَّمْكِينِ بِالتَّمْلِيكِ، فَتَجُوزُ الْكِسْوَةُ مَكَانَ الطَّعَامِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الْكِسْوَةُ أَرْخَصَ لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الطَّعَامِ مَقَامَ الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ التَّمْكِينَ دُونَ التَّمْلِيكِ، وَفِي الْكِسْوَةِ التَّمْلِيكُ مُعْتَبَرٌ فَلَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْكِسْوَةِ مَقَامَ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا وَفَاءٌ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ،
-
فَأَمَّا إذَا مَلَّكَ الطَّعَامَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ، وَكَسَا خَمْسَةَ مَسَاكِينَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الطَّعَامُ أَرْخَصَ تُقَامُ الْكِسْوَةُ مَقَامَ الطَّعَامِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الْكِسْوَةُ أَرْخَصَ، يُقَامُ الطَّعَامُ مَقَامَ الْكِسْوَةِ لِوُجُودِ التَّمْلِيكِ فِيهَا، إلَيْهِ أَشَارَ فِي بَابِ الْكِسْوَةِ بَعْدَ هَذَا.
-
وَلَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ،
-
ثُمَّ افْتَقَرَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ إكْمَالَ الْأَصْلِ بِالْبَدَلِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَإِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مِنْ الْمَسَاكِينِ الْخَمْسَةِ مَا أَعْطَاهُمْ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ قَدْ تَمَّتْ بِالْوُصُولِ إلَى يَدِ الْمَسَاكِينِ،
-
وَمَنْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ يَسْكُنُهَا أَوْ ثَوْبٌ يَلْبَسُهُ،
-
وَلَا يَجِدُ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ أَجْزَأَهُ الصَّوْمُ فِي الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمَسْكَنَ وَالثِّيَابَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ، وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَلَا يَصِيرُ بِهِ وَاجِدًا لِمَا يُكَفِّرُ بِهِ،
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ يَخْدُمُهُ،
-
فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَتَعَيَّشُ مِنْ
-
غَيْرِ خَادِمٍ لَهُ؛ وَلِأَنَّ الرَّقَبَةَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فَمَعَ وُجُودِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ لَا يُجْزِيهِ الصَّوْمُ، وَفِي الْكِتَابِ عِلَلٌ فَقَالَ: لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لَهُ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْأَمَالِي، أَنَّهُ إذَا كَانَ الْفَاضِلُ مِنْ حَاجَتِهِ دُونَ مَا يُسَاوِي مِائَتَيْنِ يَجُوزُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ؛
-
لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لَهُ،
-
فَلَا يَكُونُ مُوسِرًا وَلَا غَنِيًّا،
-
فَأَمَّا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَمْلِكُ فَضْلًا عَنْ حَاجَتِهِ مِقْدَارَ مَا يُكَفِّرُ بِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ الْوُجُودُ دُونَ الْغِنَى وَالْيَسَارِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} وَهَذَا وَاجِدٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْإِعْتَاقِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ مِلْكُهُ مِقْدَارَ مَا يُؤَدِّي بِهِ الضَّمَانَ،
-
وَإِنْ كَانَ الْيَسَارُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ هُنَاكَ فَهُنَا أَوْلَى، وَبَيَّنَّا فِي الظِّهَارِ أَنَّهُ لَوْ أَعْطَى كُلَّ مِسْكِينٍ صَاعًا عَنْ ظِهَارَيْنِ لَا يُجْزِيهِ إلَّا عَنْ أَحَدِهِمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ الْكَفَّارَةِ، فَكَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ،
-
وَإِنْ أَعْطَى عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ثَوْبًا عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ كِسْوَتُهُ وَهُوَ مَا يَصِيرُ بِهِ مُكْتَسِيًا، وَبِعُشْرِ الثَّوْبِ لَا يَكُونُ مُكْتَسِيًا، وَيُجْزِي مِنْ الطَّعَامِ إذَا كَانَ الثَّوْبُ يُسَاوِيهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُجْزِيهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ؛
-
لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْكِسْوَةَ بَدَلًا عَنْ الطَّعَامِ، وَهُوَ إنَّمَا نَوَاهُ بَدَلًا عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ بَدَلًا عَنْ غَيْرِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ نَاوٍ لِلتَّكْفِيرِ بِهِ وَذَلِكَ يَكْفِيهِ، كَمَا لَوْ أَدَّى الدَّرَاهِمَ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ يُجْزِيهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ الطَّعَامِ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ: الدَّرَاهِمُ لَيْسَتْ بِأَصْلٍ فَأَدَاؤُهَا بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ يَكُونُ قَصْدًا إلَى الْبَدَلِ،
-
فَأَمَّا الْكِسْوَةُ أَصْلٌ فَأَدَاؤُهَا بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ لَا يَكُونُ قَصْدًا إلَى جَعْلِهَا بَدَلًا عَنْ الطَّعَامِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ عُشْرُ الثَّوْبِ لَيْسَ بِأَصْلٍ فِي الْكِسْوَةِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، فَهُوَ وَأَدَاءُ الدَّرَاهِمِ سَوَاءٌ.
-
مُسْلِمٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ،
-
ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَحَنِثَ فِيهَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ الْتَحَقَ بِالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، وَلِهَذَا حَبِطَ عَمَلُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} . وَكَمَا أَنَّ الْكُفْرَ الْأَصْلِيَّ يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ لِلْيَمِينِ الْمُوجِبَةِ لِلْكَفَّارَةِ، فَكَذَلِكَ الرِّدَّةُ تُنَافِي بَقَاءَ الْيَمِينِ الْمُوجِبَةِ لِلْكَفَّارَةِ.
-
وَإِذَا جَعَلَ الرَّجُلُ لِلَّهِ عَلَى نَفْسِهِ إطْعَامَ مِسْكِينٍ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى مِنْ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ وَكَيْلِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ، وَهُوَ شَيْءٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَيْهِ طَعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ اعْتِبَارًا لِمَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ إطْعَامِ الْمَسَاكِينِ، وَأَدْنَى ذَلِكَ عَشَرَةُ مَسَاكِينَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، إلَّا أَنَّهُ إنْ قَالَ فِي نَذْرِهِ: إطْعَامُ الْمَسَاكِينِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ
-
يَصْرِفَ الْكُلَّ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ جُمْلَةً،
-
وَإِنْ قَالَ: طَعَامُ الْمَسَاكِينِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِهَذَا اللَّفْظِ يَلْتَزِمُ مِقْدَارًا مِنْ الطَّعَامِ، وَبِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ يَلْتَزِمُ الْفِعْلَ؛ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ فِعْلٌ فَلَا يَتَأَدَّى إلَّا بِأَفْعَالٍ عَشَرَةٍ، وَيُعْطِي مِنْ الْكَفَّارَةِ مَنْ لَهُ الدَّارُ وَالْخَادِمُ؛ لِأَنَّهُمَا يَزِيدَانِ فِي حَاجَتِهِ فَالدَّارُ تُسْتَرَمُّ، وَالْخَادِمُ يُسْتَنْفَقُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَى مِثْلِهِ، فَكَذَلِكَ الْكَفَّارَةُ،
-
وَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ يَمِينُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَهُوَ مِنْ ثُلُثِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ إلَّا بِوَصِيَّةٍ، وَمَحَلُّ الْوَصِيَّةِ الثُّلُثُ،
-
ثُمَّ ذُكِرَ الِاخْتِلَافُ فِي مِقْدَارِ الصَّاعِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
(قَالَ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْكِسْوَةُ ثَوْبٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ إزَارٌ أَوْ رِدَاءٌ أَوْ قَمِيصٌ أَوْ قَبَاءٌ أَوْ كِسَاءٌ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى {: أَوْ كِسْوَتُهُمْ} . أَنَّهُ الْإِزَارُ فَصَاعِدًا مِنْ ثَوْبٍ تَامٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ ثَوْبٌ وَيُعْطِي فِي الْكِسْوَةِ الْقَبَاءَ، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ثَوْبَيْنِ، فَإِنَّمَا يَقْصِدُ التَّبَرُّعَ بِأَحَدِهِمَا،
-
فَأَمَّا الْوَاحِدُ يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ هَكَذَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: أَدْنَاهُ ثَوْبٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَأَعْلَاهُ مَا شِئْت وَهَكَذَا؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ مَا يَكُونُ الْمَرْءُ بِهِ مُكْتَسِيًا، وَبِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ يَكُونُ مُكْتَسِيًا حَتَّى يَجُوزَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ،
-
وَإِذَا كَانَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَالنَّاسُ يُسَمُّونَهُ مُكْتَسِيًا لَا عَارِيًّا وَالْمُرَادُ بِالْإِزَارِ الْكَبِيرِ الَّذِي هُوَ كَالرِّدَاءِ،
-
فَأَمَّا الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يَتِمُّ بِهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ لَا يُجْزِي،
-
وَلَوْ كَسَا كُلَّ مِسْكِينٍ سَرَاوِيلَ، ذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِهِ مُكْتَسِيًا شَرْعًا حَتَّى تَجُوزَ صَلَاتُهُ فِيهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ لَابِسَ السَّرَاوِيلِ وَحْدَهُ يُسَمَّى عُرْيَانًا لَا مُكْتَسِيًا، إلَّا أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ الطَّعَامَ، فَحِينَئِذٍ يُجْزِئُهُ مِنْ الطَّعَامِ إذَا نَوَاهُ،
-
وَلَوْ أَعْطَى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ ثَوْبٍ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ الِاكْتِسَاءَ بِهِ لَا يَحْصُلُ، وَلَكِنَّهُ يُجْزِي مِنْ الطَّعَامِ إذَا كَانَ نِصْفُ ثَوْبٍ يُسَاوِي نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ،
-
وَلَوْ كَسَا كُلَّ مِسْكِينٍ قَلَنْسُوَةً، أَوْ أَعْطَاهُ نَعْلَيْنِ أَوْ خُفَّيْنِ لَا يُجْزِيهِ مِنْ الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ الِاكْتِسَاءَ بِهِ لَا يَحْصُلُ،
-
وَإِنْ أَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِمَامَةً فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَبْلُغُ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً أَجْزَأَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِهِ مِنْ الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ الْعِمَامَةَ كِسْوَةُ
-
الرَّأْسِ كَالْقَلَنْسُوَةِ، وَلَكِنْ يُجْزِيهِ مِنْ الطَّعَامِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ تُسَاوِي قِيمَةَ الطَّعَامِ.
-
وَلَوْ أَعْطَى عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ثَوْبًا بَيْنَهُمْ، وَهُوَ ثَوْبٌ كَثِيرُ الْقِيمَةِ، يُصِيبُ كُلُّ مِسْكِينٍ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ ثَوْبٍ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْتَسِي بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يُجْزِيهِ مِنْ الطَّعَامِ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْطَى كُلَّ مِسْكِينٍ رُبْعَ صَاعِ حِنْطَةٍ، وَذَلِكَ يُسَاوِي صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ مِنْ الطَّعَامِ،
-
وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُدُّ مِنْ الْحِنْطَةِ يُسَاوِي ثَوْبًا كَانَ يُجْزِئُ مِنْ الْكِسْوَةِ دُونَ الطَّعَامِ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِمَا أَبْهَمَهُ قَبْلَ هَذَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الطَّعَامِ مَقَامَ الْكِسْوَةِ، وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ هُنَاكَ التَّمْكِينُ دُونَ التَّمْلِيكِ،
-
وَلَوْ أَعْطَى مِسْكِينًا وَاحِدًا عَشَرَةَ أَثْوَابٍ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يُجْزِهِ كَمَا فِي الطَّعَامِ،
-
وَإِنْ أَعْطَاهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَوْبًا حَتَّى اسْتَكْمَلَ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ أَجْزَأَهُ كَمَا فِي الطَّعَامِ.
-
(فَإِنْ قِيلَ) : الْحَاجَةُ إلَى الطَّعَامِ تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْأَيَّامِ، وَالْحَاجَةُ إلَى الْكِسْوَةِ لَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْأَيَّامِ، وَإِنَّمَا تَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. (قُلْنَا) : نَعَمْ الْحَاجَةُ إلَى الْمَلْبُوسِ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّا أَقَمْنَا التَّمْلِيكَ مَقَامَهُ فِي بَابِ الْكِسْوَةِ، وَالتَّمْلِيكُ يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ يَوْمٍ،
-
وَإِذَا أَقَامَ الشَّيْءَ مَقَامَ غَيْرِهِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ حَقِيقَةِ نَفْسِهِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمِلْكِ لَا نِهَايَةَ لَهَا، إلَّا أَنَّا لَا نُجَوِّزُ أَدَاءَ الْكُلِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً لِلتَّنْصِيصِ عَلَى تَفْرِيقِ الْأَفْعَالِ، وَذَلِكَ بِتَفْرِيقِ الْأَيَّامِ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ، وَقَدْ يَحْصُلُ أَيْضًا بِتَفَرُّقِ الدَّفَعَاتِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مَعْلُومٌ، فَقَدَّرْنَا بِالْأَيَّامِ، وَجَعَلْنَا تَجَدُّدَ الْأَيَّامِ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ كَتَجَدُّدِ الْحَاجَةِ تَيْسِيرًا.
-
وَإِنْ أَعْطَى عَشَرَةَ مَسَاكِينَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً قِيمَتُهُ تَبْلُغُ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ أَجْزَأَهُ مِنْ الْكِسْوَةِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، كَمَا لَوْ أَدَّى الدَّرَاهِمَ،
-
في رُبْعِ دينارٍ فَأَعْلَى تُقْتَضَىفي مَسْجِد الجمع اليَمينُ بالقَضَا
-
وما لَهُ بالٌ فَفيه يَخْرُجُإليهِ لَيْلاً غيرُ مَنْ تَبَرَّج
-
وقائِمًا مُسْتَقْبِلاً يكونمَنِ اسْتُحِقَّتْ عندهُ اليمين
-
وهي وإن تَعَدَّدت في الأَعْرفِعلى وِفاقِ نيّة المُسْتَحْلِفِ
-
وَمَا يَقِلُّ حَيْثُ كانَ يَحْلِفُفيهِ وباللهِ يَكونُ الْحَلِفُ
-
وَبَعضُهُمْ يَزيدُ لِلْيَهودِيمُنَزِّلَ التَّوْراةِ للتَّشْديدِ
-
كَمَا يَزيدُ فيهِ للتَّثْقيلِعَلَى النَّصارَى مُنْزِلَ الإِنْجيلِ
-
وَجُمْلَةُ الكُفَّارِ يَحْلِفونَاأَيْمانَهُمْ حَيْثُ يُعَظِّمونَا
-
وَمَا كَمِثْلِ الدَّمِ واللِّعانِفيهِ تَحَرِّي الْوَقْتِ والْمَكانِ
-
وَهْيَ يَمينُ تُهْمَةٍ أَوِ الْقَضَاأَوْ مُنْكِرٍ أَوْ مَعَ شَاهِدٍ رِضَا
-
وتُهْمَةٌ إنْ قَوِيَتْ بِهَا تَجِبْيَمينُ مَتْهومٍ وَلَيْسَتْ تَنْقَلِبْ
-
ولِلَّتِي بِهَا الْقَضَا وُجوبُفي حَقِّ مَنْ يُعْدَمُ أَوْ يَغِيبُ
-
وَلاَ تُعادُ هذِهِ اليَمِينُبَعْدُ وَإنْ مَرَّ عَلَيْها حِينُ
-
ولِلْيَمين أَيُّمَا إِعْمالِفيما يَكونُ مِنْ دَعاوِي المالِ
-
إلاَّ بِمَا عُدَّ مِنَ التَّبَرُّعمَا لَمْ يَكُنْ في الْحالِ عندَ المُدَّعِي
-
وَفي الإقالَةِ ابْنُ عَتَّابٍ يَرىوُجوبَهَا بِشُبْهَةٍ مُعْتَبَرَا
-
وهذه اليَمينُ حيثُ تُوجَبُيَسوغُ قَلْبُهَا وما إنْ تُقْلَبُ
-
ومُثْبِتٌ لِنَفْسِهِ وَمَنْ نَفَىعَنْهَا على البَتَاتِ يُبْدِي الْحَلِفَا
-
وَمُثْبِتٌ لِغَيْرِهِ ذاكَ اقْتَفَىوَإنْ نَفَى فالنَّفْيُ لِلْعِلْمِ كَفَى
-
والْبالِغُ السَّفيهُ بانَ حقُّهُيَحْلِفُ مَعْ عَدْلٍ وَيَسْتَحِقُّهُ
-
وَتُرْجَأُ الْيَمينُ حُقَّتْ لِلْقَضَالِغَيْرِ بالِغٍ وَحَقَّهُ اقْتَضَى
-
وحيثُ عَدْلٌ للصَّغيرِ شَهِدَابِحَقِّهِ وخَصْمُهُ قَدْ جَحَدَا
-
يَحْلِفُ مُنْكِرٌ وحقٌّ وُقِّفَاإلى مَصيرِ خَصْمِهِ مُكَلَّفَا
-
وَحَيْثُ يُبْدِي الْمُنْكِرُ النُّكولاَبُلِّغَ مَحْجورٌ بِهِ المَأْمولاَ
-
والْبِكْرُ مَعَ شاهِدِهَا تَحَلَّفُوَفي ادِّعاءِ الْوَطْءِ أَيْضًا تَحْلِفُ
-
وَفي سِوَى الْمَشْهورِ يَحْلِفُ الأَبُعَنِ ابْنِهِ وَحَلْفُ الابْنِ مَذْهَبُ
-
وفي اختلاف راهنٍ ومُرتَهِنْفي عينِ رهنٍ كان في حقٍّ رُهِنْ
-
القولُ قولُ راهِنٍ إنْ صَدَّقامقالَهُ شاهدُ حالٍ مُطْلَقَا
-
كأنْ يكون الحقُّ قَدرُهُ مائَهْوقيمةُ الرَّهنِ لعَشْرِ مُبْدِئَهْ
-
والقولُ حيثُ يَدَّعِي مَنِ ارْتَهَنْحُلولَ وقتِ الرَّهنِ قولُ مَنْ رَهَنْ
-
وفي كثَوْبٍ خَلَقٍ ويَدَّعيجِدَّتَهُ الرَّاهنُ عكسُ ذا وُعي
-
إلاَّ إذا خَرَجَ عمَّا يُشْبِهُفي ذا وذا فالعكسُ لا يُشْتَبَهُ
-
لا تنعقد إلا بذات الله تعالى أو صفة له كقوله والله رب العالمين والحي الذي لا يموت ومن نفسي بيده وكل اسم مختص به سبحانه وتعالى
-
ولا يقبل قوله لم أرد به اليمين
-
وما انصرف إليه سبحانه عند إطلاق كالرحيم والخلق والرزاق والرب تنعقد به اليمين
-
إلا أن يريد غيره
-
وما استعمل فيه وفي غيره سواء كالشيء والموجود والعالم والحي ليس بيمين
-
إلا بنية
-
والصفة كوعظمة الله وعزته وكبريائه وكلامه وعلمه وقدرته ومشيئته يمين
-
إلا أن ينوي بالعلم المعلوم وبالقدرة المقدور
-
ولو قال وحق الله فيمين
-
إلا أن يريد العبادات
-
وحروف القسم باء وواو وتاء كبالله والله وتالله
-
وتختص التاء بالله
-
ولو قال الله ورفع أو نصب أو جر فليس بيمين
-
إلا بنية.
-
ولو قال أقسمت أو أقسم أو أحلفت أو أحلف بالله لأفعلن فيمين إن نواها أو أطلق
-
وإن قال قصدت خبرا ماضيا أو مستقبلا صدق باطنا
-
وكذا ظاهرا على المذهب.
-
ولو قال لغيره أقسم عليك بالله أو أسألك بالله لتفعلن وأراد يمين نفسه فيمين وإلا فلا
-
ولو قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو بريء من الإسلام فليس بيمين
-
ومن سبق لسانه إلى لفظها بلا قصد لم تنعقد
-
وتصح على ماض ومستقبل
-
وهي مكروهة
-
إلا في طاعة
-
فإن حلف على ترك واجب أو فعل حرام عصى ولزمه الحنث وكفارة
-
أو ترك مندوب أو فعل مكروه سن حنثه وعليه كفارة
-
أو ترك مباح أو فعله فالأفضل ترك الحنث
-
وقيل: الحنث
-
وله تقديم كفارة بغير صوم على حنث جائز
-
وحرام.
-
قلت: هذا أصح والله أعلم
-
وكفارة ظهار على العود
-
وقتل على الموت
-
ومنذور مالي.
فصل
-
يتخير في كفارة اليمين بين عتق كالظهار
-
وإطعام عشرة مساكين كل مسكين مدحب من غالب قوت بلده
-
وكسوتهم بما يسمى كسوة كقميص أو عمامة أو إزار
-
لا خف وقفازين ومنطقة
-
ولا يتشرط صلاحيته للمدفوع إليه
-
فيجوز سراويل صغير لكبير لا يصلح له وقطن وكتان وحرير لامرأة ورجل ولبيس لم تذهب قوته
-
فإن عجز عن الثلاثة لزمه صوم ثلاثة أيام
-
ولا يجب تتابعها في الأظهر
-
وإن غاب ماله انتظره ولم يصم
-
ولا يكفر عبد بمال إلا إذا ملكه سيده طعاما أو كسوة وقلنا يملك
-
بل يكفر بصوم
-
فإن ضره وكان حلف وحنث بإذن سيده صام بلا إذن
-
أو وجدا بلا إذن
-
وإن أذن في أحدهما فالأصح اعتبار الحلف
-
ومن بعضه حر وله مال يكفر بطعام أو كسوة لا عتق.
فصل
-
حلف لا يسكنها أو لا يقيم فيها فليخرج في الحار
-
فإن مكث بلا عذر حنث وإن بعث متاعه
-
وإن اشتغل بأسباب الخروج كجمع متاع وإخراج أهل ولبس ثوب لم يحنث
-
ولو حلف لا يساكنه في هذه الدار فخرج أحدهما في الحال لم يحنث
-
وكذا لو بنى بينهما جدار ولك جانب مدخل في الأصح
-
ولو حلف لا يدخلها وهو فيها أو لا يخرج وهو خارج فلا حنث بهذا
-
أو لا يتزوج أو لا يتطهر أو لا يلبس أو لا يركب أو لا يقوم أو لا يقعد فاستدام هذه الأحوال حنث.
-
قلت: بحيثه باستدامة التزوج والتطهر غلط لذهول
-
واستدامة طيب ليست تطيبا في الأصح
-
وكذا وطء صوم وصلاة والله أعلم
-
ومن حلف لا يدخل دارا حنث بدخول دهليز داخل الباب أو بين بابين
-
لا بدخول طاق قدام الباب
-
ولا بصعود سطح غير محوط
-
وكذا محوط في الأصح
-
ولو أدخل يده أو رأسه أو رجله لم يحنث
-
فإن وضع رجليه فيهما معتمدا عليهما حنث
-
ولو انهدمت فدخل وقد بقي أساس الحيطان حنث
-
وإن صارت فضاء أو جعلت مسجدا أو حماما أو بستانا فلا
-
ولو حلف لا يدخل دار زيد حنث بدخول ما يسكنها بملك
-
لا بإعارة وإجارة وغصب
-
إلا أن يريد مسكنه
-
ويحنث بما يملكه ولا يسكنه
-
إلا أن يريد مسكنه
-
ولو حلف لا يدخل دار زيد أو لا يكلم عبده أو زوجته فباعهما أو طلقها فدخل وكلم لم يحنث
-
إلا أن يقول داره هذه أو زوجته هذه أو عبده هذا فيحنث
-
إلا أن يريد ما دام ملكه
-
ولو حلف لا يدخلها من ذا الباب فنزل ونصب في موضع آخر منها لم يحنث بالثاني
-
ويحنث بالأول في الأصح
-
أو لا يدخل بيتا حنث بكل بيت من طين أو حجر أو آجر أو خشب أو خيمة
-
ولا يحنث بمسجد وحمام وكنيسة وغار جبل
-
أو لا يدخل على زيد فدخل بيتا فيه زيد وغيره حنث
-
وفي قول إن نوى الدخول على غيره دونه لا يحنث
-
فلو جهل حضوره فخلاف حنث النامي.
-
قلت: ولو حلف لا يسلم عليه فسلم على قوم هو فيهم واستثناه لم يحنث
-
وإن أطلق حنث في الأظهر. والله أعلم.
فصل
-
حلف لا يأكل الرؤس ولا نية له حنث برؤس تباع وحدها
-
لا طير وحوت وصيد
-
إلا ببلد تباع فيه مفردة
-
والبيض يحمل على مزائل بائضه في الحياة كدجاج ونعامة وحمام
-
لا سمك وجراد
-
واللحم على نعم وخيل ووحش وطير
-
لا سمك وشحم بطن
-
وكذا كرش وكبد وطحال وقلب في الأصح.
-
والأصح تناوله لحم رأس ولسان وشحم ظهر وجنب
-
وإن شحم الظهر لا يتناوله الشحم
-
وإن الإلية والسنام ليسا شحما ولا لحما
-
والإلية لا تتناول سناما
-
ولا يتناولهما
-
والدم يتناولهما وشحم وظهر وبطن وكل دهن
-
ولحم البقر يتناول جاموسا
-
ولو قال مشيرا إلى حنطة لا آكل هذه حنث بأكلها لى هيئتها وبطحينها وخبزها
-
ولو قال لا آكل هذه الحنطة حنث بها مطبوخة ونيئة ومقلية
-
لا بطحينها وسويقها وعجينها وخبزها
-
ولا يتناول رطب تمرا
-
ولا بسرا
-
ولا عنب زبيبا.
-
وكذا العكوس
-
ولو قال لا آكل هذا الرطب فتتمر فأكله أو لا أكلم ذا الصبي فكلمه شيخا فلا حنث في الأصح
-
والخبز يتناول كل خبز كحنطة وشعير وأرز وباقلا وذرة وحمص
-
فلو ثرده فأكله حنث
-
ولو حلف لا يأكل سويقا فسفه أو تناوله بأصبع حنث
-
وإن جعله في ماء فشربه فلا
-
أو لا يشربه فبالعكس
-
أو لا يأكل لبنا أو مائعا آخر فأكله بخبز حنث
-
أو شربه فلا
-
أو لا يشربه فبالعكس
-
أو لا يأكل سمنا فأكله بخبز جامدا أو ذائبا حنث
-
وإن شرب ذائبا فلا
-
وإن أكله في عصيدة حنث إن كانت عينه ظاهرة
-
ويدخل في فاكهة رطب وعنب ورمان وأترج ورطب ويابس.
-
قلت: وليمون ونبق وكذا بطيخ ولب فستق وبندق وغيرهما في الأصح
-
لا قثاء ولا خيار وباذنجان وجزر
-
ولا يدخل في الثمار يابس. والله أعلم.
-
ولو أطلق بطيخ وتمر وجوز لم يدخل هندي
-
والطعام يتناول قوة وفاكهة وأدما وحلوى
-
ولو قال لا آكل من هذه البقرة تناول لحمها دون ولد ولبن
-
أو من هذه الشجرة فثمر دون ورق وطرف غصن.
فصل
-
حلف لا يأكل هذه التمرة فاختلطت بتمر فأكله إلا تمرة لم يحنث
-
أو ليأكلنها فاختلطت لم يبر إلا بالجميع
-
أو ليأكلن هذه الرمانة فإنما يبر بجميع حبها
-
أو لا يلبس هذين لم يحنث بأحدهما
-
فإن لبسهما معا أو مرتبا حنث
-
أو لا ألبس هذا ولا هذا حنث بأحدهما
-
أو ليأكلن ذا الطعام غدا فمات قبله فلا شيء عليه
-
وإن مات أو تلف الطعام في الغد بعد تمكنه من أكله حنث
-
وقبله قولان كمكره
-
وإن أتلفه بأكل وغيره قبل الغد حنث
-
وإن تلف أو أتلفه أجنبي فكمكره
-
أو لأقضين حقك عند رأس الهلال فليقض عند غروب الشمس آخر الشهر
-
فإن قدم أو مضى بعد الغروب قدر إمكانه حنث
-
وإن شرع في الكيل حينئذ ولم يفرغ لكثرته إلا بعد مدة لم يحنث
-
أو لا يتكلم فسبح أو قرأ قرآنا فلا حنث
-
أو لا يكمله فسلم عليه حنث
-
وإن كاتبه أو راسله أو أشار إليه بيد أو غيرها فلا في الجديد
-
وإن قرأ آية أو أفهمه بها مقصوده وقصد قراءة لم يحنث
-
والأحنث
-
أو لا مال له حنث بكل نوع وإن قل حتى ثوب بدنه ومدبر ومعلق عتقه بصفة وما وصى به ودين حل
-
وكذا مؤجل في الأصح
-
لا مكاتب في الأصح
-
أو ليضربنه فالبر بما يسمى ضربا ولا يشترط إيلام
-
إلا أن يقول ضربا شديدا
-
وليس وضع سوط عليه وعض وخنق ونتف شعر ضربا
-
قيل: ولا لطم ووكزه
-
أو ليضربنه مائة سوط أو خشبة فشد مائة وضربه بها ضربة أو بعثكال عليه مائة شمراخ بر إن علم إصابة الكل أو تراكم بعض على بعض فوصله ألم الكل.
-
قلت: ولو شك في إصابة الجميع بر على النص والله أعلم
-
أو ليضربنه مائة مرة لم يبر بهذا
-
أو لا أفارقك حتى أستوفي فهرب ولم يمكنه اتباعه يحنث.
-
قلت: الصحيح لا يحنث إذا أمكنه اتباعه والله أعلم
-
وإن فارقه أو وقف حتى ذهب وكانا ماشيين أو أبرأه أو احتال على غريم ثم فارقه أو أفلس ففارقه ليوسر حنث
-
وإن استوفى وفارقه فوجده ناقصا إن كان من جنس حقه لكنه أردأ لم يحنث
-
والأحنث عالم
-
وفي غيره القولان
-
أولا أرى منكرا إلا رفعته إلى القاضي فرأى وتمكن فلم يرفع حتى مات حنث
-
ويحمل على قاضي البلد
-
فإن عزل فالبر بالرفع إلى الثاني
-
أو لأرفعه إلى قاض بربكل قاض
-
أو إلى القاضي فلان فرآه ثم عزل فإن نوى ما دام قاضيا حنث إن أمكنه رفعه فتركه
-
وإلا فكمكره
-
وإن لم ينو بر برفع إليه بعد عزله.
فصل
-
حلف لا يبيع أو لا يشتري فعقد لنفسه أو غيره حنث
-
ولا يحنث بعقد وكيله له
-
أو لا يزوج أو لا يطلق أو لا يعتق أو لا يضرب فوكل من فعله لا يحنث
-
إلا أن يريد أن لا يفعل هو ولا غيره
-
أو لا ينكح حنث بعقد وكيله له
-
لا بقبوله هو لغيره
-
أو لا يبيع مال زيد فباعه بإذنه حنث وإلا فلا
-
أو لا يهب له فأوجب له فلم يقبل لم يحنث.
-
وكذا إن قبل ولم يقبض في الأصح
-
ويحنث بعمري ورقبي وصدقة
-
لا إعارة ووصية ووقف
-
أو لا يتصدق لم يحنث بهبة في الأصح
-
أو لا يأكل طعاما اشتراه زيد لم يحنث بما اشتراه مع غيره.
-
وكذا لو قال من طعام اشتراه زيد في الأصح
-
ويحنث بما اشتراه سلما
-
ولو اختلط ما اشتراه بمشترى غيره لم يحنث حتى يتيقن أكله من ماله
-
أو لا يدخل دارا اشتراها زيد لم يحنث بدار أخذها بشفعة.
Another book
-
وَالْيَمِينُ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ هِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى قِسْمَانِ، أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، نَحْوَ: وَاللَّهِ، وَالْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، وَالْأَوَّلِ: الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْآخِرِ: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَخَالِقِ الْخَلْقِ، وَرَازِقِ الْعَالَمِينَ
-
فَهَذَا الْقَسَمُ بِهِ يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ وَالثَّانِي: مَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ، وَالْعَظِيمِ، وَالْقَادِرِ، وَالرَّبِّ، وَالْمَوْلَى، وَالرَّازِقِ، وَنَحْوِهِ، فَهَذَا إِنْ نَوَى بِالْقَسَمِ بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَطْلَقَ، فَهُوَ يَمِينٌ
-
وَإِنْ نَوَى غَيْرَهُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ
-
وَأَمَّا مَا لَا يُعَدُّ مِنْ أَسْمَائِهِ كَالشَّيْءِ، وَالْمَوْجُودِ
-
فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ يَمِينًا
-
وَإِنْ نَوَاهُ كَانَ يَمِينًا وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَكُونُ يَمِينًا
-
وَإِنْ قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ، وَعَهْدِ اللَّهِ، وَايْمِ اللَّهِ، وَأَمَانَةِ اللَّهِ، وَمِيثَاقِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَجَلَالِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَمِينٌ
-
وَإِنْ قَالَ: وَالْعَهْدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَسَائِرَ ذَلِكَ وَلَمْ يُضِفْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى
-
وَعَنْهُ يَكُونُ يَمِينًا
-
وَإِنْ قَالَ: لَعَمْرُو اللَّهِ كَانَ يَمِينًا
-
وَإِنْ حَلَفَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِالْقُرْآنِ فَهِيَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ
-
وَعَنْهُ: بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ
-
وَإِنْ قَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ، أَوْ أَشْهَدُ بِاللَّهِ، أَوْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ، أَوْ أَعْزِمُ بِاللَّهِ كَانَ يَمِينًا
-
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ
-
وَعَنْهُ: يَكُونُ يَمِينًا
-
وَحُرُوفُ الْقَسَمِ: الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ بَاسِمِ اللَّهِ خَاصَّةً
-
وَيَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: اللَّهَ لَأَفْعَلَنَّ، بِالْجَرِّ وَالنَّصْبِ
-
وَإِنْ قَالَ: اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ، مَرْفُوعًا كَانَ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ،
-
وَلَا يَنْوِي بِهِ الْيَمِينَ
-
وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا
-
وَلَا تُجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْيَمِينِ بِهِ سَوَاءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مِثْلَ قَوْلِهِ: وَمَعْلُومِ اللَّهِ، وَخَلْقِهِ، وَرِزْقِهِ، وَبَيْتِهِ، أَوْ لَمْ يُضِفْهُ، مِثْلَ: وَالْكَعْبَةِ وَالنَّبِيِّ
-
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحَلِفِ بِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً
-
وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً وَهِيَ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ
-
وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي فَلَيْسَتْ مُنْعَقِدَةً وَهِيَ نَوْعَانِ: يَمِينُ الْغَمُوسِ وَهِيَ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا كَاذِبًا عَالِمًا بِكَذِبِهِ
-
وَعَنْهُ: فِيهَا الْكَفَّارَةُ
-
وَمِثْلُهَا الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، كَقَتْلِ الْمَيِّتِ وَإِحْيَائِهِ، وَشُرْبِ مَاءِ الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ الثَّانِي: لَغْوُ الْيَمِينِ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ فَيُبَيَّنُ بِخِلَافِهِ،
-
فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا
-
الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ
-
وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهَا كَقَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، فِي عُرْضِ حَدِيثِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ الثَّالِثُ: الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ بِأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ مُخْتَارًا ذَاكِرًا
-
وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
-
وَعَنْهُ: عَلَى النَّاسِي كَفَّارَةٌ
-
وَإِنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ فَعَلَ أَوْ تَرَكَ إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ
-
وَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَيْنِهِ، تَقَيَّدَ بِهِ
-
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ فِعْلِهِ، إِمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ
-
وَإِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ
-
وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْحَلِفِ
-
وَإِنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَهُوَ مُحِقٌّ اسْتُحِبَّ افْتِدَاءُ يَمِينِهِ
-
فَإِنْ حَلَفَ فَلَا بَأْسَ
-
وَإِنْ حَرَّمَ أَمَتَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ لَمْ يَحْرُمْ
-
وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ
-
وَإِنْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ كَافِرٌ، أَوْ بَرِيءٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنَ الْإِسْلَامِ، أَوِ الْقُرْآنِ، أَوِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا
-
وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ إِنْ فَعَلَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
-
وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَسْتَحِلُّ الزِّنَى، وَنَحْوَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ
-
وَإِنْ قَالَ: عَصَيْتُ اللَّهَ، أَوْ أَنَا أَعْصِي اللَّهَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَنِي، أَوْ مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ إِنْ فَعَلْتُ،
-
فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
-
وَعَنْهُ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ إِنْ حَنِثَ
-
وَإِنْ قَالَ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي فَهِيَ يَمِينٌ رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ فَتَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَصَدَقَةِ الْمَالِ
-
فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ يَعْرِفُهَا وَنَوَاهَا، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِمَا فِيهَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تَنْعَقِدَ بِحَالٍ إِلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ
-
وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ يَمِينٌ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، وَفَعَلَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ
-
وَهِيَ تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وَتَرْتِيبًا وَالْكِسْوَةِ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ مُتَتَابِعَاتٍ إِنْ شَاءَ قَبْلَ الْحِنْثِ،
-
وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهُ
-
وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْيَمِينِ
-
وَمَنْ كَرَّرَ أَيْمَانًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ
-
وَعَنْهُ: لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ،
-
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَفْعَالٍ فَلِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ
-
وَإِنْ كَانَتِ الْأَيْمَانُ مُخْتَلِفَةَ الْكَفَّارَةِ، كَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَلِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَتُهَا وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ الصَّوْمَ وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ
-
وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ فَحُكْمُهُ فِي الْكَفَّارَةِ حُكْمُ الْأَحْرَارِ
-
وَيُرْجَعُ فِي الْأَيْمَانِ إِلَى النِّيَّةِ
-
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ رُجِعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا
-
فَإِذَا حَلَفَ: لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ، لَمْ يَحْنَثْ إِذَا قَصَدَ أَلَّا يَتَجَاوَزَهُ، أَوْ كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ إِلَّا بِمِائَةٍ، فَبَاعَهُ، بِأَكْثَرَ لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ بَاعَهُ بِأَقَلَّ حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، وَنَوَى الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ بِالدُّخُولِ فِي غَيْرِهَا
-
وَإِنْ دُعِيَ إِلَى غَدَاءٍ، فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى، اخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ، إِذَا قَصَدَهُ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَشِ، يَقْصِدُ قَطْعَ الْمِنَّةِ، حَنِثَ بِأَكْلِ خُبْزِهِ، وَاسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ، وَكُلِّ مَا فِيهِ الْمِنَّةُ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَهَا فِي دَارٍ يُرِيدُ جَفَاءَهَا، وَلَمْ يَكُنِ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ، فَأَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا، حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ لَا يَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَعُزِلَ، أَوْ عَلَى زَوْجَتِهِ فَطَلَّقَهَا، أَوْ عَلَى عَبْدِهِ فَأَعْتَقَهُ، وَنَحْوَهُ يُرِيدُ مَا دَامَ كَذَلِكَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ
-
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ أَيْضًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّ الْحَالَ تَصْرِفُ الْيَمِينَ إِلَيْهِ وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ السَّبَبَ إِذَا كَانَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ عَمَّمْنَاهُ بِهِ،
-
وَإِنِ اقْتَضَى الْخُصُوصَ، مِثْلَ مَنْ نَذَرَ لَا يَدْخُلُ بَلَدًا لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ، فَزَالَ الظُّلْمُ، فَقَالَ أَحْمَدُ: النَّذْرُ يُوَفَّى بِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، فَصَارَ كَالْمَنَوِيِّ سَوَاءً
-
وَإِنْ حَلَفَ: لَا رَأَيْتُ مُنْكَرًا إِلَّا رَفَعْتُهُ إِلَى فُلَانٍ الْقَاضِي، فَعُزِلَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ إِنْ نَوَى مَا دَامَ قَاضِيًا
-
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ
-
فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى التَّعْيِينِ
-
فَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ، فَدَخَلَهَا وَقَدْ صَارَتْ فَضَاءً، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ مَسْجِدًا، أَوْ بَاعَهَا فُلَانٌ أَوْ لَا لَبِسْتُ هَذَا الْقَمِيصَ فَجَعَلَهُ سَرَاوِيلَ أَوْ رِدَاءً أَوْ عِمَامَةً وَلَبِسَهُ أَوْ لَا كَلَّمْتُ هَذَا الصَّبِيَّ فَصَارَ شَيْخًا، أَوِ امْرَأَةَ فُلَانٍ، أَوْ صَدِيقَهُ فُلَانًا، أَوْ غُلَامَهُ سَعْدًا، فَطُلِّقَتِ الزَّوْجَةُ، وَزَالَتِ الصَّدَاقَةُ، وَعُتِقَ الْعَبْدُ، وَكَلَّمَهُمْ أَوْ لَا أَكَلْتُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ، فَصَارَ كَبْشًا، أَوْ لَا أَكَلْتُ هَذَا الرُّطَبَ، فَصَارَ تَمْرًا أَوْ دِبْسًا أَوْ خَلًّا أَوْ لَا أَكَلْتُ هَذَا اللَّبَنَ، فَتَغَيَّرَ، أَوْ عُمِلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَأَكَلَهُ حَنِثَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ
-
فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ رَجَعْنَا إِلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَالْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شَرْعِيَّةٍ، وَحَقِيقِيَّةٍ، وَعُرْفِيَّةٍ
-
فَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ، فَهِيَ: أَسْمَاءٌ لَهَا مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ، وَمَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ، كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَنَحْوِهِ، فَالْيَمِينُ الْمُطْلَقَةُ تَنْصَرِفُ إِلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ وَتَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ مِنْهُ
-
فَإِذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، أَوْ لَا يَنْكِحُ، فَنَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا أَنْ يُضِيفَ الْيَمِينُ إِلَى شَيْءٍ لَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ الصِّحَّةُ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ، أَوِ الْحُرَّ، فَيَحْنَثَ بِصُورَةِ الْبَيْعِ
-
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئًا وَبِعْتِيهِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَفَعَلَتْ، لَمْ تُطَلَّقْ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً وَقَالَ الْقَاضِي إِنْ حَلَفَ: لَا صَلَّيْتُ صَلَاةً، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرَغَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي حَنِثَ بِالتَّكْبِيرِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ زَيْدًا شَيْئًا،
-
وَلَا يُوصِي لَهُ، وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَفَعَلَ وَلَمْ يَقْبَلْ زَيْدٌ، حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَوَهَبَهُ، لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَهَبُهُ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، حَنِثَ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ
-
وَإِنْ أَعَارَهُ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ
-
وَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهِ حَنِثَ
-
وَإِنْ أَوْصَى لَهُ لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ بَاعَهُ وَحَابَاهُ حَنِثَ وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ
-
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْأَسْمَاءُ الْحَقِيقِيَّةُ
-
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، فَأَكَلَ الشَّحْمَ، أَوِ الْمُخَّ، أَوِ الْكَبِدَ، أَوِ الطِّحَالَ، أَوِ الْقَلْبَ، أَوِ الْكِرْشَ، أَوِ الْمُصْرَانَ، أَوِ الْإِلْيَةَ وَالدِّمَاغَ وَالْقَانِصَةَ لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ أَكَلَ الْمَرَقَ لَمْ يَحْنَثْ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي مِنْ قِطَعِ اللَّحْمِ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، فَأَكَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ سَمْنًا، أَوْ كِشْكًا، أَوْ مَصْلًا، أَوْ جُبْنًا لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ، فَأَكَلَ لَبَنًا لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْفَاكِهَةَ فَأَكَلَ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ كَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالتَّمْرِ، وَالرُّمَّانِ حَنِثَ
-
وَإِنْ أَكَلَ الْبِطِّيخَ حَنِثَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ
-
وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا فَأَكَلَ مُذَنِّبًا حَنِثَ
-
وَإِنْ أَكَلَ تَمْرًا أَوْ بُسْرًا
-
وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ أُدُمًا حَنِثَ بِأَكْلِ الْبَيْضِ وَالشِّوَاءِ وَالْجُبْنِ وَالْمِلْحِ وَالزَّيْتُونِ، وَاللَّبَنِ، وَسَائِرِ مَا يُصْبَغُ بِهِ وَفِي التَّمْرِ وَجْهَانِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَيْئًا فَلَبِسَ ثَوْبًا أَوْ دِرْعًا، أَوْ جَوْشَنًا، أَوْ خُفًّا، أَوْ نَعْلًا حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا، فَلَبِسَ حِلْيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ جَوْهَرٍ، حَنِثَ
-
وَإِنْ لَبِسَ عَقِيقًا أَوْ سَبَجًا لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ لَبِسَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فِي مُرْسَلَةٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ، أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارَهُ، فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ، وَلَبِسَ ثَوْبَهُ، وَدَخَلَ دَارَهُ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ،
-
فَلَا حِنْثَ وَإِنْ رَكِبَ دَابَّةً اسْتَعَارَهَا فُلَانٌ لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ عَبْدِهِ فَرَكِبَ دَابَّةً جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَدَخَلَ سَطْحَهَا حَنِثَ
-
وَإِنْ دَخَلَ طَاقَ الْبَابِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إِنْسَانًا حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ إِنْسَانٍ
-
وَإِنْ زَجَرَهُ، فَقَالَ: تَنَحَّ، أَوِ اسْكُتْ، حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبْتَدِئُهُ بِكَلَامٍ فَتَكَلَّمَا مَعًا، حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا فَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ
-
وَإِنْ قَالَ: زَمَنًا، أَوْ دَهْرًا، أَوْ بَعِيدًا، أَوْ مَلِيًّا، رَجَعَ إِلَى أَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ
-
وَإِنْ قَالَ: عُمُرًا، احْتَمَلَ ذَلِكَ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَرْبَعِينَ عَامًا وَقَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مِثْلَ الْحِينِ إِلَّا بَعِيدًا أَوْ مَلِيًّا فَإِنَّهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ،
-
وَإِنْ قَالَ: الْأَبَدَ، وَالدَّهْرَ فَذَلِكَ عَلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ وَالْحُقْبُ ثَمَانُونَ سَنَةً وَالشُّهُورُ اثْنَا عَشَرَ عِنْدَ الْقَاضِي وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ ثَلَاثًا كَالْأَشْهُرِ
-
وَالْأَيَّامُ ثَلَاثَةٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَابَ هَذِهِ الدَّارِ فَحَوَّلَ وَدَخَلَهُ حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إِلَى حِينِ الْحَصَادِ، انْتَهَتْ يَمِينُهُ بِأَوَّلِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ مُدَّتِهِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهُ مَالٌ غَيْرُ زَكَوِيٍّ، أَوْ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ، حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ حَنِثَ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ
-
فَأَمَّا الْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ، فَهِيَ أَسْمَاءٌ اشْتَهَرَ مَجَازُهَا حَتَّى غَلَبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَالرَّاوِيَةِ وَالظَّعِينَةِ وَالدَّابَّةِ وَالْغَائِطِ، وَالْعَذِرَةِ وَنَحْوِهَا فَتَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِالْعُرْفِ دُونَ الْحَقِيقَةِ
-
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ امْرَأَتِهِ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِجِمَاعِهَا
-
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ دَارٍ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِدُخُولِهَا رَاكِبًا، أَوْ مَاشِيًا، أَوْ حَافِيًا، أَوْ مُنْتَعِلًا
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشُمُّ الرَّيْحَانَ، فَشَمَّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ وَالْيَاسَمِينَ أَوْ لَا يَشُمُّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ، فَشَمَّ دُهْنَهُمَا، أَوْ مَاءَ الْوَرْدِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَحْنَثُ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ سَمَكًا، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا،
-
وَلَا بَيْضًا، حَنِثَ بِأَكْلِ رُءُوسِ الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ، وَبَيْضِ السَّمَكِ، وَالْجَرَادِ عِنْدَ الْقَاضِي وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِأَكْلِ رَأَسٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ بَيْضٍ يُزَايَلُ بَائِضَهُ حَالَ الْحَيَاةِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ بَيْتَ شَعْرٍ، أَوْ أُدْمٍ أَوْ لَا يَرْكَبُ، فَرَكِبَ سَفِينَةً، حَنِثَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ
-
فَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَرَأَ، أَوْ سَبَّحَ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ دَقَّ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ فَقَالَ: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ، يَقْصِدُ تَنْبِيهَهُ لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ، فَخَنَقَهَا، أَوْ نَتَفَ شَعْرَهَا، أَوْ عَضَّهَا، حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبِرَّ فِي يَمِينِهِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا، فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ، أَوْ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا، فَأَكَلَ نَاطِفًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا، فَأَكَلَ اللَّحْمَ الْأَحْمَرَ، أَوْ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ، لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُ السَّمْنِ، أَوْ طَعْمُ شَيْءٍ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ وَحْدَهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ حِنْطَةٍ فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ فَيَخْرُجُ فِي كُلِّ مَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ وَجْهَانِ وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ عَيَّنَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَنِثَ،
-
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ
-
وَإِنْ ذَاقَ وَلَمْ يَبْلَعْهُ لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَائِعًا فَأَكَلَهُ بِالْخُبْزِ حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ،
-
وَلَا يَتَطَهَّرُ، وَلَا يَتَطَيَّبُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ،
-
وَلَا يَلْبَسُ فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، حَنِثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا فَأَقَامَ فِيهَا، حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا، فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيْهِ، فَأَقَامَ مَعَهُ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ مُسَاكِنُهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ فِي الْحَالِ، حَنِثَ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ لِنَقْلِ مَتَاعِهِ أَوْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْخُرُوجَ، فَيُقِيمُ إِلَى أَنْ يُمْكِنَهُ
-
وَإِنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ وَأَهْلِهِ حَنِثَ إِلَّا أَنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ أَوْ يُعِيرَهُ أَوْ تَأْبَى امْرَأَتُهُ الْخُرُوجَ مَعَهُ،
-
وَلَا يُمْكِنَهُ إِكْرَاهُهَا، فَيَخْرُجَ وَحْدَهُ،
-
فَلَا يَحْنَثُ وَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا، فَبَنَيَا بَيْنَهُمَا حَائِطًا، وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ، حَنِثَ
-
وَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَتَانِ، كُلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ بِبَابِهَا وَمَرَافِقِهَا، فَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجْرَةً لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، فَخَرَجَ وَحْدَهُ دُونَ أَهْلِهِ بَرَّ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أَهْلِهِ لَمْ يَبِرَّ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، أَوْ لَيَرْحَلَنَّ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ فَفَعَلَ، فَهَلْ لَهُ الْعُودُ إِلَيْهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
-
إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا وَيُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ أَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ وَيُحْتَمَلْ أَنْ لَا يَحْنَثَ
-
وَإِنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا، فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ
-
وَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ لَمْ يَحْنَثْ
-
وَإِنْ حَلَفَ لِيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فَأَبْرَأَهُ فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ
-
وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ فَقَضَى وَرَثَتُهُ لَمْ يَحْنَثْ وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ
-
وَإِنْ بَاعَهُ بِحَقِّهِ عَرَضًا، لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ وَحَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي
-
وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ بَرَّ
-
وَإِنْ حَلَفَ: لَا فَارَقْتُهُ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي، فَهَرَبَ مِنْهُ حَنِثَ وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَحْنَثُ
-
وَإِنْ فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِفِرَاقِهِ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ
-
وَإِنْ حَلَفَ: لَا افْتَرَقْنَا، فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ وَقُدِّرَ الْفِرَاقُ مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا كَفُرْقَةِ الْبَيْعِ
In the books of comparative fiqh
الإجماعIbn al-Mundhirكتاب المكاتب27 masa’il
التجريدal-Quduriمسألة ١٥٦٠، مسألة ١٥٦١، مسألة ١٥٦٢61 masa’il
المبسوطal-Sarakhsiبَابُ الْأَيْمَانِ فِي الْعِتْقِ، كِتَابُ الْأَيْمَانِ، بَابُ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ1,456 masa’il
بداية المجتهدIbn RushdNothing of it on this topic
المغنيIbn Qudama · on مختصر الخرقيكتاب الأيمان والنذور، باب جامع الأيمان1,617 rows
المجموع شرح المهذبal-Nawawi · on المهذبNothing of it on this topic
الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar · on المقنعكِتَابُ الْأَيْمَانِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ1,034 rows
الفقه على المذاهب الأربعةal-Jaziriتعريفه، حكمه، دليله1,220 masa’il
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميUsama al-Qahtani and othersNothing of it on this topic
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)under 'Alawi al-Saqqaf٣ - الأيمان، * حكم الحلف بغير الله:، * أقسام اليمين ثلاثة:66 masa’il
What the schools’ books say, not a fatwa.On the map: Oaths