مع الحق وبعده بدين ثابت
Its commentaries
(مع الحق) بأن يقول: بعتك هذا بعشرة إلى شهر ترهنني بها عبدك هذا، فيقول: اشتريت منك ورهنته؛ لأن الحاجة داعية لجوازه إذا، (و) يصح (بعده) أي: بعد الحق بالإجماع،
ولا يجوز قبله؛ لأنه وثيقة بحق، فلم يجز قبل ثبوته؛ ولأنه تابع للحق فلا يسبقه، ويعتبر أن يكون (بدين ثابت) أو مآله إليه حتى على عين مضمونة كعارية ومقبوض بعقد فاسد، وتقع إجارة في ذمة لا على دين كتابة أو دية على عاقلة قبل الحلول، ولا بعهدة مبيع وثمن وأجرة معينين ونفع نحو دار معينة.
قبل ثبوته . ولأنه تابع للحق فلا يسبقه أي لا يسبق الحق، كالثمن لا يتقدم البيع، واختار أبو الخطاب: يصح، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك،
فإذا قال: رهنتك هذا الشيء بعشرة تقرضينها غدا. وسلمه إليه، ثم أقرضه الدراهم، لزم الرهن، لأنه وثيقة بالحق، فجاء عقدها قبل وجوبه كالضمان.
للحق فلا يسبقه ويعتبر أن يكون (بدين ثابت) أي ويعتبر الرهن أن يكون بدين ثابت، كقرض وقيمة متلف.
كتابة . أو دية على عاقلة قبل الحلول لعدم ثبوته، لأنه لو تموت العاقلة أو يصيبها جنون ونحو ذلك قبل الحلول، لم يلزمها شيء، وبعد الحلول يصح لوجوبه إذًا.
دية على عاقلة قبل الحلول ولا بعهدة مبيع أي تبعة مبيع، لأن البائع إذا وثق على عهدة المبيع فكأنه ما قبض الثمن، ولا ارتفق به، وليس له حد ينتهي إليه، فيعم ضرره بمنع البائع التصرف فيه.
«مع الحق» أي: يصح الرهن مع الحق، أي: مع الدين.
مثاله: قال: بعتك هذا البيت بمائة ألف، على أن ترهنني بيتك الثاني فقال: قبلت، فهنا الرهن مع الحق، فيجوز؛ لأنه صادف ثبوت شيء في ذمة الراهن فصح. «وبعده» أي: بعد الحق، مثاله: رجل أقرض شخصاً مائة ألف، ثم جاء يطلبه فقال: أعطني مائة الألف؛ لأني أقرضتك بدون تأجيل، قال: ليس عندي، قال: إذن أرهني بيتك، قال: رهنتك إياه، فهذا يصح، وهذا بعد الحق.
ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ، فدل على أن الرهن يكون بعد الحق، فهل يصح قبل الحق؟ كلام المؤلف يدل على أنه لا يصح؛ لأنه قال:«مع الحق وبعده»
أما قبله فلا.
مثاله: إنسان جاء يطلب مني قرضاً مائة ألف، وقلت أنا: لا بد من أن أتوثق، أترهنني بيتك؟ قال: نعم، رهنتك بيتي بالقرض الذي ستقرضني إياه، فهنا الرهن قبل الحق، قالوا: لا يصح؛ لأنه متقدم على سببه، إذ أن الرهن توثقة دَين بعين،
فإذا وثقت قبل الدين فإنه لا يصح؛ لأنه قبل وجود السبب، وكل شيء يقدم على سببه فهو ملغى، ولهذا قالوا: لو أن إنساناً أراد أن يحلف يميناً، ثم قدم الكفارة قبل أن يحلف لم تجزئه؛ لأنها قبل وجود السبب.
وما ذهب إليه المؤلف هو المشهور عند فقهائنا رحمهم الله أن الرهن لا يصح قبل ثبوت الحق.
وقيل: إنه يصح قبل الحق، وكونه قبل السبب لا يضر، كما لو أن الإنسان اشترط في المبيع شرطاً قبل العقد فإنه يصح، وهذا ـ أيضاً ـ إذا اتفقا على الرهن قبل العقد فما المانع؟! فلا مانع في الحقيقة،
ولو أننا فتحنا الباب، وقلنا: إنه لا يصح لتحيل المتحيلون، فجاء المستدين للدائن وقال: أريد منك مائة ألف ولكني أعرف أنك لن تقرضني إلا برهن، وأنا الآن أكتب لك رهن بيتي، فرهنتك بيتي بالمائة ألف التي تقرضني، فقال: لا مانع ما دمت رهنتني البيت هذه المائة ألف،
ولما انتهى العقد قال له المستدين: الرهن غير صحيح، وليس لك رهن فيكون بهذا فتح باب لأهل الحيل.
فالصواب: أن الرهن جائز مع الحق وقبل الحق وبعد الحق، وأنه لا مانع؛ لأنه عقد توثقة. «بدين ثابت» هذا متعلق بقوله: «يصح» أي: لا بد أن يكون الرهن بدين ثابت على الراهن، فالراهن هو الذي يبذل الرهن وهو الذي عليه الدين، فلا بد أن يكون دينه ثابتاً ـ أي: الدين الذي عليه ـ فإن كان غير ثابت كدين الكتابة ـ مثلاً ـ، فإنه ليس ثابتاً على المكاتب؛ إذ في إمكان المكاتب أن يُعجز نفسه، فلا يصح الرهن به،
وكذلك الدين الذي على العاقلة،
فإذا جاء أحد إلى عاقلة شخص قاتل خطأً،
وقال: أعطوني الدية، فقالوا: الدية مؤجلة، فقال: أعطوني بها رهناً،
فإن الرهن هنا لا يصح؛ لأن الدية ليست ديناً ثابتاً، إذ أنها لا تجب على العاقلة إلا إذا كانوا أغنياء في وقت الدفع، فلا يصح الرهن بها؛ وذلك لأن الرهن عقد لازم، والدين غير الثابت ليس بلازم، ولا يمكن أن يوثق غير الثابت بالثابت، فلذلك قالوا: لا يصح أن يرهن إلا بدين ثابت.
والقول الراجح أنه يصح الرهن بالدين غير الثابت، ويكون الرهن تبعاً للدين، إن استقر الدين وثبت، ثبت الرهن واستقر، وإلا فلا؛ لأن الرهن
فرع عن الدين، فإذا كان الدين غير ثابت، صار الرهن كذلك غير ثابت حتى يثبت الدين.
وَيَلْزَمُ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ فَقَط.
وَيَصِحُّ رَهْنُ المُشَاعِ وقوله:«بدين ثابت» ظاهره أن الرهن بالعين لا يصح، مثال ذلك: جاء رجل وقال لآخر: أعطني السيارة، فقال: نعم لكن أريد أن ترهنني شيئاً، فهذا لا يصح؛ لأنه ليس ديناً ثابتاً،
وكذلك لو استعار من شخص كتاباً فقال: لا أعيرك إلا إذا رهنتني شيئاً، فإنه لا يصح؛ لأنه لم يثبت عليه دين حتى يرهنه.
والصحيح أنه يصح أن يؤخذ رهن بالأعيان؛ لأن ذلك عقد جائز لا يتضمن شيئاً محظوراً، وليس فيه ضرر، وليس هذا كالتأمين؛ لأن التأمين يدفع المؤمِّن الدراهم على كل حال سواء حصل النقص أم لم يحصل،
أما هذا فهو رهنه هذا الشيء،
فإن حصل على السيارة تَلَفٌ أخذه من الرهن،
وإن لم يحصل تلف فالرهن لصاحبه وكذلك الكتاب.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.