أو فاسقا بجارحة
Its commentaries
(أَوْ) بَانَ (فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ) كَزَانٍ وَشَارِبِ خَمْرٍ وَعَاقٍّ لِوَالِدَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّ شَرْطَهُ الْعَدَالَةُ
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ فَتُصْبِحُ إمَامَةُ الْفَاسِقِ بِالْجَارِحَةِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ فِسْقُهُ بِالصَّلَاةِ كَأَنْ يَقْصِدَ بِتَقَدُّمِهِ الْكِبْرَ أَوْ يُخِلَّ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطِ أَوْ سُنَّةٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ تَارِكِهَا عَمْدًا عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْإِخْلَالِ بِمَا ذُكِرَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا
(قَوْلُهُ أَوْ بَانَ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ) أَيْ بِسَبَبِ ارْتِكَابِهِ كَبِيرَةً غَيْرَ مُكَفِّرَةٍ لِمَا وَرَدَ «إنَّ أَئِمَّتَكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ» وَالْفَاسِقُ غَيْرُ صَالِحٍ لِلشَّفَاعَةِ فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ وَلَوْ اسْتَغْنَى بِهَذَا الشَّرْطِ عَنْ قَوْلِهِ بِمَنْ بَانَ كَافِرًا لَأَغْنَاهُ
(قَوْلُهُ أَوْ يُخِلُّ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ) أَيْ بِأَنْ كَانَ يَتَسَاهَلُ بِالصَّلَاةِ وَيَتْرُكَ الرَّفْعَ مِنْ الرُّكُوعِ مَثَلًا أَوْ يُصَلِّيَ بِدُونِ وُضُوءٍ وَالْمُرَادُ أَنَّ شَأْنَهُ الْإِخْلَالُ بِمَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَهَذِهِ الصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ قَطْعًا لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْإِمَامَةِ فَقَطْ وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ كَانَ شَأْنُهُ الْإِخْلَالَ بِمَا ذُكِرَ إذَا اقْتَدَى بِهِ شَخْصٌ وَتَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ ذُو مَانِعٍ مِنْ صِحَّتِهَا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ اتِّفَاقًا فَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ صِحَّتُهَا وَمُقْتَضَى مَا لِلْقَبَّابِ بُطْلَانُهَا.
(قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْإِخْلَالِ بِمَا ذُكِرَ إلَخْ) عَلَى هُنَا لِلِاسْتِدْرَاكِ بِمَعْنَى لَكِنْ وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُصَلِّي إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْسُنُ عَدُّ عَدَمِ الْإِخْلَالِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ شُرُوطِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنْ شُرُوطِ الشَّيْءِ إلَّا مَا كَانَ خَاصًّا بِهِ
Adds nothing on this mas’ala.
ص (أَوْ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ) ش: اُخْتُلِفَ فِي إمَامَةِ الْفَاسِقِ بِالْجَوَارِحِ فَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ الْمَشْهُورُ إعَادَةُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ صَاحِبُ كَبِيرَةٍ أَبَدًا،
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ هَذَا إذَا كَانَ فِسْقُهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَالزِّنَا وَتَرْكِ الطَّهَارَةِ،
وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ،
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ فِسْقُهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصَّلَاةِ كَالزِّنَا وَغَصْبِ الْمَالِ أَجْزَأَتْهُ
لَا إنْ تَعَلَّقَ بِهَا كَالطَّهَارَةِ،
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ شَارِبِ الْخَمْرِ أَعَادَ أَبَدًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَالِي الَّذِي تُؤَدِّي إلَيْهِ الطَّاعَةُ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَكْرَانَ حِينَئِذٍ قَالَهُ مَنْ لَقِيتُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ التَّوْضِيحِ.
فَحَكَى فِي إمَامَةِ الْفَاسِقِ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ، وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ فِي إمَامَةِ الْفَاسِقِ سِتَّةَ أَقْوَالٍ قَالَ وَيُطْلَبُ فِي الْإِمَامِ عَدَمُ فِسْقِهِ،
وَفِي إعَادَةِ مَأْمُومِ الْفَاسِقِ فِي الْوَقْتِ أَوْ أَبَدًا ثَالِثُهَا إنْ تَأَوَّلَ، وَرَابِعُهَا: إنْ كَانَ وَالِيًا أَوْ خَلِيفَةً لَمْ يُعِيدُوا أَبَدًا، وَخَامِسُهَا: إنْ خَرَجَ فِسْقُهُ عَنْ الصَّلَاةِ أَجْزَأَتْ وَإِلَّا أَبَدًا، وَسَادِسُهَا: لَا إعَادَةَ لِنَفْلِ ابْنِ رَاشِدٍ مَعَ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ وَهْبٍ مَعَ مَالِكٍ وَالْأَبْهَرِيِّ وَابْنِ حَبِيبٍ وَاللَّخْمِيِّ وَالْبَاجِيّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ: لَا يُعِيدُ مَأْمُومُ عَاصِرِ خَمْرًا انْتَهَى.
وَحَكَى ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ السِّتَّةَ الْأَقْوَالِ ثُمَّ قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الَّذِي يَغْتَابُ النَّاسَ كَغَيْرِهِ، فَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ ابْتِدَاءً،
وَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ فَفِيهِ الْخِلَافُ كَغَيْرِهِ وَسُئِلَ عَنْهَا شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي دَارِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ هَلْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ بَاطِلَةٌ أَمْ لَا، وَهَلْ هِيَ جُرْحَةٌ فِي إمَامَتِهِ فَيُعْزَلُ أَمْ لَا؟ فَتَوَقَّفَ لِكَثْرَةِ الْغِيبَةِ فِي النَّاسِ، وَرَأَى إنْ هُوَ أَفْتَى بِجُرْحَتِهِ يُؤَدِّي إلَى عَزْلِ أَئِمَّةٍ مُتَعَدِّدِينَ، فَقَالَ لِلسَّائِلِ: تَرَبَّصْ حَتَّى أَنْظُرَ فِيهَا، وَمَا أَدْرِي مَا أَجَابَهُ انْتَهَى.
قَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَأَمَّا الْفَاسِقُ بِجَوَارِحِهِ فَإِنْ عُلِمَ مَنْ عَادَتُهُ التَّلَاعُبُ بِالصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا، وَعَدَمُ الْقِيَامِ بِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْتَلِفَ الْمَذْهَبُ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ عَلَى بُطْلَانِ صَلَاتِهِ،
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ عَادَتِهِ التَّلَاعُبُ بِالصَّلَاةِ فَفِي الْمَذْهَبِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: مَشْهُورُهَا: الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ،
وَقِيلَ: أَبَدًا، وَقِيلَ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ،
وَقِيلَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَالِي الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ، فَلَا إعَادَةَ حِينَئِذٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ.
وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَمَّنْ يَعْمَلُ الْمَعَاصِيَ هَلْ يَكُونُ إمَامًا؟ فَأَجَابَ
أَمَّا الْمُصِرُّ وَالْمُجَاهِرُ، فَلَا وَالْمَسْتُورُ الْمُعْتَرِفُ بِبَعْضِ الشَّيْءِ فَالصَّلَاةُ خَلْفَ الْكَامِلِ أَوْلَى وَخَلْفَهُ لَا بَأْسَ بِهَا.
وَسُئِلَ عَمَّنْ يُعْرَفُ مِنْهُ الْكَذِبُ الْعَظِيمُ أَوْ قَتَّاتٌ كَذَلِكَ هَلْ تَجُوزُ إمَامَتُهُ فَأَجَابَ لَا يُصَلَّى خَلْفَ الْمَشْهُورِ بِالْكَذِبِ وَالْقَتَّاتِ وَالْمُعْلِنِ بِالْكَبَائِرِ، وَلَا يُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ،
وَأَمَّا مَنْ تَكُونُ مِنْهُ الْهَفْوَةُ وَالزَّلَّةُ، فَلَا يَتْبَعُ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ مَالِكٍ مَنْ هَذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَيْسَ الْمُصِرُّ وَالْمُجَاهِرُ كَغَيْرِهِ.
وَسُئِلَ هَلْ يُصَلِّي خَلْفَ الْقَاتِلِ؟
فَأَجَابَ: أَمَّا الْمُتَعَمِّدُ فَلَا تَنْبَغِي الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ،
وَإِنْ تَابَ، وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا إذَا أَمْكَنَ مِنْ نَفْسِهِ، وَعُفِيَ عَنْهُ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ أَنَّهُ يُصَلِّي خَلْفَهُ، وَإِلَّا فَلَا يُصَلِّي خَلْفَهُ، وَلَا إعَادَةَ إذَا فَعَلَ الْبُرْزُلِيُّ فَالْحُصُولُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ فِي إمَامَةِ الْفَاسِقِ خِلَافًا إذَا وَقَعَتْ هَلْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ أَوْ أَبَدًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ لَا إعَادَةَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ جُلِّ فَتَاوِيهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ مُتَعَلِّقًا بِالصَّلَاةِ أَوْ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِلَافًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بَعْضُ شُيُوخِنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَبْعَدَ فِيهِ الْخِلَافُ انْتَهَى.
، وَقَالَ قَبْلَ هَذَا سُئِلَ التُّونُسِيُّ عَنْ إمَامَةِ مَنْ يَعْمَلُ بِالرِّبَا، وَيَظْلِمُ النَّاسَ، وَهَلْ يُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَبَدًا أَوْ لَا فَأَجَابَ: لَا يَنْبَغِي إمَامَةُ مَنْ ذَكَرْت، وَلَا الصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَلَهُ مَنْدُوحَةَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ لِضَرُورَةِ إقَامَتِهِمَا
بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا فَإِنْ وَقَعَتْ صَحَّتْ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ بِدْعَتُهُمْ،
وَقِيلَ: تُعَادُ، ذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ لِجَوَازِ إخْلَالِهِمْ بِبَعْضِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَعَدَمِ الثِّقَةِ بِخَبَرِهِمْ وَهُنَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ فِي الْقِيَاسِ وَلِابْنِ حَبِيبٍ مَعْنَى مِنْ هَذَا فِي وُلَاةِ الْجَوْرِ.
وَسُئِلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ الظَّاهِرِ الْجُرْحَةِ؟
فَأَجَابَ: الصَّلَاةُ خَلْفَهُ جَائِزَةٌ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ مُتَعَلِّقًا بِالصَّلَاةِ مِثْلَ أَنْ يُتَّهَمَ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَنَحْوِهِ فَالْإِعَادَةُ فِي هَذَا أَبَدًا فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
وَسُئِلَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَلَا مَأْمُونٍ؟
فَأَجَابَ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: اسْتِحْبَابُ الْإِعَادَةِ وَعَنْ الْأَبْهَرِيِّ يُعِيدُ أَبَدًا، وَظَاهِرُ الْجُرْحَةِ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ لِلنَّاسِ،
وَإِنْ رَضَوْهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَهْوِينًا عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي وَتَعْزِيرًا لَهُمْ وَمَتَى صَحَّتْ وِلَايَةُ الْقَاضِي فَالصَّلَاةُ خَلْفَهُ جَائِزَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرَ الْفِسْقِ مَعْرُوفًا بِالِاسْتِهَانَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مُضَيِّعًا لِلصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا، فَلَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ، وَالْإِعَادَةُ أَبَدًا انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَسُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفِ عَاقٍّ وَالِدَيْهِ فَأَجَابَ: الصَّلَاةُ خَلْفَ غَيْرِهِ أَوْلَى، وَلَا يُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ.
وَسُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ أَحَدِ الْمُتَهَاجِرَيْنِ فَأَجَابَ إنْ كَانَ تَهَاجُرُهُمَا لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَالصَّلَاةُ خَلْفَ غَيْرِهِمَا أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَ أَحَدِهِمَا.
وَسُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا وَأَقَامَ مَعَهَا فَقَالَ: هِيَ أَشَدُّ مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ مَوَانِعِ الْإِمَامَةِ مَا يَرْجِعُ إلَى الْجَوَارِحِ، وَهُوَ الْفَاسِقُ بِجَوَارِحِهِ كَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ،
وَفِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أَمْكَنَ أَنْ يَتْرُكَ مَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَالثَّانِي صَحَّتْ إمَامَتُهُ؛ لِأَنَّ فِسْقَهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ خِلَافٌ فِي حَالٍ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ التَّهَاوُنِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ الْفُرُوضِ، فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ،
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ اضْطَرَّهُ هَوًى غَالِبٌ إلَى ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ مَعَ بَرَاءَتِهِ مِنْ التَّهَاوُنِ وَالْجُرْأَةِ صَحَّتْ إمَامَتُهُ، وَهَذَا يُعْلَمُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ
(أَوْ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْجَمَاعَةُ مَعْنَى الدِّينِ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يَطْرُقُ الْخَلَلُ إلَيْهَا بِفَسَادِ الْأَئِمَّةِ
فَأَمَّا عَامَّةُ النَّاسِ فَلَا يُمَكَّنُوا مِنْ التَّخَلُّفِ عَنْهَا وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي إمَامِهِمْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَرْضِيٍّ عِنْدَهُمْ فَإِنَّهُ مِثْلُهُمْ وَإِنَّمَا يَطْلُبُ الْأَفْضَلَ الْأَفْضَلُ،
وَإِذَا كَانَ إمَامُك مِثْلَك وَتَقُولُ لَا أُصَلِّي خَلْفَهُ فَلَا تُصَلِّ أَنْتَ إذَنْ فَإِنَّ مَا يَقْدَحُ صَلَاتَك يَقْدَحُ فِي صَلَاتِهِ، وَمَا تَصِحُّ بِهِ صَلَاتُهُ تَصِحُّ بِهِ صَلَاتُك،
وَلَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ الْيَوْمَ لِلْإِمَامَةِ الْأَعْدَلُ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: الْخِلَافُ فِي إمَامَةِ الْفَاسِقِ خِلَافٌ فِي حَالٍ؛.
فَإِنْ كَانَ مِنْ التَّهَاوُنِ وَالْجُرْأَةِ بِأَنْ يَتْرُكَ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ كَالنِّيَّةِ وَالطَّهَارَةِ فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ،
وَإِنْ كَانَ مِمَّا اضْطَرَّهُ هَوًى غَالِبٌ إلَى ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ مَعَ بَرَاءَتِهِ مِنْ التَّهَاوُنِ وَالْجُرْأَةِ صَحَّتْ إمَامَتُهُ وَهَذَا يُعْلَمُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: أَرَى أَنْ تُجْزِئَ الصَّلَاةُ إذَا كَانَ فِسْقُهُ بِمَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصَّلَاةِ كَالزِّنَا وَالْغَضَبِ، وَكَثِيرًا مَا يُرَى مِنْ هَؤُلَاءِ السَّلَاطِينِ التَّحَفُّظُ فِي أُمُورِ صَلَوَاتِهِمْ، وَنَحْوُ هَذَا لِأَبِي إِسْحَاقَ.
وَقَالَ الْقَبَّابُ: أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ الْفَاسِقُ لِلشَّفَاعَةِ وَالْإِمَامَةِ،
وَمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ يَتَحَفَّظُ عَلَى أُمُورِ الصَّلَاةِ.
قَالَ: وَهَذَا هُوَ مُرْتَضَى التُّونُسِيِّ وَاللَّخْمِيُّ وَابْنِ يُونُسَ انْتَهَى.
وَنَصُّ ابْنُ يُونُسَ: الصَّوَابُ أَنْ لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ وَلَيْسَ بِأَسْوَأَ حَالًا مِنْ الْمُبْتَدِعِ،
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي إعَادَةِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَؤُمُّ السَّكْرَانُ وَمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَعَادَ.
ابْنُ حَبِيبٍ: أَبَدًا.
وَكَذَا يُعِيدُ أَبَدًا مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةَ أَوْ قَاضِيَهُ، أَوْ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الصَّلَاةِ مَعَهُ دَاعٍ إلَى الْخُرُوجِ عَنْ طَاعَتِهِمْ وَسَبَبٌ إلَى الْفِتَنِ، وَقَدْ صَلَّى ابْنُ عُمَرَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ.
وَمَنْ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ فَحَسَنٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَكْرَانًا فِي حَالِ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ الْقَبَّابُ: فِي كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ مَا يُشْعِرُ بِجَوَازِ إمَامَةِ شَارِبِ الْخَمْرِ إذَا لَمْ يَسْكَرْ وَكَانَتْ ثِيَابُهُ طَاهِرَةً وَغَسَلَ فَاهُ وَلَمْ يَعْتَبِرْ مَا فِي الْجَوْفِ وَرُبَّمَا أَعْطَى كَلَامُ ابْنِ حَبِيبٍ هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَفْعُ النَّجَاسَةِ صَارَ كَمَنْ أَرَاقَ الْمَاءَ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ آثِمٌ مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَقَيَّأَ؟ خِلَافٌ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ.
قَالَ الْقَبَّابُ: الَّذِي يَنْزِلُ بِالنَّاسِ كَثِيرًا إمَامَةُ الْفَاسِقِ بِغَيْرِ هَذَا مِمَّنْ يَغْتَابُ النَّاسَ وَرُبَّمَا أَخَذَ مُرَتَّبًا مِنْ جِبَايَةِ الْمَخَازِنِ وَمَنْ يُعْطِي لِزَوْجَتِهِ الدَّرَاهِمَ لِتَذْهَبَ بِهَا إلَى الْحَمَّامِ.
وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَنْ كَانَ إمَامًا لِظَالِمٍ لَا يُصَلِّي وَرَاءَهُ.
قَالَ فِي التَّمْهِيدِ:، قِيلَ: لِعَطَاءٍ أَخٌ لِي صَاحِبُ سُلْطَانٍ يَكْتُبُ مَا يَدْخُلُ وَمَا يَخْرُجُ أَمِينٌ عَلَى ذَلِكَ إنْ تَرَكَ قَلَمَهُ صَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالَ: الرَّأْسُ مَنْ؟
قُلْت: خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَوَمَا تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَوْلَ الْقَبَّابِ مِمَّنْ يَغْتَابُ النَّاسَ سَيَأْتِي حُكْمُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَاتِ، وَانْظُرْ قَوْلَهُ فِي دُخُولِ الْمَرْأَةِ الْحَمَّامَ.
قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَلَا تَدْخُلُ الْمَرْأَةُ الْحَمَّامَ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ.
وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ إنَّمَا كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِلنِّسَاءِ حَمَّامٌ مُفْرَدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حُكْمَ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ بِالنِّسْبَةِ لِرُؤْيَةِ الْجَسَدِ كَحُكْمِ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مِنْ النَّعِيمِ الْمَشْرُوعِ الْإِرْفَاهُ بِتَنْظِيفِ الْبَدَنِ مِنْ الْأَقْذَارِ زَائِدٌ عَلَى طَهَارَتِهِ مِنْ الْأَنْجَاسِ بِالْأَدْهَانِ وَالْحَمَّامِ، وَلَا بَأْسَ بِدُخُولِهِ مُفْرَدًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَعَ أَهْلِهِ،
وَإِنْ دَخَلَهُ مَعَ النَّاسِ فَلْيَسْتَتِرْ بِصَفِيقٍ مِنْ الْأُزُرِ وَيَصْرِفُ بَصَرَهُ عَنْ مَظَانِّ الِانْتِهَاكِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْحَمَّامُ دَارٌ يَغْلِبُ عَلَيْهَا الْمُنْكَرُ وَدُخُولُهُ إلَى أَنْ يَكُونَ حَرَامًا أَقْرَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا، فَكَيْفَ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا؟ قُلْنَا: الْحَمَّامُ مَوْضِعُ تَدَاوٍ وَتَطَهُّرٍ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ النَّهْرِ فَإِنَّ الْمُنْكَرَ قَدْ غَلَبَ فِيهِ بِكَشْفِ الْعَوْرَاتِ، وَبِظَاهِرِ الْمُنْكَرَاتِ،
فَإِذَا احْتَاجَ إلَيْهِ الْمَرْءُ دَخَلَهُ وَدَفَعَ الْمُنْكَرَ عَنْ بَصَرِهِ وَسَمْعِهِ مَا أَمْكَنَهُ وَالْمُنْكَرُ الْيَوْمَ فِي الْبُلْدَانِ فَالْحَمَّامُ كَالْبَلَدِ عُمُومًا وَكَالنَّهْرِ خُصُوصًا.
وَقَالَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَجُوزُ دُخُولُ الْحَمَّامِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْإِنْكَارِ أَنْكَرَ،
وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِنْكَارِ كَرِهَ بِقَلْبِهِ فَيَكُونُ مَأْجُورًا عَلَى كَرَاهَتِهِ وَيَحْفَظُ بَصَرَهُ عَنْ الْعَوْرَاتِ مَا اسْتَطَاعَ.
وَفِي الْإِحْيَاءِ: لَا بَأْسَ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ. دَخَلَ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - حَمَّامَاتِ الشَّامِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْحَمَّامُ مِنْ النَّعِيمِ الَّذِي أَحْدَثُوهُ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُطَهِّرُ الْبَدَنَ وَيُذَكِّرُ النَّارَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُبْدِي الْعَوْرَةَ وَيُذْهِبُ الْحَيَاءَ.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ: بَعْضُهُمْ تَعَرَّضَ لِآفَتِهِ وَبَعْضُهُمْ لِفَائِدَتِهِ وَلَا بَأْسَ بِطَلَبِ فَائِدَتِهِ عِنْدَ الِاحْتِرَازِ مِنْ آفَتِهِ.
وَلِابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي مَسَالِكِهِ عَلَى تَرْجَمَةِ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ: الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يُقِيمُهُ الْإِمَامُ عَلَى شَرَائِعِهِ وَسُنَنِهِ بَرًّا كَانَ، أَوْ فَاجِرًا أَوْ مُبْتَدِعًا مَا لَمْ تُخْرِجْ بِدْعَتُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ.
وَفِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ الْفَاضِلَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي مَشْيِهِ إلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَفِي عَارِضَتِهِ عَلَى حَدِيثِ الْجَرِيدَتَيْنِ: الذُّنُوبُ عَلَى قِسْمَيْنِ صَغِيرَةٍ لَا أَصْغَرَ مِنْهَا - وَهِيَ النَّظَرُ - وَكَبِيرَةٍ لَا أَكْبَرَ مِنْهَا - وَهِيَ الْكُفْرُ -، وَمَا بَيْنَهُمَا مُخْتَلِفٌ حُكْمُهُ،
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: جِنَايَةُ الْبَصَرِ تُكَفِّرُهُ الطَّاعَاتُ وَقَدْ جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُكَفَّرًا بِالْوُضُوءِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ» وَقَدْ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ فَقَالَ: مَا رَأَيْت أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
هَلْ نَظَرُ الْعَيْنَيْنِ مِنْ اللَّمَمِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ}
(ص) أَوْ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ. (ش) أَيْ: إنَّ صَلَاةَ مَنْ اقْتَدَى بِفَاسِقٍ بِجَارِحَةٍ بَاطِلَةٌ.
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ بِارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ لَمْ تُكَفِّرْ أَوْ صَغِيرَةٍ. لَكِنَّ ابْنَ بَزِيزَةَ التَّابِعُ لَهُ الْمُؤَلِّفُ قَيَّدَ الْبُطْلَانَ بِمَا إذَا كَانَ الْفِسْقُ بِارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ فَيُقَيَّدُ بِهِ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْكَبِيرَةُ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالصَّلَاةِ كَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَوْ بِشُرُوطِهَا أَوْ لَا كَزِنًا وَغِيبَةٍ وَعُقُوقٍ وَدَفْعِ دَرَاهِمَ لِزَوْجَتِهِ تَدْخُلُ بِهَا الْحَمَّامَ مُتَجَرِّدَةً مَعَ نِسَاءٍ مُتَجَرِّدَاتٍ وَإِمَامٍ أَوْ كَاتِبٍ لِظَالِمٍ
ثُمَّ إنَّ الْمُعْتَمَدَ صِحَّةُ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ كَمَا فِي ابْنِ غَازِيٍّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِيهِ قَوْلٌ بِكُفْرِهِ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ،
وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الرَّاجِحِ وَلَمْ يَقَعْ قَوْلٌ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ بِكُفْرِ الْفَاسِقِ بِجَارِحَةٍ إلَّا تَارِكَ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ مَكْرُوهٌ حَيْثُ كَانَ فِسْقُهُ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالصَّلَاةِ كَشُرْبِ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِهَا كَقَصْدِ الْكِبْرِ بِعُلُوِّهِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَلَا يَصِحُّ.
وَفِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ فَاسِقَ الْجَارِحَةِ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ فَاسِقِ الِاعْتِقَادِ بَحْثٌ اُنْظُرْ اسْتِدْلَالَهُ وَرَدَّهُ فِي شَرْحِنَا الْكَبِيرِ .
(قَوْلُهُ: كَالتَّهَاوُنِ بِهَا) أَيْ: بِحَيْثُ يُخِلُّ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا وَقَوْلُهُ: أَوْ بِشُرُوطِهَا. كَأَنْ يَتَسَاهَلَ بِالصَّلَاةِ بِدُونِ وُضُوءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَدَفْعِ دَرَاهِمَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا إذَا أَقَرَّهَا عَلَى الدُّخُولِ لِلْحَمَّامِ وَلَوْ لَمْ يُعْطِهَا دَرَاهِمَ.
(قَوْلُهُ: مُتَجَرِّدَةً مَعَ نِسَاءٍ مُتَجَرِّدَاتٍ) أَوْ كَانَتْ مُتَجَرِّدَةً فَقَطْ أَوْ هُنَّ مُتَجَرِّدَاتٌ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: وَإِمَامٍ أَوْ كَاتِبٍ لِظَالِمٍ) قَالَ عب وَلَعَلَّ الْمُرَادَ كَمَا يُفِيدُهُ النَّقْلُ وَكِتَابَةِ مَا يُظْلَمُ فِيهِ لَا كِتَابَةِ كِتَابٍ بِأُجْرَةٍ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا لَمْ يُخَالِطْهُ كَالْإِمَامِ وَقَوْلُهُ: وَإِمَامٍ أَوْ كَاتِبٍ أَيْ: وَإِمَامَةِ إمَامٍ أَوْ كِتَابَةِ كَاتِبٍ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى زِنًا.
(قَوْلُهُ: الِاقْتِدَاءُ بِهِ مَكْرُوهٌ) وَقَالَ اللَّقَانِيِّ: يَحْرُمُ الدُّخُولُ مَعَهُ ابْتِدَاءً
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ لِلْإِمَامَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِفِسْقِ نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: كَقَصْدِ الْكِبْرِ بِعُلُوِّهِ) أَيْ: أَوْ يَكُونُ مُتَهَاوِنًا بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى وَبِهِ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ الصِّحَّةِ أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ الْإِعَادَةُ أَبَدًا وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْقَوْلَ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ مُقَابِلًا لِلْقَوْلِ بِصِحَّتِهَا.
(قَوْلُهُ: اُنْظُرْ اسْتِدْلَالَهُ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي ك
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ فَاسِقَ الْجَارِحَةِ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ فَاسِقِ الِاعْتِقَادِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ فِسْقَ الِاعْتِقَادِ لَا يَنْفِي ظَنَّ صِدْقِ الْفَاسِقِ أَلَا تَرَى اتِّفَاقَ أَصْحَابِ كُتُبِ الصِّحَاحِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ التَّحْدِيثِ مِنْ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي يُحَرِّمُ الْكَذِبَ وَلَمْ يَكُنْ دَاعِيًا إلَى مَذْهَبِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَا رَوَاهُ يُقَوِّي مَذْهَبَهُ
بِخِلَافِ فِسْقِ الْجَوَارِحِ اهـ. فَفِيهِ بَحْثٌ إذْ الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْإِسْلَامِ وَنَحْوِهِ غَيْرُ الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ فِي قَبُولِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصِّدْقُ وَالْأَوَّلُ مَوْجُودٌ فِي فِسْقِ الْجَارِحَةِ أَقْوَى مِنْ وُجُودِهِ مِنْ فَاسِقِ الِاعْتِقَادِ،
وَالثَّانِي بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِمَامَةِ
وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ وَوُجُودُهُ فِي فَاسِقِ الْجَارِحَةِ قَطْعًا وَاخْتُلِفَ فِي وُجُودِهِ فِي فَاسِدِ اعْتِقَادٍ.
وَأَمَّا الصِّدْقُ فَوُجُودُهُ فِي فَاسِقِ الِاعْتِقَادِ الَّذِي يُحَرِّمُ الْكَذِبَ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا يُؤَيِّدُ بِدْعَتَهُ مَعَ اتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ قَبُولِ الرِّوَايَةِ أَقْوَى مِنْهُ فِي فَاسِقِ الْجَارِحَةِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَالَ فِي ك وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ: أَوْ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ وَلَوْ بِالشُّهْرَةِ، وَالظَّنُّ بِذَلِكَ يَكْفِي
وَأَمَّا صَلَاتُهُ فَصَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ اهـ.
.
(أَوْ) بَانَ (فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ) كَزَانٍ وَشَارِبٍ مُغَيَّبٍ، لِحَدِيثِ «أَئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ» وَالْفَاسِقُ لَا يَصْلُحُ لَهَا،
وَالْمُعْتَمَدُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ مَعَ كَرَاهَتِهَا إذْ لَمْ يَتَعَلَّقْ فِسْقُهُ بِالصَّلَاةِ وَإِلَّا فَلَا كَقَصْدِهِ الْكِبْرَ بِالْإِمَامَةِ وَإِخْلَالِهِ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ سُنَّةٍ عَمْدًا
أو فاسقا بجارحة؛ يعني أنه تبطل الصلاة باقتداء بمن بان فاسقا بجارحة، "والباء" في قوله: "بجارحة" ، للاستعانة، ككتبت بالقلم، والفسق هو الخروج عن طاعة الله تعالى، بارتكاب الكبائر. وإنما بطلت صلاة المقتدي بالفاسق بجارحة، لما ورد من: (أئمتكم شفعاؤكم) . والفاسق غير صالح للشفاعة، وهذا يغني عن قوله: بمن بان كافرا، على أنه
قال في التوضيح: ولا ينبغي أن يعد من شروط الإمامة إلا ما كان خاصا بها، فلا يعد الإسلام ولا العقل؛ لأنهما شرط في مطلق الصلاة، وما ذكره المصنف من بطلان صلاة المقتدي بالفاسق هو الذي شهره ابن بزيزة. وقد علمت أن الفسق هو الخروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب الكبائر، والرتكب كبيرة كعاق، وقاذف، وغاصب،
ومن طلق زوجته ثلاثا وأقام معها، وسارق، وقاتل، وزان، ولائط، وكاشف لعورته بين يدي من لا يجوز له النظر إليها، وأخذ المرتبات من جباة الخازن كمكاس، ودفع دراهم لزوجته تدخل بها الحمام مع نساء متجردات، وإمامة، أو كتابة لظالم. قال الشيخ عبد الباقي: ولعل المراد كما يفيده نقل المواق: كتابة ما يظلم فيه، لا كتابة كتاب بأجرة، وسأل إنسان عطاء، فقال: إن لي صاحب سلطان يكتب ما يدخل وما يخرج أمين على ذلك إن ترك قلمه صار عليه دين، قال: أو ما تقرأ: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} ، لِيَرْمِ بقَلَمه،
فإن الله آتيه برزقه. واعلم أن الصغيرة لا يفسق بها إلا مع الإصرار لانقلابها حينئذ كبيرة.
فائدة: اعلم أن استحلال المعصية كفر صغيرة أو كبيرة،
وكذا الاستهانة بها -كما يأتي قريبا- وفي المنذري في ترجمة الترهيب من ارتكاب الصغائر ما نصه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم ومحقرات الذنوب،
وفي حديثه: وهي الموبقات (١) )، وروي غير هذا، وبهذا تعلم أن لا يتهاون بالصغيرة خلاف ما يقوله بعض الجهلة، ويأتي قول بعض المعتزلة: لا يقع التعذيب بالصغائر إذا اجتنبت الكبائر، للآية الكريمة، ويأتي الجواب عن قوله. واعلم أن المعتمد خلاف ما للمصنف؛ إذ لا يكون أسوأ حالا من المبتدع، فتصح مع الكراهة إذا كان فسقه غير متعلق بالصلاة، وإلا بطلت خلفه ككبر بإمامة. قاله عبد الباقي.
وقال الشبراخيتي: الذي ارتضاه التونسي واللخمي، وارتضاه القباب: وصوبه ابن يونس: صحة الاقتداء بالفاسق بالجارحة، وهو المعتمد، كما قال الشبيبي. وما ينبغي للمصنف العدول عن المرتضى عند هؤلاء إلى تشهير ابن بزيزة، ويدل للصحة قوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا (١) ): ثم قال: لكن يحرم الدخول معه ابتداء،
ويحرم عليه أن يتقدم للإمامة مع علمه بفسق نفسه. انتهى.
وقال الشيخ محمد بن الحسن: اعلم أن الذي يتعلق فسقه بالصلاة إن تحقق أو غلب على الظن حال التلبس بالصلاة أنه ذو مانع من صحتنها بطلت الصلاة خلفه باتفاق،
وإن شك في ذلك فمقتضى كلام ابن عرفة صحتها، ومقتضى ما للقباب البطلان. انتهى. وبما قررت علم أن المعتمد مقيد بالكبيرة غير المتعلقة بالصلاة كالتهاون بشروطها ونحو ذلك. وعلم مما قررت أيضا أنه يطلب في الإمام عدم الفسق. وحكى ابن عرفة في إمامة الفاسق ستة أقوال: فقال وفي إعادة مأموم الفاسق في الوقت أو أبدا، ثالثها إن تأول، ورابعها إن كان واليا أو خليفة لم يعد، وإلا أعاد أبدا. وخامسها إن خرج فسقه عن الصلاة أجزأت وإلا أعاد أبدا، وسادسها لا إعادة؛
الأول لنقل ابن راشد مع اللخمي؛
والثاني لابن وهب مع مالك؛
والثالث للأبهري؛ والرابع لابن حبيب، والخامس للخمي؛ والسادس للباجي. وحكى ابن ناجي في شرح المدونة الأقوال الستة، ثم قال: وظاهر كلامهم أن الذي يغتاب كغيره، فلا يصلى خلفه،
وإن وقع ونزل ففيه الخلاف كغيره. قاله الإمام الحطاب.
وفيه ناقلا عن بعض العلماء: وأما الفاسق بالجوارح فإن علم من عادته التلاعب بالصلاة وشروطها وعدم القيام بها. فينبغي أن لا يختلف المذهب في بطلان صلاة من ائتم به، فغلبة الظن على بطلان صلاته، ولا يصلى خلف المشهور بالكذب والبهتان،
وأما القاتل عمدا فلا تنبغي الصلاة خلفه.
وعن ابن حبيب: وإن تاب. والمستحب عندنا إذا أمكن من نفسه، وعفي عنه، وحسنت توبته، أن يصلى خلفه. وإلا فلا يصلى خلفه. انتهى. وفيه بعد جلب نقل: أن الظاهر من جل فتاويهم عدم الإعادة في الصلاة خلف الفاسق بالجارحة؛ وهو ظاهر المدونة عند بعضهم،
وأما اختيار اللخمي الفرق بين أن يكون فسقه متعلقا بالصلاة أو لا، فيحتمل أن يكون خلافا. وإليه أشار بعض شيوخنا، ومنهم من استبعد فيه الخلاف انتهى.
ابن العربي: أما عامة الناس فلا يمكنوا من التخلف عن الجماعة، ولا حجة لهم في إمامهم أن يكون غير رضى عندهم، فإنه مثلهم،
وإذا كان إمامك مثلك وتقول: لا أصلي خلفه، فلا تصل أنت إذا،
فإن ما يقدح في صلاتك يقدح في صلاته، وما تصح به صلاته تصح به صلاتك،
ولو لم يتقدم اليوم للإمامة إلا عدل لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا.
وقال القباب: أعدل الذاهب أنه لا يقدم الفاسق للشفاعة والإمامة،
ومن صلى خلفه لا إعادة عليه إن كان يتحفظ على أمور الصلاة. قاله المواق. وحجة من قال إن الصلاة تجزئ خلف الفساق من الأمراء أن منع الصلاة معه داع إلى الخروج عن طاعتهم، وسبب إلى الفتن، وقد صلى ابن عمر خلف الحجاج.
وقال القباب في كلام أبي إسحاق ما يشعر بجواز إمامة شارب الخمر؛ إذا لم يسكر، وكانت ثيابه طاهرة، وغسل فاه، ولم يعتبروا ما في الجوف. وربما أعطى كلام ابن حبيب هذا المعنى،
وقال سند: لما تعذر عليه رفع النجاسة صار كمن أراق الماء عامدا وصلى بالتيمم، فإنه آثم مع صحة صلاته، وهل يلزمه أن يتقيأ أم لا؟ خلاف بين الشافعية. قاله المواق، وفيه عن ابن العربي: أن الرجل الفاضل لا يؤخذ عليه في مشيه إلى السلطان الجائر فيما يحتاج إليه، وفيه عنه أيضا: أن الذنوب صغيرة لا أصغر منها؛ وهي النظر، وكبيرة لا أكبر منها؛ وهي الكفر، وما بينهما مختلف حكمه.
وقال ابن القطان: جناية البصر تكفرها الطاعات. وقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. مكفَّرًا بالوضوء، فقال صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأ العبد المؤمن خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء ). انتهى.
وفي الإعلام: وأجاب ناصر الدين فيمن تخرج زوجته بادية كعادة أهل البادية أن ذلك جرحة في شهادته وإمامته، وأنه لا تعطى له الزكاة، وأجاب الزواوي بصحة ذلك إن قدر على منعها، وإلا فلا، وأجاب العقباني: من صلى خلفه لا إعادة عليه، وأمر بأن يأمر أهله بالستر،
فإن فعل صلوا خلفه وإلا ترك. تنبيهات الأول: اعلم أنه اختلف في الكبيرة على ستة أقوال: فقيل: هي ما توعد عليه بخصوصه في الكتاب أو السنة، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} الآية،
وقيل: هي ما فيه حد كالزنى والسرقة، قال الرافعي: وهم إلى ترجيح هذا أميل،
وقيل: هي ما نص الكتاب على تحريمه، كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} . الآية. أو وجب في جنسه حد،
وقيل: إنها أخفيت ليكون الناس من اجتناب جميع المنهيات على حذر مخافة الوقوع فيها،
وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائني، والشيخ الإمام والد صاحب جمع الجوامع: هي كل ذنب، ونَفَيَا الصغائر نظرا إلى عظمة من عُصِي بذلك
وقيل: وهو المختار، وفاقا لإمام الحرمين إنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة، ونظم هذه الأقوال الإمام السيوطي،
فقال: وفي الكبيرة اضطراب إذ تحد … فقيل: ذو توعد،
وقيل حد وقيل: ما في جنسه حد وما … كتابنا بنصه قد حرما
وقيل: لا حد لها بل أخفيت …
وقيل: كل والصغار نفيت والمرتضى قول إمام الحرمين … جريمة توذننا بغير مين بقلة اكتراث من أتاه … بالدين، والرقة في تقواه كالقتل، والزنى، وشرب الخمر … ومطلق المسكر، ثم السحر والقذف، واللواط، ثم الفطر … ويَأسِ رحمةٍ، وأمن المكر والغصب، والسرقة، والشهادة … بالزور، والرشوة، والقياده منع الزكاة، ودياثة، فرار … خيانة في الكيل، والوزن ظهار نميمة، كتم شهادة، يمين … فَاجِرَةٍ، كَذْب على النَّبي يَبين وسب صحبه، وضرب المسلم … سعاية، عقوق، قطع الرحم حرابة، تقديمه الصلاة، أو … تأخيرها، ومال الأيتام رووا وأكل خنزير، وميت، والربا … والغل، أو صغيرة قد واظبا قوله: القيادة: القواد: الذي يجمع بين الرجال والنساء بالحرام، فهو أعم من الديوث؛
لأنه خاص بالأهل. والسعاية هي أن يذهب بشخص إلى ظالم ليؤذيه بما يقوله في حقه،
وفي حديثٍ (الساعي مثلث (١) )؛ أي مهلك نفسه، والمسعي به وإليه. الثاني: الكبائر تجب منها التوبة اتفاقا،
وفي الصغائر ثلاثة أقوال: الأول أنها تفتقر للتوبة، قاله القاضي عبد الوهاب؛ وهو ظاهر قول الرسالة، والتوبة فريضة من كل ذنب، وهو ظاهر قول ابن عاشر: وتوبة من كل ذنب يجترم … ................................................ قال أبو بكر بن الطيب: وهو المشهور. الثاني: أنها لا تفتقر إلى توبة، بل توبتها اجتناب الكبائر لقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} ، وهو قوله في أول الرسالة وغفر الصغائر باجتناب الكبائر.
الثالث: أنها إن كانت منوطة بالكبيرة، كالقبلة لمن أراد الزنى ثم تاب منها غفرت باجتناب الكبيرة،
وإن كانت منفردة مستقلة بنفسها افتقرت إلى التوبة، وهل تكفير الصغائر باجتناب الكبائر على القول به قطعي، أو ظني؟ قولان. قاله الشيخ ميارة.
وقال النسفي في العقائد: ويجوز العقاب على الصغيرة،
وقال السعد في شرحه: سواء اجتنب مرتكبها الكبيرة أم لا، لدخولها تحت قوله، تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ، ولقوله: {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} . والإحصاء إنما يكون للسؤال والمجازاة إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، وذهب بعض المعتزلة إلى أنه إذا اجتنب الكبائر لم يجز تعذيبه، لا بمعنى أنه يمتنع عقلا، بل بمعنى أنه لا يجوز أن يقع لوقوع الأدلة السمعية على أنه لا يقع، لقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} .
وأجيب بأن الكبيرة المطلقة هي الكفر؛ لأنه الكامل وجمع الاسم بالنظر إلى أنواع الكفر،
فإن الكل ملة واحدة في الحكم، أو إلى أفراده القائمة بأفراد المخاطبين على ما تمهد من قاعدة: أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد بالآحاد، كقولنا: ركب القوم دوابهم، ولبسوا ثيابهم،
وقال السعد أيضا: واستحلال المعصية بمعنى اعتقاد حلها كفر صغيرة أو كبيرة،
وكذا الاستهانة بها؛ بمعنى عدها هينة ترتكب من غير مبالاة. الثالث: قال الشيخ ميارة: الكبيرة والصغيرة نسبة وإضافة، وإلا فكل ذنب فهو كبير، فتسمية بعض الذنوب صغائر إنما هو لتكفيرها باجتناب غيرها مما هو أكبر منها، فكلها كبائر وبعضها أكبر من بعض، ولهذا لم يأت في الشرع لفظ يحصرها في عدد معين، وإنما ذلك ليكونوا في اجتناب جميع المنهيات على حذر ليلا يواقعوها، وما ورد في الأحاديث من تسميتها بالسبع الموبقات، لا يدل على حصرها في سبع، ولهذا قال ابن عباس: هي إلى السبعين، وروي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع.
انتهى. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: ولعل هذا هو قول الأسفرائني، ووالد صاحب جمع الجوامع مع أنه يمكن الفرق بينهما. والله سبحانه أعلم. الرَّابع: لا خلاف بين أهل السنة أن التوبة تصح من بعض الذنوب دون بعض،
وإذا تذكر المذنب الذنب، فهل يجب عليه تجديد الندم أم لا؟ قولان للقاضي، وإمام الحرمين، قائلا: يكفيه أن لا يبتهج ولا يفرح عند تذكره، وهل توبة الكافر نفس إسلامه، أو لابد من الندم على الكفر؟ فأوجبه الإمام.
وقال غيره: يكفيه إيمانه؛ لأن كفره ممحو بإيمانه، وإقلاعه عنه، قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} . واعلم أن الذنب إن كان حقا لله تعالى فيكفي الندم والإقلاع، ويشرع في قضاء الفوائت كالصلاة والصيام وشبه ذلك،
وإن كان حقا لآدمي وجب عليه رده إن كان مالا، والتحلل منه إن كان عِرْضا،
فإن لم يجده ولا وجد أحدا من ورثته، فإنه يستغفر الله ويتصدق عليه،
وإن كان نفسا وجب عليه تسليم نفسه للأولياء إن أمكن ذلك،
فإن لم يفعل مع الإمكان فمذهب الجمهور صحتها، وهذه معصية أخرى يجب عليه أن يتوب منها.
وقيل: لا تصح، وهو مرجوح. الخامس اعلم أن التوبة على قسمين: واجبة من المحظور، ومندوبة من المكروه. الواسطي: كانت التوبة في بني إسرائيل بقتل النفس، كما قال تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} . قال: فكانت توبتهم إفناء نفوسهم، وتوبة هذه الأمة أشد؛ وهي إفناء نفوسهم عن مرادها مع رسوم الهياكل.
ومثله بعضهم بمن أراد كسر لوزة في قارورة لكن ذلك يسير على من يسره الله عليه انتهى. نقله الشيخ ميارة. السادس: اعلم أن الأنبياء كلهم معصومون من الذنوب صغيرها وكبيرها، عمدها وسهوها قبل النبوءة وبعدها، في سائر الحركات والسكنات في الباطن والظاهر، في السر والعلانية، في الجد والهزل والرضى والغضب، وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتأسي به في كل ما يفعله من قليل وكثير وصغير وكبير، لم يكن عندهم في ذلك توقف حتى في السر والخلوة، علم بهم أو لم يعلم.
وما حكي من الخلاف في عصمة الأنبياء من الصغائر بعد البعثة في غاية الضعف بل هو ساقط، بل ألزم قائلوه خرق الإجماع وما لا يقول به مسلم.
وأما قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} . فعن ابن عباس رضي الله عنهما وآخرين صحابة وتابعين أن معناه: ووجدك ضالا عما آتاك من معالم النبوءة فهداك إليها، وقوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} . فمعناه خففنا أعباء النبوءة التي أثقلت حقوقها والقيام بموجباتها ظهرك، حتى كاد أن يكون له نقيض أي صوت، أو رفعنا عنك أوزار أمتك التي أثقل ظهرك خوف غايتها حتى أمنك الله ذلك في العاجل، بقوله. {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} ، وقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ} .
الآية. أي أنت غير مؤاخذ بذنبك أن لو كان، والمراد ذنوب أمته. انظر المنح المكية في شرح الهمزية.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.