فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ لَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيْدِهِ وَلَمْ يُبَحْ مَا أَكَلَ مِنْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالْأُخْرَى: يَحِلُّ
Its commentaries
مسألة: (فإن أكَلَ بعدَ تَعَلُّمِه، لم يَحْرُمْ ما تَقَدَّمَ مِن صَيدِه، ولم يُبَحْ ما أكَلَ منه في إحدى الرِّوايَتَين. والأُخْرَى، يَحِلُّ) أصَحُّ الرِّوايتَين أنَّ ما أكَلَ منه لا يُباحُ. ويُرْوَى ذلك عن ابنَ عباسٍ، وأبي هُرَيرَةَ. وبه قال عَطاءٌ، وطاوسٌ، وعُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وسُوَيدُ بنُ غَفَلَةَ، وأبو بُرْدَةَ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه. والثانيةُ، يُباحُ. رُوِيَ ذلك عن سَعْدِ بنَ أبي وَقّاصٍ، وسَلْمَانَ، وأبي هُرَيرَةَ، وابنِ عمرَ.
حكاه عنهم الإِمامُ أحمدُ. وبه قال مالِكٌ. وللشافعيِّ قَوْلان كالمَذْهَبَين. واحْتَجَّ مَن أباحَه بعُمومِ قولِه تعالى:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ}. وبحديثِ أبي ثَعْلَبَةَ، ولأنَّه صَيدٌ جارِحٌ مُعَلَّمٌ، فأُبِيحَ، كما لو لم يأكلْ،
فإنَّ الأكْلَ يحْتَمِلُ أن يكونَ لفَرْطِ جُوعٍ أو غَيظٍ على الصَّيدِ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في حديثِ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ:«إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ، فَكُلْ مِمَّا أمْسَكَ عَلَيكَ».
قلْتُ: وإنْ قَتَلَ. قال: «وَإِنْ قَتَلَ، إلَّا أنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ، فإنْ أكَلَ، فَلَا تَأْكُلْ، فإنِّي أخَافُ أنْ يَكُونَ إنَّمَا أمْسَكَه عَلَى نَفْسِه». مُتَّفَقٌ عليه. ولأنَّ ما كان شَرْطًا في الصَّيدِ الأوَّلِ، كان شَرْطًا في سائِرِ صُيودِه، كالإِرْسالِ والتَّعْليمِ.
فأمّا الآيَةُ فلا تَتَناوَلُ هذا الصَّيدَ؛ لأنَّه قال:{مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ}. وهذا إنَّما أمْسَكَ على نفْسِه.
وأمّا حديثُ أبي ثَعْلَبَةَ، فقال أحمدُ: يَخْتَلِفُون عن هُشَيمٍ فيه. وحدِيثُنا أصَحُّ؛ لأنَّه مُتَّفَقٌ عليه، وحَدِيثُ عَدِيِّ [بنِ حاتِمٍ] أضْبَطُ، ولفظُه أبْيَنُ؛ لأنَّه ذكَرَ الحُكْمَ والعِلَّةَ. قال أحمدُ: حديثُ الشَّعْبِيِّ عن عَدِيٍّ مِن أصَحِّ ما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، الشَّعْبِيُّ يقولُ: كان جارِي ورَبِيطِي، فحدَّثَنِي. والعملُ عليه. ويَحْتَمِلُ أنَّه أكَلَ منه بعدَ أن قَتَلَه وانْصَرَفَ عنه.
فصل: ولا يَحْرُمُ ما تَقَدَّمَ مِن صَيدِه، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَحْرُمُ؛ لأنَّه لو كان مُعَلَّمًا ما أكَلَ. ولَنا، عُمومُ الآيةِ والأخْبارِ، وإنَّما خُصَّ ما أكَلَ منه، ففيما عَداهُ يجبُ العملُ بالعُمومِ، ولأنَّ اجْتماعَ شُروطِ التَّعْليمِ حاصلٌ، فوجَبَ الحكمُ به، ولهذا حكَمْنا بحِلِّ صَيدِه،
فإذا وُجِدَ الأكْلُ، احْتَمَلَ أن يكونَ لِنِسْيانٍ، أو فَرْطِ جُوعٍ، فلا يُتْرَكُ ما ثَبَتَ يَقِينًا بالاحْتمالِ.
فصل: ولا يَحْرُمُ ما صادَه الكلبُ بعدَ الصَّيدِ الذي أكَلَ منه. ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِيِّ أنَّه يَخْرُجُ عن أن يكونَ مُعَلَّمًا، فتُعْتَبَرُ له شُروطُ التَّعْليمِ ابْتِداءً. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِما ذكَرْنا في صَيدِه قبلَ الأكْلِ.
فصل: فإن شَرِبَ مِن دَمِه ولم يَأْكُلْ منه، لم يَحْرُمْ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال عَطاءٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي. وكَرِهَه الشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِيُّ؛ لأنَّه في مَعْنَى الأكْلِ. ولَنا، عُمومُ الآيةِ والأخْبارِ، [وإنَّما] خَرَج منه ما أكَلَ منه؛ لحديثِ عَدِيٍّ، وهو قولُه:«فَإنْ أكَلَ مِنْهُ، فَلَا تَأْكُلْ». وهذا لم يأْكُلْ، ولأنَّ الدَّمَ لا يَقْصِدُه الصَّائِدُ منه، ولا ينْتَفِعُ به، فلا يَخْرُجُ بشُرْبِه عن أن يكونَ مُمْسِكًا على صائدِه.
فصل: وكُلُّ ما يَقْبَلُ التَّعْليمَ، ويُمْكِنُ الاصْطِيادُ به مِن سباعِ البهائِمِ، كالفَهْدِ وجَوارِحِ الطَّيرِ، فحُكْمُه حُكْمُ الكلبِ في إباحَةِ صَيدِه. قال ابنُ عباسٍ، في قولِه تعالى:{وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}. هي الكِلابُ المُعَلَّمَةُ، وكُلُّ طَيرٍ تعَلَّمَ الصَّيدَ، والفُهُودُ، والصُّقُورُ وأشْباهُها . وبمعنى ذلك قال طاوُسٌ، ويحيى بنُ أبي كَثِيرٍ، والحسَنُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِيَ عن ابنِ عمرَ، ومُجاهِدٍ، أنَّه لا يجوزُ الصَّيدُ إلَّا بالكلبِ؛
لقولِ اللهِ تعالى:{وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}. يعني: كَلَّبْتُم مِن الكلابِ. ولَنا، ما رُوِيَ عن عَدِيٍّ، قال: سأَلْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن صَيدِ البَازِي، فقال:«إذا أمْسَكَ عَلَيكَ، فَكُلْ». ولأنَّه جارِحٌ يُصادُ به عادةً، ويَقْبَلُ التَّعليمَ، فأشْبَهَ الكلبَ.
فأمّا الآيَةُ، فإنَّ الجوارِحَ الكَواسِبُ. قال اللهُ تعالى:{وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ}. أي: كَسَبْتُم. وفلانٌ جارِحَةُ أهلِه، أي: كاسِبُهم. {مُكَلِّبِينَ}. مِن التَّكْلِيبِ وهو الإِغْراءُ.
النوعُ
(فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ لَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيْدِهِ) رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَعَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِ التَّعْلِيمِ فِيهِ، فَلَا يَحْرُمُ بِالِاحْتِمَالِ،
وَقِيلَ: يَحْرُمُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعَلَّمًا مَا أَكَلَ، (وَلَمْ يُبَحْ مَا أَكَلَ مِنْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ الصَّحِيحَةُ،
لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ» . وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
وَقِيلَ: حِينَ الصَّيْدِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ،
وَقِيلَ: قَبْلَ مُضِيِّهِ، وَلَا يَخْرُجُ بِأَكْلِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا، فَيُبَاحُ صَيْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، (وَالْأُخْرَى: يَحِلُّ) رُوِيَ عَنْ سَعْدٍ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، حَكَاهُ عَنْهُمْ أَحْمَدُ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} وَلَا حُجَّةَ فِيهَا، مَعَ أَنَّ حَدِيثَنَا هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ وَأَصَحُّ،
فَلَوْ شَرِبَ مِنْ دَمِهِ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، لَمْ يَحْرُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَفِي الِانْتِصَارِ: مِنْ دَمِهِ الَّذِي جَرَى، وَكَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ.
١ -
فإنْ أَكَلَ بَعْدَ تَعْلِيمِه، لم يَحْرُمْ ما تقدَّمَ مِن صَيدِه. هذا المذهبُ بلا رَيبٍ. وعليه جماهيرُ الأصحاب.
قال في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»: لم يَحْرُمْ على الأصحِّ.
قال في «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ»: لا يَحْرُمُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الصَّحيحِ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وعنه، يَحْرُمُ. واخْتارَه بعْضُهم. قلتُ: وهو بعيدٌ. وأَطْلَقهما في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، وحكيَاهُما وَجْهَين. ولم يُبَحْ ما أَكَلَ منه، في إحْدَى الرِّوايتَين. وهو المذهبُ.
قال في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ»: فالمذهبُ يَحْرُمُ. قال في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم: هذا الأصحُّ.
قال في «الكافِي»: هذا أوْلَى.
قال في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»: حَرُمَ على الأصحِّ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
والرِّوايةُ الأُخْرَى، يحِلُّ مع الكراهَةِ. وأطْلَقَهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ».
وعنه، يُباحُ. وقيل: يَحْرُمُ إذا أكلَ منه حينَ الصَّيدِ. جزَم به ابنُ عَقِيلٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: يَحْرُمُ إذا أكلَ منه قبلَ مُضِيِّه.
فائدتان؛ إحْداهما، لو شَرِبَ مِن دمِه، لم يَحْرُمْ. نصَّ عليه. وعليه الأصحابُ.
وقال في «الانْتِصارِ»: مِن دَمِه الذي جرَى.
الثَّانيةُ، لا يخْرُجُ بأَكْلِه عن كوْنِه مُعَلَّمًا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وفيه احْتِمالٌ، لا يَبْقَى مُعَلَّمًا بأَكْلِه. ويَحْتَمِلُه كلامُ الْخِرَقِيِّ.
وَالثَّانِي، ذُو الْمِخْلَبِ؛ كَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالْعُقَابِ، وَالشَّاهِينِ، فَتَعْلِيمُهُ بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيُجِيبَ إِذَا دُعِيَ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَرْكُ الْأَكْلِ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.